Полный текст (247 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ثُمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَأَرْبَابُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ هَلْ يَسُوغُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَيُحَدِّثُونَ عَلَى الْمَعْنَى أَولا يُبَاحُ لَهُمْ ذَلِكَ
فَأَجَازَهُ جُمْهُورُهُمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُشْتَغِلٍ بِالْعِلْمِ نَاقِدٍ لِوُجُوهِ تَصَرُّفِ الْأَلْفَاظِ وَالْعِلْمِ بِمَعَانِيهَا وَمَقَاصِدِهَا جَامِعٍ لِمَوَادِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُهُ
وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَشَدَّدُوا فِيهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَلَمْ يُجِيزُوا ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَلَا سَوَّغُوا إِلَّا الْإِتْيَانَ بِهِ عَلَى اللَّفْظِ نَفْسِهِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَشَدَّدَ مَالِكٌ الْكَرَاهِيَةَ فِيهِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَمَّا فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُؤْتَى بِهِ عَلَى أَلْفَاظِهِ وَرَخَّصَ فِيهِ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ وَفِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ
стр. 177
وَحَمَلَ أَئِمَّتُنَا هَذَا مِنْ مَالِكٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا قَالَ وَلَا يُخَالِفُهُ أَحَدٌ فِي هَذَا وَأَنَّ الْأَوْلَى وَالْمُسْتَحَبَّ الْمَجِيءِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ مَا اسْتُطِيعَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا ابْنُ قَاسِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْغَافِقِيُّ أَخْبَرَنَا الذُّهْلِيُّ أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ
كَانَ مَالِكٌ يَتَّقِي فِي حَدِيثِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَّاءَ وَالتَّاءَ وَنَحْوَهُمَا
وَحَدَّثَنَا بِسَنَدِهِ عَنِ الْغَافِقِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاق ابْن شَعْبَانَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ
стр. 178
أَمَّا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى بِهِ عَلَى أَلْفَاظِهِ
وَمَا قَالَهُ ﵀ الصَّوَابُ فَإِنَّ نَظَرَ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ وَأَفْهَامَهُمْ مُتَبَايِنَةٌ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٍ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ فَإِذَا أَدَّى اللَّفْظَ أَمِنَ الْغَلَطَ وَاجْتَهَدَ كُلُّ مَنْ بَلَغَ إِلَيْهِ فِيهِ وَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ وَهُوَ أَنْزَهُ لِلرَّاوِي وَأَخْلَصُ لِلْمُحَدِّثِ
وَلَا يُحْتَجُّ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا قَرَائِنَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَأَسْبَابَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَفَهِمُوا مَعَانِيهَا حَقِيقَةً فَعَبَّرُوا عَنْهَا بِمَا اتَّفَقَ لَهُمْ مِنَ الْعِبَارَاتِ إِذْ كَانَتْ مُحَافَظَتُهُمْ عَلَى مَعَانِيهَا الَّتِي شَاهَدُوهَا وَالْأَلْفَاظُ تَرْجَمَةٌ عَنْهَا
وَأَمَّا مَنْ بَعْدِهِمْ فَالْمُحَافَظَةُ أَوَّلًا عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمُبَلَّغَةِ إِلَيْهِمُ الَّتِي مِنْهَا تُسْتَخْرَجُ الْمَعَانِي فَمَا لَمْ تُضْبَطِ الْأَلْفَاظُ وَتُتَحَرَّى وَتُسُومِحَ فِي العبارت وَالتَّحَدُّثِ عَلَى الْمَعْنَى انْحَلَّ النَّظْمُ وَاتْسَعَ الْخَرْقُ
وَجَوَازُ ذَلِكَ لِلْعَالِمِ الْمُتَبَحِّرِ مَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى طَرِيقِ الِاسْتَشْهَادِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَالْحُجَّةِ وَتَحَرِّيهِ فِي ذَلِكَ مَتَى أَمْكَنَهُ أَوْلَى كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَفِي الْأَدَاءِ وَالرِّوَايَةِ آكَدُ
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِيثِ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ وَفَصْلٍ مِنْهُ وَاسْتِخْرَاجِ
стр. 179
نُكْتَةٍ مِنْهُ وَسُنَّةٍ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَا بَقِيَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى وَهَذَا أَحَبُّ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِتَفَاصِيلِ الْكَلَامِ وَجُمَلِهِ وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي كِتَابِ الْإِكْمَالِ لُشَرْحِ كِتَابِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ
стр. 180
- ﷺ َ - بَابٌ فِي إِصْلَاحِ الْخَطَأِ وَتَقْوِيمِ اللَّحْنِ وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ ﷺ َ -
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضُ الْمُؤَلِّفُ ﵁
حَدَّثَنَا الْفَقِيهَانِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْخُشَنِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عَتَّابٍ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِمَا قَالَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ الْفَقِيهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ هِشَامِ الْمِصْرِيَّ يَقُولُ
سُئِلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ عَنِ اللَّحْنِ فِي الْحَدِيثِ فَقَالَ إِنْ كَانَ شَيْئًا تَقُولُهُ الْعَرَبُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ لُغَةِ قُرَيشٍ فَلَا يُغَيَّرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِلِسَانِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَالَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَلْحَنُ
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَالْوَزِيرُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سِرَاجٍ الْحَافِظُ بِسَمَاعِي عَلَيْهِمَا قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ بْنُ سِرَاجٍ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنِي
стр. 181
أَبُو عُمَرَ بْنُ أَبِي السَّفَاقُسِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَسَوِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْبُسْتِيُّ الْخَطَّابِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ قَالَ سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ
إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ النَّحْوَ أَنْ يَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ فَمَهْمَا رَوَيْتَ عَنْهُ وَلَحَنْتَ فِيهِ كَذَبْتَ عَلَيْهِ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْحَمَامِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَالِيُّ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمد ابْن إِسْحَاقَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ
لَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ اللَّحْنُ فِي الْحَدِيثِ
стр. 182
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمَوَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ
أَعْرِبُوا الْحَدِيثَ فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عُرْبًا
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا لَا بَأْسَ بِإِصْلَاحِ اللَّحْنِ فِي الْحَدِيثِ
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ
أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ مَعِينٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَتَّابٍ عَن يُوسُف ابْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ أَخْبَرَنَا قَاسِمٌ حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ
إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ لَحْنًا فَأَلْحَنُ كَمَا سَمِعْتُ
وَأَخْبَرَنَا الْحَضْرَمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخْبَرَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ
إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ لَحْنًا فَأَلْحَنُ كَمَا سَمِعْتُ
قَالَ الْقَاضِي الْمُؤَلِفُ ﵁ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأَشْيَاخِ نَقْلُ الرِّوَايَةِ كَمَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ وَسَمِعُوهَا وَلَا يُغَيِّرُونَهَا مِنْ كُتُبِهِمْ حَتَّى
стр. 183
أَطْرَدُوا ذَلِكَ فِي كَلِمَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ اسْتَمَرَّتِ الرِّوَايَةُ فِي الْكُتُبِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ التِّلَاوَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَلم يجىء فِي الشَّاذِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا حِمَايَةٌ لِلْبَابِ لَكِنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُمْ يُنَبِّهُونَ عَلَى خَطَئِهَا عِنْدَ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ وفى حَوَاشِي الْكُتُبِ وَيَقْرَءُونَ مَا فِي الْأُصُولِ عَلَى مَا بَلَغَهُمْ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْسُرُ عَلَى الْإِصْلَاحِ وَكَانَ أَجْرَأَهُمْ عَلَى هَذَا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ أَحْمَدَ الْكِنَانِيُّ الْوَقْشِيُّ فَإِنَّهُ لِكَثْرَةِ مُطَالَعَتِهِ وَتَفَنُّنِهِ كَانَ فِي الْأَدَبِ وَاللُّغَةِ وَأَخْبَارِ النَّاسِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَأَنْسَابِهِمْ وَثُقُوبِ فَهْمِهِ وَحِدَّةِ ذِهْنِهِ جَسَرَ عَلَى الْإِصْلَاحِ كَثِيرًا وَرُبَّمَا نَبَّهَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ لَكِنَّهُ رُبَّمَا وَهَمَ وَغَلِطَ فِي أَشْيَاءٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَحَكَّمَ فِيهَا بِمَا ظَهَرَ لَهُ أَوْ بِمَا رَآهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَرُبَّمَا كَانَ الَّذِي أَصْلَحَهُ صَوَابًا وَرُبَّمَا غَلِطَ فِيهِ وَأَصْلَحَ الصَّوَابَ بِالْخَطَأِ
وَقَدْ وَقَفْنَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسِّيَرِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَشْيَاءٍ كَثِيرَةٍ وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ
وَحِمَايَةُ بَابِ الْإِصْلَاحِ وَالتَّغَيُّرُ أَوْلَى لِئَلَّا يَجْسُرَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَعْلَمُ وَطَرِيقُ الْأَشْيَاخِ أَسْلَمُ مَعَ التَّبْيِينِ فَيُذْكَرُ اللَّفْظُ عِنْدَ السَّمَاعِ كَمَا وَقَعَ وَيُنَبَّهُ عَلَيْهِ وَيُذْكَرُ وَجْهُ صَوَابِهِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَوِ النَّقْلِ
стр. 184
أَوْ وُرُودِهِ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ آخَرَ أَوْ يَقْرَؤُهُ عَلَى الصَّوَابِ ثُمَّ يَقُولُ وَقَعَ عِنْدَ شَيْخِنَا أَوْ فِي رِوَايَتِنَا كَذَا أَوْ مِنْ طَرِيقِ فُلَانٍ كَذَا وَهُوَ أَوْلَى لِئَلَّا يَقُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مالم يَقُلْ
وَأَحْسَنُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِصْلَاحِ أَنْ تُرَدَّ تِلْكَ اللَّفْظَةُ الْمُغَيَّرَةُ صَوَابًا فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى فَإِنَّ ذَاكِرَهَا عَلَى الصَّوَابِ فِي الْحَدِيثِ أَمِنَ أَنْ يَقُولَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مالم يَقُلْ
بِخِلَافِ إِذَا كَانَ إِنَّمَا أَصْلَحَهَا بِحُكْمِ عِلْمِهِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْعَرَبِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ الْبَغْدَادِيِّ فِي انْتِقَائِهِ رِوَايَتِهِ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ أَكْثَرَ مُتُونِ أَحَادِيثِهِ وَمُحْتَمَلَ رِوَايَتِهِ هِيَ عِنْدَهُ مُتْقَنَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ الْوَاقِعَةِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ
стр. 185
وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَلْفَاظٍ مِنْ هَذَا فِي جُزْءٍ أَيْضًا لَكِنْ أَكْثَرُ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَى الْمُحْدَثِينَ لَهُ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَعَلَى لُغَاتٍ مَنْقُولَةٍ وَاسْتَمَرَّتِ الرِّوَايَةُ بِهِ وَلَيْسَ الرَّأْيُ فِي صَدْرٍ وَاحِدًا
وَمِمَّنْ كَانَ يَأْبَى تَغْيِيرَ اللَّحْنَ نَافِعٌ مَوْلَى بْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَأَبُو الضُّحَى وَغَيْرُهُمْ
стр. 186
- ﷺ َ - بَابُ ضَبْطِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ وَالْعَمَلِ فِي ذَلِكَ ﷺ َ -
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ الْمُؤَلِّفُ ﵁
هَذَا مِمَّا يُضْطَرُ إِلَى إِتْقَانِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَتَمْيِيزِهِ وَإِلَّا تَسَوَّدَتِ الصُّحُفُ وَاخْلَطَتِ الرِّوَايَاتَ وَلَمْ يَحِلَّ صَاحِبُهَا بِطَائِلٍ وَأَوْلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْأَمُّ عَلَى رِوَايَةٍ مُخْتَصَّةٍ ثُمَّ مَا كَانَتْ من زِيَارَة الْأُخْرَى أُلْحِقَتْ أَوْ مِنْ نَقْصٍ أُعْلِمَ عَلَيْهَا أَوْ مِنْ خِلَافٍ خَرَجَ فِي الْحَوَاشِي وَأَعَلِّمُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بِعَلَامَةِ صَاحِبِهِ مِنَ اسْمِهِ أَوْ حَرْفٍ مِنْهُ لِلِاخْتِصَارِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ الْخِلَافِ وَالْعَلَامَاتِ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الْمُلْحَقَةُ بِالْحُمْرَةِ فَقَدْ عَمِلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَشْيَاخِ وَأَهْلُ الضَّبْطِ كَأَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ وأبى الْحَسَنِ
стр. 187
الْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا فَمَا أُثْبِتَ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كَتَبْتُهُ بِالْحُمْرَةِ وَمَا نَقَصَ مِنْهُمَا مِمَّا ثَبَتَ لِلْأُخْرَى حُوِّقَ بِهَا عَلَيْهِ
وَقَدْ يَقْتَصِرُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّخْرِيجِ وَالتَّحْوِيقِ وَالشَّقِّ لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَكِلُ الْأَمْرَ إِلَى ذِكْرِهِ وَمَا عَقَدَهُ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيَّ الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كِتَابِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي بِخَطِّهِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ عَلَى أَبِي زَيْدِ الْمَرْوَزِيِّ وَقَيَّدَ فِيهِ رِوَايَتَهُ
стр. 188
وَرِوَايَةَ أَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ الَّذِي عَلَيْهَا أَصْلُ كِتَابِهِ فَمَا سَقَطَ لِأَبِي زَيْدٍ وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ شَقَّ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ أَوْ حَوَّقَ عَلَيْهِ
وَمَا سَقَطَ لَهُمَا مَعًا شَقَّ عَلَيْهِ بِخَطَّيْنِ لِيُظْهِرَ سُقُوطَهُ لَهُمَا
وَمَا اخْتَلَفَا فِيهِ أَثْبَتَ عَلَيْهِ اسْمَ صَاحِبِهِ
وَلَا يُغْفِلُ الْمُهْتَبِلُ بِهَذَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْعَلَامَاتِ وَاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ أَوَّلَ دَفْتَرِهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِ جُزْئِهِ أَوْ آخِرِهِ وَالتَّعْرِيفَ بِكُلِّ عَلَامَةٍ لِمَنْ هَذِهِ
стр. 189
لِئَلَّا يَنْسَى وَضْعَ تِلْكَ الْعَلَامَاتِ مَعَ طُولِ الزَّمَنِ وَكِبَرِ السِّنِّ وَاخْتِلَالِ الذِّكْرِ فَتَخْتَلِطَ عَلَيْهِ رِوَايَتُهُ ويتشكل عَلَيْهِ ضَبْطُهُ
وَمِنَ الصَّوَابِ أَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ وَلَا يُهْمِلَهُ فَرُبَّمَا احْتَاجَ إِنْ أَفْلَحَ إِلَى تَخْرِيجِ حَدِيثٍ أَوْ تَصْنِيفِ كِتَابٍ فَلَا يَأْتِي بِهِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يُسْنِدُهُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَهْتَبِلْ بِذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ أَصْنَافِ الْكَاذِبِينَ
وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي إِتْقَانِ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافًا يَتَبَايَنُ وَلِأَهْلِ الْأَنْدَلُسِ فِيهِ يَدٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ وَكَانَ إِمَامَ وَقْتِنَا فِي بِلَادِنَا فِي هَذَا الشَّأْنِ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ شَيْخُنَا ﵀ مِنْ أَتْقَنِ النَّاسِ بِالْكُتُبِ وَأَضْبَطِهِمْ لَهَا وَأَقَومِهِمْ لِحُرُوفِهَا وَأَفْرَسِهِمْ بِبَيَانِ مُشْكِلِ أَسَانِيدِهَا وَمُتُونِهَا وَأَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ عِنْدَهُ
стр. 190
مِنَ الْأَدْبِ وَإِتْقَانُهُ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْخِهِ الشَّيْخ أَبى مَرْوَان ابْن سِرَاجٍ اللُّغَوِيِّ آخِرِ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ وَصُحْبَتِهِ لِلْحَافِظِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ آخِرِ أَئِمَّةِ الْأَنْدَلُسِ فِي الْحَدِيثِ وَأَخْذُهُ عَنْهُ وَتَقْيِيدِهِ عَلَيْهِ وَكَثْرَةُ مُطَالَعَتِهِ
وَنَاهِيكَ مِنْ إِتْقَانِهِ لِكِتَابِهِ الَّذِي أَلْفَهُ عَلَى مُشْكِلِ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ
وَكَانَ قَرِينُهُ وَكَنِيُّهُ شَيْخُنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ عَارِفًا بِمَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ جِدًا لَكِنَّهُ لَمْ يَهْتَبِلْ بِكُتُبِهِ اهْتِبَالَهُ
وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْكِنَانِيُّ مِمَّنْ أَتْقَنَ رُبَّمَا تَكَلَّفَ فِي الْإِصْلَاحِ وَالتَّقْوِيمِ بَعْضَ مَا نُعِيَ عَلَيْهِ
стр. 191
- ﷺ َ - بَابُ رَفْعِ الْإِسْنَادِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّخْرِيجِ وَالْعَمَلِ فِيهِ ﷺ َ -
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ الْمُؤَلِّفُ ﵁
فَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ مَدَارَ الْحَدِيثِ عَلَى الْإِسْنَادِ فِيهِ فِيهِ تَتَبَيَّنُ صِحَّتُهُ وَيَظْهَرُ اتِّصَالُهُ
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ وَالْأَدِيبُ أَبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ بِسَمَاعِي عَلَيْهِمَا قَالَا أخبرنَا الْفَقِيه أبوعبد اللَّهِ بْنُ سَعْدُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْغَازِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبَيِّعِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُوَجَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ قَالَ
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ
الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ
فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُفْرَدَاتُ فَلَا إِشْكَالَ فِي ذِكْرِهَا مِنْ أَوَّلِ أَسَانِيدِهَا مِنْ ذِكْرِ مَنْ حَدَّثَ بِهَا الشَّيْخَ إِلَى أَنْ تَنْتَهِي مُنْتَهَاهَا كَمَا سَمِعَهَا أَوْ رَوَاهَا
وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ وَالدَّفَاتِرُ فَلَا بُدَّ مِنْ إِعْلَامِ الشَّيْخَ بِرِوَايَتِهِ فِيهِ وَعَمَّنْ رَوَاهُ
стр. 192
وَيَذْكُرُ سَنَدَهُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْجُزْءَ إِن كَانَ هُوَ القارىء بِنَفْسِهِ أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْرَأُ السَّنَدَ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَوْ أَوَّلَ كُلِّ مَجْلِسٍ أَوْ يَقُولُ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ لَهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي سَائِرِ الْمَجْلِسِ وَبِسَنَدِكَ الْمُتَقَدِّمِ
ثُمَّ مَتَى احْتَاجَ السَّامِعُ بَعْدُ إِلَى تَخْرِيجِ حَدِيثٍ دَاخِلَ الدَّفْتَرِ قَالَ فِيهِ حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَذَكَرَ السَّنَدَ الَّذِي مَضَى لَهُ أَوَّلُ الْكِتَابِ وَهُوَ إِنَّمَا سَمِعَ السَّنَدَ أَوْ قَرَأَهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ وَهَذَا مِمَّا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّجَوُّزِ وَالْمُسَامَحَةِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَى إِخْبَارِهِ أَوَّلًا أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الدَّفْتَرِ عُنِيَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَوِ الَّذِي قَرَأْتُهُ عَلَيَّ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْإِذْنِ وَالْإِجَازَةِ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذَا السَّنَدِ فَتَأَمُّلُهُ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَيْهِ وَتَجْوِيزُ التَّخْرِيجِ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ بِهِ يُصَحِّحُ صِحَّةَ التَّحَدُّثِ بِالْإِجَازَةِ
وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ مُحَدِّثِي أَهْلِ الشَّرْقِ وَأَبَى مِنَ الْحَدِيثِ بِهَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَرَآهُ دَلَّسَهُ حَتَّى سَمِعَ كُلَّ حَدِيثٍ بِسَنَدِهِ كُلِّهِ فَإِذَا احْتَاجَ إِلَى التَّخْرِيجِ لِمَا لَمْ يَأْخُذْهُ كَذَلِكَ اضْطُرَ أَنْ يُبَيِّنَ فَيَقُولُ حَدَّثَنَا فُلَانٌ قَالَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَيَذْكُرُ السَّنَدَ ثُمَّ يَقُولُ بِجِزْءِ كَذَا أَوْ بِحَدِيثِ فُلَانٍ أَوْ نُسْخَةٍ
стр. 193
عَنْ فُلَانٍ مِنْهَا حَدِيثِ كَذَا أَوْ يَقُولُ حَدَّثَنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا وَكَذَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي نُسْخَةِ حَدِيثِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صَحِيحِهِ فَيَقُول بعد ذكر سَنَده إِلَى همام قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُ تَخْرِيجَهُ مِنْهَا فِي الْبَابِ
وَكَذَلِكَ فَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ
وَمِنهُمْ مَنْ أَخَذَ بِالرَّسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجُمْهُورُ وَأُصُولُ أَهْلِ خُرَاسَانَ كَثِيرًا مَا تَجِدُ فِيهَا تَجْدِيدَ الْأَسَانِيدِ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِ الْأَسَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّاشِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَمْرَوَيْهِ قَالَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ أخبرنَا مُسلم ابْن الْحَجَّاجِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَن همام ابْن مُنَبِّهٍ قَالَ هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى فَيَقُولُ لَهُ
стр. 194
هَلْ تَمَنَّيْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ لَهُ فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ
قَرَأْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَافِظِ مِمَّا نَسَبَهُ لِلْقَعْنَبِيِّ
стр. 195
(إِذَا لَمْ يَكُنْ خَبَرٌ صَحِيحٌ ... عَنِ الْأَشْيَاخِ مُتَّضِحُ الطَّرِيقِ)
(فَلَا تَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا وَدَعْهُ ... فَإِنِّي نَاصِحٌ لَكَ يَا صَدِيقِ)
(وَإِسْقَاطُ الْمَشَايِخِ مِنْ حَدِيثٍ ... أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ ثَكْلِ الشَّقِيقِ)
(وَمَا فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ حَدِيثٍ ... لَهُ نُورٌ بِإِسْنَادٍ وَثِيقِ)
стр. 196
- ﷺ َ - بَابُ مَتَى يُسْتَحَبُّ الْجُلُوسُ لِلْإِسْمَاعِ وَسِنُّ الْمُحَدِّثِ وَمَتَى يَمْتَنِعُ ﷺ َ -
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضُ الْمُؤَلِّفُ ﵁
اعْلَمْ أَنَّ السَّمَاعَ مِنَ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَدْلِ الْعَاقِلِ الضَّابِطِ لِمَا سَمِعَهُ الْعَارِفِ بِهِ حِينَ أَدَائِهِ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ اخْتِيَارَاتُ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ مَتَى يُسْتَحَبُّ الْانْتِصَابُ لِهَذَا وَالتَّصَدُّرُ لَهُ إِمَّا لِأَجْلِ كَمَالِ عَقْلِهِ وَاجْتِمَاعِ أَشُدِّهِ وَانْتِهَاءِ كُهُولَتِهِ وَوَقْتِ سَمْتِهِ أَوْ لِتَوَفِّي أَشْيَاخِهِ وَمُزَاحَمَتِهِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ كَمَا
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّيْرَفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَالِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ خَرْبَانَ أَخْبَرَنَا ابْنُ خَلَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبِي أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَنْبَسِ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَالَكَ لَا تُحَدِّثُ فَقَالَ أَمَّا وَأَنْتَ حَيٌّ فَلَا
стр. 197
قَالَ وَمَرَّ الثَّوْرِيُّ عَلَى شَابٍّ يُحَدِّثُ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تُقِلَّ حَيَاتِي
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ وَالَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ طَرِيقِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ فِي الْحَدِّ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ النَّاقِلُ حَسُنَ بِهِ أَنْ يُحَدِّثَ اسْتِيفَاءُ الْخَمْسِينَ لِأَنَّهَا انْتِهَاءُ الْكُهُولَةِ وَفِيهَا مُجْتَمِعُ الْأَشُدِّ قَالَ الشَّاعِرُ
(أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُحَاوَلَةُ الشُّئُونِ)
قَالَ وَلَيْسَ يُنْكِرُ أَنْ يُحَدِّثَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهَا حَدُّ الِاسْتِوَاءِ وَمُنْتَهَى الْكَمَالِ وَفِيهَا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْمُؤَلِّفُ ﵁
وَاسْتِحْسَانُهُ هَذَا لَا يَقُومُ لَهُ حُجَّةٌ بِمَا قَالَ وَكَمْ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ
стр. 198
وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى هَذَا السِّنِّ وَلَا اسْتَوْفَى هَذَا الْعُمْرَ وَمَاتَ قَبْلَهُ وَقَدْ نَشَرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ مَالَا يُحْصَى
هَذَا عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُكْمِلِ الْأَرْبَعِينَ
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَمْ يَبْلُغَ الْخَمْسِينَ
وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ
وَهَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَدْ جَلَسَ لِلنَّاسِ ابْنَ نَيِّفٍ وَعشْرين وَقيل
стр. 199
١ - ٢ وَنَافِعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَغَيْرُهُمْ
وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ شِهَابٍ حَدِيثَ الْفُرَيْعَةِ
стр. 200
وَتُوُفِّيَ ابْنُ شِهَابٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَسِنُّ مَالِكٍ حِينَ مَوْتِهِ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ وَحَدِيثُ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا
وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَدْ أَخَذَ عَنْهُ الْعِلْمَ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ
стр. 201
وَانْتَصَبَ لِذَلِكَ فِي آخَرِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ
وَقَدْ أَنْشَدَ بعض البغدادين
(إِنَّ الْحَدَاثَةَ ... لَا تُقَصِّرُ بِالْفَتَى الْمَرْزُوقِ ذِهْنَا)
(لَكِنْ تُذَكِّي قَلْبَهُ ... فيفوق أكبرمنه سِنَا)
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِذَا تَنَاهَى الْعُمْرُ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُمْسِكْ فِي الثَّمَانِينَ لِأَنَّهُ حَدُّ الْهَرَمِ وَالتَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ أَوْلَى بِأَبْنَاءِ الثَّمَانِينَ إِلَّا مَنْ كَانَ ثَابِتَ الْعَقْلِ مُجْتَمِعَ الرَّأْيِ مُحْتَسِبًا فِي الْحَدِيثِ فَأَرْجُو لَهُ خَيْرًا
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْمُؤَلِّفُ ﵁
وَالْحَدُّ فِي تَرْكِ الشَّيْخِ التَّحْدِيثَ التَّغَيُّرُ وَخَوف الخرف وَإِلَّا فأنس ابْن مَالِكٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ حُمِلَ
стр. 202
عَنْهُم وَحَدثُوا وَقد تيقوا عَلَى هَذَا الْعَدَدِ وَقَارَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْمِائَةَ وَبَلَغَهَا بَعْضُهُمْ وَنَيَّفَ عَلَيْهَا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَوَاثِلَةِ بْنِ الْأَسْقَعِ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ وَأَبِي الطُّفَيْلِ الْكِنَانِيِّ
وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ بَلَغَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الثَّمَانِينَ وَأَكَثْرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتُوا وَهُمْ يُحَدِّثُونَ وَكَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِهِمْ وَالنَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَرْحَلُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ
стр. 203
وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ تُوِفِّيَ وَهُوَ ابْنُ نَحْوٍ مِنْ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ أَكثَرُ مِنْ هَذَا
وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ
وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ نَيَّفَ عَلَى ثَمَانِينَ
وَكَذَلِكَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالسَّبِيعِيُّ وَابْن عُيَيْنَة وَسليمَان بن حَرْب وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ
стр. 204
وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ تُوُفِّيَ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الْمِائَةِ
وَكَذَلِكَ القاضى شُرَيْح وعَلى بْنُ الْجَعْدِ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ سِتّ وَتِسْعين
والأصمعى وَمعمر بْنُ الْمُثَنَّى تُوُفِّيَا وَقَدْ قَارَبَا الْمِائَة
وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ نَحْوِ مِائَةِ سَنَةٍ
وَأَبُو إِسْحَاقَ الْهُجَيْمِيُّ حَدَّثَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثِ سِنِينَ
стр. 205
فِيمَن لَا يَتَعَدَّ مِنْ أَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَهَلُمَّ جَرًا إِلَى مَنْ عَاصَرْنَاهُ وَلَقِينَاهُ مِمَّنْ بَلَغَ هَذِهِ الْأَعْمَارِ وَلَمْ تَنْقَطِعِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَقْطَارِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا ابْنُ قَاسِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْغَافِقِيُّ أَخْبَرَنَا الذُّهْلِيُّ أَبُو طَاهِرٍ أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ أَخْبَرَنَا أَبُو قُدَامَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ
مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَخَافُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَحَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلَانِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنَّمَا يَخْرُفُ الْكَذَّابُونَ
وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْهُجَيْمِيُّ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ قَدْ تَعَمَّمَ وَدُوِّرَ عَلَى رَأْسِهِ مِائَةٌ وَثَلَاثُ دَوْرَاتٍ فَعُبِّرَ لَهُ أَنَّهُ يَعِيشُ سِنِينَ بِعَدَدِهَا فَحَدَّثَ بَعْدَ بُلُوغه الْمِائَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ القارىء يَوْمًا
(إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ ... كَالْكَلْبِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ)
وَأَرَادَ اخْتِبَارَ حِسَّهُ وَصِحَّةَ ذِهْنِهِ فَقَالَ لَهُ الْهُجَيْمِيُّ قُلِ الثَّوْرَ يَا ثَوْرُ فَإِنَّ الْكَلْبَ لَا رَوْقَ لَهُ فَفَرِحَ النَّاسُ بِصِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوْدَةَ حِسِّهِ
стр. 206
وَإِنَّمَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ لِأَصْحَابِ الثَّمَانِينَ الْحَدِيثَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ بَلَغَ هَذَا السِّنَّ اخْتِلَالُ الْجِسْمِ وَالذِّكْرِ وَضَعْفُ الْحَالِ وَتَغَيِّرُ الْفَهْمِ وَحُلُولُ الْخَرَفِ فَحَذِرَ الْمُتَحَرِّي مِنَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا السِّنِّ مَخَافَةَ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ التْغَيُّرُ وَالِاخْتِلَالُ فَلَا يَفْطَنُ لَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ جَازَتْ عَلَيْهِ أَشْيَاءٌ
وَكَانَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مُحَدِّثُ قُرْطُبَةَ وَرَاوِيَتُهَا وَشَيْخُهَا يُحَدِّثُ وَقَدْ أَسَنَّ وَخَنَقَ التِّسْعِينَ وَلَا يُنْكَرُ شَيْءٌ مِنْ حَالِهِ فَمَرَّ يَوْمًا فِي أَصْحَابِهِ وَلَقِيَهُمْ حِمْلُ حَطَبٍ عَلَى دَابَةٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ تَنَحَوْا بِنَا عَنْ طَرِيقِ الْفِيلِ فَكَانَ أَوَّلُ مَا عُرِفَ مِنَ اخْتِلَالِ ذِهْنِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ
стр. 207
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ
(إِنَّ الثَّمَانِينَ وَبُلِغْتَهَا ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تُرْجُمَانِ)
(وَبَدَّلَتْنِي بِالشَّطَاطِ الْحَنْيَ ... وَكُنْتُ كالصعدة نحت السِّنَانِ)
(وَلَمْ تدَعْ فِي لِمُسْتَمْتِعٍ ... إِلَّا لِسَانِي وَبِحَسْبِي لِسَانِ)
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ بِاللَّازِمَةِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهَا وَقَدِ اعْتَرَى ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا
أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْمَقْدِسِيُّ قَالَ أنشدنى الْأَمِير
стр. 208
أبوالفتيان بْنُ حَيُّوسٍ الدِّمَشْقِيُّ لِنَفْسِهِ
(وَقَدْ قَالَتِ السَّبْعُونَ لِلَّهْوِ وَالصِّبَا ... دَعَا لِي أَسِيرِي وَانْهَضَا حَيْثُ شِئْتُمَا)
стр. 209
هَذِهِ أَكْرَمَكَ اللَّهُ فُصُولٌ وَأَبْوَابٌ انْتَخَبْنَاهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَتَيْنَا مِنْهَا بِالْمُحِضِّ اللُّبَابَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ طَالِبُ عِلْمِ الْحَدِيثِ فِي طَلَبِهِ وَيَلْتَزِمُهُ مِنْ وَظَائِفِهِ وَآدَابِهِ وَيَضْطَرُّ إِلَيْهِ فِي عِلْمِ مَآخِذِهِ وَمَبَادِئِهِ وَأَتَيْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مَا يَعْتَرِفُ الْمُنْصِفُ بِالْإِجَابَةِ فِيهِ
وَهَا نَحْنُ نَخْتِمُ الْكِتَابَ بِبَابِ جَامِعٍ لِفَوَائِدَ مِنَ الْحَدِيثِ وَشَوَارِدَ مِنْ سِيَرِ أَهْلِهِ وَنَوَادِرَ مِنَ الْآثَارِ تَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ وَعِلْمِهِ وَمَحَاسِنَ مِنْ آدَابِ الْمَشَايِخِ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَنَقْلِهِ
стр. 210
- ﷺ َ - بَابٌ جَامِعٌ لِآثَارٍ مُفِيدَةٍ وَآدَابٍ حَمِيدَةٍ ﷺ َ -
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ سَعْدُونَ أَخْبَرَنَا الْمُطَّوِّعِيُّ أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بَكْرٍ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ
إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ أَدَبُ اللَّهِ الَّذِي أَدَّبَ بِهِ نَبِيَّهُ ﵇ وَأَدَّبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ أَمَانَةُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى مَا أُدِّيَ إِلَيْهِ فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلْهُ إِمَامَهُ وَحُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مُفَرِّجٍ الصَّدَفِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ نَفِيسٍ الْمِصْرِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ أَخْبَرَنَا
стр. 211
يُونُسُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِسْوَرِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِنْ غَرَائِبِ الْعِلْمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَنَعْتَ فِي رَأْسِ الْعِلْمِ قَالَ وَمَا رَأْسُ الْعِلْمِ قَالَ هَلْ عَرَفْتَ الرَّبَّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا صَنَعْتَ فِي حَقِّهِ قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ هَلْ عَرَفْتَ الْمَوْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا أَعْدَدْتَ لَهُ قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ فَاذْهَبْ فَأَحْكِمْ مَا هُنَالِكَ وَتَعَالَ نُعَلِّمْكَ مِنْ غَرَائِبِ الْعِلْمِ
وَحَدَّثَنَا بِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ
стр. 212
خُذُوا عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَلَوْ رَحَّلْتُمْ فِيهِنَّ الْمَطِيَّ حَتَّى تُنِضُّوهُ لَمْ تَبْلُغُوهُ أَنْ لَا يَرْجُوَ الْعَبْدُ إِلَّا رَبَّهُ وَلَا يَخْشَى إِلَّا ذَنْبَهُ وَلَا يَسْتَحِيَ إِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ وَلَا يَسْتَحِيَ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ وَاعْلَمُوا أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ وَلَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ لَهُ
وَأَخْبَرَنَا ﵀ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْمُهْتَدِي أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينٍ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَدَقَةَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيُّ حَدَّثَنى أَيُّوب ابْن الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ
لَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا مِنْ أَخَذَ بِالشَّاذِ مِنَ الْعِلْمِ وَلَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ مِنْ رَوَى عَنْ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ مِنْ رَوَى عَنْ كُلِّ مَا سَمِعَ قَالَ وَالْحِفْظُ الْإِتْقَانُ
وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا حْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَخْبَرَنَا حَيَّانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبٍ أَخْبَرَنَا الْخَزْرَجُ بْنُ أَشْيَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ
كَانُوا يُؤْمَرُونَ أَوْ كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ السُّنَةَ
стр. 213
ثُمَّ الْفَرَائِضَ ثُمَّ الْعَرَبِيَّةَ الْحُرُوفَ الثَّلَاثَةَ يَعْنِي الْجَرَّ وَالنَّصْبَ وَالرَّفْعَ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا على ابْن أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ سُهَيْلٍ الْفَقِيهُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ أَخْبَرَنَا مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ
سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَقَدْ قَالَ لِابْنَيْ أُخْتِهِ أَبِي بَكْرٍ وَإِسْمَاعِيلَ ابنى أَبى أويس
أرا كَمَا تُحِبَّانِ هَذَا الشَّأْنَ وَتَطْلُبَانِهِ يَعْنِي الْحَدِيثَ قَالَا نَعَمْ قَالَ إِنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ تَنْتَفِعَا وَيَنْفَعَ اللَّهُ بِكُمَا فَأَقِلَّا مِنْهُ وَتَفَقَّهَا
قَالَ وَنَزَلَ ابْنٌ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ فَوْقٍ وَمَعَهُ حَمَامٌ قَدْ غَطَّاهُ فَعَلِمَ مَالِكٌ أَنَّهُ قَدْ فَهِمَهُ النَّاسُ فَقَالَ
الْأَدَبُ أَدَبُ اللَّهِ لَا أَدَبَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْخَيْرُ خَيْرُ اللَّهِ لَا خَيْرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ
قَالَ الْحَسَنُ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبُرِّيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ ابْن يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَن مَالك ابْن أَنَسٍ أَرَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ
стр. 214
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَبَسَ بَعَضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ قَدْ أَكْثَرْتُمُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبُرِّيُّ يَعْنِي بِحَبْسِهِمْ مَنْعَهُمُ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَكُنُ لِعُمَرَ حَبْسٌ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عبد الرَّحْمَن ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْغَافَقِيِّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُرَيْقٍ أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ
سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَضَعَهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّجِيرَمِيُّ أَخْبَرَنَا الْعُتْبِيُّ
стр. 215
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ كَانَ مَالِكٌ إِذَا شَكَّ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ طَرَحَهُ كُلَّهُ
حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ قُمَيْرٍ أَخْبَرَنَا قَبِيصَةُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ
أُنْقِصُ مِنَ الْحَدِيثِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُزِيدَ فِيهِ
قَالَ وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الله ابْن سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ الْفَرَّاءُ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ
مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالِمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ وَمَنْ بَخِلَ بِالْعِلْمِ ابْتُلِيَ بِثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ يَمُوتَ فَيَذْهُبُ عِلْمَهُ أَوْ يَنْسَاهُ أَوْ يَتْبَعُ سُلْطَانًا
قَالَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَتْحِ قَالَ سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُلَقِّنَ الْعِلْمَ فَلَا تَعْصِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو طَاهِرٍ الْحَافِظُ مِنْ كِتَابِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الطُّيُورِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَالِيُّ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي النَّهَاوَنْدِيُّ أَخْبَرَنَا
следующие страницы →