← Общие книги

Общие книги · id 600

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

عبد العزيز بن محمد بن سعود الكبير

Полный текст (454 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الخاصية الأولى: تلقي العلم مباشرة من الرسول ﷺ والرجوع إليه عند الاختلاف: لقد كان منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين مستنداً على تلقي العلم من الرسول ﷺ مباشرة، والسماع منه؛ فكانوا يجالسونه ولا يفارقونه، ويأخذون منه، ويحفظون، ويتخلقون بأخلاقه، ويقتدون بتصرفاته وأفعاله، فلا يفوتهم من علمه شيء، وذلك لحرصهم على ذلك؛ فهم الوحيدون في هذه الأمة الذين تلقوا العلم منه ﷺ مباشرة؛ لأنه لم يلقَه ولن يلقاه من المسلمين جميعاً منذ بداية البعثة إلى يوم القيامة إلا الصحابة ﵃، فهم تلامذته ﷺ الذين تخرجوا من مدرسته، وتحت يديه، فهذه خصيصة لم تحصل إلا لهم، بنوا عليها منهجهم في كل أمر، ومن ذلك أمر الدعوة، بالإضافة إلى أنهم كانوا يسألون الرسول ﷺ في كل أمر استشكل عليهم، ولم يكن هناك أحد غيره يسألونه، وقد أشار الله إلى ذلك في مواضع عديدة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣)، و ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ (٤)، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٥)، وغيرها من الآيات، وفي كل سؤال من هذه الأسئلة يأمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يجيبهم، وذلك بقوله: بعد كل سؤال:

стр. 387

﴿قُلِ﴾، وفي ذلك تعليم لهم وإجابة لهم من الله فيما سألوه، وهذه الخاصية من الخصائص التي لا يمكن لأي منهج دعوي أن يشارك منهج دعوة الصحابة فيها حتى مَن هم بعدهم مباشرة. الخاصية الثانية: أن المنهج صادر من خير الخلق بعد الأنبياء ﵈ -: مما اختص به منهج الصحابة ﵃ أنه ارتبط بهم، ونبع منهم؛ فكان له من المميزات ما كان لهم ﵃ من فضل وخيرية؛ فكان منهجهم نابعاً من قوله ﷺ : (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (١)، ويقول النووي في شرح الحديث في قوله: "أتى أمتي ما يوعدون" معناه ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه (٢). وهذا معناه أن منهجهم ﵃ اختص بالأمان من ذلك كله، وذلك بفضلهم عمن سواهم، ففضلهم انعكس على فضل منهجهم، وخيريتهم جعلت منهجهم خير المناهج، وذلك أنهم من قرن رسول الله ﷺ الذي قال فيه: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ((٣).

стр. 388

فجميع ما ينسب إلى الصحابة من فضل هو منسوب لمنهجهم، وقد تبين ذلك في خروج البدع والخلافات المذهبية بعد ذهاب الصحابة جميعهم، فقد كان وجودهم ركيزة ثابتة تحمي الأمة من الانحراف إلى أن ذهبوا فأتى الأمة ما توعد، كما أخبر الرسول ﷺ . الخاصية الثالثة: العقيدة الصافية النقية لدى أصحاب المنهج: مما لا شك فيه أن العقيدة السليمة الصافية تنعكس على تصرفات معتقديها وأعمالهم، وطريقة حياتهم وعبادتهم، وهذه الخاصية تنعكس على منهج صحابة رسول الله ﷺ ؛ لأن عقيدتهم أصح العقائد وأسلمها وأنقاها، لم يخلطوا بين الإسلام وغيره لسلامة قلوبهم، قال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر في قلوب أصحابه فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ ((١). الخاصية الرابعة: منهج الصحابة ﵃ معتمد على السماحة وعدم التكلف: إن أكثر ما يعيق مسيرة الدعوة التكلف فيها وفي إجراءاتها وعلومها ونظرياتها؛ مما يزيد الحمل والعبء على الداعي ويبعده عن السماحة التي بدورها قد تكون موصلة للدعوة أفضل من غيرها، وهذه السماحة هي ما تميز

стр. 389

به منهج الصحابة ﵃ واختص به، فقد كان الواحد منهم يدعو قومه وأهله بعدة كلمات، كما فعل سعد بن معاذ ﵁، ويستجيبون له، ولم يكن لهم ﵃ نظريات يتبعونها أو وسائل وأساليب يتقيدون بها إلا ما يقيدهم من الدين، فسهَّلوه فدخل فيه الناس مقتنعين مهتدين. فكان منهجهم سهلاً من غير تكلف أو تعقيد، ويشتمل على الوضوح والاختصار بعيداً عن الأفكار الفلسفية الصعبة الفهم والتصديق، وبعيداً عن الألفاظ المنمقة المتكلفة التي قد تصيب المدعو بالملل، فسهولتهم نبعت من فطرتهم وبيئتهم وصدق ضمائرهم؛ لأنه لا يوجد لديهم ما يخفونه أو يخافون منه، وذلك نابع من سماحة الدين الإسلامي وسماحة تعاليمه ومعتقداته، فلا تحتاج إلى تعقيد أو تكلف. الخاصية الخامسة: منهج الصحابة ﵃ في الدعوة نابع من إيمان وعقيدة وليس عملاً وظيفياً: إن دعوة الصحابة للمشركين والإصرار عليها والحرص على نشرها والجهاد من أجلها، وبذل الغالي والنفيس لتبليغها إنما هو نابع من أمر استقر في أنفسهم ووقر فيها، وتملَّك أرواحهم منذ أول لحظة دخلوا فيها الإسلام، ألا وهو الإيمان الخالص بالله، وبأن هذا الدين يجب أن يعمَّ العالم، ولم يتَّكلوا على أن يكون منهم من هو مختص بهذه الوظيفة ليؤدي واجب الوظيفة، بل سارعوا إلى التبليغ والدعوة. وهناك مواقف كثيرة أثبتت ذلك ودلت عليه،

стр. 390

ومنها على سبيل المثال ما حصل من الحارث بن ضرار الخزاعي عندما أسلم فكان أول طلب طلبه من رسول الله ﷺ هو أن يعود إلى قومه يدعوهم (١)، وما قام به الفوج الأول من الأنصار في دعوة من استطاعوا مع أنه لم يكن للرسول ﷺ عليهم سلطة في الدنيا، كما أنه لم يكن هناك لهم منها فائدة دنيوية يتقاضونها مقابل عملهم ذلك، إنما كما أسلفنا إيمان راسخ جعلهم يرون ما لا يمكن رؤيته من نعيم الجنة الذي أُعِدَّ لهم فصدقوا الله فصدق منهجهم، وبلغ الآفاق، وكانت له ميزة وخاصية عن غيره من المناهج. الخاصية السادسة: هو أول منهج للدعوة في تاريخ الإسلام بعد الرسول ﷺ -: بحكم كون الصحابة ﵃ هم النواة الأولى للإسلام، وهم البناء الذي قامت عليه أمة الإسلام، فكانوا السابقين الأولين، ولم يسبقهم أحد من العالمين، فإن ذلك جعل منهجهم منهجاً فريداً في عصره، فهو متبوع لا تابع؛ لأنه لا يوجد منهج سابق يستمد الصحابة منهجهم منه، ولم يكن امتداداً لأقوام قبلهم، إنما كانوا هم الأوائل، فاستمد مَن بعدهم مناهجهم من منهج الصحابة، وساروا على أثرهم، فكان منهجهم دليلاً لما بعده، وقائداً لما تبعه، ومضيئاً لطريق المناهج السليمة اللاحقة التي سارت على طريق الحق، فقد جعل الرسول ﷺ أصحابه هم السنة بعده، وذلك في قوله ﷺ : "فعليكم

стр. 391

بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها" (١)، ففي ذلك بيان الترتيب بأن الصحابة هم أول من كان بعد الرسول ﷺ ، وهذه الخاصية تجعل هذا المنهج نقيَّاً من أي شوائب أو ترسبات سابقة قد تؤثر عليه، أو تتحكم في اتجاهه، ولنا في الأديان الأخرى عبرة، كتأثر اليهودية بالفراعنة، وتأثر النصارى باليهود، وتأثر السيخ بالهندوس والمسلمين، وغيرها من الأديان الوضعية، والمذاهب الضالة التي اقتبست من كل دين سابق لها منهجاً في عبادتها، فنقاء منهج دعوة الصحابة من نقاء حَمَلَة ذلك المنهج. الخاصية السابعة: الوضوح في الدعوة وعدم التورية: الوضوح هو من سمات ومميزات الدين الإسلامي بشكل عام، ومن هذا كان منهج الصحابة ﵃، فقد كانوا صريحين واضحين في دعوتهم للمشركين، ولم يواروا أو يجاملوا على حساب الدين والدعوة، وذلك ما أكسبهم ثقة المدعوين؛ لأن إخفاء بعض الأمور وعدم إيضاحها يفقد الداعي مصداقيته مما ينعكس على الدعوة ويفقدها مصداقيتها. وقد كان الصحابة يعرضون الإسلام وأحكامه بوضوح إرضاءً لله لعلمهم أنه سبحانه هو من يعطي القبول من عدمه، ولم يكونوا يخفون شيئاً من الدين أو يحرِّفونه من أجل كسب أو إرضاء المدعوين، وقد قال الرسول ﷺ : "من التمس

стр. 392

رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" (١). وذلك كان ديدن صحابة رسول الله ﷺ بالتماس رضا الله بالوضوح والصراحة، ولو كان ذلك لا يوجد له قبول لدى المشركين، إلا أن الله سبحانه ﵃ وأرضى المدعوين -ممن فتح الله على قلوبهم- عنهم بقبول الدعوة؛ فكان للصراحة والوضوح دور كبير في نشر الدعوة، بخلاف ما عليه كثير من الأديان والمذاهب الضالة، بأن يكون هناك أمور لا تظهر ولا تعرض على العامة بل هي خاصة بأشخاص معينين، وكأن الدين فيه خاص وعام. الخاصية الثامنة: قرب العهد بالشرك ومعرفتهم بالتعامل مع المشركين: إن جُلَّ الصحابة عدا من ولد في الإسلام هم في الأصل مشركون أو كتابيون، فخروجهم من دينهم القديم ودخولهم في الإسلام جعل لديهم خبرة في طريقة التعامل مع المشركين ومعرفة طريقة تفكيرهم، فيما يهمهم من الدعوة والخلل في دينهم ونقاط الضعف لديهم، وذلك كان له الأثر الكبير في دعوتهم، فتجدهم يحاجُّون أقوامهم بما يعرفه الطرفان، ولا يستطيعون إنكاره، فيبينون الخلل لهم وعوار مبادئهم، ويثيرون فيهم ما لم يقتنعوا به أصلاً. فنجد في خطاب عمرو بن مرة الجهني ﵁ لقومه معرفة وخبرة، فقد قال لهم: (أدعوكم إلى الإسلام وحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله وحده، ورفض الأصنام (،

стр. 393

وقال أيضاً: (إن الله جعلكم خيار من أنتم منه، وبغَّض إليكم في جاهليتكم ما حبَّب إلى غيركم من العرب، فإنهم كانوا يجمعون بين الأختين والغزاة في الشهر الحرام ويخلف الرجل على امرأة أبيه (. فخاطبهم خطاب خبير، ودعاهم دعوة عارف لهم مُلِمٍّ بأمورهم، فاهم لشؤونهم، وما يدينون به، وما هذا إلا بسبب قرب عهده بالشرك، وما يحتوي عليه من ضلال، ومعرفة بالإسلام وما يشمله من خير. الخاصية التاسعة: كون الصحابة ﵃ عرباً أقحاحاً لم تختلط ألسنتهم بثقافات غيرهم، ونزول القرآن بلسان عربي أعطى لهم ميزة في فهم القرآن وتفسيره بدون مفسرين: أنزل الله سبحانه القرآن بلغة العرب ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١)، وتلك لغة مشركي قريش، وفي هذه الآية إعلام من الله لهم أنه أنزله كذلك لئلا يقولوا إنه نزل بغير لساننا، فنحن إنما نعرض عنه ولا نسمعه لأننا لا نفهمه (٢)، وبذلك كان مشركو العرب هم أولى الناس بفهمه ومعرفة مقاصده، وخصوصاً أنهم لم يتأثروا بالثقافات الأخرى، ولم يدخل على لغتهم أي لغات أجنبية، وذلك لبعدهم عن جميع الشعوب الأخرى، واللغات المختلفة. ونلحظ أن العصر الأول من الإسلام لم يهتم الصحابة فيه بتفسير ألفاظ القرآن بقدر ما كانوا يهتمون بمقاصدها، ولم يبرز الاهتمام بمعنى الألفاظ إلا بعد انتشار الإسلام،

стр. 394

ودخول شعوب غير عربية إليه؛ مما أدَّى إلى الحاجة لتوضيح معاني الكلمات. ومن هنا نجد أن الصحابة ﵃ بنوا منهجهم على فهم ومعرفة بألفاظ القرآن، ولم يحتاجوا أن يفسر لهم؛ فقد كان الرسول ﷺ منهم ويتكلم بلسانهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). فهذا جعل المنهج خالياً من الشوائب والمفاهيم الخاطئة. الخاصية العاشرة: انعدام الخلاف الفقهي في عهد الصحابة ﵃ -: تميز عهد الصحابة بالاتفاق بينهم وعدم خلافهم فيما يخص مسائل الدين، وإن كان هناك خلافات فقهية يسيرة إلا أنها جميعها مستندة إلى أدلة عن الرسول ﷺ ، وبذلك كان للمنهج حماية من الانحراف والزيغ. ومما يلحظ أن الخلافات الفقهية الكبيرة لم تحدث إلا بعد ذهاب الصحابة ﵃، مثل الأفكار المختلفة لم تدخل على الأمة إلا بعد عصر الصحابة؛ مما نتج عنه كثير من الفرق الضالة والتي حُسبت على الإسلام، ومن هذا نكاد نقول إن الصحابة ﵃ كانوا جميعهم على منهج دعوة واحد تقريباً، وذلك لعدم وجود الخلاف بل وجود الاتفاق بينهم، ومن أدلة ذلك رسل خالد بن الوليد إلى رستم ودعوتهم لهم، وكأنهم رجل واحد لم يختلفوا في شيء من أمرهم. فالوفاق الفكري والفقهي لدى الصحابة أدَّى إلى وفاق في منهجهم للدعوة؛

стр. 395

مما يعطي ذلك المنهج قوة ومتانة، وذلك ما كان لهم. وبعد استعراضنا لخصائص منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين نستطيع أن نلخص ذلك في عشر نقاط مختصرة في كلمات محددة، وبذلك تكون خصائص منهج الصحابة بشكل عام تتميز بالآتي: - أخذ العلم من المصدر. - فضل الداعي ومكانته. - سماحة الداعي والدعوة. - إيمان الداعي بنتائج الدعوة. - وضوح الداعي في دعوته. - إلمام الداعي بحال المدعو. - فهم الداعي لما يدعو له. - اتخاذ الداعي منهجه حسب الواقع. - الحصانة ضد التأثر السلبي بالمناهج الأخرى. - البعد عن الخلاف بين الدعاة. وبهذا نكون حاولنا حصر خصائص منهج الصحابة ليسهل علينا فهمها وتطبيقها والاستفادة من منهج الصحابة في الدعوة، وذلك في المبحث الآتي.

стр. 396

المبحث الثاني: أوجه الاستفادة من منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب في العصر الحاضر إن سيرة الصحابة ﵃ بمجملها مفيدة لكل مسلم، ويستفاد منها في جميع المجالات، ومن هذه المجالات مجال الدعوة؛ فمنهجهم يعد منهجاً أساسياً يجب على الدعاة معرفته والاستفادة منه، والاقتداء به، والاستفادة من منهجهم باب واسع لا يمكن الإلمام به من جميع الجوانب، وسأقوم ببيان ذلك من خلال المطالب الآتية. المطلب الأول: الاستفادة من منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بموضوع الدعوة كما أسلفنا أن موضوعات الدعوة هي المادة التي يبني عليها المتكلِّم (الداعي) كلامه، وهي تنقسم إلى عقيدة وشريعة وأخلاق، فإن منهج الصحابة ﵃ في هذا المجال مليء بالفوائد التي تستمد من موضوعات هذا المنهج، ومن هذه الفوائد ما يأتي:

стр. 397

الفائدة الأولى: أن الدعوة إلى التوحيد هي أول ما يدعى إليه: بما أن الصحابة ﵃ هم أول من دعا إلى الله بعد رسول الله ﷺ فإن أول موضوع دعوا إليه هو توحيد الله ونبذ الشرك، وقد كان همهم الأكبر، فدعوة بلا توحيد هي دعوة معيبة قد تؤدِّي إلى الشرك، وفي الدعوة إلى توحيد الله فائدة عظيمة لقبول المشركين الإسلام؛ لأن الصحابة لم يدعوا إلى أنفسهم أو إلى بشر مثلهم، إنما كانت دعوتهم إلى الخالق وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١). فينبغي عدم تقديم أي موضوع على موضوع التوحيد؛ لأنه هو الأساس في هذا الدين. الفائدة الثانية: أن من الأهمية التدرج في مواضيع الدعوة حسب الأولوية: مما نستفيد من دعوة الصحابة ﵃ هو تدرُّجهم في مواضيع الدعوة، وذلك أسوة بالرسول ﷺ ، فيبدأ بالأولى فالأولى، ومن ذلك وصية الرسول ﷺ إلى معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" (٢)، وقد تقيَّد الصحابة ﵃ بذلك التدرُّج، وكان أول ما يدعون إليه هو شهادة أن لا

стр. 398

إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن ثَمَّ الدعوة إلى ما بعدها من صلاة وزكاة وصيام وغيرها من المواضيع التي يدعى إليها. الفائدة الثالثة: أن الإسلام نظام كامل مترابط لا يمكن تجزئته ولا يحق لأحد التنازل عن بعضه: أساسيات الإسلام كيان كامل مترابط حسب نظام واضح، يوجب الأخذ به كاملاً، وعدم التجزئة والاستقطاع منه حسب الحاجة أو الأهواء أو الظروف، أيّاً كانت؛ فلم يتنازل أبو بكر الصديق ﵁ عن الزكاة عندما ارتدت العرب بعد وفاة الرسول ﷺ ، ومنعوا الزكاة، وذلك عندما بعثوا وفوداً إلى أبي بكر ﵁ من كل قبيلة ونزلوا على وجوه الناس على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فقال ﵁: (لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه ((١)، فلم يفرق ﵁ بين الصلاة والزكاة إنما هو دين واحد، فمن وجبت عليه الصلاة وجبت عليه الزكاة. والدعوة إلى الله تبين ذلك لكل من تدعوهم، فلا يدعون إلى العقيدة ويتركون الشريعة، ولا إلى الشريعة ويتركون الأخلاق؛ فكل المواضيع مترابطة متصلة تكمل بعضها بعضاً، فلا يكتمل الاعتقاد بدون عمل وعبادة، ولا تقبل العبادة إذا ساءت الأخلاق، كما في حديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله: إن فلانة ذكر من كثرة صلاتها غير أنها تؤذي بلسانها، قال ﷺ : "هي في النار"، قال: يا رسول الله، إن فلانة ذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تصدقت بأثوار أقط (٢) غير أنها لا تؤذي جيرانها، قال:

стр. 399

"هي في الجنة" (١). وفي هذا بيان أن العبادة لم تنفع صاحبها مع سوء الخلق. الفائدة الرابعة: أن أبلغ ما يدعى به إلى موضوعات الدعوة هو كلام الله (القرآن الكريم): لقد اتضح لنا في كثير من مواقف دعوة الصحابة مدى فاعلية قراءة القرآن على المشركين وتأثرهم به، كيف لا وهو كلام الله الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وقد قرأه ﷺ على المشركين فأثَّر فيهم؛ فمنهم من أسلم، ومنهم من استكبر، وهو موقن بما سمعه من القرآن، كما فعل فرعون وقومه مع موسى في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٢). وقد قرأ الصحابة القرآن على المشركين كما فعل مصعب مع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير، وما قرأه عمر بن الخطاب من الصحيفة عند أخته فاطمة ﵃، وما تضمنه كتاب أبي بكر الصديق ﵁ للمرتدين من آيات من القرآن الكريم لتوضيح الدين لهم، ولتدعوهم للعودة إلى الإسلام، فكان لذلك كله تأثير قوي بليغ أوصل رسالة الإسلام إلى الناس بكلمات قليلة، لو بقي الدعاة دهراً لما بلغوا مبلغها في القلوب، فعلى الدعاة أن يتخذوا من قراءة القرآن دعوة لهم وبلاغاً إلى المدعوين.

стр. 400

الفائدة الخامسة: أن موضوعات الدعوة يجب أن تكون مستقاة من مصادرها الأساسية: لكل موضوع مصدر يستخرج منه، ويبحث عنه فيه، ومصادر مواضيع الدعوة في منهج الصحابة ﵃ هي "الكتاب والسنة"، وهما المصدران الأساسيان لكل أمور الدين، والاستعانة بغير هذه المصادر في موضوعات الدعوة يؤدي إلى الانحراف والخروج عن جادة الصواب، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، وقال ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه" (٢)، إذن الاستقاء من هذين المصدرين هو عصمة من الضلال لمن رجع إليهما وجعل دعوته من منبعهما، وقد كان الصحابة ﵃ يقرؤون القرآن ويسألون الرسول ﷺ في جميع أمورهم، وأمور دعوتهم، ولم يتعدوا على موضوعات الدعوة من عند أنفسهم، وهذه فائدة عظيمة لكل الدعاة بأن يكون لهم في الموضوعات التي يتطرقون إليها مصدر واحد، لا يختلفون عليه ولا يخرجون عنه لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.

стр. 401

الفائدة السادسة: أن منهج الصحابة ﵃ فيه بيان أحكام وتكاليف الدين الإسلامي: اعتمد الصحابة ﵃ في منهجهم إيضاح أحكام الإسلام في المعاملات وتكاليفه في العبادات، ولم يجعلوها دعوة للدخول في الإسلام بدون واجبات والتزامات عملية، كما هو حال بعض الدعوات الضالة التي الغرض منها هو دخول الفرد فيها شكلياً، وذلك كافٍ في عقيدتهم أن يكون منتمياً لتلك الديانات. أما الإسلام فمع الاعتقاد عمل وعبادة وتعامل، وجميع ذلك مرتبط ارتباطاً وثيقاً، وقد حرص الصحابة ﵃ على إيضاح ذلك لكل من يُدعَى إلى الإسلام، فلم يخلُ موضوع من مواضيع الدعوة من بيان الحلال والحرام، وإيضاح العبادات حسب ما فرض في وقتها. ففي دعوة مصعب بن عمير لأسيد بن الحضير عندما أراد أن يدخل الإسلام قال له: تغسَّل فتطهَّر وتطهِّر ثيابك وتشهد شهادة الحق ثم تصلي، فبين له وجود الطهارة والصلاة مع التوحيد، ولم يكتف بشهادة التوحيد، وفي ذلك بيان بأنه لا يجوز دعوة المشرك إلى الإسلام وتركه دون تعليمه بما يجب عليه، وما يجب له، بخلاف بعض التوجهات الدعوية التي تدعو الناس إلى الحق دون تحصينهم وحمايتهم وبيان أحكام الإسلام والحلال والحرام، وكأنهم بذلك يطبقون طريقة المنصِّرين في دعوة الشعوب بأن يدخلوا في النصرانية، ولو لم يتبعوا شرائعها وأحكامها، وكأنه دين شكلي سطحي يترك الروح فارغة من الداخل.

стр. 402

الفائدة السابعة: أن منهج الصحابة ﵃ فيه بيان تنظيم حياة المؤمن اليومية والأسرية حسب النظام الإسلامي: إن الدين الإسلامي دين نظام وتنظيم لشؤون حياة المسلم في جميع مجالات الحياة اليومية من علاقات اجتماعية كالعلاقات العائلية والزواج والطلاق والعلاقات بالآخرين، ومن تنظيم الوقت من خمس صلوات في اليوم وصيام في شهر رمضان وحج في شهر معلوم، وكل ذلك بوقت وكيفية ومكان معين؛ مما يجعل حياة المؤمن حياة منظمة ومرتبة تعكس تنظيم الإسلام ذاته، وقد كان موضوع العلاقات الأسرية والاجتماعية حاضراً لدى الصحابة في منهجهم، وذلك من دعوة الوالدين وبيان حقوقهما، وإن كانا مشركين، وكذلك الزوجة، كعلاقة سعد بن أبي وقاص بأمه، وعلاقة مصعب بن عمير بأمه، وربط علاقة الطفيل بوالده وزوجته بالإسلام، والوليد بن الوليد وأخيه خالد بن الوليد وغيرهم؛ لأن الإسلام ليس دين قطيعة أو بغضاء، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (١). ومن الفوائد من منهج الصحابة الاهتمام بتنظيم العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة، وبيان ما يجب فعله مع الوالدين والزوجة والأبناء؛ لأن في ذلك راحةً للداعي؛ بحيث لا يكون في حرج من كيفية التعامل معهم والتصرف تجاههم.

стр. 403

الفائدة الثامنة: أن منهج الصحابة ﵃ في الدعوة يوضح أن الدعوة إلى الشرائع الإسلامية هو تكملة الدعوة للعقيدة الإسلامية: لم يكن هناك دعوة إلى العقيدة إلا ورافقها دعوة إلى الشرائع والأحكام، فلا تنفصل هذه عن تلك، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١). إذن الإسلام دين متكامل ويكمل بعضه بعضاً، فاتباع الشرائع وتطبيقها هو تأكيد للعقيدة السليمة الراسخة لدى الفرد، وإن إيضاح ذلك واجب كل داعية يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأن هذا ترابط التزام وتلازم لا يصح أن يفرق بينهما، وقد حرص الصحابة ﵃ على ذلك، فدعوا إلى الشرائع مع العقيدة، وأكَّدوا على ذلك. فهذا عمرو بن مرة الجهني ﵁ يقول لقومه: (آمركم بعبادة الله وحده ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان شهر من اثنى عشر شهراً، من أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار (. فقد قرن الدعوة إلى عبادة الله وحده ورفض الأصنام، بالدعوة إلى الحج والصيام، وهي شريعة من الشرائع التي بُني عليها الإسلام. وهذا يفيد أنه على الداعية أن يربط العقيدة التي يدعو إليها بالشرائع الإسلامية في دعوته وعدم التفريق بينها وأنها مكملة لبعضها، فلا عقيدة بدون شريعة، ولا شريعة بدون عقيدة، فكل منهما بدون الآخر باطل.

стр. 404

الفائدة التاسعة: بيان أن الأخلاق مستمدة من العقيدة ومتداخلة مع الشريعة: اختلاف الأخلاق ومعاييرها بين الشعوب بالديانات المختلفة يجعلها أمراً يصعب الاتفاق عليه، وبما أنها من الموضوعات الرئيسة في الدعوة فإن الصحابة ﵃ أوضحوا من خلال قراءة منهجهم في الدعوة أن الأخلاق مستمدة من العقيدة الإسلامية، وتأخذ منها أساسياتها وتعاليمها، وهي أيضاً متداخلة مع الشريعة الإسلامية ومنسجمة معها، فكل خلق ينبع من عقيدة، وكل شريعة يواكبها خلق، فقد فسدت أخلاق المشركين عندما نسبوها إلى آلهتهم، كالزنى بالمحارم عند الفرس، والعري عند العرب في الحج، وكذب دهاقين المجوس على أقوامهم باسم ربهم، وكذب سدنة الأصنام على العرب باسم آلهتهم. إلا أن الأخلاق الإسلامية والتي يدعو إليها كل مسلم هي مستمدة من عقيدة إسلامية بشريعة إلهية سماوية نزل بها الوحي من عند الله على رسوله ﷺ وبلَّغ بها قومه، وقام أصحابه بدورهم بإبلاغها للناس، فأنكروا الأخلاق السيئة، وأمروا بالأخلاق الحسنة. فقد ذكر العلاء بن الحضرمي ذلك للمنذر بن ساوى عندما قال له: "إن هذه المجوسية دين شر ليس فيه تكرُّم العرب ولا علم أهل الكتاب ... ، فهل ينبغي لمن لا يكذب أن لا تصدِّقه، ولمن لا يخون أن لا تأتمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به، فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبي الأمي". فمن الفوائد من منهج الصحابة أنهم استمدوا الأخلاق من العقيدة، وقرنوها بالشريعة، وذلك ما يجب على الداعية معرفته وتطبيقه.

стр. 405

الفائدة العاشرة: أن معرفة عقيدة المشركين وفهمها يدعم مواضيع الدعوة: كما أسلفنا أن الصحابة ﵃ كانوا حديثي عهد بأمور الشرك، فإن ذلك كان جانب قوة وتميُّز في دعوتهم؛ لأنهم كانوا يعلمون ماذا يدعون لعلمهم بمن يدعون، فمعرفة مواضيع دين المشركين تؤدي إلى تحديد مواضيع دعوتهم، فمثلاً مشركو العرب كانوا يؤمنون بأن الله سبحانه هو الخالق المدبِّر إلا أنهم يشركون معه أوثانهم في العبادة والتضرع، فهنا محاولة إثبات ما هو مثبت لديهم وهو ربوبية الله سبحانه لا داعي له، بل المفروض نفي ما هو مثبت لديهم، وهو ألوهية إله مع الله سبحانه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١)، قال قتادة: "فالخلق كلهم يقرون الله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك" (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣)، فلذلك قد يكون موضوع الربوبية محسوماً لديهم، فالاعتماد عليه لتأكيد موضوع وحدانية الألوهية أمر مهم لدى الدعاة، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة عقائد المشركين والاطلاع عليها.

стр. 406

المطلب الثاني: الاستفادة من منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالداعي بما أن الصحابة ﵃ أنفسهم هم الدعاة إلى الله، فإن الفوائد المستقاة من منهجهم في دعوة المشركين كثيرة ومتعددة؛ لذلك سنحاول أن نذكر هنا الفوائد المباشرة من منهج الصحابة، وذلك بشيء من التفصيل الذي يؤدِّي إلى الإلمام بالمعنى وإيصال المعلومة دون نقص فيها. ومن فوائد منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين فيما يتعلق بالداعي ما يأتي: الفائدة الأولى: أن كل مسلم هو داعٍ إلى الله سواء كُلِّف من وليِّ أمر المسلمين أم لم يكلَّف: إن القيام بالدعوة هو مسؤولية كل مسلم دون استثناء، وذلك حسب القدرة، وقد نص القرآن الكريم على ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (١)، يقول الكلبي في هذه الآية: "حق على كل من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة" (٢)، وبذلك يكون على جميع المسلمين الدعوة إلى اتباع الرسول ﷺ حيث لم يستثنَ من اتباعه أحد، وهذا تكليف إليه للجميع، وفي قول الرسول ﷺ : "بلغوا عني ولو آية" (٣) أيضاً تكليف من الرسول ﷺ بذلك حيث جعل التبليغ حتى في

стр. 407

آية واحدة، يقول الدكتور فضل إلهي: "فمن من المسلمين رجلاً كان أو أنثى، عالماً كان أم غير عالم، تاجراً كان أم عاملاً، من منهم لا يعرف أمراً واحداً من أمور الدين؟ ففي هذا الحديث حمَّل النبي ﷺ كل مسلم مسؤولية تبليغ ما عرفه من أمور الدين" (١). وقد قام الصحابة ﵃ بهذه المهمة، فمنهم من أمره الرسول ﷺ بذلك وكلَّفه به، كمصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وغيرهم ممن أرسلهم ﷺ ، ومنهم من لم يأمره بل أخذ أمر الدعوة على عاتقه كواجب من واجبات المسلم تجاه دينه، ولم ينتظر الأمر بذلك كأبي بكر وسعد بن معاذ وقصة الأعرابي الذي عرض على الرسول ﷺ الذهاب إلى قومه ودعوتهم، وذلك أن ابن عمر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال رسول الله: "إلى أين؟ " قال: إلى أهلي، قال: "هل لك من خير؟ " قال: وما هو؟ قال ﷺ : "تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله"، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال ﷺ : "هذه السمرة"، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخدُّ الأرض خدَّاً حتى كانت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى نبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه وقال: إن يتبعوني آتيك بهم، وإلا رجعت إليك فكنت معك (٢).

стр. 408

لم ينتظر هذا الأعرابي الأمر بالدعوة، ولم ينهه النبي ﷺ عن ذلك، ففي ذلك بيان بأن الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم بقدر استطاعته ومقدرته، وقد وضع الدكتور فضل إلهي بعض التنبيهات لعامة المسلمين عند الدعوة وخصوصاً غير المتخصصين في ذلك وهي كالآتي (١): أ) التنبيه الأول: قيام عامة الناس بالدعوة الخاصة دون غيرها، وهي ما يوجَّه الخطاب فيها إلى شخص واحد أو إلى فئة قليلة من الناس، وليست اجتماعاً بالمعنى المفهوم. ب) التنبيه الثاني: ضرورة حصر عامة الناس دعوتهم في نطاق الأمور الواضحة. جـ) التنبيه الثالث: ضرورة بقاء الداعي في دائرة علمه؛ فلا يقول شيئاً إلا هو عالم به. الفائدة الثانية: أن كل شخص لديه جوانب قوة في حياته يجب عليه توظيفها في مجال الدعوة إلى الله . المقصود بجوانب القوة لدى الأشخاص هي الجوانب التي لها القدرة على التأثير في المدعوين للحصول على استجابتهم، وتغيير دينهم إلى الدين الإسلامي، ولكل شخص جانب أو أكثر من هذه الجوانب سواء علمه أم لم يعلمه، إلا أن البحث في النفس قد يظهر للداعية أموراً من نفسه يستطيع أن يستخدمها في الدعوة، ويكون لها الأثر الكبير عند المدعو، ولا يختص بالجوانب هذه أشخاص

стр. 409

دون آخرين، فكل إنسان لديه ما يتميز به عن غيره، حتى ولو احتقرنا ذلك الشخص، فليس كل ما ظهر منه يعبِّر عن كل ما عنده من إمكانات. وقد بين الرسول ﷺ عدم دقة الحكم بالظاهر في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (١)، وهذا بيان قوة ذلك الشخص المسكين الضعيف؛ لأن القوة لا تكون إلا بالله. فهذا عبدالله بن مسعود ﵁ رجل ضعيف الجسم، وليس له عشيرة يمنعونه، يقرأ القرآن عند المقام في الضحى على مسامع قريش، ولم يثنه ضعف جسمه، وعدم وجود عشيرته من الدعوة، فهو قوي بعزيمته ونفسه، وقد علم ذلك من نفسه فاستثمره في إسماع المشركين القرآن، فكان أول رجل جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ . وقد يكون الجانب القوي في شخصية الداعي هو أضعف ما فيه، كما حصل من عمر بن الخطاب ﵁ بقبول دعوة أخته فاطمة ﵂، وذلك عندما لطمها وأدماها، فأوجد ذلك لديها قوة مواجهة لأخيها، وإعلان إسلامها أمامه، ورفضها إعطاءه الصحيفة لأنه مشرك، مما أخضعه لسماع قولها، واتباع أمرها، ودخوله في الإسلام بسببها. وأيضاً أم سليم عندما جعلت أبا طلحة ﵄ يسلم، وذلك أنها علمت أن لديها موقف قوة وهو حاجة أبي طلحة للزواج منها، فقرنت زواجها بإسلامه، فأسلم لذلك ﵄.

стр. 410

إذن نجد أن من خلال هذه الجوانب التي توجد لدى البشر يستطيع الداعية التقرب بها إلى المدعوين واستخدامها في دعوتهم إلى الإسلام، ويكون نتاجها في صالح الدعوة، ومن هنا فعلى كل داعية البحث عن جوانب القوة والاستطاعة التي لديه، كما فعل الصحابة ﵃، وتطويرها وتسخيرها، وهذه القوة قد تصنع العجائب. الفائدة الثالثة: أن البيئة المحيطة بالداعية أياً كان وضعها قد تكون عامل تكوين وتأسيس للداعية: من الطبيعي أن يوجد البشر داخل بيئة محيطة بهم، ولا يمكن العيش للأشخاص منفردين دون احتكاك بالعالم والناس المحيطين به، ولو على مستوى ضيق في أسوأ الاحتمالات، وهذه سنة الله في خلقه التي جبلهم عليها. والبيئة المحيطة بالداعية تكون واحدة من بيئتين، وهي البيئة الفاسدة، أو البيئة الصالحة، وهذه البيئات قد تكون هي السبب في نشأة الداعية وخروجه للدعوة. فكلما انتشر الفساد في أقوام أرسل الله لهم رسلاً منهم ليهدوهم ويدعوهم، فكان فساد البيئة سبباً في صلاحها، ففساد البيئة ليس على كل حال هو فساد جميع من فيها، بل قد يكون سبباً في خروج مصلحين في هذه البيئة، وهذا ما حصل من خروج حركات الإصلاح دائماً في بيئات شرك وفساد، وكان الفساد هو الدافع والباعث لهؤلاء الدعاة المصلحين، إذن البيئة الفاسدة ليست عذراً لعدم وجود الدعاة، بل هي من تصنع الدعاة المخلصين أهل العزيمة والإصرار على نشر الدين، وقد كانت البيئة المحيطة بالصحابة ﵃ في

стр. 411

بداية الأمر بيئة شرك وكفر وأوثان وأنصاب وأزلام، ونشؤوا ﵃ فيها، إلا أن ذلك لم يمنعهم من أن يكونوا حملة لواء الدعوة مع رسول الله ﷺ وبعده، بل إن الوضع جعلهم يتبنون الإصلاح ويتحملون أعباء ومشاق الدعوة، هذا فيما يخص البيئة الفاسدة. أما البيئة الصالحة فهي بيئة تنشئ دعاة وتربيهم، وهو ما كان من بيئة المدينة المنورة بعد هجرة الرسول ﷺ إليها، واجتماعهم حوله في مسجده، وسماع حديثه ﷺ ، وتناقله بينهم، وخصوصاً فيما له علاقة بفضل الدعوة، فقد أنشأ ذلك دعاة يرجون ما عند الله مقابل الفوز بهداية الناس، فمنهج الصحابة ﵃ دليل على أن البيئة المحيطة أياً كان وضعها هي سبب في صناعة ونشأة الدعاة. الفائدة الرابعة: أنه على الداعية تزويد نفسه بما يحتاج من علم قبل أن يدعو: إن طلب العلم أساس من أساسيات الدين الإسلامي بشكل عام، وقد فضَّل الله أهل العلم على غيرهم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال ﷺ : (ما من رجل يسلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهَّل الله له به طريق الجنة" (٣)، وإذا كان هذا فضل العلم لعامة الناس، فكيف لمن يدعو به؛ لذلك وجب على الداعية التعلم والتزود

стр. 412

بالعلم من مصادره الأساسية الموثوقة؛ لأن ما يدعو إليه هو منسوب لرب العالمين، فلا يحتمل الخطأ، وقد طلب الأنبياء ﵈ العلم من قبل؛ فهذا نبي الله موسى ﵇ ذهب إلى العبد الصالح وطلب العلم منه، قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (١). وقد كان الصحابة ﵃ حريصين على تلقي العلم من رسول الله ﷺ ليدعوا به، فلازموه في سفره وإقامته، وفي سلمه وحربه، ولم يفارقوه لا في مكة ولا في المدينة، بل كانوا يتناقلون ما يفوتهم بين بعضهم، فتزودوا من علمه ﷺ وارتووا من نبع فهمه، وحرصوا على ذلك ومن ثم دعوا إلى الله سبحانه، فكانوا قدوة لجميع الدعاة. لذا كان على الداعية تزويد نفسه بالعلم الذي يحتاجه في دعوته، فعليه أن يتعلم ما يدعو إليه وأن يتعلم حال المدعو وكيفية دعوته، بالإضافة إلى أنه عليه أن يعلم أنما علمه ذلك ما كان إلا لينفع به الناس؛ لأن مهمته نقل العلم وتعليمه، "فالعلم قبل القول والعمل"، كما ذكر البخاري في صحيحه، والعلم هو سلاح الداعية، ونجاح دعوته مرهون بقدر علمه، ونسبة إصابته من خطئه مرتبط برصيده من العلم، فكم من داعية ترك المدعوين في حيرة واضطراب بسبب قلة علمه وعدم تزوده بما يحتاجه وتصدره للدعوة بغير علم فَضلّ وأضلّ.

стр. 413

فكان منهج الصحابة في الدعوة منهج علم وتعلُّم، ولم يكن منهج جهل وتخلُّف، فقد حصَّنوا أنفسهم بما تعلَّموه عن رسول الله ﷺ من علم، وقاموا بالدعوة، ولديهم ما يتسلَّحون به، ويردُّون به عن دين الله؛ فكان حرياً بمن اتبعهم أن يتبع منهجهم ﵃. الفائدة الخامسة: المثابرة على الدعوة والصبر عليها وعدم استعجال النتائج: إن المثابرة والإصرار من سمات الشخص الناجح الذي يسعى لأن يصل إلى هدفه، وهذه السمة من الأولى أن تتوفر في الداعية؛ لأن عمله من أشرف الأعمال وأفضلها، وهدفه من أسمى الأهداف وأرقاها، وهو دليل على الإخلاص من قبل الدعاة، ولأن طريق الدعوة محفوف بالعقبات والعوائق فإنه مطلوب من الداعية عدم الاستسلام، ولنا في ذلك قدوة ألا وهم الأنبياء ﵈، فهم سادة الدعوة وأئمتها، فقد دعا نوح ﵇ قومه تسعمائة وخمسين عاماً، ولم يؤمن معه إلا قليل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢). فلم يكن قلة من استجاب له سبباً في تخليه عن الدعوة وتركه لها، بل استمر كل هذه المدة يدعو مع ما يلقى من صد واستهزاء وتعذيب له ولمن معه، ولم يستسلم. وقد ثابر الرسول ﷺ على الدعوة ولم يتوان ولم يتهاون حتى نشر الله الإسلام على يديه ﷺ ، ويدي أصحابه ﵃، الذين ساروا على سيرته وهديه؛ فقد ثابر الطفيل بن عمرو الدوسي على دعوة قومه دوس، وقد تأخروا في الإسلام إلا أن

стр. 414

ذلك لم يثنه عن دعوته وبقائه بينهم، ومثابرة مصعب بن عمير على دعوة أمه، وهي ترده وتؤذيه، وقد أوذي الصحابة ﵃ في أنفسهم وفي أهليهم وأموالهم، إلا أن ذلك لم يثنهم عن الدعوة. والابتلاء على الحق موجود منذ أن خلق الله آدم، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (١)، فهذه سنة الله في خلقه ليمحِّص الحق، يقول الشيخ السعدي: "سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن" (٢). فلم يكن الصدُّ عن سبيل الله ومقاومة الدعوة عند الصحابة إلا سبباً في الإصرار والمثابرة والعزيمة على أن يبلِّغوا دين الله. كما أن الاستعجال على النتائج لم يكن من المنهج الصحيح، فقد قال الرسول ﷺ : "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشقُّ باثنتين وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويُمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (٣).

стр. 415

وقد استمر الصحابة على هذا النهج ولم يكونوا يستعجلون النتائج؛ لأنها قد تتأخر أو قد تأتي بعد وفاة الداعي أحياناً، وبهذا كان منهج الصحابة منهج مثابرة وإصرار، وعدم استعجال للنتائج، وذلك ما ينبغي أن يكون عليه الدعاة، وأن يجعلوه منهجاً لهم. الفائدة السادسة: إزالة الصعوبات بتعرُّف الداعي على طبيعة المدعوين من جميع النواحي: إن التعرف على طبيعة شخص ما يؤدي إلى التعرف على كيفية التعامل معه، وذلك بمعرفة خصائص وطبائع ذلك الشخص، وذلك ما كان رسول الله ﷺ يدركه في التعامل مع المشركين، وصحابته ﵃ يشاهدون ويتعلمون منه، ففي بداية دعوته ﷺ كان يعرض نفسه على القبائل، وكان يأخذ معه أبا بكر الصديق ﵁ ليعرِّفه بالقبائل؛ لأنه كان نسَّابة يعرف أنساب العرب ومنازلهم وأيامهم (١). كما أنه ﷺ في الحديبية عندما أتى رجل من كنانة (٢) أرسلته قريش للرسول قال ﷺ : "هذا فلان وهو من قوم يعظِّمون البدن فابعثوها له"، فبعثت له واستقبله الناس يُلبُّون فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت (٣). فمعرفة الرسول للقوم جعلته يعرف كيف يتعامل معهم.

стр. 416

وكانت معرفة أصحابه ﵃ لمن يدعونهم سبباً في إسلام كثير منهم، فهذا أسعد بن زرارة يعرِّف مصعب بن عمير بمكانة أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ، وأن إسلامهما سوف يكون له أثر في إسلام قومهما، وقد كان ذلك. كما أن معرفة الصحابة لدين المشركين، وطريقة عبادتهم، وماهية آلهتهم كان لها الأثر الكبير في طريقة إقناعهم، وعرض الإسلام عليهم؛ لأنهم خبروا الشرك وأهله، فطريقة معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح في التعامل مع صنم عمرو بن الجموح فيه بيان لعدم قدرة هذا الإله الدفاع عن نفسه، وكذلك ابن رواحة وأبو الدرداء وتعامل سلمان الفارسي مع الفرس، ودعوتهم بلغتهم، وبيان وضعه في الإسلام، وما قام به العباس بن عبدالمطلب مع أبي سفيان، ومعرفته أنه خائف من المسلمين جعله يغتنم ذلك في دعوته إلى الإسلام، والمواقف والشواهد كثيرة. فمن هذا نجد أن معرفة الداعي لطبيعة المدعو والإلمام بها فيها من الفوائد من إزالة الحواجز وإبعاد الوحشة والتقرُّب إليه، وموافقته فيما يميل إليه من المباحات بما يكون سبباً في التأثير عليه، وإقناعه للدخول في الإسلام. الفائدة السابعة: أن اختلاط الداعي بالمدعوين مهمٌّ للقيام بالدعوة: إن من الفوائد في منهج دعوة الصحابة للمشركين بيان فائدة اختلاط الداعي بمن يدعو ومعايشتهم؛ لأن من البديهي أن الداعية هو من يبحث عن المدعو، وليس العكس؛ لذا ينبغي عليه غشيان أماكن المشركين بغرض الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 417

ولأن الإنسان بطبعه اجتماعي، ولا يستطيع العيش منفرداً ومعزولاً عن بقية البشر، فإن هذه الطبيعة تجبره على الاختلاط بجنسه، وهذا الاختلاط يوجد نوعاً من التفاهم والتوافق بين مجموعة من الأفراد لِيكونوا مجتمعاً متفقاً في نواحٍ عدة، ومن هذه النواحي الدين، فغالباً ما يكون دين هذه المجتمعات واحداً؛ لذا وجب على الداعية أن يدخل إلى هذه المجتمعات ويخالطها؛ لينشر الإسلام بينها، فالمخالطة هي المقدمة للدعوة في تلك المجتمعات، والبداية لهدايتهم. وقد خالط الأنبياء أقوامهم من المشركين، وبينوا لنا مدى فاعلية المخالطة مع الصبر على الأذى، قال رسول الله ﷺ : "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (١). وقد خالط الصحابة المشركين وحاوروهم وصبروا على أذاهم، كل ذلك في سبيل الدعوة إلى الإسلام، والدفاع عنه أيضاً؛ لذلك وجب على الداعية أن يخالط المشركين ليدعوهم بشرط أن يكون بدافع الدعوة والأمر بالمعروف، وألا يتأثَّر بهم، وأن يصبر على أذاهم، وأن يأمن الفتنة منهم، وأن يكون اختلاطه بهم إيجابياً فعَّالاً، يبين فيه محاسن الإسلام ويدعو إليه، ويتخلَّق بخلق الإسلام، فما انتشر الإسلام في كثير من أصقاع الأرض إلا بأخلاق أهله عندما اختلطوا بأهل تلك البلاد وعاملوهم، فوجدوا فيهم ما جذبهم إلى الإسلام. ومخالطة الداعية للمشركين وإظهار شعائره لديهم فيها بيان ثقة الداعي فيما يدعو إليه، فقد كان الصحابة يظهرون شعائرهم أمام

стр. 418

المشركين، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ من الصلاة في بيته بمكة أمام المشركين، وعمرة القضيَّة عندما أظهر الرسول ﷺ والصحابة شعائر الإسلام أمام قريش، وأبو أمامة عندما دعا قومه للإسلام واجتنب أكل الطعام الحرام معهم، وهو جائع، كل ذلك يبين فائدة مخالطة الداعي للمشركين فيما يحقق الخير له وللمدعوين، على أن يأمن الفتنة والتهاون في دينه. الفائدة الثامنة: أن على الداعية استثمار المناسبات والفرص في الدعوة إلى الله: "الفرصة هي وقت أو ظرف مناسب للقيام بعمل ما" (١)، وتفويت هذه الفرصة لا يعيدها نفسها بل تذهب بدون رجعة إلى أن يأتي الله بفرصة غيرها. ولهذا نجد أن الصحابة ﵃ قد فهموا معنى "الفرصة" وحاولوا الاستعداد لها للاستفادة منها واغتنامها، حتى لا تفوتهم ويفوتهم خير كثير، وقدوتهم في ذلك رسول الله ﷺ ؛ فلم تسنح له فرصة إلا استثمرها، بل يبحث عنها لكي يستثمرها في الدعوة إلى الله، ومن ذلك استثماره لمكانة مكة عند العرب وزيارتهم لها سواء للحج أو للتجارة أو لأي أمر كان، فما سمع بأحد دخل مكة إلا ذهب إليه ودعاه إلى الإسلام، كما اغتنم تجمعهم في أسواق العرب، وأيضاً اغتنم المواقف كما حصل مع رسول هرقل وهو في تبوك، فدعاه الرسول للإسلام ولم يفوِّت فرصة مجيئه إليه بمناقشة كتاب هرقل فقط (٢).

стр. 419

فمن هنا يجب على الداعية أن يغتنم كل فرصة تسنح له، وأن يستعد لها بما يستعد له الدعاة من تجهيز أنفسهم بالعلم والجهد والوقت، بل يجب عليه أن يبحث عن هذه الفرص ويبحث عن مكانها وزمانها وجميع أحوالها، فقد دعا يوسف ﵇ وهو في السجن، وقد دعا الغلام من أصحاب الأخدود وهو مصلوب على جذع ليقتل (١). وذلك بيان أن سوء حال المدعو لا يمنع من الدعوة، ولا يحول دونها، فكان بلال بن رباح ﵁ يُعذَّب وهو يقول: "أحد أحد"، ويوصلها لأسماع المشركين، فإذا كان هذا الحال في مواقف الشدة، فكيف الحال والفرص في الرخاء والاطمئنان. ففي دعوة الصحابة ومنهجهم توظيف واستثمار لكل طارئ وفرصة تسنح، وضربوا بذلك القدوة لكل من يقوم بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله بأن الداعية يجب أن يكون كيِّساً فطناً، لما يخدم الدعوة ويدافع عن الإسلام.

стр. 420

المطلب الثالث: الاستفادة من منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب فيما يتعلق بالمدعو الفائدة الأولى: بيان أن للمدعوين حقوقاً يجب أداؤها: لقد اهتم الصحابة ﵃ بالمدعوين؛ مما جعلهم يوجدون حقوقاً لهم، ويقومون بأدائها، وكل ذلك من العدل والإنصاف من أصحاب هذا المنهج الذي نبع من خير البشر بعد الأنبياء، فكان في سيرة الصحابة ﵃ إيضاحاً لحقوق من قاموا بدعوتهم من خلال تصرفاتهم وأقوالهم، فقد أدَّوا حقَّ التبليغ عليهم تجاه كل من كان من حقه أن يُبلَّغ، فلم يستثنوا أحداً أياً كان، في أي حال من الأحوال، فقد دعوا في الرخاء والشدة، وأوضحوا حرصهم على أداء هذا الحق، والاجتهاد فيه دون كلل أو ملل، وذلك اقتداءً برسول الله ﷺ ، فقد أدَّى الأمانة، وشهد له الناس في الدنيا قبل الآخرة، وقد كان من هدي الصحابة في دعوتهم حرصهم على بيان حقوق المدعوين لهم وأدائها، لبيان العدل والإنصاف، ولكي لا يكون عليهم حجة يوم القيامة، وقد تعاملوا مع المدعوين كمرضى يحتاجون إلى علاج من الشرك، فوجب على الطبيب علاجه وإزالة عوارضه، وذلك حق كل مريض. إن أداء الحقوق للمدعو قد يكون سبباً في كسبه وتأدية ما عليه من واجبات في الدعوة، وأهمها الاستجابة لما دُعِي له؛ لأن في ذلك إيضاحاً للاحترام والتقدير للمدعو أياً كان حاله أو مقاله.

стр. 421

وقد بيّن الصحابة تلك الواجبات وأدَّوها في كثير من الأحوال، كدعوة أبي عامر الأشعري ﵁ للإخوة العشرة في يوم أوطاس وأداء حقِّهم من تبليغ الدعوة. ففي دعوة الصحابة إيضاح للدعاة أن المدعوين لهم حقوق على من يدعوهم يجب معرفتها والإلمام بها، خدمة للدعوة وأداءً لرسالتها. الفائدة الثانية: بيان أن على المدعوين واجبات يجب بيانها لهم: كما كان في منهج الصحابة بيان لحقوق المدعوين، ووجوب إعطائهم هذه الحقوق، فإنه هناك واجبات عليهم يجب بيانها لهم؛ حتى تكتمل حلقة الحقوق والواجبات. وقد بيَّن الصحابة ﵃ أن واجبات المدعوين من المشركين تختلف عن واجبات المدعوين من غير المشركين، وهذه الواجبات تعتمد على مبدأ الاحترام والبحث عن الحق لدى المدعو، وهذه المبادئ تنطبق على جميع شؤون الحياة السليمة لدى البشر، سواء كانت في مجال دعوتهم أم غيرها من شؤون الحياة، فمن الواجب على البشر الاستماع لبعضهم، وهو من الآداب التي يحث عليها الإسلام، فجميع الحوارات التي دارت بين الأنبياء ومخالفيهم من الأقوام فيها استماع لبعضهم، مع أن بعض الكلام كان فيه غلظة وشدة، إلا أن ذلك لم يمنع الأنبياء من الاستماع لهم، مما أجبر الطرف الآخر على الاستماع للأنبياء، بغضِّ النظر عن الاستجابة من عدمها، وذلك كاستماع النمرود لإبراهيم ﵇، وفرعون لموسى ﵇،

стр. 422

وكاستماع المشركين للرسول ﷺ ، كما أن سماع الحق ومعرفته من رجاحة العقل، ومن الواجب الأدبيِّ اتباعه، وعدم الإعراض عنه، كما كان من العلاء بن الحضرمي عندما دعا المنذر بن ساوى وأخبره عن الرسول ﷺ بقوله: "والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه"، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل البصر (١). كما أن من الواجبات على كل شخص السؤال عن كل ما يجهل وعدم الاقتناع بالجهل، ومن ذلك السؤال عن الإسلام، فكم من مشرك سأل عن الحق واستبانه، وكان سؤاله سبباً في إسلامه، مثل الطفيل بن عمرو الدوسي حيث لم يقنع بما يُقال له بل ذهب بنفسه إلى الرسول ﷺ وسأله وعرف الحق، فالحقُّ أحقُّ أن يتبع. فما يستفاد من منهج الصحابة ﵃ بيان أن على المدعوين واجبات مقابل ما لهم من حقوق، وأنها تنطبق على كل مدعو من البشر. الفائدة الثالثة: بيان اختلاف طرق التعامل مع المدعوين باختلاف أحوالهم: إن اختلاف الناس واختلاف أحوالهم يحكم اختلاف طرق التعامل معهم، وطريق دعوتهم، فالناس والشعوب والأديان والأحوال والأوضاع تختلف وتتمايز عن بعضها، وما يصلح لهؤلاء قد لا يصلح لأولئك، فكل له ميزانه الخاص الذي يزن به الأمور، وله نهجه الخاص الذي يتعامل به مع الحياة؛ لذلك كان

стр. 423

الصحابة ﵃ يدركون هذا الأمر ويتعاملون مع المدعوين على أساسه، فلكل باب مفتاح يختلف عن غيره، ولكل مقام مقال. فالتعامل مع الكبير غير الصغير، والرجل غير المرأة، والغني غير الفقير، والملأ غير العامة، والأقارب غير الأباعد. وكأن الصحابة يسيرون على ما وجدوه في القرآن، وسنة الرسول ﷺ ، فقد اختلفت طرق الدعوة في القرآن مع المدعوين من اللطف واللين، كدعوة موسى ﵇ فرعون، والرحمة والشفقة، كدعوة إبراهيم ﵇ لوالده، والتخويف كما في دعوة هود ﵇ لقومه، ودعوة نوح أيضاً. وتنوعت طرق تعامل الرسول ﷺ مع المدعوين من تلطُّف كما هو مع عمه أبي طالب، ومناظرة كما حصل مع وفد نجران، وصبر كما كان مع مشركي قريش، وقتال كما كان في بدر وأحد وحنين وغيرها، فالدعوة واحدة إلا أن المدعو اختلف، واختلفت أحواله وأوضاعه، مما تطلَّب اختلاف نوع التعامل معه، فكان ذلك منهج الصحابة ﵃ على مدى دعوتهم منذ دخول أولهم الإسلام إلى وفاة آخرهم، مما أعطى مثالاً وفائدةً لكل من جاء بعدهم ليتخذ من منهجهم قاعدة في التعامل مع المدعوين حسب أحوالهم وأصنافهم. الفائدة الرابعة: أن هداية المدعوين قد لا تحصل في كل حال: قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (٢)، الهداية

стр. 424

على الله في جميع الأحوال، وإنما على الدعاة البلاغ والدعوة، وألَّا ينتظروا القبول من المدعو، بحيث لا يدعون إلا من كان لديه قابلية الاستجابة، فإيمان الصحابة بأن الهادي هو الله، وأنما هم مبلغون عن الله سبحانه ورسوله ﷺ جعلهم يدعون كل من استطاعوا دعوته، دون انتظار منهم الهداية، وذلك أنه لو كانت الدعوة مرتبطة بالهداية لما دُعي كل البشرية إلى الدخول في الإسلام، ولكان أحد أمرين، إما أن تضعف الدعوة أو تتوقف، وهذا أمر خطير، أو أن يستجيب جميع الخلق، ويدخلوا في الإسلام، وهذا محال في سنة الله في خلقه. إن الدعوة أمر يجمع بين الاجتهاد في دعوة المشركين، والاقتناع بعدم إمكانية دخولهم جميعاً إلى الإسلام. ومن ذلك عندما قدم الطفيل بن عمر الدوسي وأصحابه إلى رسول الله ﷺ بعد أن دعا قومه ولم يستجيبوا فقالوا: يا رسول الله، إن دوساً قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال ﷺ : "اللهم اهد دوساً وأت بهم" (١)، وهذا دليل على أن الهداية ليست نتيجة حتمية لكل دعوة؛ لذلك لا ترتبط دعوة المدعو بهدايته بل بالأمل والرجاء فيها دون الإيقان بها. الفائدة الخامسة: أن المدعو جاهل للحق ويحتاج من يوضحه له: إن المدعوين في الغالب هم ممن يجهل الحق لأنه لو يعلم الحق لاتبعه، إلا من استكبر، فهذا الجاهل يحتاج من ينتشله من ظلام الجهل إلى نور الحق ووضوحه؛

стр. 425

لذلك يجب التعامل مع المدعو على هذا الأساس، فمن المدعوين من يجهل ما هو عليه من ضلال، ويعتقد أنه على حق، ومنهم من يعلم أنه على ضلال إلا أنه يجهل أين الحق، فالأول يحتاج من يبيّن له خطأ معتقده، وما حسَّن له الشيطان من سوء ومنكر، والثاني يحتاج من يبيّن له صواب الإسلام، وأنه الدين الصحيح الذي يبحث عنه، والاثنان جاهلان بالحق، فمنهم من غُيِّب عن الحق، ومنهم من غاب عنه الحق، فكم من المشركين من كان يعبد الأصنام إلا أنه لم يقتنع بها، وتركها وذهب يبحث عن الحق، مثل أبي ذر ﵁، فقد صلى قبل أن يلقى رسول الله ﷺ أو يسمع به، ولكنه نفر من دين الشرك وجهل دين الحق إلى أن لقي رسول الله ﷺ فعرّفه ما كان يجهل. وأيضاً ممن كان متشدداً في عبادته ويجهل أنه كان على خطأ أبو الدرداء ﵁ وكان آخر داره إسلاماً، وكان له صنم وهو متعلِّق به، فلم يترك عبادة ذلك الصنم حتى حطَّمه عبدالله بن رواحة وأثبت له ما كان جاهلاً من صنمه فأسلم. فالجاهل يحتاج من يبيّن له أمرين، الأول: بيان خطأ معتقده، والثاني: بيان المعتقد الصحيح، بدلاً عن الأول؛ لأن المدعو كالمريض يحتاج التشخيص والعلاج معاً. الفائدة السادسة: أن الملأ قد يكونون عامل إعاقة للدعوة، وقد يكونون عامل دعم ومساعدة: لأن الملأ هم الرؤساء وأشراف القوم ووجهاؤهم، فإن وجودهم مع أي جانب هو دعم لهذا الجانب مقابل الجانب الآخر، ومن منهج الصحابة ﵃ وجدنا
следующие страницы →