Полный текст (229 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَهَذَا غير مقنع فقد كَانَت الصَّلَاة وَغَيرهَا من الْفَرَائِض نزلت قبل ذَلِك وَمعنى الحَدِيث مَا سبق فِي حَدِيث معَاذ وَالله أعلم
أَبُو عَامر الْعَقدي هُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحين واسْمه عبد الْملك بن عَمْرو
وَالْعقد بطن من بجيلة وَقيل بطن من قيس وروى عَنهُ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي فَقَالَ حَدثنَا أَبُو عَامر الْقَيْسِي وَالله أعلم
حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْأَيْمَان بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة
ف الْبضْع هُوَ بِكَسْر الْبَاء وَيُقَال أَيْضا بِفَتْحِهَا وَكَذَا الْبضْعَة فِي قَوْلنَا بضعَة عشر وَشبه ذَلِك
стр. 142
وَاخْتلف فِي ذَلِك أَئِمَّة اللُّغَة وَفِي بعض تفسيرهم لَهُ إِشْكَال أَنا أوضحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فَقيل هُوَ من ثَلَاث إِلَى تسع وَهَذَا هُوَ الْأَشْهر
وَقيل مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشر وَالظَّاهِر أَن هَذَا تَفْسِير للْأولِ
فَيكون الْبضْع مُسْتَعْملا فِي الثَّلَاث دون مَا قبله غير مُسْتَعْمل فِي الْعشْر
وَقيل مَا هُوَ بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر وَالظَّاهِر أَن هَذَا هُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو عمر الزَّاهِد اللّغَوِيّ أَنه من أَربع إِلَى تسع
وَكَذَا قَول الْفراء إِنَّه مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى مَا دون الْعشْرَة
فعلى هَذَا لَا يسْتَعْمل فِي الثَّلَاث وَلَا فِي الْعشْر أَيْضا
وَقد بلغ بالبضع الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث بعض من فصل شعب الْإِيمَان سبعا أَو تسعا وَالله أعلم
وَقَوله شُعْبَة أَي خصْلَة وَأَصله من الشعبة بِمَعْنى الْقطعَة
ثمَّ إِن مُسلما روى هَذَا الحَدِيث من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن عبد الله ابْن دِينَار عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة على الشَّك فَقَالَ بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة
وَهَذَا الشَّك فِيمَا ذكره أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ الْحَافِظ وَقع من سُهَيْل وَقد رُوِيَ عَن سُهَيْل بضع وَسَبْعُونَ من غير شكّ قطعا بِالْأَكْثَرِ أخرجه أَبُو دَاوُد فِي كِتَابه
وَأما سُلَيْمَان بن بِلَال فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عبد الله بن دِينَار على الْقطع من غير شكّ
стр. 143
وَهِي الرِّوَايَة الصَّحِيحَة أَخْرَجَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ
غير أَنَّهَا فِيمَا عندنَا من كتاب مُسلم بضع وَسَبْعُونَ قطعا بِالْأَكْثَرِ وَهِي فِيمَا عندنَا من كتاب البُخَارِيّ بضع وَسِتُّونَ قطعا بِالْأَقَلِّ
وَقد نقلت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا عَن كل وَاحِد من الْكِتَابَيْنِ وَلَا إِشْكَال فِي أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا رِوَايَة مَعْرُوفَة فِي رِوَايَات هَذَا الحَدِيث
وَاخْتلفُوا فِي التَّرْجِيح بَينهمَا وَالْأَشْبَه بالإتقان وَالِاحْتِيَاط تَرْجِيح رِوَايَة الْأَقَل وَمِنْهُم من رجح رِوَايَة الْأَكْثَر وَإِيَّاهَا اخْتَار الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ فَإِن الحكم لمن حفظ الزِّيَادَة جَازِمًا بهَا
ثمَّ إِن الْكَلَام فِي تعْيين هَذِه الشّعب يتشعب وَيطول وَقد صنفت فِي ذَلِك مصنفات من اغزرها فَوَائِد كتاب الْمِنْهَاج لأبي عبد الله الْحَلِيمِيّ إِمَام الشافعيين ببخارى وَكَانَ من رفعاء أَئِمَّة الْمُسلمين
وحذا حذوه الْحَافِظ الْفَقِيه أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْجَلِيل الحفيل كتاب شعب الْإِيمَان وعينت شعب كَثِيرَة مِنْهَا الاستنباط وَالِاجْتِهَاد وَالْقطع على مُرَاد رَسُول الله ﷺ فِي كثير مِنْهَا عسر صَعب وَقد ضبطت مَا أمليته من وُجُوه الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك حَدِيثا ولغة ضبطا متينا عَزِيزًا وَللَّه الْحَمد وَهُوَ أعلم
стр. 144
قَوْله ﷺ الْحيَاء من الْإِيمَان
وَجهه أَن مَا كَانَ مِنْهُ تخلقا فَهُوَ عمل يكْتَسب كَسَائِر أَعمال الْإِيمَان
وَمَا كَانَ مِنْهُ غريزة وطبعا فَهُوَ منشأ لأعمال كَثِيرَة من أَعمال الْإِيمَان وَهَذَا الحيآء مَمْدُود وَترك الْمَدّ فِيهِ لحن يحِيل الْمَعْنى فَإِنَّهُ من غير مد عبارَة عَن الْمَطَر وَعَن الخصب أَيْضا وَالله أعلم
حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ الحيآء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير وَفِي رِوَايَة الْحيَاء خير كُله
قَول بشير بن كَعْب لعمران إِنَّا نجد فِي بعض الْكتب إِن مِنْهُ ضعفا وإنكار عمرَان وغضبه عَلَيْهِ فِي ذَلِك قد يختلج فِي النَّفس مِنْهُ شَيْء من جِهَة أَن صَاحب الحيآء قد يستحي ان يواجه بِالْحَقِّ من يجله فَيتْرك أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر
وَقد يخل بِحَق عَلَيْهِ لعَارض من الْحيَاء اعْترض وَلَيْسَ من الْخَبَر وَهَذَا
стр. 145
مندفع لِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ خور وَعجز ومهانة وَلَيْسَ من الْحيَاء إِنَّمَا الْحيَاء خلق يبْعَث على ترك الْقَبِيح وَيمْنَع من التَّقْصِير فِي حق ذِي الْحق وَنَحْو هَذَا وَقد روينَا عَن الْجُنَيْد ﵁ أَنه سُئِلَ عَن الْحيَاء فَقَالَ رُؤْيَة الآلاء ورؤية التَّقْصِير فيتولد من بَينهمَا حَالَة تسمى الْحيَاء
وَقَوله حَتَّى احمرتا عَيناهُ كَذَا وَقع وَكَذَا روينَاهُ وَهُوَ على لُغَة من قَالَ أكلوني البراغيث أَو على الْبَدَل كَمَا فِي قَوْله ﵎ ﴿وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا﴾ وَالله أعلم
رُوَاة حَدِيث عمرَان عَنهُ فِي الْكتاب أحدهم أَبُو السوار بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الْوَاو وَهُوَ الْعَدوي بَصرِي ذكر البُخَارِيّ وَغَيره أَن اسْمه حسان بن حُرَيْث وعرفه البُخَارِيّ بروايته لهَذَا الحَدِيث
стр. 146
وَأَبُو قَتَادَة وَهُوَ الْعَدوي بَصرِي اسْمه تَمِيم بن نَذِير بِضَم النُّون وَفتح الدَّال المنقوطة وَفِي اسْمه وَاسم أَبِيه اخْتِلَاف وَالله أعلم
وحجير بن الرّبيع الْعَدوي بحاء مُهْملَة فِي أَوله مَضْمُومَة وَرَاء مُهْملَة فِي آخِره
والراوي عَنهُ أَبُو نعَامَة الْعَدوي بَصرِي اسْمه عَمْرو بن عِيسَى وَهُوَ من الثِّقَات الَّذين اختلطوا قبل مَوْتهمْ وَالله أعلم
أَبُو نجيد كنية عمرَان بنُون مَضْمُومَة فِي أَوله ثمَّ جِيم وَفِي آخِره دَال مُهْملَة وَهُوَ مصغر
стр. 147
بشير بن كَعْب الْمَذْكُور عدوي بَصرِي وَهُوَ بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذَا الِاسْم سواهُ وَسوى بشير بن يسَار وَالله أعلم
أَبُو الْخَيْر الرَّاوِي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ هُوَ مرْثَد بالثاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الله الْيَزنِي الْمهرِي الْحِمْيَرِي الْمصْرِيّ ويزن بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة من تَحت وَالزَّاي المنقوطة المفتوحتين ومهرة قبيلتان من حمير وَالله أعلم
قَوْله ﷺ الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده
стр. 148
المُرَاد بِهِ الْمُسلم الْكَامِل وَالْأَفْضَل من سلمُوا مِنْهُ وَهَذَا من أَلْفَاظ الْحصْر الَّتِي تطلق على الْكَامِل وَالْمرَاد بهَا نفي الْكَمَال عَن ضد الْمَذْكُور لَا نفي حَقِيقَة ذَلِك من أَصله عَن ضِدّه كَمَا يُقَال الْعلم مَا نفع أَو لَا علم إِلَّا مَا نفع فِي نَظَائِر لذَلِك كَثِيرَة
وَقد أفْصح عَن صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى سُئِلَ رَسُول الله ﷺ أَي الْمُسلمين أفضل فَقَالَ من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده
ثمَّ إِن المُرَاد بذلك من لم يؤذ مُسلما بقول وَلَا فعل وَخص الْيَد بِالذكر لِأَن مُعظم الْأَفْعَال بهَا تكون وَالله أعلم
ثمَّ كَمَال الْإِسْلَام وَالْمُسلم مُتَعَلق بِمَا ذكر ويغيره من خِصَال أخر كَثِيرَة مَعْلُومَة وَخص ﷺ فِي جَوَاب السَّائِل الْمَذْكُور السَّلامَة من اللِّسَان وَالْيَد بِالذكر وَخص فِي جَوَاب السَّائِل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الَّذِي قبله بِالذكر إطْعَام الطَّعَام وإفشاء السَّلَام وَذَلِكَ على حسب الْحَاجة إِلَى الْبَيَان بِالنّظرِ إِلَى حَال السَّائِل
стр. 149
وَبِاعْتِبَار الْحَالة الراهنة فَاعْلَم ذَلِك وَالله أعلم
بريد بن عبد الله هُوَ بباء مُوَحدَة مَضْمُومَة فِي أَوله وَبعدهَا رَاء مُهْملَة يكنى أَبَا بردة وَهُوَ أَبُو بردة ابْن عبد الله الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الَّذِي قبله وجده أَبُو بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْمه عِنْد الْأَكْثَرين عَامر وَعند يحيى بن معِين أَن اسْمه الْحَارِث وَالله أعلم
قَوْله حَدثنَا شَيبَان بن أبي شيبَة وَهُوَ شَيبَان بن فروخ الَّذِي حدث عَنهُ فِي غير مَوضِع وَالله أعلم
стр. 150
وروى مُسلم حَدِيث أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ أَو قَالَ لجاره مَا يحب لنَفسِهِ
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ حَتَّى يحب لِأَخِيهِ فَحسب من غير شكّ
وَهَذَا قد يعد من الصعب الْمُمْتَنع وَلَيْسَ كَذَلِك إِذْ مَعْنَاهُ وَالله أعلم
لَا يكمل إِيمَان أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَام مثل مَا يحب لنَفسِهِ وَالْقِيَام بذلك يحصل بِأَن يحب لَهُ حُصُول مثل ذَلِك من جِهَة لَا يزاحمه فِيهَا بِحَيْثُ لَا ينقص النِّعْمَة على أَخِيه شَيْئا من النِّعْمَة عَلَيْهِ وَذَلِكَ سهل على الْقلب السَّلِيم وَإِنَّمَا يعسر على الْقلب الدغل عَافَانَا الله وإخواننا أَجْمَعِينَ آمين
وَقد روينَا عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي زيد الْفَقِيه إِمَام الْمَالِكِيَّة بالمغرب الْأَدْنَى ﵀ أَنه قَالَ جماع آدَاب الْخَيْر وأزمته تتفرع من أَرْبَعَة أَحَادِيث قَول النَّبِي ﷺ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو ليصمت
стр. 151
وَقَوله ﷺ من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه
وَقَوله للَّذي اختصر لَهُ فِي الْوَصِيَّة لَا تغْضب
وَقَوله الْمُؤمن يحب لِأَخِيهِ الْمُؤمن مَا يحب لنَفسِهِ وَالله أعلم
قَوْله ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة من لَا يُؤمن جَاره بوائقه أَي غوائله ودواهيه وشروره وَهِي جمع بائقة
وَمعنى قَوْله لَا يدْخل الْجنَّة مَعَ مَا ثَبت من أَن كل مُسلم لَا بُد أَن يدْخل الْجنَّة وَإِن دخل النَّار إِنَّه يدخلهَا وَقت دُخُول أَهلهَا إِلَيْهَا وَإِذا فتحت أَبْوَابهَا لِلْمُتقين إِلَّا أَن يعْفُو الله تبَارك وَتَعَالَى
стр. 152
وَقَوله فَلَا يُؤْذِي جَاره كَذَا وَقع وَكَذَا روينَاهُ بِإِثْبَات الْيَاء على لفظ الْخَبَر وَقد جَاءَ مثله فِي كثير من الْأَحَادِيث
وَالْمرَاد النَّهْي وَيَأْتِي ذَلِك أَيْضا بِلَفْظ النَّهْي والجميع سَائِغ وَالله أعلم
روى مُسلم حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره
стр. 153
وَقَالَ حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء عَن أَبِيه عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ح وَعَن قيس بن مُسلم عَن طَارق بن شهَاب عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ
فَقَوله وَعَن قيس بن مُسلم مَعْطُوف على قَوْله عَن إِسْمَاعِيل أَي رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن إِسْمَاعِيل وَقيس وَالله أعلم
روى مُسلم بِإِسْنَادِهِ عَن صَالح بن كيسَان عَن الْحَارِث بن فُضَيْل بِإِسْنَادِهِ عَن أبي رَافع عَن عبد الله بن مَسْعُود مَا اختصاره أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ثمَّ إِنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن لَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل
قَالَ أَبُو رَافع فَحدثت عبد الله بن عمر فَأنكرهُ عَليّ فَقدم ابْن مَسْعُود فَنزل بفنائه فاستتبعني إِلَيْهِ عبد الله بن عمر قَالَ فَلَمَّا جلسنا سَأَلت ابْن مَسْعُود فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حدثت ابْن عمر
قَالَ صَالح وَقد تحدث بِنَحْوِ ذَلِك عَن أبي رَافع
стр. 154
فَقَوله حواريون قيل حواريوا الْأَنْبِيَاء أنصارهم وَقيل هم خلصانهم وأصفياؤهم وَقيل هم المجاهدون وَقيل الَّذين يصلحون للخلافة بعدهمْ
وسنعود إِن شَاءَ الله ﵎ إِلَى الْكَلَام فِيهِ
وَقَوله ثمَّ إِنَّهَا تخلف هَذَا الضَّمِير هُوَ ضمير الْقَصْد والشأن وَقَوله خلوف بِضَم الْخَاء جمع خلف بِسُكُون اللَّام وَهُوَ الخالف بشر وَهُوَ بِفَتْح اللَّام بِخَير وَقد حكى غير وَاحِد الْوَجْهَيْنِ مَعًا فيهمَا وَالله أعلم
وَقَوله فَنزل بفنائه بِكَسْر الْفَاء وبالمد وَجمعه أفنية وَهِي مَا بَين أَيدي الْمنَازل والدور من البراح هَكَذَا وَقع فِي روايتنا فِي هَذَا الْكتاب
وَفِي كتاب أبي عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ الْمخْرج عَلَيْهِ وَهِي رِوَايَة أَكثر رُوَاة الْكتاب وَفِي رِوَايَة أبي الْفَتْح السَّمرقَنْدِي الشَّاشِي بقناة بِالْقَافِ على لفظ قناة الرمْح
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله الْحميدِي فِي كِتَابه الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ
стр. 155
وَكَذَا كَانَ فِي أصل الْحَافِظ أبي عَامر الْعَبدَرِي بِخَطِّهِ وَهُوَ بِرِوَايَة السَّمرقَنْدِي وَفِي أصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم العساكري وَكَانَ هَذَا مِنْهُ أَولا على رِوَايَة السَّمرقَنْدِي ثمَّ غير ذَلِك فيهمَا جعل بفنائه وقناة بِالْقَافِ وَهُوَ الْأَشْبَه
وَقد ذهب القَاضِي أَبُو الْفضل الْيحصبِي إِلَى أَن الأول وَإِن كَانَ رِوَايَة الْجُمْهُور فَهُوَ خطأ وتصحيف وَإِنَّمَا هُوَ قناة وَهُوَ اسْم وَاد من أَوديَة الْمَدِينَة عَلَيْهِ حرث وَمَال من أموالها وَالله أعلم
قَول صَالح وَقد تحدث بِنَحْوِ ذَلِك هُوَ بِضَم الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِيه إِشْعَار بِأَن الْحَارِث بن فُضَيْل قد توبع على ذَلِك وَالله أعلم
قَوْله الرِّوَايَة الْأُخْرَى يَهْتَدُونَ بهديه هُوَ بِفَتْح الْهَاء وَإِسْكَان الدَّال أَي بطريقته وسمته وَالله أعلم
قَول مُسلم اجْتِمَاع ابْن عمر مَعَه وَهَذَا مِمَّا أنكرهُ صَاحب درة الغواص فِي أَوْهَام الْخَواص وَقَالَ لَا يُقَال اجْتمع فلَان مَعَ فلَان وَإِنَّمَا اجْتمع فلَان وَفُلَان وَالله أعلم
стр. 156
ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث مِمَّا انْفَرد بِهِ مُسلم عَن البُخَارِيّ وَقد أنكرهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِيمَا بلغنَا عَن أبي دَاوُد السجسْتانِي فِي مسَائِله عَن أَحْمد قَالَ الْحَارِث بن فُضَيْل لَيْسَ بِمَحْفُوظ الحَدِيث وَهَذَا الْكَلَام لَا يشبه كَلَام ابْن مَسْعُود وَذكر أَحْمد قَوْله ﷺ اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي
قلت قد روى عَن الْحَارِث هَذَا جمَاعَة من الثِّقَات وَلم نجد لَهُ ذكرا فِي كتب الضُّعَفَاء وَفِي كتاب ابْن أبي حَاتِم عَن يحيى بن معِين أَنه ثِقَة
ثمَّ إِن الْحَارِث لم ينْفَرد بِهِ بل توبع عَلَيْهِ على مَا أشعر بِهِ كَلَام صَالح بن كيسَان الْمَذْكُور وَذكر الإِمَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الْعِلَل إِن هَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ من وُجُوه أخر مِنْهَا عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ عَن ابْن مَسْعُود عَن رَسُول الله ﷺ
وَأما قَوْله اصْبِرُوا فَذَلِك حَيْثُ يلْزم من ذَلِك إثارة الْفِتْنَة وَسَفك الدِّمَاء وَنَحْو ذَلِك وَمَا ورد فِي هَذَا الحَدِيث من الْحَث على جِهَاد المبطلين بِالْيَدِ وَاللِّسَان فَذَلِك حَيْثُ لَا يلْزم مِنْهُ إثارة فتْنَة على أَن لفظ هَذَا الحَدِيث مسوق فِيمَن سبق من الْأُمَم وَلَيْسَ فِي لَفظه ذكر هَذِه الْأمة وَالله أعلم
حَدِيث أبي مَسْعُود البدري أَشَارَ النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ نَحْو الْيمن فَقَالَ أَلا إِن الْإِيمَان هَا هُنَا وَأَن الْقَسْوَة وَغلظ الْقُلُوب فِي الْفَدادِين عِنْد أصُول أَذْنَاب الْإِبِل حَيْثُ يطلع قرنا الشَّيْطَان فِي ربيعَة وَمُضر
стр. 157
وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة جَاءَ أهل الْيمن هم أرق أَفْئِدَة الْإِيمَان يمَان وَالْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
وَفِي رِوَايَة هم أرق أَفْئِدَة وأضعف قلوبا
وَفِي رِوَايَة هم أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة
وَفِي رِوَايَة مَالك لحَدِيث أبي هُرَيْرَة رَأس الْكفْر نَحْو الْمشرق وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء فِي أهل الْخَيل وَالْإِبِل الْفَدادِين أهل الْوَبر والسكينة فِي أهل الْغنم
وَفِي رِوَايَة جَابر غلظ الْقُلُوب والجفاء فِي الْمشرق وَالْإِيمَان فِي أهل الْحجاز
أما مَا ذكر من نِسْبَة الْإِيمَان إِلَى الْيمن وَأَهله فقد صرفوه عَن ظَاهره من حَيْثُ إِن مبدأ الْإِيمَان من مَكَّة ثمَّ الْمَدِينَة حرسهما الله
فَحكى أَبُو عبيد إِمَام الْغَرِيب ثمَّ من بعده فِي ذَلِك أقوالا
أَحدهَا أَن المُرَاد بذلك مَكَّة فَإِنَّهُ يُقَال إِن مَكَّة من تهَامَة وَيُقَال إِن تهَامَة من أَرض الْيمن
стр. 158
وَالثَّانِي إِن المُرَاد مَكَّة وَالْمَدينَة فَإِنَّهُ يرْوى فِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ هَذَا الْكَلَام وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتبوك وَمَكَّة وَالْمَدينَة حِينَئِذٍ بَينه وَبَين الْيمن فَأَشَارَ إِلَى نَاحيَة الْيمن وَهُوَ يُرِيد مَكَّة وَالْمَدينَة فَقَالَ الْإِيمَان يمَان ونسبهما إِلَى الْيمن لِكَوْنِهِمَا حِينَئِذٍ من نَاحيَة الْيمن كَمَا قَالُوا الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهُوَ بِمَكَّة إِلَى نَاحيَة الْيمن
الثَّالِث مَا ذهب إِلَيْهِ كثير من النَّاس وَهُوَ أحْسنهَا عِنْد أبي عبيد أَن المُرَاد بذلك الْأَنْصَار لأَنهم يمانون فِي الأَصْل فنسب إِلَيْهِم لكَوْنهم أنصاره
وَأَنا أَقُول وَالله الْمُوفق لَو جمع أَبُو عبيد وَمن سلك سَبيله طرق الحَدِيث بألفاظه كَمَا جمعهَا مُسلم وَغَيره وتأملوها لصاروا إِلَى غير مَا ذَكرُوهُ وَلما تركُوا الظَّاهِر ولقضوا بِأَن المُرَاد بذلك الْيمن وَأهل الْيمن على مَا هُوَ مَفْهُوم من إِطْلَاق ذَلِك إِذْ من أَلْفَاظه أَتَاكُم أهل الْيمن وَالْأَنْصَار من جملَة المخاطبين بذلك فهم إِذا غَيرهم
وَكَذَلِكَ قَوْله جَاءَ أهل الْيمن وَإِنَّمَا جَاءَ حِينَئِذٍ غير الْأَنْصَار ثمَّ إِنَّه وَصفهم ﷺ بِمَا يقْضِي بِكَمَال إِيمَانهم ورتب عَلَيْهِ قَوْله الْإِيمَان يمَان فَكَانَ ذَلِك نِسْبَة للْإيمَان إِلَى من أَتَاهُم من أهل الْيمن لَا إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة
وَلَا مَانع من إِجْرَاء الْكَلَام على ظَاهره وَحمله على أهل الْيمن حَقِيقَة لِأَن من اتّصف بِشَيْء وقوى قِيَامه بِهِ وتأكد اضطلاعه بِهِ نسب ذَلِك الشَّيْء إِلَيْهِ إشعارا بتميزه بِهِ وَكَمَال حَاله فِيهِ
وَهَكَذَا كَانَ حَال أهل الْيمن حِينَئِذٍ فِي الْإِيمَان وَحَال الوافدين مِنْهُم فِي حَيَاته ﷺ وَفِي أعقاب مَوته كأويس الْقَرنِي وَأبي مُسلم الْخَولَانِيّ وأشباههما
стр. 159
مِمَّن سلم قبله وقوى إيمَانه فَكَانَت نِسْبَة الْإِيمَان إِلَيْهِم لذَلِك إشعارا بِكَمَال إِيمَانهم من غير أَن يكون فِي ذَلِك نفي لذَلِك عَن غَيرهم فَلَا مُنَافَاة بَينه وَبَين قَوْله الْإِيمَان فِي أهل الْحجاز
ثمَّ إِن المُرَاد بذلك الموجودون مِنْهُم حِينَئِذٍ لَا كل أهل الْيمن فِي كل زمَان فَإِن اللَّفْظ لَا يَقْتَضِيهِ هَذَا وَالله أعلم
هَذَا هُوَ الْحق فِي ذَلِك ونشكر الله سُبْحَانَهُ على هدايتنا لَهُ وَالله أعلم
وَأما مَا ذكر من الْفِقْه وَالْحكمَة فالفقه هَا هُنَا هُوَ عبارَة عَن الْفَهم فِي الدّين واصطلح بعد ذَلِك الْفُقَهَاء والأصوليون على تَخْصِيص الْفِقْه بِإِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة العملية بالاستدلال على أعيانها
وَأما الْحِكْمَة فَفِيهَا أَقْوَال كَثِيرَة مضطربة قد اقْتصر كل من قائليها على بعض صِفَات الْحِكْمَة وَقد صفا لنا مِنْهَا
стр. 160
إِن الْحِكْمَة عبارَة عَن الْعلم المتصف بِالْأَحْكَامِ الْمُشْتَمل على الْمعرفَة بِاللَّه ﵎ المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النَّفس وَتَحْقِيق الْحق وَالْعَمَل بِهِ والصد عَن اتِّبَاع الْهوى وَالْبَاطِل والحكيم من لَهُ ذَلِك
أخبرنَا الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي قِرَاءَة عَلَيْهِ بهَا ونقلت من أصل سَمَاعه وَكَانَ أصيلا قَالَ أخبرنَا جدي لأمي أَبُو مُحَمَّد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد العصاري قَالَ حَدثنَا القَاضِي أَبُو سعيد مُحَمَّد بن سعيد لفظا قَالَ أخبرنَا الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق أَحْمد بن مُحَمَّد الثَّعْلَبِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن الْحَارِث البياري قَالَ سَمِعت أَبَا سعيد الْحسن بن عبد الله السيرافي سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن الْحسن الدريدي يَقُول كل كلمة وعظتك فِي آخرتك أَو دعتك إِلَى مكرمَة أَو نهتك عَن قَبِيح فَهِيَ حِكْمَة وَحكم وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ إِن من الشّعْر حِكْمَة وَجَاء فِي بعض الْأَلْفَاظ حكما وَالله أعلم
стр. 161
قَوْله يمَان ويمانية هُوَ بِالتَّخْفِيفِ من غير تَشْدِيد للياء عِنْد جَمَاهِير أهل الْعَرَبيَّة لآن الْألف المزيدة فِيهِ عوض من يَاء النّسَب الْمُشَدّدَة فَلَا يجمع بَينهمَا
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي كِتَابه الاقتضاب فِي شرح أدب الْكتاب حكى أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد وَغَيره أَن التَّشْدِيد لُغَة
قلت وَهَذَا غَرِيب وَإِن كَانَ هُوَ الْمَشْهُور الْمُسْتَعْمل عِنْد من لَا عناية لَهُ بِعلم الْعَرَبيَّة وَقَوله أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة فَالْمَشْهُور أَن الْفُؤَاد هُوَ الْقلب فعلى هَذَا يكون قد كرر ذكر الْقلب مرَّتَيْنِ بلفظين وَهُوَ أولى من تكريره بِلَفْظ وَاحِد
وَقيل الْفُؤَاد غير الْقلب وَهُوَ عين الْقلب
وَقيل الْفُؤَاد بَاطِن الْقلب
وَقيل هُوَ غشاء الْقلب
стр. 162
وَأما وصفهَا بالرقة واللين والضعف فَمَعْنَاه أَنَّهَا ذَات خشيَة واستكانة سريعة الاستجابة والتأثر بقوارع التَّذْكِير سَالِمَة من الغلظ والشدة وَالْقَسْوَة الَّتِي وصف بهَا قُلُوب الآخرين وَالله أعلم
وَأما قَوْله فِي الْفَدادِين فَزعم أَبُو عَمْرو هُوَ الشَّيْبَانِيّ أَنَّهَا بتَخْفِيف الدَّال وَهِي جمع فدان بتَشْديد الدَّال وَهُوَ عبارَة عَن الْبَقر الَّتِي يحرث عَلَيْهَا حَكَاهُ عَنهُ أَبُو عبيد وَأنْكرهُ عَلَيْهِ
وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد بذلك أَصْحَابهَا فَحذف ذَلِك
وَالصَّوَاب الفدادون بتَشْديد الدَّال جمع فداد بدالين أولاهما مُشَدّدَة وَهَذَا قَول أهل الحَدِيث وَجُمْهُور أهل اللُّغَة الْأَصْمَعِي وَغَيره وَهُوَ من الفديد وَهُوَ الصَّوْت الشَّديد فهم الَّذين تعلو أَصْوَاتهم فِي إبلهم وخيلهم وحروثهم وَنَحْو ذَلِك
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى هم المكثرون من الْإِبِل الَّذِي يملك أحدهم الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا إِلَى الْألف وَالله أعلم
قلت وَقَوله فِي رِوَايَة أبي مَسْعُود إِن الْقَسْوَة فِي الْفَدادِين عِنْد أصُول أَذْنَاب الْإِبِل مَعْنَاهُ الَّذين لَهُم جلبة وصياح عِنْد سوقهم لَهَا وَقَوله حَيْثُ
стр. 163
يطلع قرنا الشَّيْطَان فِي ربيعَة وَمُضر فَقَوله فِي ربيعَة وَمُضر بدل من قَوْله فِي الْفَدادِين أَي الْقَسْوَة فِي ربيعَة وَمُضر الْفَدادِين وَالله أعلم
وقرنا الشَّيْطَان جَانب رَأسه وَقيل هما جمعاه اللَّذَان يغريهما بإضلال النَّاس وَقيل شيعتاه من الْكفَّار
وَالْمرَاد بذلك اخْتِصَاص الْمشرق بمزيد من تسلط الشَّيْطَان وَمن الْكفْر كَمَا قَالُوا فِي الحَدِيث الآخر رَأس الْكفْر نَحْو الْمشرق
وَكَانَ ذَلِك فِي عَهده ﷺ حِين قَالَ ذَلِك وَيكون حِين يخرج الدَّجَّال من الْمشرق وَهُوَ فِيمَا بَين ذَلِك منشأ للفتن الْعَظِيمَة ومثار للكفرة التّرْك العابثة العاتية الشَّدِيدَة الْبَأْس وَالله أعلم
стр. 164
وَقَوله الْفَخر وَالْخُيَلَاء فالفخر هُوَ الافتخار وعد المآثر الْقَدِيمَة تَعَظُّمًا
وَالْخُيَلَاء الْكبر واحتقار النَّاس
وَقَوله فِي أهل الْخَيل وَالْإِبِل الْفَدادِين أهل الْوَبر فالوبر وَإِن كَانَ من الْإِبِل دون الْخَيل فَلَيْسَ بممتنع أَن يكون قد وَصفهم بكونهم جامعين بَين الْخَيل وَالْإِبِل والوبر وَقَوله والسكينة فِي أهل الْغنم أَي الطُّمَأْنِينَة والسكون على خلاف مَا ذكر من صفة الْفَدادِين وَالله أعلم
حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنون وَلَا تؤمنوا حَتَّى
стр. 165
تحَابوا مَعْنَاهُ لَا يكمل إيمَانكُمْ إِلَّا بذلك وَلَا تدخلون الْجنَّة عِنْد دُخُول أَهلهَا إِلَيْهَا إِذا لم تَكُونُوا كَذَلِك وَقد سبق إِيضَاح أَمْثَال ذَلِك وَالله أعلم
روى مُسلم حَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الدّين النَّصِيحَة قُلْنَا لمن قَالَ لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم
انْفَرد بِهِ مُسلم عَن البُخَارِيّ وَلَيْسَ لتميم فِي الصَّحِيح غَيره
بلغنَا عَن الشَّافِعِي الإِمَام أَنه قَالَ تَمِيم رجل من لخم من حَيّ يُقَال لَهُم بَنو الدَّار فَمن قَالَ الدَّارِيّ نسبه إِلَى نسبته وَمن قَالَ الديري نسبه إِلَى دير كَانَ فِيهِ قبل الْإِسْلَام وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَهَذَا عَن الشَّافِعِي عَزِيز رَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْن الرَّازِيّ فِي
стр. 166
كِتَابه فِي مَنَاقِب الشَّافِعِي ﵁ بِإِسْنَاد جيد
وَاخْتلف فِي ذَلِك رُوَاة الْمُوَطَّأ عَن مَالك ﵁
فَفِي رِوَايَة يحيى اللَّيْثِيّ وَابْن بكير وَغَيرهمَا الديري بِالْيَاءِ
وَفِي رِوَايَة القعْنبِي وَابْن الْقَاسِم وَأَكْثَرهم الدَّارِيّ بِالْألف ثمَّ إِن الصَّحِيح فِي وَجه النسبتين مَا ذكره الشَّافِعِي وَمِنْهُم من قَالَ هِيَ بِالْألف نِسْبَة إِلَى دارين وَهُوَ مَكَان عِنْد الْبَحْرين هُوَ محط السفن كَانَ يجلب إِلَيْهِ الْعطر من الْهِنْد وَلذَلِك قيل للعطار الدَّارِيّ وَمِنْهُم من جعله بِالْيَاءِ نِسْبَة إِلَى قَبيلَة أَيْضا وَهُوَ بعيد وَالله أعلم
وَهَذَا الحَدِيث فِي إِحْدَى الرِّوَايَات عَن أبي دَاوُد السجْزِي صَاحب السّنَن أحد الْأَحَادِيث الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْفِقْه
فروينا عَنهُ أَنه قَالَ الْفِقْه يَدُور على خَمْسَة أَحَادِيث الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين
стр. 167
وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا ضرّ وَلَا إِضْرَار
وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا الدّين النَّصِيحَة
وَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ فَاجْتَنبُوهُ وَمَا أَمرتكُم بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَالله أعلم
стр. 168
وَقَالَ أَبُو نعيم الْحَافِظ هَذَا حَدِيث لَهُ شَأْن وَذكر مُحَمَّد بن اسْلَمْ الطوسي أَنه أحد أَربَاع الدّين وَهَذَا شَرحه
فَقَوله الدّين النَّصِيحَة لفظ يُفِيد الْحصْر فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الدّين إِلَّا النَّصِيحَة لله ولكتابه وَسَائِر مَا ذكر أَي لَا يكمل الدّين إِلَّا بذلك كَمَا سبق بَيَانه فِي أَمْثَال ذَلِك وَفِيه إِشْعَار بِعظم موقع النَّصِيحَة من الدّين وَهَكَذَا مثله فِي أَمْثَال ذَلِك والنصيحة كلمة جَامِعَة تَتَضَمَّن قيام الناصح للمنصوح لَهُ بِوُجُوه الْخَيْر إِرَادَة وفعلا فالنصيحة لله ﵎ توحيده وَوَصفه بِصِفَات الْكَمَال والجلال جمع وتنزيهه عَمَّا يضادها ويخالفها وتجنب مَعَاصيه وَالْقِيَام بطاعاته ومحابه بِوَصْف الْإِخْلَاص وَالْحب فِيهِ والبغض فِيهِ وَجِهَاد من كفر بِهِ تَعَالَى وَمَا ضاهى ذَلِك وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك والحث عَلَيْهِ
والنصيحة لكتابه الْإِيمَان بِهِ وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تِلَاوَته وَالْوُقُوف مَعَ أوامره ونواهيه وتفهم علومه وَأَمْثَاله وتدبر آيَاته وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وذب تَحْرِيف الغالين وَطعن الْمُلْحِدِينَ عَنهُ
والنصيحة لرَسُوله ﷺ قريب من ذَلِك الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وتوقيره وتبجيله والتمسك بِطَاعَتِهِ وإحياء سنته واستشارة علومها ونشرها ومعاداة
стр. 169
من عَادَاهُ وعاداها وموالاة من وَالَاهُ ووالاها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وصحابته وَنَحْو ذَلِك
والنصيحة لأئمة الْمُسلمين أَي لخلفائهم وَقَادَتهمْ معاونتهم على الْحق وطاعتهم فِيهِ وتنبيههم وتذكيرهم فِي رفق ولطف ومجانبة الْخُرُوج عَلَيْهِم وَالدُّعَاء لَهُم بالتوفيق وحث الأغيار على ذَلِك
والنصيحة لعامة الْمُسلمين وهم هَا هُنَا من عدا أولى الْأَمر مِنْهُم إرشادهم إِلَى مصالحهم وتعليمهم أُمُور دينهم ودنياهم وَستر عَوْرَاتهمْ وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عَنْهُم ومجانبة الْغِشّ والحسد لَهُم وَأَن يحب لَهُم مَا يحب لنَفسِهِ وَيكرهُ لَهُم مَا يكرههُ لنَفسِهِ وَمَا شابه ذَلِك
وَقد كَانَ فِي السّلف ﵃ وعنا من يبلغ بِهِ النصح إِلَى أَن ينصح غَيره بِمَا هُوَ عَلَيْهِ ولجرير بن عبد الله البَجلِيّ ﵁ فِي حَدِيثه الَّذِي ذكره مُسلم بَايَعت النَّبِي ﷺ على النصح لكل مُسلم
стр. 170
مكرمَة رَوَاهَا أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادِهِ اخْتِصَار حَدِيثهَا أَن جَرِيرًا أَمر مولى لَهُ أَن يَشْتَرِي لَهُ فرسا فَاشْترى مَوْلَاهُ من رجل فرسا بثلاثمائة دِرْهَم وَجَاء بِهِ إِلَى جرير لينقده الثّمن فَقَالَ هَذَا الْفرس بثلاثمائة دِرْهَم فَقَالَ جرير لصَاحبه فرسك خير من ذَلِك أتبيعه بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم ثمَّ انه لم يزل يزِيدهُ مائَة فمائة وَصَاحبه يرضى وَجَرِير يَقُول فرسك خير من ذَلِك إِلَى أَن بلغ بِهِ ثَمَانمِائَة دِرْهَم فَاشْتَرَاهُ بهَا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنِّي بَايَعت رَسُول الله على النصح لكل مُسلم
زِيَاد بن علاقَة الرَّاوِي عَن جرير هُوَ بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف وَمن شُيُوخ مُسلم فِي حَدِيث جرير سُرَيج بن يُونُس وَهُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة وبالجيم وَكَانَ من عباد الله الصَّالِحين
وَيَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي بِالدَّال الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وبالقاف هُوَ مَنْسُوب إِلَى دورق بَلْدَة بِفَارِس أَو غَيرهَا
وَقيل سَبَب نسبته هَذِه صَنْعَة قلانس منسوبة إِلَى هَذِه الْبَلدة تعرف بالدورقية
وَقيل سَببهَا لبس قلانس طوال تعرف بالدورقية
стр. 171
وَورد عَن أَخِيه أَحْمد أَنه قَالَ كَانَ الشبَّان إِذا نسكوا فِي ذَلِك الزَّمَان سموا الدوارقة وَكَانَ أبي مِنْهُم وَالله أعلم
وَفِي إِسْنَاده سيار عَن الشّعبِيّ بسين مُهْملَة فِي أَوله ثمَّ يَاء مثناة من تَحت مُشَدّدَة وَلَيْسَ بسيار بن سَلامَة أبي الْمنْهَال وَإِنَّمَا هُوَ سيار بن أبي سيار واسْمه وردان أَبُو الحكم الْعَنزي وَالله أعلم
قَول مُسلم قَالَ يَعْقُوب فِي رِوَايَته قَالَ حَدثنَا سيار قلت فِيهِ فَائِدَة بهَا يَصح هَذَا الْإِسْنَاد وَيعرف اتِّصَاله لِأَن الرَّاوِي فِيهِ عَن سيار هشيم وهشيم أحد المدلسين والمدلس لَا يحْتَج من حَدِيثه إِلَّا بِمَا قَالَ فِيهِ حَدثنَا أَو غَيره من الْأَلْفَاظ
стр. 172
المبينة لسماعه وَالله أعلم
حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن إِلَى آخِره
المُرَاد بِهِ نفي كَمَال الْإِيمَان عَنهُ لَا نفي أصل الْإِيمَان وَهُوَ من الْأَلْفَاظ النافية الَّتِي تطلق فِي اللُّغَة على الشَّيْء عِنْد انْتِفَاء معظمه مَعَ وجود أَصله وَيُرَاد بهَا نفي كَمَاله لَا نفي أَصله وَمن ذَلِك لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة وَلَا عمل إِلَّا بِالنِّيَّةِ
стр. 173
ويفيد أَن الْفَاسِق لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْمُؤمن وَيُقَال فِيهِ مُؤمن نَاقص الْإِيمَان وَذَلِكَ أَن الأَصْل أَن اسْم الشَّيْء إِنَّمَا يُطلق على الْكَامِل مِنْهُ والناقص مِنْهُ يذكر بِهِ بِقَيْد يشْعر بنقصه وَأَيْضًا فصفة الْمُؤمن صفة مدح غَالِيَة لَا تلِيق بالفاسق
وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ مَعَ حَدِيث أبي ذَر الْمُتَّفق على صِحَّته الْحَاكِم بِأَن الْمُسلم لَا بُد أَن يدْخل الْجنَّة وَإِن زنى وَإِن سرق وَغير ذَلِك مَا يدْرَأ احتجاج الْخَوَارِج والمعتزلة بِهَذَا الحَدِيث وللعلماء فِيهِ كَلَام متشعب قد أوردت لبابه موضحا وَالله الْمَحْمُود وَهُوَ أعلم
وَأما قَوْله وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يلْحق مَعَهُنَّ وَلَا ينتهب نهبة ذَات شرف يرفع النَّاس إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارهم
فقد روى الحَدِيث أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي مخرجه على كتاب مُسلم من حَدِيث همام بن مُنَبّه وَفِيه وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا ينتهب أحدكُم وَهَذَا مُصَرح بِرَفْعِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ
وَلم نستغن عَن ذكر هَذَا بِأَن البُخَارِيّ رَوَاهُ من حَدِيث اللَّيْث بِإِسْنَادِهِ الَّذِي ذكره عَنهُ مُسلم مَعْطُوفًا فِيهِ ذكر النهبة على مَا بعد قَوْله قَالَ رَسُول الله ﷺ نسقا من غير فصل بقوله وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يلْحق مَعَهُنَّ وَذَلِكَ مُرَاد مُسلم بقوله واقتص
стр. 174
الحَدِيث يذكر مَعَ ذكر النهبة وَلم يذكر ذَات شرف
وَقَوله يذكر وَقع من غير هَاء الضَّمِير فإمَّا أَن يُقَال حذفهَا مَعَ إرادتها وَإِمَّا أَن يقْرَأ يذكر بِضَم أَوله وَفتح الْكَاف على مَا لم يسم فَاعله على أَنه حَال أَي اقْتصّ الحَدِيث مَذْكُورا مَعَ ذكر النهبة فَإِنَّمَا لم نكتف بِهَذَا فِي الِاسْتِدْلَال على كَون ذكر النهبة من قَول رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ قد يعد ذَلِك من قبيل المدرج فِي الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ من كَلَام بعض رُوَاته اسْتِدْلَالا بقول من فصل فَقَالَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يلْحق مَعَهُنَّ على مَا عرف مثله فِي نوع المدرج الَّذِي بَيناهُ فِي كتَابنَا فِي أَنْوَاع عُلُوم الحَدِيث
وَمَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ يرْتَفع عَن أَن يتَطَرَّق إِلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَال وَظهر بذلك أَن قَول أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يلْحق مَعَهُنَّ مَعْنَاهُ يلْحقهَا رِوَايَة لَا من عِنْد نَفسه وَكَأن أَبَا بكر خصصها بذلك لكَونه بلغه أَن غَيره لَا يَرْوِيهَا وَآيَة ذَلِك مَا ترَاهُ من رِوَايَة مُسلم الحَدِيث من رِوَايَة يُونُس وَعقيل عَن ابْن شهَاب عَن أبي سَلمَة وَابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة من غير ذكر النهبة
стр. 175
ثمَّ إِن فِي رِوَايَة عقيل رِوَايَة ابْن شهَاب لذكر النهبة عَن أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن نَفسه
وَرَوَاهَا فِي رِوَايَة يُونُس عَن عبد الْملك بن أبي بكر عَنهُ فَكَأَنَّهُ سمع ذَلِك من ابْنه عَنهُ ثمَّ سَمعه مِنْهُ نَفسه
وَأما مَا ذكره مُسلم من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب وَأبي سَلمَة وَأبي بكر جَمِيعًا مَعَ ذكر النهبة فَكَأَنَّهُ إدراج من الْأَوْزَاعِيّ أَو من الرَّاوِي عَنهُ
وَمن أَنْوَاع المدرج أَن يروي الحَدِيث جمَاعَة ولأحدهم فِيهِ زِيَادَة يخْتَص بهَا فيدرجها بعض الروَاة على رِوَايَة الْجَمِيع من غير فصل وَبَيَان وَذَلِكَ وَغَيره من أَنْوَاع المدرج مِمَّا لَا يجوز للراوي تَعَمّده فَافْهَم كل ذَلِك والحظه فَإِنَّهُ مِمَّا عز مدركه من هَذَا الشَّأْن وَالله الْهَادِي أعلم
وَقَوله ذَات شرف هُوَ فِي الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة بالشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة أَي ذَات قدر كَبِير وَقيل أَي ذَات استشراف يستشرف النَّاس لَهَا ناظرين إِلَيْهَا رافعين إِلَيْهَا أَبْصَارهم كَمَا بَينه آخرا
وَعَن أبي إِسْحَاق الْحَرْبِيّ أَنه رَوَاهُ بِالسِّين الْمُهْملَة وَبِه قَيده بَعضهم فِي كتاب مُسلم وَمَعْنَاهُ أَيْضا ذَات قدر كَبِير وَالله أعلم
стр. 176
ذكر مُسلم حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقا خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خلة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خلة من نفاق حَتَّى يَدعهَا إِذا حدث كذب وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا وعد أخلف وَإِذا خَاصم فجر
وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان
وَفِي رِوَايَة وَإِن صَامَ وَصلى وَزعم أَنه مُسلم
هَذَا مُشكل من حَيْثُ أَن هَذِه الْخِصَال قد تُوجد فِي الْمُسلم الْمُصدق فَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيله فَقيل إِنَّمَا ورد ذَلِك فِي منافقي زمَان رَسُول الله ﷺ خَاصَّة وَنقل
стр. 177
ذَلِك عَن عَطاء بن أبي رَبَاح فِي طَائِفَة من السّلف وَالْخلف
قلت وَهَذَا يأباه قَوْله وَمن كَانَت فِيهِ خلة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خلة من نفاق فَإِن نفاق أُولَئِكَ كَانَ نفاق كفر غير متبعض هَذَا التَّبْعِيض
وَقيل المُرَاد بِهِ النِّفَاق اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ إِظْهَار خلاف الْمُضمر
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا معنى هَذَا عِنْد أهل الْعلم نفاق الْعَمَل وَإِنَّمَا كَانَ نفاق التَّكْذِيب على عهد رَسُول الله ﷺ
وَهَذَا الَّذِي نختاره ونزيده بَيَانا فَنَقُول النِّفَاق نفاقان نفاق الْكَافِر ونفاق الْمُسلم ويشتركان فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إسرار سوء مَعَ إِظْهَار خِلَافه واشتقاقه من النفق وَهُوَ السرب الَّذِي يسْتَتر فِيهِ أَو من نافقاء اليربوع وَهِي إِحْدَى منافذ جحرته يدع عَلَيْهَا قشرا رَقِيقا من التُّرَاب فَإِذا طلب من المنافذ الْأُخَر الظَّاهِرَة دفع بِرَأْسِهِ ذَلِك الرَّقِيق من التُّرَاب وَخرج وَنَجَا فباطنها نَافِذ على خلاف ظَاهرهَا
وَمِمَّا يدل على أَن من النِّفَاق مَا قد يُوجد فِي الْمُسلم الموقن الْمُصدق حَدِيث ابْن عمر ﵄ إِن نَاسا قَالُوا إِنَّا ندخل على سلطاننا فَنَقُول لَهُم بِخِلَاف مَا نتكلم إِذا خرجنَا من عِنْدهم قَالَ كُنَّا نعد هَذَا نفَاقًا فِي عهد رَسُول الله ﷺ أخرجه البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ عَن مُسلم
وَمثل هَذَا مَعْدُود فِي قبيل الْمَرْفُوع الْمسند
стр. 178
أَخْبرنِي بِقِرَاءَتِي الشَّيْخ أَبُو النجيب إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان بن القارىء النَّيْسَابُورِي وَغَيره قَالَ إِسْمَاعِيل أخبرنَا الشريف أَبُو تَمام أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُخْتَار قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر قَالَ أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْمسلمَة قَالَ أخبرنَا أَبُو الْفضل عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ أخبرنَا أَبُو بكر جَعْفَر بن مُحَمَّد الْفرْيَابِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن أبي الْأَشْهب قَالَ قَالَ الْحسن من النِّفَاق اخْتِلَاف اللِّسَان وَالْقلب وَاخْتِلَاف السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَاخْتِلَاف الدُّخُول وَالْخُرُوج
وَبِه عَن جَعْفَر الْفرْيَابِيّ وَكَانَ حَافِظًا قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي البخْترِي قَالَ قَالَ رجل اللَّهُمَّ أهلك الْمُنَافِقين قَالَ حُذَيْفَة لَو هَلَكُوا مَا انتصفتم من عَدوكُمْ
وَبِه عَن الْفرْيَابِيّ حَدثنَا عبيد الله بن عمر القواريري قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب قَالَ دخل عمر بن عبد الْعَزِيز على أبي قلَابَة يعودهُ فَقَالَ يَا أَبَا قلَابَة تشدد وَلَا تشمت بِنَا الْمُنَافِقين
إِذا عرف ذَلِك نفى حَدِيث عبيد الله بن عَمْرو الحكم بِأَنَّهُ يصير منافقا تَاما فِيهِ هَذَا النِّفَاق بِأَرْبَع خِصَال
стр. 179
وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يَقْتَضِي ثُبُوت ذَلِك بِثَلَاث خِصَال مِنْهَا الخصلتان الأوليان وَالثَّالِثَة خصْلَة الْخِيَانَة وَلم تذكر هَذِه الْخصْلَة فِي ذَلِك الحَدِيث
وأقيمت فِي هَذَا الحَدِيث مقَام الخصلتين الْأُخْرَيَيْنِ خصلتي الْغدر والفجور عِنْد الْخِصَام وَلَا تنَافِي فِي ذَلِك إِذْ قد يكون للشَّيْء الْوَاحِد عِلَّتَانِ وإمارتان وَأكْثر وَقد روينَا من غير وَجه حَدِيث الثَّلَاث بِمثل لفظ حَدِيث الْأَرْبَع ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق
وَلَا مُنَافَاة بَين قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى من عَلَامَات الْمُنَافِق ثَلَاثَة لِأَن الثَّلَاث وَإِن اسْتَقَلت بِإِثْبَات صفة الْمُنَافِق التَّامَّة فهناك أَوْصَاف أخر من قبيلها فدخول حرف التَّبْعِيض كَانَ لذَلِك وَالله أعلم
قَوْله خلة من نفاق هِيَ بِفَتْح الْخَاء أَي خصْلَة
وَقَوله فجر أَي مَال عَن الْحق وَقَالَ الْبَاطِل وَالْكذب وأصل الْفُجُور الْميل عَن الْقَصْد
قَوْله آيَة الْمُنَافِق أَي علامته وَالله أعلم
стр. 180
قَوْله أَخْبرنِي الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب مولى الحرقة هِيَ بِضَم الْحَاء وَفتح الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعدهَا قَاف هِيَ بطن من جُهَيْنَة
وَعبد الرَّحْمَن مَنْسُوب إِلَى ولائهم
وَعقبَة بن مكرم الْعمي فمكرم بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان الْكَاف وَفتح الرَّاء
والعمي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم نسب إِلَى بني الْعم قبيل من تَمِيم
أَبُو زُكَيْرٍ يحيى بن مُحَمَّد بِضَم الزَّاي على مِثَال زُهَيْر
وبلغنا عَن أبي الْفضل الفلكي الْحَافِظ أَن أَبَا زُكَيْرٍ لقب وكنيته أَبُو مُحَمَّد وَالله أعلم
следующие страницы →