Полный текст (229 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ذكر مُسلم حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقا خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خلة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خلة من نفاق حَتَّى يَدعهَا إِذا حدث كذب وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا وعد أخلف وَإِذا خَاصم فجر
وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان
وَفِي رِوَايَة وَإِن صَامَ وَصلى وَزعم أَنه مُسلم
هَذَا مُشكل من حَيْثُ أَن هَذِه الْخِصَال قد تُوجد فِي الْمُسلم الْمُصدق فَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيله فَقيل إِنَّمَا ورد ذَلِك فِي منافقي زمَان رَسُول الله ﷺ خَاصَّة وَنقل
стр. 177
ذَلِك عَن عَطاء بن أبي رَبَاح فِي طَائِفَة من السّلف وَالْخلف
قلت وَهَذَا يأباه قَوْله وَمن كَانَت فِيهِ خلة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خلة من نفاق فَإِن نفاق أُولَئِكَ كَانَ نفاق كفر غير متبعض هَذَا التَّبْعِيض
وَقيل المُرَاد بِهِ النِّفَاق اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ إِظْهَار خلاف الْمُضمر
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ إِنَّمَا معنى هَذَا عِنْد أهل الْعلم نفاق الْعَمَل وَإِنَّمَا كَانَ نفاق التَّكْذِيب على عهد رَسُول الله ﷺ
وَهَذَا الَّذِي نختاره ونزيده بَيَانا فَنَقُول النِّفَاق نفاقان نفاق الْكَافِر ونفاق الْمُسلم ويشتركان فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إسرار سوء مَعَ إِظْهَار خِلَافه واشتقاقه من النفق وَهُوَ السرب الَّذِي يسْتَتر فِيهِ أَو من نافقاء اليربوع وَهِي إِحْدَى منافذ جحرته يدع عَلَيْهَا قشرا رَقِيقا من التُّرَاب فَإِذا طلب من المنافذ الْأُخَر الظَّاهِرَة دفع بِرَأْسِهِ ذَلِك الرَّقِيق من التُّرَاب وَخرج وَنَجَا فباطنها نَافِذ على خلاف ظَاهرهَا
وَمِمَّا يدل على أَن من النِّفَاق مَا قد يُوجد فِي الْمُسلم الموقن الْمُصدق حَدِيث ابْن عمر ﵄ إِن نَاسا قَالُوا إِنَّا ندخل على سلطاننا فَنَقُول لَهُم بِخِلَاف مَا نتكلم إِذا خرجنَا من عِنْدهم قَالَ كُنَّا نعد هَذَا نفَاقًا فِي عهد رَسُول الله ﷺ أخرجه البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ عَن مُسلم
وَمثل هَذَا مَعْدُود فِي قبيل الْمَرْفُوع الْمسند
стр. 178
أَخْبرنِي بِقِرَاءَتِي الشَّيْخ أَبُو النجيب إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان بن القارىء النَّيْسَابُورِي وَغَيره قَالَ إِسْمَاعِيل أخبرنَا الشريف أَبُو تَمام أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْمُخْتَار قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر قَالَ أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْمسلمَة قَالَ أخبرنَا أَبُو الْفضل عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ أخبرنَا أَبُو بكر جَعْفَر بن مُحَمَّد الْفرْيَابِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن أبي الْأَشْهب قَالَ قَالَ الْحسن من النِّفَاق اخْتِلَاف اللِّسَان وَالْقلب وَاخْتِلَاف السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَاخْتِلَاف الدُّخُول وَالْخُرُوج
وَبِه عَن جَعْفَر الْفرْيَابِيّ وَكَانَ حَافِظًا قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي البخْترِي قَالَ قَالَ رجل اللَّهُمَّ أهلك الْمُنَافِقين قَالَ حُذَيْفَة لَو هَلَكُوا مَا انتصفتم من عَدوكُمْ
وَبِه عَن الْفرْيَابِيّ حَدثنَا عبيد الله بن عمر القواريري قَالَ حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب قَالَ دخل عمر بن عبد الْعَزِيز على أبي قلَابَة يعودهُ فَقَالَ يَا أَبَا قلَابَة تشدد وَلَا تشمت بِنَا الْمُنَافِقين
إِذا عرف ذَلِك نفى حَدِيث عبيد الله بن عَمْرو الحكم بِأَنَّهُ يصير منافقا تَاما فِيهِ هَذَا النِّفَاق بِأَرْبَع خِصَال
стр. 179
وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يَقْتَضِي ثُبُوت ذَلِك بِثَلَاث خِصَال مِنْهَا الخصلتان الأوليان وَالثَّالِثَة خصْلَة الْخِيَانَة وَلم تذكر هَذِه الْخصْلَة فِي ذَلِك الحَدِيث
وأقيمت فِي هَذَا الحَدِيث مقَام الخصلتين الْأُخْرَيَيْنِ خصلتي الْغدر والفجور عِنْد الْخِصَام وَلَا تنَافِي فِي ذَلِك إِذْ قد يكون للشَّيْء الْوَاحِد عِلَّتَانِ وإمارتان وَأكْثر وَقد روينَا من غير وَجه حَدِيث الثَّلَاث بِمثل لفظ حَدِيث الْأَرْبَع ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق
وَلَا مُنَافَاة بَين قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى من عَلَامَات الْمُنَافِق ثَلَاثَة لِأَن الثَّلَاث وَإِن اسْتَقَلت بِإِثْبَات صفة الْمُنَافِق التَّامَّة فهناك أَوْصَاف أخر من قبيلها فدخول حرف التَّبْعِيض كَانَ لذَلِك وَالله أعلم
قَوْله خلة من نفاق هِيَ بِفَتْح الْخَاء أَي خصْلَة
وَقَوله فجر أَي مَال عَن الْحق وَقَالَ الْبَاطِل وَالْكذب وأصل الْفُجُور الْميل عَن الْقَصْد
قَوْله آيَة الْمُنَافِق أَي علامته وَالله أعلم
стр. 180
قَوْله أَخْبرنِي الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب مولى الحرقة هِيَ بِضَم الْحَاء وَفتح الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعدهَا قَاف هِيَ بطن من جُهَيْنَة
وَعبد الرَّحْمَن مَنْسُوب إِلَى ولائهم
وَعقبَة بن مكرم الْعمي فمكرم بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان الْكَاف وَفتح الرَّاء
والعمي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم نسب إِلَى بني الْعم قبيل من تَمِيم
أَبُو زُكَيْرٍ يحيى بن مُحَمَّد بِضَم الزَّاي على مِثَال زُهَيْر
وبلغنا عَن أبي الْفضل الفلكي الْحَافِظ أَن أَبَا زُكَيْرٍ لقب وكنيته أَبُو مُحَمَّد وَالله أعلم
стр. 181
حَدِيث ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَيّمَا امرىء قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بهَا أَحدهمَا إِن كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رجعت عَلَيْهِ
فِيهِ إِشْكَال من حَيْثُ أَن الْمُسلم الْمُصدق لَا يكفر عِنْد أهل الْحق بِهَذَا وَأَمْثَاله فَمن أهل الْعلم من حمله على المستحيل لذَلِك
وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ رجعت عَلَيْهِ نقيصته لِأَخِيهِ إِذا لم يكن كَمَا قَالَ بكذبه عَلَيْهِ
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مباعدان لظَاهِر الحَدِيث
وَمِنْهُم من حمله على الْخَوَارِج المكفرين للْمُؤْمِنين وَهَذَا يأباه كَون الصَّحِيح أَن الْخَوَارِج لَا يكفرون وَإِن كفرُوا فَلَا فرق فِي تكفيرهم بَين أَن يكون الْمَقُول لَهُ ذَلِك كَافِرًا أَو لَا يكون
فَأَقُول وَالله أعلم إِن لم يكن أَخُوهُ كَافِرًا كَمَا قَالَ رَجَعَ عَلَيْهِ تكفيره فَلَيْسَ الرَّاجِع إِلَيْهِ هُوَ الْكفْر بل التَّكْفِير وَذَلِكَ لِأَن أَخَاهُ إِذا كَانَ مُؤمنا وَقد جعله هُوَ كَافِرًا مَعَ أَن الْمُؤمن لَيْسَ بِكَافِر إِلَّا عِنْد من هُوَ كَافِر من يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو غَيرهمَا فقد لزم من ذَلِك كَونه مكفرا لنَفسِهِ ضَرُورَة لتكفيره من لَا يكفره إِلَّا كَافِر وَيكون الضَّمِير فِي قَوْله فقد بَاء بهَا بوصمة التَّكْفِير ومعرته أَي أَنَّهَا لاصقة بأولاهما بهَا وَهُوَ الْمَقُول لَهُ إِن كَانَ كَمَا قيل وَإِلَّا فالقائل
стр. 182
وَهَذَا معنى صَحِيح رائق غير مباعد لظَاهِر الحَدِيث فَإِن يكن قد قَالَه أحد سبق فأحرى لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّا تَركه الأول للْآخر وَللَّه الْحَمد كُله وَهُوَ أعلم
ثمَّ أَقُول يتَّجه فِيهِ معنى آخر مطرد فِي سَائِر الْأَحَادِيث القاضية بالْكفْر فِيمَا لَيْسَ فِي نَفسه كفرا وَهُوَ أَن ذَلِك يؤول بِهِ إِلَى الْكفْر إِذا لم يتب تَوْبَة ماحية لجرمه ذَلِك إِذْ الْمعْصِيَة إِذا فحشت جرت بشؤمها إِلَى الْكفْر وَلذَلِك شَوَاهِد وَوصف الشَّيْء بِمَا يؤول إِلَيْهِ سَائِغ شَائِع من ذَلِك قَول الله ﵎ ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ وَالله أعلم
وَقد روينَا فِي بعض رِوَايَات هَذَا الحَدِيث فِي مخرج أبي عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ الْحَافِظ على كتاب مُسلم فَإِن كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا فقد بَاء بالْكفْر
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه إِذا قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر وَجب الْكفْر على أَحدهمَا
فَهَذَا إِن لم يكن من عبارَة بعض الروَاة رِوَايَة مِنْهُ بِالْمَعْنَى على مَا فهمه مَعَ أَنه لَيْسَ الْأَمر على مَا فهمه كَمَا وَقع فِي كثير من رواياتهم فَالْوَجْه الْأَخير حِينَئِذٍ هُوَ الرَّاجِح الْمُخْتَار وَالله أعلم
قَوْله بَاء بهَا أَحدهمَا مَعْنَاهُ عِنْد بعض أهل اللُّغَة احتملها وَعند بَعضهم مَعْنَاهُ رَجَعَ بهَا وَالله أعلم
قَوْله ﷺ فِي حَدِيث أبي ذَر لَيْسَ من رجل ادّعى لغير أَبِيه وَهُوَ يُعلمهُ إِلَّا
стр. 183
كفر أَي انتسب إِلَى غير أَبِيه واتخذه أَبَا
وَقَوله كفر يتَّجه فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ وَوجه آخر وَهُوَ أَنه أَرَادَ بِهِ كفر الْإِحْسَان كَمَا فِي قَوْله وتكفرن العشير وَهُوَ الزَّوْج أَي إحسانه إِلَيْهَا وَقَوله من ادّعى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ منا وليتبوأ مَقْعَده من النَّار فَقَوله فَلَيْسَ منا يُقَال إِن مَعْنَاهُ لَيْسَ مهتديا بهدينا وَلَا مستنا بسنتنا
وَقلت هَذِه عبارَة عَن التبرؤ مِنْهُ أَي نَحن بريئون مِنْهُ
وَقَوله وليتبوأ مَقْعَده أَي يتنزل منزله مِنْهَا وَالْمُخْتَار أَنه خبر بِلَفْظ الْأَمر أَي قد تبوأ كَمَا فِي قَوْله إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت
стр. 184
أَي من لم يستح صنع مَا شَاءَ
وَقَوله من دَعَا رجلا بالْكفْر أَو قَالَ عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ هَذَا الإستثناء وَاقع على الْمَعْنى وَتَقْرِيره مَا يَدعُوهُ أحد كَذَلِك إِلَّا حَار عَلَيْهِ أَي رَجَعَ عَلَيْهِ ويترجح النصب فِي قَوْله عَدو الله على تَقْرِير يَا عَدو الله وَالله أعلم
ابْن بُرَيْدَة الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد الحَدِيث أبي ذَر هُوَ عبد الله بن بُرَيْدَة لَا سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة
قَول أبي عُثْمَان وَهُوَ النَّهْدِيّ لما ادّعى زِيَاد هُوَ بِضَم ادّعى على مَا لم يسم فَاعله
وشاهدته بِخَط الْحَافِظ أبي عَامر الْعَبدَرِي ادّعى بِالْفَتْح على أَن زيادا هُوَ الْفَاعِل للدعوة
وَزِيَاد هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف بِزِيَاد بن أبي سُفْيَان وَيُقَال فِيهِ زِيَاد بن أَبِيه وَزِيَاد بن
стр. 185
أمه ادَّعَاهُ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وألحقه بِأَبِيهِ أبي سُفْيَان وَكَانَ قبل ذَلِك يعرف بِزِيَاد ابْن عبيد الثَّقَفِيّ وَكَانَ أَخا أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث لأمه وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي قَول أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ لأبي بكرَة مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُم وَإِلَّا فَأَبُو بكرَة مِمَّن أنكر ذَلِك وهجر زيادا وآلى أَن لَا يكلمهُ أبدا وَالله أعلم
قَول سعد سمع أُذُنِي من رَسُول الله ﷺ هُوَ بِخَط الْحَافِظ الْعَبدَرِي وَفِي رِوَايَة أبي الْفَتْح السَّمرقَنْدِي عَن عبد الغافر أذناي مثنى مَرْفُوعا وَهُوَ فِيمَا يعْتَمد من اصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم العساكري وَغَيره بِغَيْر ألف التَّثْنِيَة وَسمع على هَذَا بِكَسْر الْمِيم على لفظ الْفِعْل الْمَاضِي وَهَكَذَا ضَبطه من المغاربة القَاضِي الْحَافِظ أَبُو عَليّ ابْن سكرة وَضَبطه مِنْهُم بعض أهل الضَّبْط بِإِسْكَان الْمِيم على أَنه مصدر مُضَاف إِلَى الْأذن أَو الْأُذُنَيْنِ ثمَّ مِنْهُم من نَصبه وَمِنْهُم من رَفعه
قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْعَرَب تَقول سمع أُذُنِي زيدا يَقُول ذَلِك بِالرَّفْع وَالله أعلم
وَقَوله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى سمعته أذناي ووعاه قلبِي مُحَمَّدًا نصب مُحَمَّدًا ﷺ بِالْفِعْلِ الأول وَهُوَ قَوْله سمعته أذناي وَالله أعلم
قَول مُسلم حَدثنَا مُحَمَّد بن بكار وَعون بن سَلام قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن طَلْحَة ح وَحدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر قَالَ حَدثنَا
стр. 186
شُعْبَة كلهم عَن زبيد عَن أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سباب الْمُسلم فسوق وقتاله كفر
فِيهِ وُجُوه تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهَا
أَحدهمَا إِنَّه كفر من المستحل
وَالثَّانِي إِنَّه كفر بِنِعْمَة الْإِسْلَام الْمُوجب للأخوة والألفة
وَالثَّالِث إِنَّه آيل إِلَى الْكفْر ومقرب بشؤمه مِنْهُ
وَوجه آخر وَهُوَ أَن المُرَاد بِكَوْنِهِ كفرا كَونه فعل أهل الْكفْر
وَقَول مُسلم كلهم عَن زبيد كَذَا وَقع وَإِنَّمَا هم اثْنَان شُعْبَة وَمُحَمّد بن طَلْحَة وَهُوَ ابْن مصرف فَكَأَنَّهُ سبق الْقَلَم من كِلَاهُمَا إِلَى كلهم فَإِن اسْتِعْمَال ذَلِك فِي الِاثْنَيْنِ بعيد
стр. 187
وزبيد هَذَا هُوَ ابْن الْحَارِث اليامي الْهَمدَانِي بِضَم الزَّاي المنقوطة وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة وَيشْتَبه بزييد بيائين تَصْغِير زيد وَهُوَ زييد بن الصَّلْت إِلَّا أَنه لَا ذكر لَهُ فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ وَله ذكر فِي الْمُوَطَّأ وَلَا ذكر للْأولِ فِي الْمُوَطَّأ وَالله أعلم
قَوْله ﷺ لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض
يتَوَجَّه فِيهِ نَحْو الْوُجُوه الْأَرْبَعَة الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا وَوجه خَامِس وَهُوَ حمله على حَقِيقَة الْكفْر فَيكون ذَلِك حضا لَهُم على الثَّبَات على الْإِيمَان ونهيا لَهُم عَن الرِّدَّة بعده ﷺ
وَوجه سادس حَكَاهُ الْخطابِيّ وَهُوَ أَن معنى الْكفَّار فِيهِ المتكفرون بِالسِّلَاحِ يُقَال تكفر الرجل بسلاحه إِذا لبسه فَكفر بِهِ نَفسه أَي سترهَا
قلت وَهَكَذَا يعتضد بِمَا ذكره الْأَزْهَرِي فِي تَهْذِيب اللُّغَة لَهُ من أَنه يُقَال
стр. 188
للابس السِّلَاح كَافِر
وَرُوِيَ عَن ابْن السّكيت انه قَالَ إِذا لبس الرجل فَوق درعه ثوبا فَهُوَ كَافِر قَالَ وكل مَا غطى شَيْئا فقد كفره وَمِنْه قيل لِليْل كَافِر وَالله أعلم
ثمَّ إِن ضم الْبَاء من قَوْله يضْرب أوجه وأجرى على الْوُجُوه الْمَذْكُورَة فِي تَفْسِير الْكفْر فِيهِ
وَإِسْكَان الْبَاء على أَن يكون جَوَابا للنَّهْي وَقد قيل بِهِ وَلَيْسَ بِذَاكَ وَالله أعلم وَفِي رِوَايَة ابْن عمر ﵄ أَنه ﷺ قَالَ وَيحكم أَو قَالَ وَيْلكُمْ لَا ترجعوا
فَفِي وَيْح وويل أَقْوَال كَثِيرَة من عيونها قَول الْحسن ﵁ وَيْح كلمة رَحْمَة
وَقَالَ صَاحب كتاب الْعين وَيْح يُقَال إِنَّه رَحْمَة لمن تنزل بِهِ بلية وَذكر
стр. 189
الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه عَن أبي السميدع وَغَيره أَن وَيحك وويلك وويسك بِمَعْنى وَاحِد
وَذكر الْهَرَوِيّ أَبُو عبيد فِي غريبيه عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه قَالَ وَيْح زجر لمن اشرف على هلكة وويل لمن وَقع فِي الهلكة
وَاخْتَارَ الْأَزْهَرِي وَصَاحبه الْهَرَوِيّ الْفرق بَينهمَا بِأَن ويلا يُقَال لمن وَقع فِي هلكة أَو بلية لَا يترحم فِيهَا عَلَيْهِ وويحا يُقَال لمن وَقع فِي بلية يترحم فِيهَا عَلَيْهِ وَالله أعلم
وَاقد بن مُحَمَّد الْمَذْكُور هُوَ بِالْقَافِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَافد بِالْفَاءِ وَالله أعلم
الَّذِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة من أَن الطعْن فِي النّسَب والنياحة على الْمَيِّت كفر
وَمَا فِي حَدِيث جرير ﵄ من أَن أباق العَبْد كفر لَا يخفى مَا
стр. 190
يتَّجه فِيهِ من الْوُجُوه الْمَذْكُورَة قبيل
وَقَول مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الرَّاوِي لحَدِيث جرير أكره أَن يرْوى عني هَاهُنَا بِالْبَصْرَةِ كَانَ سَببه مَا كَانَ قد نبغ بِالْبَصْرَةِ من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم كَيْلا يحتجوا بِهِ على قَوْلهم فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر
وَمَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن خَمْسَة وَهَذَا مِنْهُم هُوَ الغداني الأشل وَقد اخْتلف فِي توثيقه وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا وسائرهم لم يقْدَح فيهم فِيمَا نعلم وَالله أعلم
стр. 191
وَفِي حَدِيث جرير الآخر أَيّمَا عبد أبق فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة أَي لَا ذمَّة لَهُ حِينَئِذٍ والذمة هَاهُنَا يجوز أَن تكون هِيَ الذِّمَّة المفسرة بالذمام وَهُوَ الْحُرْمَة وَيجوز أَن تكون من قبيل مَا جَاءَ فِي قَوْله لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله أَي ضَمَانه وأمانه ورعايته وكلأته وَمن ذَلِك أَن الْآبِق كَانَ مصونا من عُقُوبَة السَّيِّد لَهُ وحبسه فَزَالَ ذَلِك بإباقه وَالله أعلم
قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِذا أبق العَبْد لم تقبل لَهُ صَلَاة لَيْسَ مُسْتَند عدم الْقبُول فِيهِ عدم الصِّحَّة لكَونه كَافِرًا حَيْثُ يكون مستحلا كَمَا ذكره صَاحب الْمعلم وَلَا يلْزم من عدم الْقبُول عدم الصِّحَّة بل قد تثبت الصِّحَّة مَعَ عدم الْقبُول فَصَلَاة الْآبِق غير مَقْبُولَة بِنَصّ هَذَا الحَدِيث الثَّابِت وَذَلِكَ لاقترانها بِمَعْصِيَة تناسب أَن ترد وسيلته وَلَا يجزىء على حسنه وَهِي لَا محَالة صَحِيحه لإتيانه بهَا بشروطها وأركانها المستلزمة للصِّحَّة وَلَا تنَاقض فِي ذَلِك وَيظْهر أثر عدم الْقبُول فِي سُقُوط الثَّوَاب وَأثر الصِّحَّة فِي سُقُوط الْقَضَاء وَفِي أَنه لَا يُعَاقب عُقُوبَة تَارِك الصَّلَاة وَهَذَا مَعْقُول وَالله أعلم
أَحَادِيث النَّهْي عَن الاستمطار بالأنواء أما متونها فَقَوله صَلَاة الصُّبْح بِالْحُدَيْبِية وَالْحُدَيْبِيَة الأثبت فِيهَا تَخْفيف الْيَاء الْأَخِيرَة مِنْهَا
стр. 192
روينَا عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا عَمْرو ابْن سَواد السرحي قَالَ اخْتلف ابْن وهب وَالشَّافِعِيّ فِي الْحُدَيْبِيَة فَقَالَ ابْن وهب الْحُدَيْبِيَة بالتثقيل وَقَالَ الشَّافِعِي بِالتَّخْفِيفِ قَالَ أبي بِالتَّخْفِيفِ أشبه
وروينا عَن أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ أَن أَصْحَاب الحَدِيث يثقلونها وَهِي خَفِيفَة
وَقَالَ القَاضِي الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْيحصبِي بتَخْفِيف الْيَاء وضبطناها على المتقنين وَعَامة الْفُقَهَاء والمحدثين يشددونها قَالَ وَحكى إِسْمَاعِيل القَاضِي عَن ابْن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ أهل الْمَدِينَة يشددونها وَأهل الْعرَاق يخففونها وَالله أعلم
قَوْله فِي إِثْر سَمَاء كَانَت من اللَّيْل سبق غير بعيد أَنه يُقَال فِيهِ أثر بِفَتْح الْهمزَة والثاء مَعًا وبكسر الْهمزَة مَعَ إسكان الثَّاء وَوَقع فِي الأَصْل الْمَأْخُوذ عَن الجلودي السمآء بِالْألف وَاللَّام وَكَذَلِكَ هُوَ فِي أصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم العساكري مضببا عَلَيْهِ وَهُوَ جَائِز على أَن يكون قَوْله كَانَت مستأنفا لَا صفة وَهُوَ
стр. 193
فِي أصل الْحَافِظ أبي حَازِم العبدوي وأصل أبي عَامر الْعَبدَرِي بخطيهما سمآء مُنْكرا وَهُوَ الأولى
والسمآء هَاهُنَا الْمَطَر وكل مَا علاك وأظلك فَهُوَ سمآء والسمآء الْمَعْرُوفَة من الْمَعْرُوف أَنَّهَا مُؤَنّثَة وَقد تذكر وَأما تَأْنِيث السَّمَاء بِمَعْنى الْمَطَر كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيث فَفِي كتاب أبي حنيفَة الدينَوَرِي فِي الأنواء إِنَّه يُقَال للمطر سَمَاء أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ أصابتنا سمآء غزيرة
وَفِي كتاب التَّهْذِيب للأزهري السَّمَاء الْمَطَر وَالسَّمَاء أَيْضا اسْم المطرة الجديدة يُقَال أَصَابَتْهُم سَمَاء وَهَذَا يشْعر بتخصيص التَّأْنِيث بِهَذِهِ المطرة وَالله أعلم
قَول الله ﵎ وتقدس فَأَما من قَالَ مُطِرْنَا بِفضل الله وَرَحمته فَذَلِك مُؤمن بِي كَافِر بالكوكب وَأما من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا فَذَلِك كَافِر بِي مُؤمن بالكوكب
والنوء فِي أَصله لَيْسَ نفس الْكَوْكَب فَإِنَّهُ مصدر ناء النَّجْم ينوء نوءا أَي سقط وَغَابَ وَقيل أَي نَهَضَ وطلع
وَبَيَان ذَلِك أَن ثَمَانِيَة وَعشْرين نجما مَعْرُوفَة الْمطَالع فِي أزمنة السّنة كلهَا
стр. 194
وَهِي الْمَعْرُوفَة بمنازل الْقَمَر الثَّمَانِية وَالْعِشْرين يسْقط فِي كل ثَلَاث عشرَة لَيْلَة مِنْهَا نجم فِي الْمغرب مَعَ طُلُوع الْفجْر ويطلع آخر يُقَابله فِي الْمشرق من سَاعَته فَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا كَانَ عِنْد ذَلِك مطر ينسبونه إِلَى السَّاقِط الغارب مِنْهُمَا
وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِلَى الطالع مِنْهُمَا قَالَ أَبُو عبيد وَلم أسمع أَن النوء السُّقُوط إِلَّا فِي هَذَا الْموضع
ثمَّ أَن النَّجْم نَفسه قد يُسمى نوءا تَسْمِيَة للْفَاعِل بِالْمَصْدَرِ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج فِي بعض أَمَالِيهِ الساقطة فِي الْمغرب هِيَ الأنواء والطالعة فِي الْمشرق هِيَ البوارح
إِذا وضح هَذَا فَفِي كفر من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا وَجْهَان أَحدهمَا أَنه كفر بِاللَّه تَعَالَى سالب للْإيمَان وَهَذَا ظَاهر لفظ الحَدِيث الْمَذْكُور وَإِنَّمَا ذَلِك فِيمَن قَالَ ذَلِك مُعْتَقدًا أَن الْكَوْكَب مُدبرا منشىء للمطر كَمَا كَانَ بعض أهل الْجَاهِلِيَّة يَعْتَقِدهُ وَإِلَى هَذَا الْوَجْه ذهب أَكثر الْعلمَاء أَو كثير مِنْهُم وَالشَّافِعِيّ ﵁ مِنْهُم
وعَلى هَذَا من قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا مُعْتَقدًا أَنه من الله تَعَالَى وبرحمته وَأَن النوء إِنَّمَا هُوَ مِيقَات لَهُ وإمارة نظرا إِلَى التجربة وَالْعَادَة فَفِي كَرَاهَة ذَلِك مِنْهُ خلاف وَمَا أحسن قَول أبي هُرَيْرَة ﵁ الَّذِي روينَاهُ عَن مَالك فِي موطئِهِ أَنه بلغه أَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ إِذا أصبح وَقد مطر النَّاس يَقُول مُطِرْنَا بِنَوْء الْفَتْح ثمَّ يَتْلُو هَذِه الْآيَة ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا﴾
الْوَجْه الثَّانِي إِن ذَلِك كفر بِنِعْمَة الله تَعَالَى لَا كفر بِهِ وَذَلِكَ لاقتصاره على إِضَافَة الْغَيْث إِلَى الْكَوْكَب وَيدل على هَذَا لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي
стр. 195
الْكتاب مَا أَنْعَمت على عبَادي من نعْمَة إِلَّا أصبح فريق مِنْهُم بهَا كَافِرين الحَدِيث
وَمَا بعده من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ أصبح من النَّاس شَاكر وَمِنْهُم كَافِر الحَدِيث وَالله أعلم
ثمَّ أَن قَوْله من نعْمَة فِيهِ تَقْصِير من الرَّاوِي من حَيْثُ اللَّفْظ وَالْمرَاد بِهِ خُصُوص نعْمَة الْغَيْث بِدلَالَة الرِّوَايَة الْأُخْرَى الْمَذْكُورَة بعده
وَقَوله يَقُولُونَ الْكَوْكَب وَبِالْكَوْكَبِ قد روينَا الثَّانِي دون الأول بِصِيغَة الْجمع وَكِلَاهُمَا فِي الأَصْل الَّذِي بِخَط الْحَافِظ أبي عَامر الْعَبدَرِي من بَين أصولنا بِصِيغَة الْوَاحِد وَالله أعلم
قَول ابْن عَبَّاس ﵄ فَنزلت هَذِه الْآيَة ﴿فَلَا أقسم بمواقع النُّجُوم﴾ حَتَّى بلغ ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ فِيهِ إِشْكَال يَزُول بالتنبيه على أَنه لَيْسَ مُرَاده أَن جَمِيع هَذَا نزل فِي قَوْلهم فِي الأنواء كَمَا توهمه القَاضِي عِيَاض على مَا بلغنَا عَنهُ فَإِن الْأَمر فِي معنى ذَلِك وَتَفْسِيره يَأْبَى ذَلِك وَإِنَّمَا النَّازِل من ذَلِك فِي ذَلِك قَوْله ﴿وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون﴾ وَالْبَاقِي نزل فِي غير
стр. 196
ذَلِك وَلَكِن اجْتمعَا فِي وَقت النُّزُول فَذكر الْجمع من أجل ذَلِك وَمِمَّا يدل على هَذَا أَن فِي بعض الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك الِاقْتِصَار على هَذَا الْقدر فَحسب ثمَّ إِن معنى قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وتجعلون رزقكم﴾ عِنْد طَائِفَة من الْمُفَسّرين وتجعلون شكركم تكذيبكم بِأَن الرازق هُوَ الله تَعَالَى أَي تَجْعَلُونَ التَّكْذِيب عوض الشُّكْر وتكذيبهم هُوَ قَوْلهم مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا
روى ابْن جرير بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ رَفعه قَالَ ﴿وتجعلون رزقكم﴾ قَالَ شكركم أَنكُمْ تكذبون قَالَ يَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ هَذَا أدل مِنْهُ على مَا ذَكرْنَاهُ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب
وَحكى ابْن جرير عَن الْهَيْثَم بن عدي إِن من لُغَة أَزْد شنُوءَة مَا رزق فلَان بِمَعْنى مَا شكر
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم الْأَزْهَرِي مَعْنَاهُ وتجعلون شكر رزقكم فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَالله أعلم
وَأما أسانيدها فَإِن الحَدِيث الأول مِنْهَا أَدخل بَعضهم فِي إِسْنَاده الزُّهْرِيّ بَين صَالح بن كيسَان وَبَين عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة وَهُوَ كَذَلِك فِي نُسْخَة أبي الْعَلَاء بن ماهان بِكِتَاب مُسلم
стр. 197
وَكَأن قَائِل ذَلِك اغْترَّ بِكَثْرَة رِوَايَة صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ فاستبعد رِوَايَته عَن شيخ الزُّهْرِيّ عبيد الله
وَذَلِكَ غلط فَإِن صَالح بن كيسَان قد روى هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله نَفسه من غير وَاسِطَة وَصَالح أسن من الزُّهْرِيّ وَقد ذكر يحيى بن معِين أَنه سمع من عبد الله بن عمر وَرَأى ابْن الزبير وَالله أعلم
عَمْرو بن سَواد العامري شيخ مُسلم وَتفرد بِهِ
هُوَ ابْن سَواد بدال فِي آخِره وَالْوَاو مِنْهُ مُشَدّدَة قطع بِهِ عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْمصْرِيّ بلديه وَأَبُو نصر بن مَاكُولَا وَغَيرهمَا
ومايز الْخَطِيب أَبُو بكر بَينه وَبَين أبي جد الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو بن عباد بن عَمْرو بن سَواد الصَّحَابِيّ الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري آخر أهل بدر
стр. 198
وَفَاة فَذَلِك بتَخْفِيف الْوَاو وَهَذَا بتشديدها وَالله أعلم
أَبُو زميل عَن ابْن عَبَّاس هُوَ بِضَم الزَّاي المنقوطة وبياء سَاكِنة واسْمه سماك بِكَسْر السِّين ابْن الْوَلِيد الْحَنَفِيّ اليمامي روى لَهُ مُسلم دون البُخَارِيّ وَقد قَالَ ابْن عبد الْبر أَجمعُوا على أَنه ثِقَة وَالله أعلم
حَدِيث أنس فِي حب الْأَنْصَار الرَّاوِي لَهُ عَنهُ عبد الله بن عبد الله بن جبر بتكبير عبد فِي اسْمه وَاسم أَبِيه وجده جبر بِالْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالله أعلم
стр. 199
الْبَراء بن عَازِب بتَخْفِيف الرَّاء وَالْمَعْرُوف فِيهِ الْمَدّ حفظت فِيهِ عَن بعض أهل اللُّغَة الْقصر وَالْمدّ وَالله أعلم
زر هُوَ بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الرَّاء وَهُوَ ابْن حُبَيْش عَن عَليّ ﵁ وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة
فَقَوله فلق الْحبَّة أَي شقها بالنبات
стр. 200
وبرأ بِالْهَمْز أَي خلق
والنسمة هِيَ الْإِنْسَان وَحكى الْأَزْهَرِي عَن بَعضهم أَن النَّسمَة هِيَ النَّفس وَإِن كل دَابَّة فِي جوفها روح فَهِيَ نسمَة وَالله أعلم
قَوْله فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ جزلة وَمَا لنا يَا رَسُول الله أَكثر أهل النَّار
فَقَوله جزلة أَي ذَات عقل ورأي
قَالَ ابْن دُرَيْد الجزالة الْوَقار وَالْعقل
وَقَوله ﷺ تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير فالعشير فِي الأَصْل المعاشر وَهُوَ هَا هُنَا الزَّوْج وَهَذَا قَاض بِأَن نفس إكثار اللَّعْن وَنَفس كفرهن إِحْسَان الْأزْوَاج من الْكَبَائِر
стр. 201
أما اللَّعْن فَمن أعظم الْجِنَايَات القولية وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَن لعن الْمُؤمن كقتله
وَأما كفرانهن إِحْسَان الزَّوْج فقد كَانَ يُمكن أَن يُقَال لَيْسَ هُوَ نَفسه السَّبَب فِي ذَلِك بل مَا يصطحبه من مَعْصِيّة الزَّوْج وَنَحْو ذَلِك لَوْلَا تَفْسِيره ﷺ ذَلِك فِي الحَدِيث الآخر بقوله لَو أَحْسَنت إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْر ثمَّ رَأَتْ مِنْك شَيْئا قَالَت مَا رَأَيْت مِنْك خيرا قطّ
وَقَوله فشهادة امْرَأتَيْنِ تعدل شَهَادَة رجل فَهَذَا نُقْصَان الْعقل أَي هَذَا أَمارَة نُقْصَان الْعقل أَو أَثَره
стр. 202
ثمَّ إِن مَا فِي هَذَا الحَدِيث من الذّكر نُقْصَان الدّين الدَّال على إِثْبَات نُقْصَان الْإِيمَان وزيادته وَمَا فِيهِ من اسْتِعْمَال لفظ الْكفْر لَا فِي الْكفْر السالب للْإيمَان هُوَ السَّبَب فِي إِيرَاده فِي كتاب الْإِيمَان وَالله اعْلَم
ثمَّ إِن فِي المَقْبُري الْمَذْكُور فِي إِسْنَاد حَدِيث إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة كلَاما ونظرا فَذكر الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني الجياني عَن أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي أَنه أَبُو سعيد المَقْبُري وَالِد سعيد قَالَ أَبُو عَليّ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو
وَقَالَ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَقَول سُلَيْمَان بن بِلَال أصح
قلت رَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ الْحَافِظ فِي مخرجه على كتاب مُسلم من وُجُوه مرضية عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن عَمْرو بن أبي عَمْرو عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري هَكَذَا مُبينًا
لَكِن روينَاهُ فِي مُسْند أبي عوَانَة الْمخْرج على صَحِيح مُسلم من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن أبي سعيد وَمن طَرِيق سُلَيْمَان بن بِلَال عَن سعيد كَمَا سبق عَن الدَّارَقُطْنِيّ فالاعتماد عَلَيْهِ إِذا وَالله أعلم
حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا قَرَأَ ابْن آدم السَّجْدَة فَسجدَ اعتزل الشَّيْطَان يبكي يَقُول يَا ويله وَفِي رِوَايَة يَا ويلي أَمر ابْن آدم بِالسُّجُود
стр. 203
فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة وَأمرت بِالسُّجُود فأبيت فلي النَّار
فَقَوله قَرَأَ السَّجْدَة أَي آيَة السَّجْدَة
وَقَوله يَا ويلي يجوز من حَيْثُ اللُّغَة بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا على مَا عرف فِي نَظَائِره وَمن احْتج بِهَذَا الحَدِيث على وجوب سُجُود التِّلَاوَة لما فِيهِ من التَّشْبِيه بسجوده لآدَم وَقد كَانَ وَاجِبا فَمن جَوَابه إِن التَّشْبِيه وَقع فِي مُطلق السُّجُود لَا فِي خُصُوص سُجُود التِّلَاوَة وتارك سُجُود التِّلَاوَة غير تَارِك مُطلق السُّجُود وَلذَلِك لم يسْتَوْجب تاركها مَا استوجبه إِبْلِيس لَعنه الله بترك السُّجُود من النَّار وَغَيرهَا وَالله أعلم
وإيراد هَذَا وَحَدِيث تَارِك الصَّلَاة بعده فِي كتاب الْإِيمَان لبَيَان أَن من الْأَفْعَال مَا تَركه يُوجب حَقِيقَة الْكفْر أَو اسْم الْكفْر وَالله أعلم
مَا ذكره من حَدِيث جَابر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بَين الرجل وَبَين الشّرك وَالْكفْر ترك الصَّلَاة كَذَا وَقع فِي كتاب مُسلم بِالْوَاو العاطفة للكفر على الشّرك على مَا شهِدت بِهِ أصولنا
وَهُوَ فِي مخرج أبي نعيم الْحَافِظ على كتاب مُسلم بِحرف أَو وَكَذَا روينَاهُ من مخرج أبي عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ عَلَيْهِ وَبَين الشّرك وَالْكفْر فرق مَا
стр. 204
بَين الْأَخَص والأعم فَكل شرك كفر وَلَيْسَ كل كفر شركا من حَيْثُ الْحَقِيقَة
وَالصَّحِيح وَمذهب الْأَكْثَرين إِن ترك الصَّلَاة لَا يُوجب حَقِيقَة ذَلِك بل اسْم الْكفْر فَحسب بِالْمَعْنَى الَّذِي سبق قَرِيبا بَيَان وَجهه وَمِنْهَا أَن المُرَاد بَين الرجل وَبَين مشابهة أهل الشّرك ترك الصَّلَاة وَذَاكَ أَن ترك الصَّلَاة شَأْن أهل الْكفْر وَهُوَ من أخص معاصيهم الَّتِي وَقع بهَا التمايز بَينهم وَبَين الْمُسلمين وعَلى هَذَا تقرب رِوَايَة من رَوَاهُ بِحرف الْوَاو وَالله أعلم
стр. 205
وروى مُسلم حَدِيث أبي هُرَيْرَة سُئِلَ رَسُول الله ﷺ أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ إِيمَان الله قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قيل ثمَّ مَاذَا قَالَ حج مبرور وَفِي رِوَايَة قَالَ إِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله
ثمَّ حَدِيث أبي ذَر قلت يَا رَسُول الله أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ الْإِيمَان بِاللَّه وَالْجهَاد فِي سَبيله الحَدِيث
стр. 206
ثمَّ حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود سَأَلت رَسُول الله ﷺ أَي الْعَمَل أفضل قَالَ الصَّلَاة لوَقْتهَا قَالَ قلت ثمَّ أَي قَالَ بر الْوَالِدين قَالَ ثمَّ قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله الحَدِيث وَفِي رِوَايَة قَالَ قلت يَا نَبِي الله أَي الْأَعْمَال أقرب إِلَى الْجنَّة قَالَ الصَّلَاة على مواقيتها قلت وماذا يَا نَبِي الله قَالَ بر الْوَالِدين قلت وماذا يَا نَبِي الله قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أفضل الْأَعْمَال أَو الْعَمَل الصَّلَاة لوَقْتهَا وبر الْوَالِدين
القَوْل فِي الْمُشكل من متون هَذِه الْأَحَادِيث قَوْله إِيمَان بِاللَّه فِيهِ جعل للْإيمَان من جملَة الْأَعْمَال وَالْمرَاد بِهِ وَالله أعلم
التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ من عمل الْقلب أَو النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ الَّذِي هُوَ من عمل اللِّسَان وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ مُطلق عمل الْجَوَارِح الصَّالِحَة وَإِن درجت تَحت اسْم الْإِيمَان لما سبق من الْأَحَادِيث ولغيرها بِدلَالَة قَوْله فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة إِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله فَإِن الْإِيمَان معدى بِحرف الْيَاء لَا سِيمَا مَعَ ذكر الرَّسُول ظَاهر فِي التَّصْدِيق أَو القَوْل الْمعبر عَنهُ وبدلالة أَنه جعله قسيما للْجِهَاد وَالْحج مَعَ كَونهمَا من أخص تِلْكَ الْأَعْمَال ثمَّ إِن من المعضلات أَنه فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة جعل الْأَفْضَل الْإِيمَان ثمَّ
стр. 207
الْجِهَاد ثمَّ الْحَج
وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود جعل الْأَفْضَل الصَّلَاة ثمَّ بر الْوَالِدين ثمَّ الْجِهَاد وَمَا سبق من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَي الْإِسْلَام أفضل قَالَ من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده يُوجب أَن هَذِه السَّلامَة هِيَ الْأَفْضَل وَحَدِيث عُثْمَان ﵁ وعنهم خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه يُوجب أَن هَذَا هُوَ الْأَفْضَل فِي أشباه لهَذَا غير قَليلَة وَقد لَبِثت دهرا لَا يَتَّضِح لي فِيهِ مَا ارتضيه حَتَّى وجدت صَاحب الْمِنْهَاج أَبَا عبد الله الْحَلِيمِيّ وَكَانَ عَلامَة وإماما لَا يشق غباره قد حكى فِي ذَلِك عَن شَيْخه الإِمَام الْعَلامَة أبي بكر الْقفال الشَّاشِي وَذكر أَنه كَانَ أعلم من لقِيه من عُلَمَاء عصره كلَاما شافيا وَقد اختصرته لاستشهاده فِيهِ بِبَعْض مَا لَا يسلم لَهُ ولخصته فتلخص مِنْهُ وَجْهَان أَحدهمَا أَن ذَلِك اخْتِلَاف جرى على حسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال إِذْ قد يُقَال خير الْأَشْيَاء كَذَا وَلَا يُرَاد تفضيله فِي نَفسه على جَمِيع الْأَشْيَاء بل يُرَاد أَنه خَيرهَا فِي حَال دون حَال ولواحد دون آخر فقد يتَضَرَّر إِنْسَان بِكَلَام فِي غير مَوْضِعه فَنَقُول مَا شَيْء أفضل من السُّكُوت ثمَّ قد يتَضَرَّر بِالسُّكُوتِ فِي غير مَوْضِعه فَنَقُول لَا شَيْء أفضل من التَّكَلُّم بِحَق وَمِمَّا تبدلت فِيهِ الْأَفْضَلِيَّة بتبدل الْحَال الصَّوْم يَوْم عَرَفَة فَهُوَ أفضل لغير الْحَاج وَالْفطر فِيهِ أفضل للْحَاج وَاسْتشْهدَ فِي ذَلِك بأخبار مِنْهَا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن
стр. 208
رَسُول الله ﷺ قَالَ حجَّة لمن لم يحجّ أفضل من أَرْبَعِينَ غَزْوَة وغزوة لمن حج أفضل من أَرْبَعِينَ حجَّة
الْوَجْه الثَّانِي أَنه يجوز أَن يُقَال أفضل الْأَعْمَال كَذَا وَالْمرَاد من أفضل الْأَعْمَال كَذَا وخيركم من فعل كَذَا وَالْمرَاد من خَيركُمْ كَمَا يُقَال فلَان أَعقل النَّاس وأفضلهم وَيُرَاد أَنه من أعقلهم وأفضلهم وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ خَيركُمْ خَيركُمْ لأَهله وَمن الْمَعْلُوم أَنه لَا يصير خير النَّاس مُطلقًا وَمن ذَلِك قَوْلهم أزهد النَّاس فِي الْعَالم جِيرَانه مَعَ أَنه قد يُوجد فِي غَيرهم من هُوَ أزهد مِنْهُم فِيهِ
قلت وعَلى هَذَا نقُول فِي هَذِه الْخِصَال الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث أما الْإِيمَان مِنْهَا فمعلوم بِغَيْر ذَلِك أَنه الْأَفْضَل مُطلقًا فَإِنَّهُ الأَصْل
وَأما الْبَاقِيَات من الْجِهَاد وَالصَّلَاة وَالْحج وبر الْوَالِدين وَغَيرهَا فَنَقُول كل وَاحِد مِنْهَا إِنَّه أفضل الْأَعْمَال فَحسب وَهِي مُتَسَاوِيَة فِي هَذَا الْوَصْف وَلِهَذَا جَاءَ مِنْهَا بِحرف الْوَاو فِي بعض الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة مَا جَاءَ فِي غَيرهَا بِحرف ثمَّ وَلَا يثبت بِحرف ثمَّ فِي ذَلِك تَفْضِيل بَعْضهَا على بعض بل يكون مَا تَقْتَضِيه ثمَّ من التَّرْتِيب وَالتَّأْخِير مصروفا إِلَى التَّرْتِيب وَالتَّأْخِير فِي الذّكر كَمَا فِي قَوْله ﵎ ﴿فك رَقَبَة أَو إطْعَام فِي يَوْم ذِي مسغبة يَتِيما ذَا مقربة أَو مِسْكينا ذَا مَتْرَبَة ثمَّ كَانَ من الَّذين آمنُوا﴾
стр. 209
وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ تَأْخِير الْإِيمَان عَن الْإِطْعَام وأنشدوا فِي ذَلِك ... قل لمن سَاد ثمَّ سَاد أَبوهُ ... ثمَّ قد سَاد قبل ذَلِك جده ...
وَإِنَّمَا تَأَخَّرت سيادة أَبِيه وسيادة جده فِي الذّكر وَالله أعلم وَلذَلِك شَوَاهِد غير مَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم
قَوْله حج مبرور قيل هُوَ الَّذِي لَا يخالطه مأثم وَقيل هُوَ المقبول ثمَّ من عَلَامَات الْقبُول أَن يزْدَاد بعده خيرا وَالله أعلم
قَوْله تعين صانعا أَو تصنع لأخرق الأخرق هَا هُنَا هُوَ الَّذِي لَا يحسن الْعَمَل والأخرق أَيْضا الَّذِي لَا رفق وَلَا سياسة لَهُ فِي أمره
وَالْمعْنَى إِذا رَأَيْت من يحاول عملا فَإِن كَانَ يُحسنهُ فأعنه عَلَيْهِ وَإِن لم يُحسنهُ فاعمله لَهُ
وَقَوله هَذَا تعين صانعا وَقع فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة الْمَذْكُور فِي روايتنا من أصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم الدِّمَشْقِي بِرِوَايَة الفراوي وَفِي الأَصْل الَّذِي بِخَط الْحَافِظ أبي عَامر بِرِوَايَة أبي الْفَتْح السَّمرقَنْدِي صانعا بالصَّاد الْمُهْملَة وبالنون وَهُوَ الصَّحِيح فِي نفس الْأَمر وَلكنه لَيْسَ رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة فَإِن هشاما إِنَّمَا رَوَاهُ بالضاد الْمُعْجَمَة من الضّيَاع وَهَكَذَا جَاءَ مُقَيّدا بِالْمُعْجَمَةِ من غير هَذَا الْوَجْه فِي كتاب مُسلم فِي رِوَايَة هِشَام وَأما الرِّوَايَة الْأُخْرَى عَن الزُّهْرِيّ فَتعين الصَّانِع فَهِيَ بالصَّاد الْمُهْملَة وَالنُّون وَهِي مَحْفُوظَة عَن الزُّهْرِيّ كَذَلِك وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ
стр. 210
يَقُول صحف هِشَام وَكَذَلِكَ نسب الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره هشاما إِلَى التَّصْحِيف فِيهِ
وَقد ذكر القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض أَنه بالضاد الْمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ لرواة كتاب مُسلم إِلَّا رِوَايَة أبي الْفَتْح السَّمرقَنْدِي
وَلَيْسَ الْأَمر على مَا حَكَاهُ فِي رِوَايَات أصولنا بِكِتَاب مُسلم وَمِنْهَا أصل الْحَافِظ أبي حَازِم العبدوي وأصل مَأْخُوذ عَن الجلودي فَمَا قيد فِيهَا فِي رِوَايَة الزُّهْرِيّ إِلَّا بالصَّاد الْمُهْملَة على مَا هُوَ الصَّوَاب وَالله أعلم
قَوْله فَمَا تركت أستزيده إِلَّا إرعاء عَلَيْهِ كَذَا وَقع من غير صرف أَن وَهُوَ جَائِز
قَوْله إرعاء عَلَيْهِ بِهَمْزَة فِي أَوله مَكْسُورَة وبالمد فِي آخِره أَي ابقاءا عَلَيْهِ كي لَا أَكثر عَلَيْهِ فأحرجه وَالله أعلم
القَوْل فِي أسانيدها أَبُو مراوح اللَّيْثِيّ هُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الْوَاو وبحاء مُهْملَة وَنسبه غير وَاحِد من المصنفين الْغِفَارِيّ وَقَالَ فِيهِ الْحَافِظ أَبُو عَليّ الغساني الْغِفَارِيّ ثمَّ اللَّيْثِيّ
قلت وَهُوَ فِي بعض رِوَايَاتنَا لهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه اللَّيْثِيّ وَفِي بَعْضهَا الْغِفَارِيّ وَقد أبان أَبُو عَليّ على أَنَّهُمَا لشخص وَاحِد
قَالَ ابْن عبد الْبر أَجمعُوا على أَنه ثِقَة وَلَيْسَ يُوقف لَهُ على اسْم واسْمه كنيته وَالله أعلم
قَالَ إِلَّا أَن مُسلم بن الْحجَّاج ذكره فِي الطَّبَقَات فَقَالَ اسْمه سعد وَذكره
стр. 211
فِي الكنى وَلم يذكر اسْمه وَالله أعلم
حبيب مولى عُرْوَة هُوَ بحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة وَالله أعلم
قَوْله الشَّيْبَانِيّ عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار فالشيباني هَذَا هُوَ أَبُو إِسْحَاق سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان واسْمه فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ مَوْلَاهُم الْكُوفِي وَالله أعلم
أَبُو يَعْفُور عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار قلت أَبُو يَعْفُور هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون أَبَا يَعْفُور الْأَصْغَر وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبيد نسطاس البكائي الثَّعْلَبِيّ بالثاء الْمُثَلَّثَة وَإِسْكَان الْعين
وَأَبُو يَعْفُور الْأَكْبَر يروي عَن ابْن عمر وَأنس وَكثير لم يرو عَنْهُم أَبُو
стр. 212
يَعْفُور الْأَصْغَر واسْمه وقدان وَيُقَال فِيهِ وَاقد ووقدان اكثر وَكَأَنَّهُ لقب
وَلَهُم أَبُو يَعْفُور آخر ثَالِث واسْمه عبد الْكَرِيم بن يَعْفُور الْجعْفِيّ الْبَصْرِيّ روى عَنهُ قُتَيْبَة وَيحيى بن يحيى وَغَيرهمَا وآباء يَعْفُور هَؤُلَاءِ كلهم ثِقَات وَالله أعلم
ابْن الْعيزَار بِعَين مُهْملَة مَفْتُوحَة بعْدهَا يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ زَاي منقوطة ثمَّ ألف ثمَّ رَاء مُهْملَة وَالله أعلم
ذكر مُسلم أَحَادِيث فِي الْكَبَائِر أعاذنا الله مِنْهَا وَمن سَائِر مَعَاصيه آمين
كَبَائِر الذُّنُوب عظائمها وتعرف الْكَبِيرَة بِأُمُور مِنْهَا وجوب الْحَد وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ الْكَبَائِر كل ذَنْب خَتمه الله بِنَار أَو غضب أَو لعنة أَو عَذَاب
وَرُوِيَ عَنهُ لَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار وَلَا كَبِيرَة مَعَ اسْتِغْفَار
ثمَّ لَا احصاء لعددها رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه سُئِلَ أَهِي سبع فَقَالَ هِيَ إِلَى سبعين وَفِي رِوَايَة إِلَى سَبْعمِائة أقرب وَمن أنكر انقسام الذُّنُوب إِلَى صغائر وكبائر قَائِلا إِنَّهَا بأسرها بِالنّظرِ إِلَى جلال الله تبَارك
стр. 213
وَتَعَالَى كَبَائِر كلهَا قُلْنَا لَهُ نعم هِيَ كَذَلِك وَلَكِن بَعْضهَا أعظم من بعض وتنقسم بِاعْتِبَار ذَلِك إِلَى مَا تكفره الصَّلَوَات الْخمس وَإِلَى مَا لَا تكفره هِيَ وَنَحْو ذَلِك فَسُمي بَعْضهَا صغائر بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقهَا وبالنظر إِلَى تيَسّر محوها وتكفيرها وَلَا سَبِيل إِلَى إِنْكَار ذَلِك من حَيْثُ الْمَعْنى وَلَا من حَيْثُ التَّسْمِيَة لتظاهر نُصُوص الْقُرْآن وَالسّنة على ذَلِك ولشيوع ذَلِك عَن السالفين والخالفين وَالله أعلم
ثمَّ إِن فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن أعظمها الشّرك وَهَذَا مُسْتَمر ثَابت على إِطْلَاقه وعمومه وَفِي حَدِيث أنس أَن أكبرها قَول الزُّور أَو قَالَ شَهَادَة الزُّور وَهَذَا وَإِن احْتمل أَن يَجْعَل شَامِلًا للشرك فَإِنَّهُ قَول وَشَهَادَة بأعظم الزُّور فَظَاهره أَن المُرَاد بِهِ شَهَادَة الزُّور على خصم وَعند حَاكم فَيحمل على أَن المُرَاد من أكبرها قَول الزُّور على مَا مهدنا سَبيله فِي قَوْله أفضل الْأَعْمَال الصَّلَاة
وَهَذَا لِأَن قتل الْمُؤمن عُدْوانًا أعظم من شَهَادَة الزُّور وَالله أعلم
قَوْله أَن تقتل ولدك مَخَافَة أَن يطعم مَعَك
يطعم بِفَتْح الْيَاء أَي يَأْكُل وَفِيه إِشَارَة إِلَى الوأد وَإِلَى معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ أَي فقر
وَقَوله أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك أَي امْرَأَة جَارك تُزَانِي أفحش وَأَغْلظ من تَزني وَهُوَ مَعَ امْرَأَة الْجَار أفحش مِنْهُ مَعَ امْرَأَة غَيره وَالله أعلم
стр. 214
قَوْله تَعَالَى ﴿يلق أثاما﴾ أَي جَزَاء إثمه وَقَالَ كثير من الْمُفَسّرين أثام وَاد فِي جَهَنَّم من دم وقيح أعاذنا الله الْكَرِيم
عقوق الْوَالِدين إيذاؤهما وَقطع رحمهمَا وأصل العق الْقطع والشق قَول شُعْبَة أكبر ظَنِّي ضبطناه مصححا عَلَيْهِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالله أعلم
قَوْله السَّبع الموبقات بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة وبضم الْمِيم أَي
стр. 215
المهلكات عَافَانَا الله الْعَظِيم
أسانيدها عَمْرو بن شُرَحْبِيل وَهُوَ أَبُو ميسرَة الْهَمدَانِي من أفاضل أَصْحَاب ابْن مَسْعُود ﵃
وشرحبيل هُوَ بِضَم الشين الْمُثَلَّثَة وَبعدهَا رَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ حاء مُهْملَة سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة ثمَّ يَاء وَلَام وَهُوَ اسْم عجمي غير منصرف
سعيد بن إِيَاس الْجريرِي بِضَم الْجِيم مَنْسُوب إِلَى جرير بن عباد بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء بطن من بكر بن وَائِل وَالله أعلم
следующие страницы →