Полный текст (229 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إِحْدَاهمَا أَنه بخاء مُعْجمَة وَالْأُخْرَى بحاء مُهْملَة وَحكى هَذِه عَن أَكثر شُيُوخه فِي الْكتاب واختارها ورجحها على أَن معنى ذَلِك من إحفاء الشَّوَارِب أَي اختصر وَلَا تكْثر عَليّ فِيمَا تكتبه إِلَيّ أَو إِنَّه من الإحفاء الَّذِي هُوَ الإلحاح والإستقصاء وَيكون عني بِمَعْنى عَليّ أَي استقص فِيمَا تخاطبني بِهِ
قلت وَهَذَا تكلّف لَيست فِيهِ رِوَايَة مُتَّصِلَة الْإِسْنَاد نضطر إِلَى قبُوله وَالله أعلم
أَبُو عقيل يحيى بن المتَوَكل صَاحب بهية وَهُوَ بِفَتْح الْعين وبهية بباء مُوَحدَة مَضْمُونَة وياء مثناة من تَحت مُشَدّدَة وَهِي امْرَأَة تروي عَن عَائِشَة ﵂ وَرُوِيَ أَنَّهَا سمتها بهية وَذكر ذَلِك كُله ابو عَليّ الغساني فِي تَقْيِيد المهمل وَالله أعلم
ذكر مُسلم بِإِسْنَادِهِ عَن أبي عون قَوْله فِي شهر بن حَوْشَب إِن شهرا نزكوه
فَقَوله نزكوه أَوله نون ثمَّ زَاي مفتوحتان أَي طعنوا فِيهِ مَأْخُوذ من النيزك بنُون مَفْتُوحَة بعْدهَا يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ زَاي مَفْتُوحَة وَهُوَ الرمْح الْقصير
وَرَوَاهُ كثير من رُوَاة مُسلم تَرَكُوهُ بِالتَّاءِ وَالرَّاء وَهُوَ تَصْحِيف
وَتَفْسِير مُسلم لَهُ يَنْفِيه وَشهر قد وَثَّقَهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين
стр. 72
وَغَيرهمَا وَالَّذِي ذكره فِيهِ ابْن أبي خَيْثَمَة أَنه ثِقَة حَكَاهُ عَن يحيى بن معِين وَاقْتصر عَلَيْهِ وَالْقلب إِلَى هَذَا أميل وَإِن ذكره جمَاعَة فِي كتبهمْ فِي الضُّعَفَاء وَقد ذكره أَبُو نعيم الْحَافِظ فِيمَن ذكرهم فِي حلية الْأَوْلِيَاء وَمَا ذكر فِي جرحه من أَخذه خريطة من بَيت المَال على جِهَة الْخِيَانَة لَهُ محمل يدْرَأ عَنهُ الْقدح الْمسْقط وَقَول ابْن حبَان
إِنَّه سرق عَيْبَة من عديله فِي الْحَج غير مَقْبُول وَالله أعلم
ذكر مُسلم روح بن غطيف صَاحب حَدِيث تُعَاد الصَّلَاة من قدر الدِّرْهَم فَوَقع فِي أصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم الدِّمَشْقِي العساكري وأصل بِخَط
стр. 73
الْحَافِظ أبي عَامر الْعَبدَرِي بِرِوَايَة أبي الْفَتْح السَّمرقَنْدِي عَن عبد الغافر الْفَارِسِي وَفِي غَيرهمَا وَفِي رِوَايَة جمَاعَة آخَرين من رُوَاة الْكتاب ابْن غُضَيْف بضاد مُعْجمَة وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا هُوَ بِالطَّاءِ الْمُهْملَة من وُجُوه مُعْتَمدَة وَهُوَ كَذَلِك مَحْفُوظ مَعْرُوف وَهُوَ عِنْدِي على الصَّوَاب فِيمَا انتخبته من أصل فِيهِ سَماع شَيخنَا أبي الْحسن الطوسي وَعَلِيهِ خطّ شَيْخه الفراوي وقرأته عَلَيْهِ عِنْد قبر مُسلم وَالله أعلم
قَوْله حس الْحَارِث بِالشَّرِّ هَكَذَا وَقع بِغَيْر همزَة فِي أَوله فِيمَا عندنَا من الْأُصُول هُوَ لُغَة قَليلَة فِي أحس وَعَلَيْهَا يَسْتَقِيم قَول الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم
الحاسة والحواس الْخمس وَالْمَعْرُوف أَن حس مَعْنَاهُ قتل أَو قتل قتلا
стр. 74
ذريعا وَالله أعلم
يحيى بن الجزار هُوَ بِالْجِيم وَالزَّاي المنقوطة وَالرَّاء الْمُهْملَة أَي القصاب وَلَيْسَ فِي الْكتاب غَيره كَذَلِك وَالله أعلم
قَول أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ لقِيت زِيَاد بن مَيْمُون وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي فعبد الرَّحْمَن مَرْفُوعا عطفا على الضَّمِير فِي قَوْله لقِيت وَإِن لم يُؤَكد الضَّمِير اكتفاءا بِمَا حصل من الْفَصْل
وَحَدِيث العطارة الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ حَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ زِيَاد بن مَيْمُون عَن أنس ان أمْرَأَة يُقَال لَهَا الحولاء عطارة كَانَت بِالْمَدِينَةِ دخلت على عَائِشَة ﵂ وَذكرت خَبَرهَا مَعَ زَوجهَا وشكواها لَهُ وَأَن عَائِشَة ذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فِي حَدِيث طَوِيل لَا يَصح وَالله أعلم
стр. 75
مَا ذكره مُسلم من تَصْحِيف عبد القدوس فِي سُوَيْد بن عقلة وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف وَإِنَّمَا هُوَ بالغين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَصَوَابه ومصحفه كِلَاهُمَا بِالْفَتْح فِي جَمِيع حُرُوفه على وزان عدسة
وَمَا ذكره من تصحيفه فِي النَّهْي عَن أَن تتَّخذ الرّوح غَرضا هُوَ انه فتح الرَّاء من الرّوح وَقَالَ عرضا بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة واسكان الرَّاء وَإِنَّمَا هُوَ الرّوح بِضَم الرَّاء وغرضا بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء المفتوحتين وَالله أعلم
وَذكر أبان بن أبي عَيَّاش وَأَبَان كُنَّا نَخْتَار صرفه ذَهَابًا إِلَى أَن لَهُ محملًا صَحِيحا يصحح صرفه فَيحمل عَلَيْهِ فَإِن الصّرْف هُوَ الأَصْل
وَذَلِكَ مَا ذكره مُحَمَّد بن جَعْفَر النَّحْوِيّ فِي كِتَابه جَامع اللُّغَة من أَنه يجوز أَن يكون فعالا مصدرا من أبن الرجل إِذا مَاتَ ثمَّ وجدت مَا عضد ذَلِك عَن ابي مُحَمَّد بن السَّيِّد البطليوسي وَهُوَ أَنه اخْتَار صرف أبان وَذكر انه فعال وَمن ترك صرفه جعله فعلا مَاضِيا وَالله أعلم
ذكر مُسلم المعلي بن عرفان وعرفان هُوَ بِضَم الْعين الْمُهْملَة فِي
стр. 76
أصل أصيل بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل تأليف الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ وَهُوَ بِخَط ضَابِط موثوق بِهِ ذكر أَنه قابله بِخَط مُصَنفه وَذكر سعد الْخَيْر ابْن مُحَمَّد الأندلسي أَنه وجده بِالضَّمِّ أَيْضا فِي أصل موثوق بِهِ بتاريخ البُخَارِيّ الْكَبِير وَيُقَال بِكَسْر الْعين وَبِذَلِك ضَبطه فِي الْكتاب بِخَطِّهِ أَبُو عَامر الْعَبدَرِي ﵀ وَالله أعلم
صَالح مولى التوءمة يُقَال فِيهِ التؤمة بِضَم التَّاء وهمزة على الْوَاو مَفْتُوحَة وَقَالَهُ كَذَلِك كثير من الروَاة والمشايخ وَهُوَ خطأ
وَالصَّوَاب التوءمة بِفَتْح التَّاء ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ همزَة مَفْتُوحَة وَقد تطرح الْهمزَة وتنتقل فتحتها إِلَى الْوَاو
والتوءمة هَذِه هِيَ ابْنة أُميَّة بن خلف الجُمَحِي سميت بذلك لِأَنَّهَا كَانَت مَعَ أُخْت لَهَا فِي بطن وَاحِد وَالله أعلم
وَقع فِي أصل عندنَا مَأْخُوذ عَن الجلودي وَفِي غَيره من الْأُصُول وَضعف
стр. 77
يحيى بن مُوسَى بن دِينَار بِزِيَادَة ابْن بَين مُوسَى وَيحيى وَكَذَلِكَ حَكَاهُ صَاحب تَقْيِيد المهمل عَن أَكثر النّسخ وَهُوَ غلط كَأَنَّهُ وَقع من رُوَاة مُسلم وَصَوَابه وَضعف يحيى مُوسَى بن دِينَار بِحَذْف ابْن بَين يحيى وَهُوَ الْقطَّان وَبَين مُوسَى وَقد صَححهُ كَذَلِك صَاحب التَّقْيِيد أَبُو عَليّ الغساني وَغَيره وَالله أعلم
اخْتلفت الْأُصُول عندنَا فِي قَول مُسلم فِي الْأَحَادِيث الضعيفة ولعلها أَو أَكْثَرهَا أكاذيب لَا أصل لَهَا
فَوَقع ذَلِك هَكَذَا فِي أصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم رِوَايَته عَن الفراوي عَن عبد الغافر الْفَارِسِي وَوَقع فِي غَيره وأقلها أَو أَكْثَرهَا أكاذيب وهما رِوَايَتَانِ ذكرهمَا القَاضِي عِيَاض المغربي وَنسب الأولى إِلَى رِوَايَة عبد الغافر الْفَارِسِي وصححها وَنسب الثَّانِيَة إِلَى رِوَايَة أبي الْعَبَّاس العذري الرَّاوِي عَن الرَّاوِي عَن الجلودي ووصفها بالاختلال والتصحيف
وَلَا تبلغ بهَا الْحَال إِلَى ذَلِك فَإِن الترديد بَين الْأَقَل وَالْأَكْثَر قد يَقع من الحذر المتحري وَالله أعلم
ذكر مُسلم عَن بعض منتحلي الحَدِيث من أهل عصره أَنه ذهب فِي الْأَحَادِيث المعنعنة وَهِي الْمَقُول فِيهَا فلَان عَن فلَان إِلَى أَنه لَا تقوم بهَا الْحجَّة حَتَّى يثبت أَن فلَانا وَفُلَانًا قد التقيا واجتمعا مرّة أَو أَكثر اَوْ سمع أَحدهمَا من الآخر أَو نَحْو ذَلِك وَإِذا لم يثبت ذَلِك وَلَكِن ثَبت أَنَّهُمَا متعاصران لم يكتف بذلك وَلم يحْتَج بِهِ
стр. 78
وَأخذ مُسلم فِي رد هَذَا على قَائِله وَفِي الطعْن عَلَيْهِ حَتَّى أفرط وَادّعى أَنه قَول سَاقِط مخترع مستحدث لم يسْبق صَاحبه إِلَيْهِ وَلَا ساعده أحد من أهل الْعلم عَلَيْهِ وَأَن الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم بالأخبار أَنه يَكْتَفِي فِي ذَلِك بكونهما فِي عصر وَاحِد مَعَ إِمْكَان التلاقي وَالسَّمَاع وَاحْتج بِمَا اختصاره أَن المعنعن عِنْدهم يحمل على الإتصال إِذا ثَبت التلاقي بَينهمَا وَلم يعرف بتدليس مَعَ إِمْكَان الْإِرْسَال فِيهِ اكْتِفَاء بِإِمْكَان السماع فَكَذَلِك إِذا ثَبت مُجَرّد التعاصر وَأمكن التلاقي
وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ مُسلم هُوَ المستنكر وَمَا أنكرهُ قد قيل إِنَّه القَوْل الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْعلم عَليّ بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا وَمِنْهُم من لم يقْتَصر فِي ذَلِك على اشْتِرَاط مُطلق اللِّقَاء أَو السماع وَزَاد عَلَيْهِ فَاشْترط أَبُو عَمْرو الداني المقرىء الْحَافِظ أَن يكون مَعْرُوفا بالرواية عَنهُ
وَاشْترط أبي الْحسن الْقَابِسِيّ الْمَالِكِي أَن يكون قد أدْرك الْمَنْقُول عَنهُ إدراكا بَينا
وَاشْترط أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ الشَّافِعِي طول الصِّحَّة بَينهمَا
وَالْجَوَاب عَمَّا احْتج بِهِ مُسلم أَنا قبلنَا المعنعن وحملناه على الإتصال بعد ثُبُوت التلاقي مِمَّن لم يعرف مِنْهُ تَدْلِيس لِأَنَّهُ لَو لم يكن قد سَمعه مِمَّن رَوَاهُ عَنهُ لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَة عَنهُ مدلسا وَالظَّاهِر سَلَامَته من وصمة التَّدْلِيس وَمثل هَذَا غير مَوْجُود فِيمَا إِذا لم يعلن تلاقيهما وَمَا أَتَى بِهِ مُسلم من الإفراط فِي الطعْن على مخالفه يَلِيق بِمن يُخَالف فِي مُطلق المعنعنة فَكَأَنَّهُ لما توهم عدم الْفرق بَين الصُّورَتَيْنِ طرد ذَلِك فِي الصُّورَة الْمَذْكُورَة أَيْضا وَالله أعلم
стр. 79
- أَحَادِيث الْإِيمَان
-
أَولهَا حَدِيث يحيى بن يعمر عَن أَبِيه ﵄ تفرد مُسلم عَن البُخَارِيّ بِإِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيح واتفقا على إِخْرَاج حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي الْوَارِد فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ حَدِيث عَظِيم الْقدر عده بَعضهم فِي الْأَحَادِيث الَّتِي مدَار الدّين عَلَيْهَا
стр. 80
فَقَوْل يحيى بن يعمر يتقفرون الْعلم وَهُوَ بِتَقْدِيم الْقَاف على الْفَاء هَذَا هُوَ الثَّابِت فِي أصولنا وَفِي روايتنا وَهُوَ الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة فِيهِ وَمَعْنَاهُ يطلبونه ويتتبعونه وَقيل مَعْنَاهُ يجمعوه
وَمِنْهُم من رُوَاة بِتَقْدِيم الْفَاء عل الْقَاف أَي يبحثون عَن غامضه ويستخرجون خفيه
وَقَوله وَذكر من شَأْنهمْ لَيْسَ من قَول يحيى بن يعمر وَإِنَّمَا هُوَ من قَول بعض من هُوَ دونه من الروَاة أَي وَذكر يحيى من شَأْن الْمَذْكُورين غير ذَلِك
وَمَا حَكَاهُ عَن الْقَدَرِيَّة من قَوْلهم إِن الْأَمر أنف هُوَ بِضَم الْهمزَة وَالنُّون مَعًا أَي مُسْتَأْنف لم يسْبق بِهِ سَابق قدر وَلَا علم من الله ﵎ وَهُوَ مَذْهَب غلاة الْقَدَرِيَّة وكذبوا وَضَلُّوا
وَقَول عمر لَا نرى عَلَيْهِ أثر السّفر
стр. 81
هُوَ فِي أصل الْحَافِظ أبي حَازِم العبدوي بِخَطِّهِ نرى بالنُّون وَالله أعلم قَوْله ﷺ الْإِسْلَام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا وَقَوله فِي الْإِيمَان أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره
فَهَذَا بَيَان لأصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن إِذْ قَوْله أَن تؤمن مَعْنَاهُ أَن تصدق وَبَيَان لأصل الْإِسْلَام وَهُوَ الاستسلام والانقياد الظَّاهِر وَحكم الْإِسْلَام فِي الظَّاهِر يثبت بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنَّمَا أضَاف إِلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج لِأَنَّهَا أظهر شَعَائِر الْإِسْلَام وَأَعْظَمهَا وبقيامه بهَا يتم استسلامه وَتَركه لَهَا يشْعر بانحلال قيد انقياده أَو اختلاله ثمَّ إِن اسْم الْإِيمَان يتَنَاوَل مَا فسر بِهِ الْإِسْلَام فِي هَذَا الحَدِيث وَسَائِر الطَّاعَات لكَونهَا ثَمَرَات للتصديق الْبَاطِن الَّذِي هُوَ أصل الْإِيمَان ومقويات ومتممات وحافظات لَهُ
وَلِهَذَا فسر ﷺ الْإِيمَان فِي حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَإِعْطَاء الْخمس من الْمغنم
وَلِهَذَا لَا يَقع اسْم الْمُؤمن الْمُطلق على من ارْتكب كَبِيرَة أَو ترك فَرِيضَة لِأَن اسْم الشَّيْء مُطلقًا يَقع على الْكَامِل مِنْهُ وَلَا يسْتَعْمل فِي النَّاقِص ظَاهرا إِلَّا بِقَيْد
стр. 82
وَلذَلِك جَازَ إِطْلَاق نَفْيه عَنهُ فِي مثل قَوْله ﷺ لَا يسرق السَّارِق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن
وَاسم الْإِسْلَام يتَنَاوَل أَيْضا مَا هُوَ أصل الْإِيمَان وَهُوَ التَّصْدِيق الْبَاطِن ويتناول سَائِر الطَّاعَات فَإِن ذَلِك كُله استسلام أَيْضا
فَخرج مِمَّا ذَكرْنَاهُ وحققناه أَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام يَجْتَمِعَانِ ويفترقان وَأَن كل مُؤمن مُسلم وَلَيْسَ كل مُسلم مُؤمنا
فَهَذَا وَالْحَمْد لله الْهَادِي تَحْقِيق واف بالتوفيق بَين متفرقات نُصُوص الْكتاب وَالسّنة الْوَارِدَة فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام الَّتِي طالما غلط فِيهَا الخائضون
قَالَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ ﵀ وَكَانَ أحد الْمُحَقِّقين مَا أَكثر مَا يغلط النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا حققناه من ذَلِك مُوَافق لمذاهب جَمَاهِير الْعلمَاء من أهل الحَدِيث وَغَيرهم وَالله أعلم
وَتَفْسِيره ﷺ الْإِحْسَان رَاجع إِلَى الْإِخْلَاص ومراقبة العَبْد ربه ﵎ فِي عِبَادَته وَتَمام الْخُشُوع والخضوع رزقنا الله ذَلِك
وَقَوله أَن تَلد الْأمة ربتها وَفِي الحَدِيث بعده رَبهَا مَعْنَاهُ سيدتها
стр. 83
وسيدها وَهُوَ إِخْبَار عَن كَثْرَة أَوْلَاد السراري حِينَئِذٍ إِذْ وَلَدهَا من سَيِّدهَا بِمَنْزِلَة سَيِّدهَا
وَقيل مَعْنَاهُ أَن تَلد الْإِمَاء الْمُلُوك
والعالة هم الْفُقَرَاء وَفِي رِوَايَة رويناها أَنه سَأَلَهُ عَنْهُم فَقَالَ العريب وَهُوَ تَصْغِير الْعَرَب وَالْمَفْهُوم مِنْهُ أهل الْبَادِيَة مِنْهُم أَي أَنهم يصيرون ملوكا ويتباهون فِي الْبناء
وَقَوله فَلَبثت مَلِيًّا أَي وقتا طَويلا وروى التِّرْمِذِيّ أَنه قَالَ لَهُ ذَلِك بعد ثَلَاث
وَقَول مُسلم حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد الغبري هُوَ بغين مُعْجمَة مَضْمُومَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء مُهْملَة مَنْسُوب إِلَى غبر بن غنم بطن من يشْكر بن بكر بن وَائِل وَالله أعلم
حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ فِيهِ جمع فِي تَفْسِير الْإِيمَان بَين
стр. 84
الْإِيمَان بلقاء الله وَالْإِيمَان بِالْبَعْثِ الآخر وَوَجهه أَن لقاه تَعَالَى يحصل بالإنتقال من الدُّنْيَا إِلَى دَار الْجَزَاء وَذَلِكَ يتَقَدَّم على الْبَعْث
وَقيل إِن ذَلِك عبارَة عَن مَا يكون بعد الْبَعْث عِنْد الْحساب
وَأما وصف الْبَعْث بِالْآخرِ فقد قيل فِيهِ هُوَ مُبَالغَة فِي الْبَيَان وَأَيْضًا فخروجه من الدُّنْيَا بعث أول
قلت وَهَذَا بعيد فَإِن خُرُوجه مِنْهَا وَاقع بِالْمَوْتِ وَهُوَ ضد الْبَعْث وَوَجهه عِنْدِي أَن الْبَعْث حَيَاة ثَانِيَة بعد حَيَاة أولى ونشأة أخرة بعد نشأة أولى وَالله أعلم
قَوْله وَإِذا تطاول رعاء البهم فِي الْبُنيان فَذَاك من أشراطها فالبهم بِفَتْح الْبَاء أَوْلَاد الضَّأْن عِنْد بَعضهم وَقيل أَوْلَاد الضَّأْن والمعز جَمِيعًا
وأشراط السَّاعَة أوائلها ومقدماتها وَقيل علاماتها وَاحِدهَا شَرط بِفَتْح الشين وَالرَّاء وَالله أعلم
стр. 85
قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِذا ولدت الْأمة بَعْلهَا
مَعْنَاهُ أَيْضا رَبهَا أَي سَيِّدهَا على مَا سبق تَفْسِيره فقد ورد فِي اللُّغَة بعل الشَّيْء بِمَعْنى ربه ومالكه وَالله أعلم
وَقَوله فِي رِوَايَة أُخْرَى وَإِذا رَأَيْت الحفاة العراة الصم الْبكم مُلُوك الأَرْض أَي الجهلة وَالله أعلم
حَدِيث طَلْحَة ﵁ قَوْله فِيهِ رجل ثَائِر الرَّأْس بالثاء
стр. 86
الْمُثَلَّثَة أَي قَائِم شعر الرَّأْس منتفشه
وَقَوله نسْمع دوِي صَوته وَلَا نفقه مَا يَقُول
هُوَ بالنُّون فِي نسْمع ونفقه كَذَلِك هُوَ فِيمَا عندنَا من الْأُصُول الْأَرْبَعَة السَّابِقَة نسبتها عَن الجلودي وَعَن الْحفاظ أبي حَازِم العبدوي وَأبي عَامر الْعَبدَرِي وَأبي الْقَاسِم العساكري
غير أَن فِي بَعْضهَا اقتصارا على ذَلِك فِي إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ
ودوي صَوته بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَهُوَ علوه وَبعده فِي الْهَوَاء وَقَوله إِلَّا أَن تطوع مُحْتَمل لتشديد الطَّاء على إدغام إِحْدَى التائين وَبِغير تَشْدِيد الطَّاء على حذف إِحْدَى التائين تَحْقِيقا على مَا عرف فِي أَمْثَاله
وَقَوله فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول وَالله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص مِنْهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أَفْلح إِن صدق
هَذَا الْفَلاح رَاجع إِلَى قَوْله لَا انقص خَاصَّة إِذْ من الْمَعْلُوم عِنْد كل من يعقل من أَعْرَابِي وعربي وعامي وخاصي أَن الْفَلاح لَا يناط بترك مَا زَاد على ذَلِك
стр. 87
من نوافل الْخيرَات والطاعات وللعلم بذلك أطلق رَسُول الله ﷺ قَوْله ذَلِك وَلم يُقَيِّدهُ
وَقَوله فِي رِوَايَة أُخْرَى أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق لَيْسَ حلفا بِأَبِيهِ وَإِنَّمَا هَذِه كلمة جرت عَادَة الْعَرَب بِأَنَّهُم يبدؤون بهَا كَلَامهم من غير قصد لقسم مُحَقّق وَالله أعلم
ثمَّ انه يشكل على غير اليقظ المتأمل أَنه ذكر فِي تَفْسِير الْإِسْلَام فِي هَذَا الحَدِيث الصَّلَوَات الْخمس وَالصَّوْم وَالزَّكَاة فَحسب دون سَائِر مَا ذكر فِي تَفْسِير الْإِسْلَام فِي حَدِيث جِبْرِيل ﷺ وَكَذَلِكَ لم يذكر الْحَج فِي حَدِيث جِبْرِيل ﷺ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَهَكَذَا احاديث أخر فِي هَذَا الصَّحِيح وَغَيره تفَاوت فِي عدد الْخِصَال زِيَادَة ونقصا والمفسر وَاحِد
فَأَقُول وَالله الْمُوفق إِن ذَلِك لَيْسَ باخْتلَاف صادر من رَسُول الله ﷺ بل ذَلِك ناشىء من تفَاوت الروَاة فِي الْحِفْظ والضبط فَمنهمْ من قصر فاقتصر على مَا حفظه فأداه وَلم يتَعَرَّض لما زَاده غَيره بِنَفْي وَلَا إِثْبَات وَإِن كَانَ اقْتِصَاره على مَا ذكره يشْعر بِأَن ذَلِك هُوَ الْكل فقد بَان بِمَا أَتَى بِهِ غَيره من الثِّقَات إِن ذَلِك لَيْسَ بِالْكُلِّ وَإِن
стр. 88
اقْتِصَاره عَلَيْهِ لقُصُور حفظه عَن تَمَامه
أَلا ترى حَدِيث النُّعْمَان بن قوقل الَّاتِي ذكره فِي الْكتاب قَرِيبا اخْتلفت الرِّوَايَات فِي خصاله بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان مَعَ أَن رَاوِي الْجَمِيع راو وَاحِد وَهُوَ جَابر فِي قَضِيَّة وَاحِدَة
ثمَّ إِن البُخَارِيّ روى فِي صَحِيحه فِي حَدِيث طَلْحَة الْمَذْكُور بِعَيْنِه فِي رِوَايَة لَهُ فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ بشرائع الْإِسْلَام فَقَالَ وَالَّذِي أكرمك لَا أتطوع شَيْئا وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله عَليّ شَيْئا فَبَان بِهَذَا صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ وللفظ هَذِه الرِّوَايَة أعرضنا عَن قَول من قَالَ فِي قَوْله لَا أَزِيد على هَذَا وَلَا أنقص إِنَّه لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَا يتَنَفَّل بل مَعْنَاهُ لَا يزِيد فِي المفترض بِأَن يفترض على نَفسه مَا لم يفترضه الله كَمَا فعله أهل الْكتاب وَالله أعلم
ثمَّ إِن ذَلِك لَا يمْنَع من إِيرَاد الْجَمِيع فِي الصَّحِيح لما عرف فِي مَسْأَلَة زِيَادَة الثِّقَة من أننا نقبلها وَلَا ننعطف على من لم يذكرهَا بقدح ورد وَالله أعلم
стр. 89
حَدِيث أنس الْمَذْكُور بعد هَذَا فِيهِ فجَاء رجل من أهل الْبَادِيَة فَقَالَ يَا مُحَمَّد أَتَانَا رَسُولك فَزعم لنا أَنَّك تزْعم أَن الله أرسلك قَالَ صدق
هَذَا الرجل هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة بضاد مُعْجمَة مَكْسُورَة وَهُوَ من بني سعد بن بكر بن هوَازن قَبيلَة حليمة الَّتِي أرضعت سيدنَا مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 90
قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر حَافظ أهل الْمغرب روى حَدِيثه ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَأنس بن مَالك وَطَلْحَة بن عبيد الله ﵃ وَكلهَا طرق صِحَاح وَذكر أَن طَلْحَة لم يسمه وَهَذَا من أبي عمر حكم بِأَن النجدي الْمَذْكُور فِي حَدِيث طَلْحَة هُوَ ضمام بن ثَعْلَبَة أَيْضا
وَفِي هَذَا نظر لِأَنَّهُ إِذا لم يسمه طَلْحَة كَمَا اعْترف أَبُو عمر بِهِ فَمن أَيْن لَهُ أَنه أَرَادَهُ بِالرجلِ الَّذِي لم يسمه وَقَوله أَنَّك تزْعم مَعَ تَصْدِيق رَسُول الله ﷺ لَهُ دَال على أَن زعم لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْكَذِبِ وَبِمَا لَيْسَ بمحقق بل قد يَجِيء بِمَعْنى قَالَ مُسْتَعْملا فِي الْحق الْمُحَقق وَفِي غَيره وَقد نقل مصداق ذَلِك أَبُو عمر الزَّاهِد فِي شَرحه للفصيح عَن شَيْخه أبي الْعَبَّاس ثَعْلَب عَن الْعلمَاء باللغة من الْكُوفِيّين والبصريين قَالَ أَبُو الْعَبَّاس وَمِنْه قَول الْفُقَهَاء زعم مَالك زعم الشَّافِعِي قَالَ مَعْنَاهُ كُله قَالَ وَالله أعلم
وَفِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة على صِحَة مَا ذهب إِلَيْهِ أَئِمَّة الْعلمَاء فِي أَن الْعَوام
стр. 91
المقلدين مُؤمنُونَ وَأَنه يَكْتَفِي مِنْهُم بِمُجَرَّد اعْتِقَادهم الْحق جزما من غير شكّ وتزلزل خلافًا لمن أنكر ذَلِك من الْمُعْتَزلَة
وَذَلِكَ أَنه ﷺ قرر ضماما على مَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي تعرف رسَالَته وَصدقه ﷺ من مناشدته وَمُجَرَّد إخْبَاره إِيَّاه بذلك وَلم يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك قَائِلا لَهُ إِن الْوَاجِب عَلَيْك أَن تستدرك ذَلِك من النّظر فِي معجزاتي وَالِاسْتِدْلَال بالأدلة القطعية الَّتِي تفيدك الْعلم وَالله أعلم
قَول أبي أَيُّوب ﵁ فَأخذ بِخِطَام نَاقَته أَو بزمامها هُوَ مَا يشد على رَأس الْبَعِير من حَبل أَو سير أَو نَحْو ذَلِك ليقاد بِهِ وَأما الخطام فقد ذكر الْأَزْهَرِي أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ مَا مَعْنَاهُ أَنه الْحَبل الَّذِي يعلق فِي حلق الْبَعِير ثمَّ يثنى على أَنفه وَلَا يثقب لَهُ الْأنف وَالله أعلم
стр. 92
وَقَوله فِيهِ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن تمسك بِمَا أَمر بِهِ دخل الْجنَّة روينَاهُ مِمَّا يعْتَمد من أصل الْحَافِظ أبي الْقَاسِم العساكري أَمر بِضَم الْهمزَة بِهِ بِالْبَاء الَّتِي هِيَ حرف الْجَرّ وَمن خطّ الْحَافِظ أبي عَامر الْعَبدَرِي أَمرته بِفَتْح الْهمزَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق الَّتِي هِيَ ضمير الْمُتَكَلّم وَيكون على هَذَا قد حذف مِنْهُ بِهِ وَهُوَ جَائِز وَالله أعلم
النُّعْمَان بن قوقل بقافين على وزان نَوْفَل
وَقَوله حرمت الْحَرَام وأحللت الْحَلَال أما تَحْرِيمه الْحَرَام فَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ بِهِ الْأَمريْنِ أَن يَعْتَقِدهُ وَأَن لَا يَفْعَله بِخِلَاف تَحْلِيل الْحَلَال فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرّد الإعتقاد وَالله أعلم
حَدِيث ابْن عمر ﵄ بني الْإِسْلَام على خمس
стр. 93
فِي بعض رواياته الِاقْتِصَار على إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ وَهِي شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَحسب وَالشَّهَادَة الْأُخْرَى محذوفة مُرَادة اكتفاءا بِذكر إِحْدَى القرينتين عَن ذكر الْأُخْرَى
وَقَوله وَصِيَام رَمَضَان وَالْحج فَقَالَ رجل الْحَج وَصِيَام رَمَضَان قَالَ لَا صِيَام رَمَضَان وَالْحج هَكَذَا سمعته من رَسُول الله ﷺ
ورويناه فِي كتاب أبي عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ الْمخْرج على شَرط مُسلم وَكتابه على الْعَكْس مِمَّا رَوَاهُ مُسلم وَأَن ابْن عمر قَالَ للرجل اجْعَل صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعت من فِي رَسُول الله ﷺ وَلم يذكر رِوَايَة مُسلم لهَذِهِ وَلنْ يُقَاوم ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم وَقد رَوَاهُ مُسلم من غير ذكر قصَّة الرجل من وَجْهَيْن فيهمَا وَحج الْبَيْت وَصَوْم رَمَضَان بِتَقْدِيم الْحَج على الصَّوْم
فَأَقُول أما مُحَافظَة ابْن عمر ﵄ على التَّرْتِيب فِي الذّكر على مَا
стр. 94
سَمعه من رَسُول الله ﷺ وَنَهْيه عَن عَكسه فَهُوَ مِمَّا يصلح حجَّة لمن قَالَ إِن الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَهُوَ مَذْهَب كثير من الْفُقَهَاء الشافعيين وشذوذ من النَّحْوِيين
وَمن قَالَ إِنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَهُوَ الْمُخْتَار وَقَول الْجُمْهُور فَلهُ أَن يَقُول فِيمَا رَوَاهُ مُسلم لم يكن ذَلِك من ابْن عمر لكَون الْوَاو مرتبَة بل لِأَن صَوْم رَمَضَان نزلت فرضيته فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وَنزلت فَرضِيَّة الْحَج فِي سنة سِتّ وَقيل سنة تسع بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وَمن حق الأول أَن يتَقَدَّم فِي الذّكر على الآخر
وَهَكَذَا نقُول نَحْو ذَلِك فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الأهم يقدم فِي الذّكر وَإِن لم يعْطف ذَلِك بِحرف الْوَاو فَكَانَت مُحَافظَة ابْن عمر على ذَلِك لمثل ذَلِك وَأما مُخَالفَة من خَالف من رُوَاة الحَدِيث لما نَص عَلَيْهِ ابْن عمر الرَّاوِي لَهُ فِي قصَّة الرجل فَرَوَاهُ عَنهُ بِتَقْدِيم ذكر الْحَج على ذكر الصَّوْم
فَكَأَن ذَلِك وَقع مِمَّن كَانَ يرى الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى وَيرى أَن تَأْخِير الأول أَو الأهم فِي الذّكر شَائِع فِي اللِّسَان فتصرف فِيهِ بالتقديم وَالتَّأْخِير لذَلِك مَعَ كَونه لم يسمع نهي ابْن عمر عَن ذَلِك
فَافْهَم ذَلِك فَإِنَّهُ من الْمُشكل الَّذِي لم أرهم بَينُوهُ وَالله أعلم
стр. 95
حَدِيث وَفد عبد الْقَيْس بِرِوَايَاتِهِ رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث شُعْبَة وَغَيره عَن أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس
стр. 96
وَأَبُو جَمْرَة هَذَا هُوَ بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُهْملَة وَهُوَ نصر بن عمرَان الضبعِي الْبَصْرِيّ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذِهِ الكنية أحد سوى نصر هَذَا
وَقد ذكرت فِي كتابي معرفَة عُلُوم الحَدِيث عَن بعض الْحفاظ أَن شُعْبَة روى عَن سَبْعَة كلهم أَبُو حَمْزَة عَن ابْن عَبَّاس وَكلهمْ أَبُو حَمْزَة بِالْحَاء وَالزَّاي المنقوطة إِلَّا وَاحِدًا هُوَ بِالْجِيم وَالرَّاء المغفلة وَهُوَ نصر بن عمرَان
وَالْفرق بَينهم يدْرك بِأَن شُعْبَة إِذا أطلق وَقَالَ عَن أبي جَمْرَة عَن ابْن عَبَّاس فَهُوَ نصر بن عمرَان وَإِذا روى عَن غَيره مِمَّن هُوَ بِالْحَاء وَالزَّاي فَهُوَ يذكر اسْمه أَو نسبه وَالله أعلم
стр. 97
قَوْله فِي الرِّوَايَة الأولى فَقَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّا هَذَا الْحَيّ من ربيعَة وَقد حَالَتْ بَيْننَا وَبَيْنك كفار مُضر الَّذِي نختاره فِيهِ نصب قَوْله الْحَيّ على على التَّخْصِيص
وَالْخَبَر فِي قَوْلهم من ربيعَة وَمَعْنَاهُ إِنَّا هَذَا الْحَيّ حَيّ من ربيعَة وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى إِنَّا حَيّ من ربيعَة وَالله أعلم
قَوْلهم وَلَا نخلص إِلَيْك إِلَّا فِي شهر الْحَرَام صَحَّ هَكَذَا فِي أصولنا بِإِضَافَة شهر الْحَرَام وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي نَظَائِره من قَوْلهم دَار الْآخِرَة وَمَسْجِد الْجَامِع وَنَحْو ذَلِك فعلى طَريقَة النَّحْوِيين الْكُوفِيّين هُوَ إِضَافَة للموصوف إِلَى صفته وَذَلِكَ عِنْدهم سَائِغ وَلَا يسوغ ذَلِك أَصْحَابنَا النحويون البصريون وَيَقُولُونَ تَقْدِير ذَلِك شهر الْوَقْت وَمَسْجِد الْمَكَان الْجَامِع وَدَار الْحَيَاة الْآخِرَة وَنَحْو ذَلِك وَالله أعلم
стр. 98
قَوْله ﷺ وأنهاكم عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمقير
وَأما الدُّبَّاء فَهُوَ بدال مغفلة مَضْمُومَة ثمَّ بَاء مُشَدّدَة بعْدهَا مُدَّة وَهُوَ القرع
وَأما الحنتم فَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالنُّون وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْمِيم على وزان جَعْفَر وَهُوَ جمع حنتمة وَقد اخْتلف فِي مَعْنَاهُ على وُجُوه أَحدهَا وَهُوَ أقواها إِنَّه الجرار الْخضر وَذَلِكَ مَرْوِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي كتاب الْأَشْرِبَة من هَذَا الصَّحِيح وَقَالَ بِهِ غير وَاحِد من أهل اللُّغَة والغريب
وَقيل هُوَ الْجَرّ الْأَخْضَر والأبيض وَقيل الْجَرّ كُله ويعضده مَا جَاءَ عَن ابْن عمر ﵄ فِي هَذَا الصَّحِيح أَنه قَالَ هِيَ الجرة فَأطلق وَقيل هُوَ الفخار كُله وَقيل جرار كَانَت يحمل فِيهَا الْخمر من مصر وَقيل من الشَّام وَقيل جرار كَانَت تعْمل من طين قد عجن بِشعر وَدم وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَطاء وَقيل فِي ذَلِك غير ذَلِك وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ يزْدَاد فِي عِلّة النَّهْي النَّجَاسَة أَو خوف النَّجَاسَة
стр. 99
وَأما النقير فقد فسره رَسُول الله ﷺ فِي رِوَايَة أبي سعيد لهَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ جذع ينقر ويقذف فِيهِ من القطيعاء أَو قَالَ من التَّمْر وَيصب عَلَيْهِ المَاء
القطيعاء بِضَم الْقَاف وبالمد على وزان الغبيراء
وَهِي نوع من التَّمْر يُقَال لَهُ السهريز بِالسِّين والشين وبضمهما وكسرهما
وَأما المقير وَفِي رِوَايَة المزفت فَهُوَ المطلي بالقار والزفت
وَقد قيل الزفت هُوَ القار وَفِي عرفنَا الزفت نوع من القار وَقد صَحَّ عَن ابْن عمر ﵄ أَنه قَالَ المزفت هُوَ المقير
ثمَّ أَن الْمَعْنى فِي النَّهْي عَن انتباذ النَّبِيذ الحلو فِي هَذِه الأوعية إِن النَّبِيذ فِيهَا يسْرع إِلَيْهِ الْإِسْكَار وَهُوَ فَسَاد وَأَيْضًا فَرُبمَا شربه بعد إسكاره من لم يطلع عَلَيْهِ بعد
ثمَّ أَن هَذَا النَّهْي نسخ بِدلَالَة حَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب وَغَيره فِي ذَلِك وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ أعلم
قَول أبي جَمْرَة فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة كنت أترجم بَين يَدي ابْن عَبَّاس وَبَين النَّاس
стр. 100
كَذَا وَقع فِيمَا عندنَا وَفِيه حذف وَتَقْدِيره بَين يَدي ابْن عَبَّاس بَينه وَبَين النَّاس
وَقَوله أترجم فِيهِ أَنه كَانَ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ فَكَانَ يترجم لِابْنِ عَبَّاس عَن من يتَكَلَّم بهَا
وَعِنْدِي أَن مَعْنَاهُ أَنه كَانَ يبلغ كَلَام ابْن عَبَّاس إِلَى من خَفِي عَلَيْهِ من النَّاس إِمَّا لزحام منع من سَمَاعه فأسمعهم وَإِمَّا لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أَو نَحْو ذَلِك وإطلاقه ذكر النَّاس يشْعر بِهَذَا وَيبعد أَن يكون المُرَاد بِهِ الْفرس خَاصَّة وَلَيْسَت التَّرْجَمَة مَخْصُوصَة بتفسير لُغَة أُخْرَى وَقد أطْلقُوا على قَوْلهم بَاب كَذَا وَكَذَا اسْم التَّرْجَمَة لكَونه يعبر عَن مَا يذكر بعده وَالله أعلم
وَقَوله ﷺ مرْحَبًا بالقوم غير خزايا وَلَا الندامى هَكَذَا وَقع هَا هُنَا بِالْألف وَاللَّام فِي الندامى وإسقاطهما فِي خزايا وَقد رُوِيَ بإثباتهما فيهمَا وبإسقاطهما فيهمَا
فَقَوله خزايا جمع خزيان كحيارى جمع حيران وَهُوَ إِمَّا من قَوْلهم خزي الرجل خزاية إِذا استحيى وَإِمَّا من قَوْلهم خزي خزيا إِذا ذل وَهَان وَالْأول اخْتِيَار أبي عبيد الْهَرَوِيّ صَاحب الغريبين
стр. 101
وَقَوله وَلَا الندامى قطع بَعضهم بِأَنَّهُ جمع نادم وَزعم انه جَازَ جمعه بِهَذِهِ الصِّيغَة على خلاف الْقيَاس اتبَاعا لخزايا وَلَو أفرد لم يجز فِيهِ ذَلِك وَمن نَظَائِره قَوْلهم إِنِّي لآتيه بالغدايا والعشايا فَجَمعهُمْ الْغَدَاء غدايا كَانَ اتبَاعا للعشايا وَلَو أفرد لم يجز وَيجوز أَن يكون جمع ندمان بِمَعْنى نادم لَا بِمَعْنى نديم كَمَا هُوَ الْأَشْهر فقد حكى صَاحب جَامع اللُّغَة وَصَاحب صِحَاح اللُّغَة أَنه يُقَال للنادم ندمان فعلى هَذَا يكون ذَلِك جمعا جَارِيا على الأَصْل ثمَّ إِن الْمَقْصُود من هَذَا الْكَلَام أَنه لم يُوجد مِنْكُم تَأَخّر عَن الْإِسْلَام وَلَا عناد وَلَا أَصَابَكُم أسار وسباء وَلَا مَا أشبه ذَلِك مِمَّا تَكُونُونَ لأَجله مستحيين أَو مهانيين ونادمين أَو نَحْو هَذَا وَالله أعلم قَوْله قَالَ وَأمرهمْ بِأَرْبَع ونهاهم عَن أَربع قَالَ أَمرهم بِالْإِيمَان بِاللَّه وَحده وَقَالَ هَل تَدْرُونَ مَا الْإِيمَان بِاللَّه قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَأَن تُؤَدُّوا خمْسا من الْمغنم
فَقَوله أَمرهم بِالْإِيمَان بِاللَّه إِعَادَة لذكر الْأَرْبَع وَوصف لَهَا بِأَنَّهَا إِيمَان
стр. 102
بِاللَّه ثمَّ فسر الْأَرْبَع بِالشَّهَادَتَيْنِ وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالصَّوْم فَهَذَا إِذا مُوَافق لقَوْله ﵇ بني الْإِسْلَام على خمس ولتفسير الْإِسْلَام بِخمْس فِي حَدِيث جِبْرِيل ﷺ على مَا سبق تَقْدِيره من أَن مَا يُسمى إسلاما يُسمى إِيمَانًا وَأَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام يَجْتَمِعَانِ ويفترقان وَقد قيل إِنَّمَا لم يذكر الْحَج فِي هَذَا الحَدِيث لكَونه لم يكن قد فرض حِينَئِذٍ وَالله أعلم
وَأما قَوْله أَن تُؤَدُّوا خمْسا فَلَيْسَ عطفا على قَوْله شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يكون الْأَرْبَع خمْسا وَإِنَّمَا هُوَ عطف على قَوْله وَأمرهمْ بِأَرْبَع فَيكون مُضَاف إِلَى الْأَرْبَع لَا وَاحِدًا مِنْهَا وَإِن كَانَ وَاحِدًا من مُطلق شعب الْإِيمَان وَحسن أَن يقْرَأ وَأَن يؤدوا بياء المغايبة وَيجوز بتاء المخاطبة
وَأما عدم ذكر الصَّوْم فِي الرِّوَايَة الأولى فَهُوَ إغفال من الرَّاوِي وَلَيْسَ من الِاخْتِلَاف الصَّادِر من رَسُول الله ﷺ بل من اخْتِلَاف الروَاة الصَّادِر من تفاوتهم فِي الضَّبْط وَالْحِفْظ على مَا تقدم بَيَانه فَافْهَم ذَلِك وتدبره تَجدهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى مِمَّا هدَانَا سُبْحَانَهُ لِحلِّهِ من العقد والعضل وَالله أعلم
قَوْله ﷺ وأخبروا بِهِ من وَرَائِكُمْ ضَبطنَا هَذَا الأول بِكَسْر الْمِيم من من
وَقَوله قَالَ أَبُو بكر من وَرَائِكُمْ هَذَا هُوَ بِفَتْح الْمِيم من من وهما يرجعان إِلَى معنى وَاحِد وَالله أعلم
стр. 103
وَمن الرِّوَايَة الثَّالِثَة وَمَا بعْدهَا أشج عبد الْقَيْس اسْمه الْمُنْذر بن عَائِد بِالذَّالِ المنقوطة قطع بِهِ ابْن عبد الْبر وَغير وَاحِد
وَقيل وَبِالْعَكْسِ عَائِد بن الْمُنْذر وَقيل غير ذَلِك وَالْأول أصح وَأشهر وَهُوَ الْأَشَج العصري من بني عصر بِالْعينِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ المفتوحتين وَالله أعلم
الأناة مَقْصُورَة على وزن الْحَصَاة وَهِي التثبت والتأني وَالله أعلم
قَوْله وَفِي الْقَوْم رجل أَصَابَته جِرَاحَة كَذَلِك قيل إِن اسْمه جهم بن قثم بلغنَا ذَلِك عَن ابْن أبي خَيْثَمَة وَكَانَت الْجراحَة فِي سَاقه وَالله أعلم
قَوْلهم فيمَ نشرب يَا رَسُول الله قَالَ فِي أسقية الْأدم الَّتِي يلاث هُوَ
стр. 104
بالثاء الْمُثَلَّثَة أَي يلف ويربط وَصَحَّ فِي أَكثر أصولنا بياء المضارعة الَّتِي هِيَ للمذكر
وَفِي الأَصْل الَّذِي بِخَط الْعَبدَرِي بِالتَّاءِ الَّتِي هِيَ للمؤنث وَالْأول أقوى وَتَقْدِيره وَمَعْنَاهُ يلف الْخَيط على أفواهها ويربط بِهِ
وعَلى الثَّانِي الأسقية تلف على أفواهها
فَقَوله على افواهها يكون بدل بعض من الأسقية كَمَا تَقول ضَربته على رَأسه
ثمَّ إِن هَذَا تَنْبِيه على أَمر آخر خَارج عَن أَمر الأوعية وَهُوَ مَا جَاءَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الحَدِيث من أمره ﷺ بإيكاء السقاة مُطلقًا سَوَاء كَانَ الموكى فِيهِ نبيذا أَو ماءا أَو غير ذَلِك وَإِذا هَذَا يرجع قَوْله ﷺ فِي الرِّوَايَة الْأَخِيرَة وَعَلَيْكُم بالموكى أَي بالسقاء الرَّقِيق الَّذِي يوكى أَي يرْبط فوه بالوكى وَهُوَ الْخَيط الَّذِي يرْبط بِهِ
وَقَوله الموكى مَقْصُور لَا همز فِيهِ وَإِنَّمَا رخص فِي الأسقية لِأَنَّهَا لرقة
стр. 105
جلودها لَا يسْرع الْفساد إِلَى مَا ينْبذ فِيهَا وَالله أعلم
قَوْله إِن أَرْضنَا كثير الجرذان صَحَّ فِي أصولنا كثير من غير تَاء التَّأْنِيث
وَالتَّقْدِير فِيهِ إِن أَرْضنَا مَكَان كثير الجرذان
وَمن نَظَائِره قَول الله ﵎ ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ وَالله أعلم
قَوْله ﷺ وتذيفون فِيهِ من القطيعاء رُوِيَ بِالدَّال الْمُهْملَة وبالذال الْمُعْجَمَة وهما لُغَتَانِ وَكِلَاهُمَا بِفَتْح التَّاء
وَهُوَ من ذاف يذيف ثلاثيا
وَرَوَاهُ بعض رُوَاة مُسلم بِضَم التَّاء مَعَ الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْمَشْهُور فتحهَا وداف يدوف بِالْوَاو وإهمال الدَّال بِمَعْنى ذَلِك صَحِيح مَعْرُوف وَمعنى ذاف الشَّيْء خلطه بمائع وإهمال الدَّال فِيهِ أعرف فِي اللُّغَة وَالله أعلم
ثمَّ إِن مُسلما حدث عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي أَبُو قزعة أَن أَبَا نَضرة أخبرهُ وحسنا أخبرهما أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ
стр. 106
أخبرهُ أَن وَفد عبد الْقَيْس لما أَتَوا النَّبِي ﷺ
فَقَوله أَن أَبَا نَضرة وحسنا أخبرهما أَن أَبَا سعيد أخبرهُ إِحْدَى المعضلات وَلَا عضال ذَلِك وَقع فِيهِ تغييرات من جمَاعَة واهمة فَمن ذَلِك رِوَايَة أبي نعيم الْأَصْبَهَانِيّ الْحَافِظ فِي مستخرجه على كتاب مُسلم بِإِسْنَادِهِ أَخْبرنِي أَبُو قزعة أَن أَبَا نَضرة وحسنا أخبرهما أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَهَذَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون أَبُو قزعة هُوَ الَّذِي أخبر أَبَا نَضرة وحسنا عَن أبي سعيد فَيكون أَبُو قزعة هُوَ الَّذِي سمع من أبي سعيد ذَلِك
وَذَلِكَ مُنْتَفٍ وَالله أعلم
وَمن ذَلِك أَن أَبَا عَليّ الغساني صَاحب تَقْيِيد المهمل رد رِوَايَة مُسلم هَذِه وقلده فِي ذَلِك صَاحب الْمعلم وَمن شَأْنه تَقْلِيده فِي مَا يذكرهُ من علم الْأَسَانِيد مَعَ أَنه لَا يُسَمِّيه وَلَا ينصفه وصوبهما فِي ذَلِك القَاضِي أَبُو الْفضل عِيَاض ابْن مُوسَى فَقَالَ أَبُو عَليّ الصَّوَاب فِي الْإِسْنَاد عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي أَبُو قزعة أَن أَبَا نَضرة وحسنا أخبراه أَن أَبَا سعيد أخبرهُ وَذكر أَنه إِنَّمَا قَالَ أخبرهُ وَلم يقل أخبرهما لِأَنَّهُ رد الضَّمِير إِلَى أبي نَضرة وَحده وَأسْقط الْحسن لموْضِع
стр. 107
الْإِرْسَال فَإِنَّهُ لم يسمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلم يلقه وَذكر أَنه بِهَذَا اللَّفْظ الَّذِي ذكره خرجه أَبُو عَليّ ابْن السكن فِي مُصَنفه بِإِسْنَادِهِ قَالَ وأظن هَذَا من إصْلَاح ابْن السكن
وَذكر الغساني أَيْضا أَنه رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده الْكَبِير بِإِسْنَادِهِ وَحكى عَنهُ وَعَن عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْحَافِظ أَنَّهُمَا ذكرا أَن حسنا هَذَا هُوَ الْحسن الْبَصْرِيّ
وَلَيْسَ الْأَمر فِي ذَلِك على مَا ذَكرُوهُ بل مَا أوردهُ مُسلم فِي هَذَا الْإِسْنَاد هُوَ الصَّوَاب وكما أوردهُ رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل عَن روح بن عبَادَة عَن ابْن جريج
وَقد انتصر لَهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَألف فِي ذَلِك كتابا لطيفا تبجح فِيهِ بإجادته وإصابته مَعَ وهم غير وَاحِد من الْحفاظ فِيهِ
стр. 108
فَذكر أَن حسنا هَذَا هُوَ الْحسن بن مُسلم بن يناق الَّذِي روى عَنهُ ابْن جريج غير هَذَا الحَدِيث وَأَن معنى هَذَا الْكَلَام أَن أَبَا نَضرة أخبر بِهَذَا الحَدِيث أَبَا قزعة وَحسن بن مُسلم كليهمَا ثمَّ أكد ذَلِك بِأَن أعَاد فَقَالَ أخبرهما أَن أَبَا سعيد أخبرهُ يَعْنِي أَبُو سعيد أَبَا نَضرة وَهَذَا كَمَا تَقول أَن زيدا جَاءَنِي وعمرا جاءاني فَقَالَا كَذَا وَكَذَا
وَهَذَا من فصيح الْكَلَام وَاحْتج على أَن حسنا فِيهِ هُوَ الْحسن بن مُسلم بِأَن سَلمَة بن شبيب وَهُوَ ثِقَة رَوَاهُ عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي أَبُو قزعة أَن أَبَا نَضرة أخبرهُ وَحسن بن مُسلم أخبرهما أَن أَبَا سعيد أخبرهُ الحَدِيث
رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي كِتَابه الْمخْرج على صَحِيح مُسلم
وَقد أسقط أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَغَيره ذكر حسن أصلا من الْإِسْنَاد لِأَن مَعَ إشكاله لَا مدْخل لَهُ فِي رِوَايَة الحَدِيث وَذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى مَا حَكَاهُ أَبُو عَليّ الغساني فِي كِتَابه تَقْيِيد المهمل فِي ذَلِك وَبَين بُطْلَانه وَبطلَان رِوَايَة من غير الضَّمِير فِي قَوْله أخبرهما وَغير ذَلِك من تَغْيِير وَلَقَد أَجَاد وَأحسن وَالله أعلم
أَبُو قزعة الْمَذْكُور اسْمه سُوَيْد بن حُجَيْر مُصَغرًا اسْم أَبِيه وَفِي آخِره
стр. 109
رَاء مُهْملَة وقزعة بِفَتْح الزَّاي قطع بِهِ صَاحب تَقْيِيد المهمل
وَوجد بِخَط ابْن الْأَنْبَارِي بإسكانها وَذكر ابْن مكي فِي كِتَابه فِيمَا تلحن فِيهِ أَن الإسكان هُوَ الصَّوَاب وَالْعلم عِنْد الله ﵎
حدث مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره عَن وَكِيع بِإِسْنَاد ذكره عَن أبي معبد عَن ابْن عَبَّاس عَن معَاذ بن جبل ثمَّ قَالَ قَالَ أَبُو بكر وَرُبمَا قَالَ وَكِيع عَن ابْن عَبَّاس أَن معَاذًا قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 110
هَذَا فِيهِ مَسْأَلَة لَطِيفَة من علم الحَدِيث وَهِي أَن قَوْله عَن ابْن عَبَّاس عَن معَاذ بن جبل يحمل على الإتصال ويفيد مطلقه سَماع ابْن عَبَّاس لذَلِك عَن معَاذ عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث
وَقَوله إِن معَاذًا هُوَ دون ذَلِك فِي إِفَادَة ذَلِك فَإِن فيهم جمَاعَة جَعَلُوهُ فِي حكم الْمُنْقَطع والمرسل حَتَّى يتَبَيَّن فِيهِ السماع وجمهورهم على أَنه يحمل أَيْضا على الِاتِّصَال حَتَّى يتَبَيَّن فِيهِ الإنقطاع وَقد بيّنت الْمَسْأَلَة فِي كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث
وَأَبُو معبد الْمَذْكُور هُوَ مولى ابْن عَبَّاس واسْمه نَافِذ بِالْفَاءِ والذال الْمُعْجَمَة وَقد صحفه بَعضهم
وَمَا فِي حَدِيث معَاذ هَذَا من ذكر بعض دعائم الْإِسْلَام دون بعض هُوَ من تَقْصِير الرَّاوِي على مَا بَينته فِيمَا سبق من نَظَائِره وَالله أعلم
следующие страницы →