Полный текст (247 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَخُرَاسَانَ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ دَرَجَةٌ ثَانِيَةٌ وَأَبَوْا مِنْ تَسْمِيَتِهَا سَمَاعًا وَسَمَّوْهَا عَرْضًا وَأَبَوْا مِنْ إِطْلَاقِ حَدَّثَنَا فِيهَا
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِمَالِكٍ أَيْضًا وَغَيْرِهِ أَنَّهَا أَرْفَعُ مِنَ السَّمَاعِ وَأَصَحُّ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الصَّدَفِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ نَفِيسٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا فِهْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ وَسُئِلَ فَقِيلَ لَهُ الْعَرْضُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ السَّمَاعُ قَالَ بَلِ الْعَرْضُ قِيلَ فَتَقُولُ فِي الْعَرْضِ حَدَّثَنَا قَالَ نَعَمْ
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوْلَانِيُّ الشَّيْخُ الصَّالِحُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِجَازَةً قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْبُخَارِيَّ
стр. 72
الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ الْوَزَّانَ يَقُولُ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ الْمُتَوَكِّلِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ السَّمَاعُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ
أَوَّلُهَا قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ
الثَّانِي قِرَاءَتُهُ عَلَيْكَ
وَالثَّالِثُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ كِتَابًا قَدْ عَرَفَهُ فَيَقُولُ ارْوِهِ عَنِّي
قَالَ وَكَانَ مَالِكٌ يَحْتَجُّ فِي هَذَا بِأَنَّ الرَّاوِي رُبَّمَا سَهَا أَوْ غَلِطَ فِيمَا يَقْرَؤُهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ الطَّالِبُ السَّامِعُ ذَلِكَ الْغَلَطَ لِخِلَالٍ ثَلَاثٍ إِمَّا لِأَنَّ الطَّالِبَ جَاهِلٌ فَلَا يَهْتَدِي لِلرَّدِّ عَلَيْهِ وَإِمَّا لِهَيْبَةِ الرَّاوِي وَجَلَالَتِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَلَطُهُ فِي مَوْضِعٍ صَادَفَ اخْتِلَافًا فَيَجْعَلُ خلافًا توهما أَنه مذْهبه فَيحمل الْخَطَأَ صَوَابًا
قَالَ وَإِذَا أُقْرِأَ الطَّالِبُ عَلَى الرَّاوِي فَسَهَا الطَّالِبُ أَوْ أَخْطَأَ رَدَّ عَلَيْهِ الرَّاوِي لِعِلْمِهِ مَعَ فَرَاغِ ذِهْنِهِ أَوْ يَرُدُّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ لِأَنَّهُ لاهيبة لِلطَّالِبِ
стр. 73
وَلَا يُعَدُّ لَهُ أَيْضًا مَذْهَبٌ فِي الْخِلَافِ إِنْ صَادَفَ بِغَلَطِهِ مَوْضِعَ اخْتِلَافٍ فَالرَّدُ عَلَيْهِ مُتَوِّجُهُ
وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ قَالَ لنافع القارىء وَقَدْ شَاوَرَهُ لِيَتَقَدَّمَ إِمَامًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ الْمِحْرَابُ مَوْضِعُ مِحْنَةٍ فَإِنْ زَلَلْتَ فِي حَرْفٍ وَأَنْتَ إِمَامٌ حُسِبَتْ قِرَاءَةً حُمِلَتْ عَنْكَ
فَهَذَا حُكْمُ مَرْتَبَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى ضُرُوبِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ قِرَاءَتِكَ أَوْ سَمَاعِكَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ أَوْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ وَإِمْسَاكُ الْأَصْلِ هُنَا أَثْبَتُ لِئَلَّا يَغْفَلَ وَيَذْهَبَ الْوَهْمُ فَيُذَكِّرَ الْكِتَابُ
فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لَا يُمْسِكُ كِتَابَهُ هُوَ وَإِنَّمَا يُمْسِكُهُ عَلَيْهِ ثِقَةٌ عَارِفٌ سِوَاهُ وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ فَالْحَالُ وَاحِدَةٌ
وَإِنْ كَانَ لَا يَحْفَظُهُ فَاخْتُلِفَ هَهُنَا فَرَأْيُ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِلَيْهِ نَحَا الْجُوَيْنِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْأُصُولِيِّينَ وَتَرَدَّدَ فِيهِ الْقَاضِي
стр. 74
ابْنُ الطَّيِّبِ وَأَكْثَرُ مَيْلِهِ إِلَى الْمَنْعِ
وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَصَحَّحَهُ إِذَا كَانَ مُمْسِكُ الْكِتَابِ مَوْثُوقًا بِهِ وَبِهَذَا عَمَلَ كَافَةُ الشُّيُوخِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ فِيهِ
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي أصل الشَّيْخ فَهِيَ للقارىء صَحِيحَةٌ كَإِمْسَاكِ الشَّيْخِ نُسْخَتِهِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى بَصَرِ الشَّيْخِ أَوْ سَمْعِهِ
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى التَّسْهِيلَ فِي السَّمَاعِ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ فِي التَّشْدِيدِ فِيهِ لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَرَى التَّحَدُّثَ بِالْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ فَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ الْبَابَ جِدًّا
وَأَمَّا مَتَى كَانَ مُمْسِكُ الْأَصْلِ عَلَى الشَّيْخِ أَو القارىء غَيْرَ ثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ عَلَى ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ بَصِيرٍ بِمَا يَقْرَؤُهُ فَلَا يَحِلُّ السَّمَاعُ وَالرِّوَايَةُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِذْ لَمْ يَبْقَ طَرِيقُ الثِّقَةِ بِمَا سَمِعَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مُسَامَحَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ
стр. 75
وَقَدْ ضَعَّفَ أَئِمَّةُ الصَّنْعَةِ رِوَايَةَ مَنْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ عَلَى مَالِكٍ بِقِرَاءَةِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ لِضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهُ كَانَ يُخَطْرِفُ الْأَوْرَاقَ حِينَ الْقِرَاءَةِ لِيَتَعَجَّلَ وَكَانَ يَقْرَأُ لِلْغُرَبَاءِ
وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْخَبَرَ عَلَى قَائِلِهِ لِحِفْظِ مَالِكٍ لِحَدِيثِهِ وَحِفْظِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْحَاضِرِينَ لَهُ وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا لَا يَجِوزُ عَلَى مَالِكٍ وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ تُخَطْرَفُ عَلَيْهِ الْأَوْرَاقُ وَلَا يَفْطِنُ هُوَ وَلَا مَنْ حَضَرَ
لَكِنَّ عَدَمَ الثِّقَةِ بِقِرَاءَةِ مِثْلِهِ مَعَ جَوَازِ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ عَنِ الْحَرْفِ وَشَبَهِهِ وَمَا لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى مُؤَثِرَةٌ فِي تَصْحِيحِ السَّمَاعِ كَمَا قَالُوهُ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا الْقَلِيلَ وَأَكْثَرَ عَنْهُ عَنِ اللَّيْثِ قَالُوا لِأَنَّ سَمَاعَهُ كَانَ بِقِرَاءَةِ حَبِيبٍ وَقَدْ
стр. 76
أَنْكَرَ هُوَ ذَلِكَ
وَشَرَطَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ بِالْقِرَاءَةِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَبِهِ عَمِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَئِمَّتُهُمْ إِقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمَامِ السَّمَاعِ بِأَنَّهُ كَمَا قرىء عَلَيْهِ فَيَقُولُ نَعَمْ وَأَبَى الْحَدِيثَ مَنِ اشْتَرَطَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّقْرِيرُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ وَمِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ هَذَا التَّقْرِيرُ
وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ لِمَنْ قَرَّرَهُ أَيْضًا وَقَالَ أَلَمْ أُفْرِغْ لَكُمْ نَفْسِي وَسمعت عرضكم وأقمت سقطه وز لله
وَالصَّحِيحُ هَذَا وَأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ ذِي دِينٍ إِقْرَارٌ عَلَى الْخَطَأِ فِي مِثْلِ هَذَا فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْرِيرِ بَعْدُ
стр. 77
وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ
وَلَعَلَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ مَالِكٍ وَأَمْثَالِهِ فِي فِعْلِ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ لَا اللُّزُومُ
٣ - الضَّرْبُ الثَّالِثُ الْمُنَاوَلَةُ
وَهِيَ أَيْضًا عَلَى أَنْوَاعٍ
أَرْفَعُهَا أَنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ كِتَابَهُ الَّذِي رَوَاهُ أَوْ نُسْخَةً مِنْهُ وَقَدْ صَحَّحَهَا أَوْ أَحَادِيثَ مِنْ حَدِيثِهِ وَقَدِ انْتَخَبَهَا وَكَتَبَهَا بِخَطِّهِ أَوْ كُتِبَتْ عَنْهُ فَعَرَفَهَا فَيَقُولُ لِلطَّالِبِ هَذِهِ رِوَايَتِي فَارْوِهَا عَنِّي وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ أَوْ يَقُولُ لَهُ خُذْهَا فَانْسَخْهَا وَقَابِلْ بِهَا ثُمَّ اصْرِفْهَا إِلَيَّ وَقَدْ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَا عَنِّي أَوِ ارْوِهَا عَنِّي أَوْ يَأْتِيهِ الطَّالِبُ بِنُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَوْ بِجُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ فَيَقِفُ عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَيَعْرِفَهُ وَيُحَقِّقُ جَمِيعَهُ وَصِحَّتَهُ وَيُجِيزُهُ لَهُ
فَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ مُكَاتَبَةً قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ الطُّيُورِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَالِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ خَرْبَانَ أَخْبَرَنَا ابْنُ خَلَّادٍ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بَهْلُولٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ
стр. 78
سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ أَصَحِّ السَّمَاعِ فَقَالَ قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ أَوْ قَالَ الْمُحَدِّثُ ثُمَّ قِرَاءَةُ الْمُحَدِّثِ عَلَيْكَ ثُمَّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ كِتَابَهُ فَيَقُولُ ارْوِ عَنِّي هَذَا
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى السَّمَاعُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ عِنْدَ مُعْظَمِ الْأَئِمَّةِ وَالْمُحَدِّثِينَ
وَهُوَ مَذْهَبُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالْحَسَنِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ الْعَمْرِيِّ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ وَالزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَابْنِ جُرَيْحٍ وَحَكَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ فِي جمَاعَة عذهم مِنْ أَئِمَّةِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمِصْرَ وَهُوَ قَوْلُ كَافَةِ أَهْلِ النَّقْلِ وَالْأَدَاءِ وَالتَّحْقِيقِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنَا الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَائِذِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاك عَن مَالك ابْن أَنَسٍ قَالَ
كَلَّمَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ فَكَتَبَ لَهُ مِنْ أَحَادِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَسَمِعَهَا مِنْكَ قَالَ هُوَ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 79
وَمِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ بَلْ أَخَذَهَا عَنِّي وَحَدَّثَ بِهَا
وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الثِّقَةَ بِكِتَابِهِ مَعَ إِذْنِهِ أَكْثَرُ مِنَ الثِّقَةِ بِالسَّمَاعِ وَأَثْبَتُ لِمَا يَدْخُلُ مِنَ الْوَهْمِ عَلَى السَّامِعِ وَالْمُسْمِعِ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَثَرِ اعْتِمَادُ عُمَّالِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْبِلَادِ عَلَى كُتُبِهِ إِلَيْهِمْ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سَعْدُونٍ أَخْبَرَنَا الْمُطَّوِّعِيُّ أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ إِسْحَاقُ الْفَقِيهُ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن أَيُّوبَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ وَيْدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى
وَحُجَّتُهُمْ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كِتَابًا وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ وَوَجَّهَهُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى جِهَةِ نَخْلَةَ وَقَالَ لَهُ لَا تَنْظُرْ فِي
стр. 80
الْكِتَابِ حَتَّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ انْظُرْ فِيهِ وَانْفُذْ لِمَا فِيهِ وَلَا تُكْرِهَنَّ أَحَدًا عَلَى النُّفُوذِ مَعَكَ
وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ أَجَازَ الْمُنَاوَلَةَ وَفَعَلَ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا وَلَا يُحَدِّثُ بِهَا
قَالَ الْقَاضِي وَلَعَلَّ قَوْلَهُ هَذَا فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ فِي الْحَدِيثِ بِهِ عَنْهُ كَمَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
نَوْعٌ آخَرُ
مِنَ الْمُنَاوَلَةِ أَنْ يَعْرِضَ الشَّيْخُ كِتَابَهُ وَيُنَاوِلَهُ الطَّالِبَ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي الْحَديِثِ بِهِ عَنْهُ ثُمَّ يُمْسِكَهُ الشَّيْخُ عِنْدَهُ وَلَا يُمَكِّنَهُ مِنْهُ
فَهَذِهِ مُنَاوَلَةٌ صَحِيحَةٌ أَيْضًا تَصِحُّ بِهَا الرِّوَايَةُ وَالْعَمَلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ بَعْدَ وُقُوعِ كِتَابِ الشَّيْخِ ذَلِكَ لِلطَّالِبِ بِعَيْنِهِ أَوِ انْتِسَاخِهِ
стр. 81
نُسْخَهٍ مِنْهُ أَوْ تَصْحِيحِ كِتَابِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ بِكِتَابِهِ أَوْ بِنُسْخَهٍ وَثِقَ بِمُقَابَلَتِهَا مِنْهُ
وَعَلَى التَّحْقِيقِ فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى مَعْنَى الْإِجَازَةِ لِلشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ مِنَ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمَعْرُوفَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إِجَازَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ بِكِتَابِ الْمُوَطَّأِ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ إِذِ الْمَقْصُودُ تَعْيِينُ مَا أَجَازَ لَهُ لَكِنْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا شُيُوخُنَا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَرَوْنَ لِهَذَا مَزِيَّةً عَلَى الْإِجَازَةِ وَلَا مَزِيَّةَ لَهُ عِنْدَ مَشَايِخِنَا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ بِخِلَافِ الْوُجُوهِ الْأَوَّلُ لِأَنَّ دَفْعَهُ كِتَابَهِ إِلَيْهِ وَتَمْلِيكَهُ إِيَّاهُ حَتَّى يُحَدِّثَ مِنْهُ أَوْ يَنْتَسِخَهُ بِمَنْزِلَةِ تَحْدِيثِهِ إِيَّاهُ وَإمْلَائِهِ عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ حَتَّى كَتَبَ الْحَدِيثَ أَوْ حَفِظَهُ
وَهَذَا الْوَجْهُ الْآخَرُ وَإِنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْمُرَادِ عِنْدَ ظَفَرِهِ بِالْكِتَابِ الْمُنَاوَلِ فَقَدْ قُلْنَا إِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِجَازَتِهِ لِذَلِكَ الْكِتَابِ إِذَا عَيَّنَ لَهُ اسْمَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لِأَنَّهُ إِذَا ظَفَرَ بِهِ أَيْضًا صَحَتْ رِوَايَتُهُ لَهُ عَنْهُ
٤ - الضَّرْبُ الرَّابِعُ الْكِتَابَةُ
وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ الطَّالِبُ الشَّيْخَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ
стр. 82
أَوْ يَبْدَأَ الشَّيْخُ بِكِتَابِ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلطَّالِبِ بِحَضْرَتِهِ أَوْ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي الْمُشَافَهَةِ وَالسُّؤَالِ إِذْنٌ وَلَا طَلَبٌ لِلْحَدِيثِ بِهَا عَنْهُ
فَهَذَا قَدْ أَجَازَ الْمَشَايِخُ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ عَنْهُ مَتَى صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ خَطَّهُ وَكِتَابَهُ لِأَنَّ فِي نَفْسِ كِتَابِهِ إِلَيْهِ بِهِ بِخَطِّ يَدِهِ أَوْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَهُ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ أَقْوَى إِذن وَبِهَذَا قَالَ حذق الْأُصُولِيِّينَ وَاخْتَارَهُ الْمُحَامِلِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَذَهَبَ نَاسٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَهَذَا غَلَطٌ
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْحَسَنُ بْنُ طَرِيفٍ النَّحْوِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله ابْنُ سَعْدُونَ الْقَرَوِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْغَازِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الْحَاكِمُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهَ قَالَ عَنْ
стр. 83
أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيِّ عَنْ جَدِّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ مَنْصُورٌ بِحَديِثٍ ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَفِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ فَقُلْتُ أَقْولُ حَدَّثَنِي فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ حَدَّثْتُكَ إِذَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ فَقَدْ حَدَّثْتُكَ
قَالَ شُعْبَةُ فَسَأَلْتُ أَيُّوبَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَ إِذَا كَتَبَ إِلَيْكَ فَقَدْ حَدَّثْتُكَ بِهَا
فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَئِمَّةٍ رَأَوْا ذَلِكَ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَذَكَرَ الْمُنَاوَلَةَ وَكِتَابَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَأَوْا ذَلِكَ جَائِزًا
стр. 84
وَقَدِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ السَّلَفِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمَشَايِخِ بِالْحَدِيثِ بِقَوْلِهِمْ كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ قَالَ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى هَذَا التَّحْدِيثِ وَعَدُّوهُ فِي الْمُسْنَدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَسَانِيدِ كَثِيرٌ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ بِخَطِّهِ فَهُوَ وسماعه وَالْإِقْرَار مِنْهُ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْخَطِّ كَمَا بِاللِّسَانِ التَّعْبِيرُ عَنِ الضَّمِيرِ فَإِذَا وَقَعْتَ بِمَا وَقَعْتُ فَكُلُّهُ سَوَاءٌ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الصَّيْرَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَالِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَرْبَانَ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ أَخْبَرَنَا السَّاجِيُّ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَاظَرَ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَابْنُ حَنْبَلٍ حَاضِرٌ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ دِبَاغُهَا طَهُورُهَا وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا
стр. 85
فَقَالَ إِسْحَاقُ حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ كَتَبَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِحَديِثِ مَيْمُونَةَ لِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا كِتَابٌ وَذَاكَ سَمَاعٌ فَقَالَ إِسْحَاقُ كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرٍ وَكَانَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ
стр. 86
٥ - الضَّرْبُ الْخَامِسُ الْإِجَازَةُ
إِمَّا مُشَافَهَةً أَوْ إِذْنًا بِاللَّفْظِ مَعَ الْمَغِيبِ أَوْ يَكْتُبُ لَهُ ذَلِكَ بِخَطِّهِ بِحَضْرَتِهِ أَوْ مَغِيبِهِ
وَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَ الْمَغِيبِ لِإِثْبَاتِ النَّقْلِ أَوِ الْخَطِّ
ثُمَّ هِيَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ سِتَّةٍ
أَعْلَاهَا الْإِجَازَةُ لِكُتُبٍ مُعَيَّنَةٍ وَأَحَادِيثَ مُخَصَّصَةٍ مُفَسَّرَةٍ إِمَّا فِي اللَّفْظِ وَالْكُتُبِ أَوْ مُحَالٌ عَلَى فَهْرَسَةٍ حَاضِرَةٍ أَوْ مَشْهُورَةٍ
فَهَذِهِ عِنْدَ بَعْضِهِمُ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِهَا وَلَا خَالَفَ فِيهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ
وَقَدْ سَوَّى بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ ضَرْبِ الْمُنَاوَلَةِ وَسَمَّاهُ أَبُو الْعَبَّاس ابْن بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْوِجَازَةِ مُنَاوَلَةً وَقَالَ إِنَّهُ
стр. 87
يَحِلُّ مَحْلَ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا وَادَّعَى فِيهِ لإِجْمَاع وَلَمْ يُفَصِّلْ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِهَا
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبُرْهَانِ فِي الْإِجَازَةِ لِمَا صَحَّ مِنْ مَسْمُوعَاتِ الشَّيْخِ أَوْ لِكِتَابٍ عَيَّنَهُ تَرَدَّدَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُتَلَقَّى بِالْإِجَازَةِ حُكْمٌ وَلَا يُسَوِّغُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا عَمَلًا وَرِوَايَةً وَاخْتَارَ هُوَ التَّعْوِيلَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَحْقِيقِ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ الطُّبُنِيُّ
стр. 88
إِنَّمَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ عِنْدِي إِذَا عَيَّنَ الْمُجِيزُ لِلْمُجَازِ مَا أَجَازَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ حَدَّثَنِي
وَعَلَى هَذَا رَأَيْتُ إِجَازَاتِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَمَا رَأَيْتُ مُخَالِفًا لَهُ بِخِلَافِ إِذَا أَبْهَمَ وَلَمْ يُسَمِّ مَا أَجَازَ وَلَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا لِغَيْرِ مُقَابَلَةِ نُسْخَتِهِ بِأُصُولِ الشَّيْخِ
حَدَّثَنَا الْخَوْلَانِيّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَالِكِيُّ أَخْبَرَنَا تَمِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْغُصْنِ السُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا عَوْنُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ
كُنْتُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْمُوَطَّأَ فِي كِسَائِهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا مُوَطَّؤُكَ قَدْ كَتَبْتُهُ وَقَابَلْتُهُ فَأَجِزْهُ لِي قَالَ قَدْ فَعَلْتُ قَالَ فَكَيْفَ أَقُولُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَوْ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ قَالَ قُلْ أَيَّهُمَا شِئْتَ
стр. 89
وَأَخْبَرَنَا الْخَوْلَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرو المقرىء حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّبَعِيُّ أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ قَالَ
قَالَ عِيسَى بْنُ مِسْكِينٍ الْإِجَازَةُ رَأْسُ مَالٍ كَبِيرٍ وَجَائِزُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ وَأَخَبْرَنِي فُلَانٌ
الْوَجْهُ الثَّانِي
أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِبْهَامِ دُونَ تَخْصِيصٍ وَلَا تَعْيِينٍ لِكُتُبٍ وَلَا أَحَادِيثَ كَقَوْلِكَ قَدْ أَجَزْتُ لَكَ جَمِيعَ رِوَايَتِي أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ رِوَايَتِي
فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ تَحْقِيقًا وَالصَّحيِحُ جَوَازُهُ وَصَحَتِ الرِّوَايَةُ وَالْعَمَلُ بِهِ بَعْدَ تَصْحِيحِ شَيْئَيْنِ تَعْيِينُ رِوَايَاتِ الشَّيْخِ
стр. 90
وَمَسْمُوعَاتِهِ وَتَحْقِيقِهَا وَصِحَّةُ مُطَابَقَةِ كُتُبِ الرَّاوِي لَهَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينُ وَالْجَمْهُورِ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالسَّلَفِ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ مَشَايِخِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءُ وَالنُّظَّارُ وَهُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَأَيَّوبَ وَشُعْبَةَ وَرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَجُمْلَةِ الْمَالِكِيِّينَ وَعَامَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمْلُ الشُّيُوخِ وَقَوُّوهُ وَصَحَّحَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَاخْتَارَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ الْمُحَقِّقِينَ
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ مُحْسِنٍ الْفَقِيهَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ
لَا غِنَى فِي السَّمَاعِ مِنَ الْإِجَازَةِ لِأَنَّهُ قد يغلط القارىء وَيَغْفَلُ الشَّيْخُ أَوْ يَغْلَطُ الشَّيْخُ إِن كَانَ هُوَ القارىء وَيَغْفَلُ السَّامِعُ فَيَنْجَبِرُ لَهُ مَا فَاتَهُ بِالْإِجَازَةِ
وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى تَقْيِيدِ سَمَاعٍ لِبَعْضِ نُبَهَاءِ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ بِنَحْوِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَتَّابٍ فَقَالَ
سَمِعَ هَذَا الْجُزْءَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
стр. 91
ابْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ وَأَجَازَ مَا أَغْفَلَ وَصَحَّفَ وَلَمْ يُصْغِ إِلَيْهِ أَنْ يُرْوَى عَنْهُ عَلَى الصِّحَّةِ
وَهَذَا مَنْزَعٌ نَبِيلٌ فِي الْبَابِ جدا
ؤأخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ كِتَابِهِ وَإِذْنِهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ ابْن غُفَيْرٍ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سهل الْعَطَّار بالإسكندرية قَالَ
كَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ يَقُولُ الْإِجَازَةُ عِنْدِي عَلَى وَجْهِهَا خَيْرٌ وَأَقْوَى فِي النَّقْلِ مِنَ السماع الردى
وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَقِلَّةٌ مِنَ الْمَشْيَخَةِ فَمَنَعُوا الرِّوَايَةَ بِهَا وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ
اخْتَلَفَ مَنْ أَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَقْتَضَاهَا وَمَا رُوِيَ بِهَا فَالْجُمْهُورُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا
стр. 92
وَمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ فَعَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ رَأَيْتُ مَالِكًا فَعَلَهُ
قَالَ وَسَمِعْتُهُ مَرَّةً وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا فَقَالَ مَا يُعْجِبُنِي وَأَنَّ النَّاسَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوا الشَّيْءَ الْكَثِيرَ فِي الْمَقَامِ الْقَلِيلِ
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ لِرَسُولِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ فِي ذَلِكَ قُلْ لَهُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْعِلْمَ فَارْحَلْ لَهُ
أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ لِمَا أخبرنَا بِهِ أَو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي الْأَسَدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَالِكِيُّ قَالَ
стр. 93
لِمَالِكٍ شَرْطٌ فِي الْإِجَازَةِ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُعَارِضًا بِالْأَصْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ وَأَنْ يَكُونَ الْمُجِيزُ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ ثِقَةً فِي دِينِهِ وَرِوَايَتِهِ مَعْرُوفًا بِالْعِلْمِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُجَازُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّسِمًا بِهِ حَتَّى لَا يَضَعُ الْعِلْمَ إِلَّا عِنْدَ أَهْلِهِ
قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُهَا لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَيُقوُلُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ إِعْطَاءِ الْإِجَازَةِ أَحَدُهُمْ يُحِبُّ أَنْ يُدْعَى قَسًّا وَلَمْ يَخْدِمِ الْكَنِيسَةَ يُضْرَبُ هَذَا الْمَثَلُ فِي هَذَا
قَالَ الْقَاضِي الْمُؤَلِفُ ﵁ أَمَّا الشَّرْطَانِ الْأَوَّلَانِ فَوَاجِبَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي السَّمَاعِ وَالْعَرْضِ وَالْإِجَازَةِ وَسَائِرِ طُرُقِ النَّقْلِ إِلَّا اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحَافِظُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا لِمَاهِرٍ بِالصِّنَاعَةِ
стр. 94
وَفِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْكَلُ إِسْنَادُهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن على ابْن الْحَسَنِ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بن عبد الله بن بزدان الرَّازِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الطَّيَالِسِيَّ بِبَغْدَادَ يَقُولُ كُنَّا عِنْدَ أَبِي الْأَشْعَثِ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيِّ إِذْ جَاءَهُ
стр. 95
قَوْمٌ يَسْأَلُونَهُ إِجَازَةَ كِتَابٍ قَدْ حَدَّثَ بِهِ فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ
(كِتَابِي إِلَيْكُمْ فَافْهَمُوهُ فَإِنَّهُ ... رَسُولٌ إِلَيكُمْ وَالْكِتَابُ رَسُولُ)
(وَهَذَا سَمَاعِي مِنْ رِجَالٍ لَقِيتُهُمْ ... لَهُمْ وَرَعٌ فِي فَهْمِهِمْ وَعُقُولُ)
(فَإِنْ شِئْتُمْ فَارْوُوهُ عَنِّي فَإِنَّمَا ... تَقُولُونَ مَا قَدْ قُلْتُهُ وَأَقُولُ)
الْوَجْهُ الثَّالِثُ
قَالَ الْقَاضِي ﵁ الْإِجَازَةُ لِلْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمُجَازِ لَهُ
стр. 96
وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُعَلَّقَةً بِوَصْفٍ وَمَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ أَوْ مُطْلَقَةً فَأَمَّا الْمَخْصُوصَةُ وَالْمُعَلَّقَةُ بِقَوْلِكَ أَجَزْتُ لِمَنْ لَقِيَنِي أَوْ لِكُلِّ مَنْ قَرَأَ عَلَيَّ الْعِلْمَ أَوْ لِمَنْ كَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَوْ لِأَهْلِ بَلَدٍ كَذَا أَوْ لِبَنِي هَاشِمٍ أَو قُرَيْش والمطلقة أجزت لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِكُلِّ أَحَدٍ
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تَفْتَرِقُ وَفِي بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ
فَذَهَبَ الْقَاضِي بِبَغْدَادَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَصِحُّ فِيمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَصِحُّ لِمَنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ مِمَّنْ هُوَ مَعْدُومٌ
стр. 97
وَذَهَبَ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ إِلَى مَنْعِهَا فِي الْمَجْهُولِ كُلِّهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُوجَدْ وَكَذَلِكَ يَأْتِي عَلَى قَوْلَيْهِمَا فِي طَلَبَةِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ فِيمَنْ وُجِدَ مِنْهِمْ وَمَنْ لَمْ يُوجَدْ
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ
حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ قَالَ سَأَلْتُ الْفَقِيهَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَتَّابٍ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ مُسْلِمٍ وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الشَّنْتَجَالِيِّ فَقَالَ لِي قَدْ أَجَازَ الْكتاب أَبُو مُحَمَّد ابْن سَعِيدٍ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قُرْطُبَةَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَأَنْتَ وَأَنَا فِيهِ سَوَاءٌ
стр. 98
قَالَ الْقَاضِي الْمُؤَلِفُ ﵁ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا إِجَازَةَ الْقَاضِي أَبِي الْأَصْبَغِ الْمَذْكُورِ بِخَطِّهِ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْمَ بِبَلَدِنَا
وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ جِلَّةٌ فُقَهَاءُ رَأَوْا هَذَا مِنْ أَهْلِ قُطْرِنَا وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَجْهُولِ وَمَنْ لَا يُحْصَى كَالْوَقْفِ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَقُرَيْشٍ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ يَصِحُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ وَمُحَمّد ابْن الْحَسَنِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا وَمَنْ أَجَازَ الْوَقْفِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ
стр. 99
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَعَادَتْ إِلَى جَهَالَةٍ فَأَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ لِمَنْ يَأْخُذُهُ الْحَصْرُ وَالْوُجُودُ كَقَوْلِهِ أَجَزْتُ لِمَنْ هُوَ الْآنَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِبَلَدِ كَذَا أَوْ لِمَنْ قَرَأَ عَلَيَّ قَبْلَ هَذَا فَمَا أَحْسَبُهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ عِنْدَهُ الْإِجَازَةُ وَلَا رَأَيْتُ مَنْعَهُ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ مَوْصُوفٌ كَقَوْلِهِ لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ إِخْوَةِ فُلَانٍ
الْوَجْهُ الرَّابِعُ
قَالَ الْقَاضِي ﵁ الْإِجَازَةُ لِلْمَجْهُولِ
وَهِيَ عَلَى ضُرُوبٍ فَأَمَّا لِمُعَيَّنٍ مَجْهُولٍ فِي حَقِّ الْمُجِيزِ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا تَضُرُّهُ بَعْدَ إِجَازَتِهِ لَهُ جَهَالَتُهُ بِعَيْنِهِ إِذَا سُمِّيَ لَهُ أَوْ سَمَّاهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ نَسَبَهُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَضُرُّهُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ إِذَا حَضَرَ شَخْصُهُ لِلسَّمَاعِ مِنْهُ
وَأَمَّا مَجْهُولٌ مُبْهَمٌ عَلَى الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ أَجَزْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَوْ لِقَوْمٍ أَوْ لِنَفَرٍ لَا غَيْرَ
فَهَذَا لَا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِهَا وَلَا تُفَيدُ هَذِهِ الْإِجَازَةُ إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْمُبْهَمِ وَلَا تَعْيِينِهِ
стр. 100
وَأَمَّا إِنْ تَعَلَّقَتِ الْجَهَالَةُ بِشَرْطٍ وَتَمَيَّزَتْ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْيِينٍ أَوَّلًا كَقَوْلِهِ أَجَزْتُ لِأَهْلِ بَلَدِ كَذَا إِنْ أَرَادُوا أَوْ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يُحَدِّثَ عَنِّي أَوْ لِمَنْ شَاءَ فُلَانٌ فَهَذَا قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ وَقَدْ وَقَعَتْ إِجَازَتُهُ لِبَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ وَبِإِجَازَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَمْرُوسٍ الْمَالِكِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ الْحَنَفِيُّ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ
стр. 101
وَمَنَعَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّافِعِيَّانِ
وَاحْتَجَّ الْمُحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ تَحَمُّلٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ الْمُتَحَمِّلِ
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّبَعِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ فِيمَا أَجَازَنِيهُ عَنْهُ مُشَافَهَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفضل عبيد الله ابْن أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ كَانَ فِي كِتَابِ أَبِي الْحُسَيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ الْخَلَّالِ إِجَازَةٌ كَتَبَهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ الصَّلْتِ السَّدُوسِيُّ نُسْخَتُهَا
يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ قَدْ أَجَزْتُ لِعُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ وَلِخَتَنِهِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ جَمِيعَ مَا فَاتَهُ مِنْ حَدِيثِي مِمَّا لَمْ يُدْرِكْ سَمَاعَهُ مِنَ الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ أَجَزْتُ ذَلِكَ لِمَنْ أَحَبَّ عُمَرُ فَلْيَرْوُوهُ عَنِّي إِنْ شَاءُوا
стр. 102
قَالَ الْخَطِيبُ وَرَأَيْتُ مِثْلَ هَذِهِ الْإِجَازَةِ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَشْهُورِينَ غَيْرَهُ
الْوَجْهُ الْخَامِسُ
الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ كَقَوْلِهِ أَجَزْتُ لِفُلَانٍ وَوَلَدِهِ وَكُلَّ وَلَدٍ يُولَدُ لَهُ أَوْ لِعَقِبِهِ وَعَقِبِ عَقِبِهِ أَوْ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ بِبَلَدِ كَذَا مَتَى كَانُوا أَوْ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ بَلَدَ كَذَا مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ
فَهَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا
فَأَجَازَهَا مُعْظَمُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبِهَا اسْتَمَرَّ عَمَلُهُمْ بَعْدُ شَرْقًا وَغَرْبًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَمْرُوسٍ الْبَغْدَادِيُّ الْمَالِكِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَلِيُّ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيُّ الْحَنَفِيُّ
стр. 103
وَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَجَازَهَا غَيْرُهُ مِنْهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ بْنِ ثَابِتٍ الْبَغْدَادِيِّ وَمَنَعَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ
قَالَ الشَّيْخُ الْخَطِيبِ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْهُ أَبُو الْحَسَنُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الرَّبَعِيُّ الشَّافِعِيُّ بِالْإِجَازَةِ
لَمْ أَجِدْ لِأَحَدٍ مِنْ شُيُوخِ الْمُحَدِّثِينَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَلَا بَلَغَنِي عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةٌ سِوَى مَا حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ يَقُولُ
سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُدَ وَسُئِلَ عَنِ الْإِجَازَةِ فَقَالَ قَدْ أَجَزْتُ لَكَ وَلِأَوْلَادِكَ وَلِحَبَلِ الْحَبَلَةِ قَالَ يُرِيدُ مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ
وَحُجَّةُ الْمُجِيزِينَ لَهَا الْقِيَاسُ عَلَى الْوَقْفِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْمَعْدُومِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَلِأَنَّهُ إِذَا صَحَّتِ الْإِجَازَةُ مَعَ عَدَمِ اللِّقَاءِ وَبُعْدَ الدِّيَارِ وَتَفْرِيقِ الْأَقْطَارِ فَكَذَلِكَ مَعَ عَدَمِ اللِّقَاءِ وَبُعْدَ الزَّمَانِ وَتَفْرِيقَ الْأَعْصَارِ
الْوَجْهُ السَّادِسُ
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ الْإِجَازَةُ لِمَا لَمْ يَرْوِهِ الْمُجِيزِ بَعْدُ
стр. 104
فَهَذَا لَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَايِخِ وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْعَصْرِيِّينَ يَصْنَعُونَهُ إِلَّا أَنِّي قَرَأْتُ فِي فَهْرَسَةِ الشَّيْخِ الْأَدْيِبِ الرَّاوِيَةِ أَبِي مَرْوَانَ عَبْدِ الْمَلِكِ بن زبادة اللَّهِ الطُّبُنِيِّ قَالَ
كُنْتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِقُرْطُبَةَ أَبِي الْوَلِيدِ يُونُسَ بْنِ مُغِيثٍ فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ فَسَأَلَهُ الْإِجَازَةَ لَهُ بِجَمِيعِ مَا رَوَاهُ إِلَى تَارِيخِهَا وَمَا يَرْوِيهِ بَعْدُ فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ فَغَضِبَ السَّائِلُ فَنَظَرَ إِلَيَّ يُونُسُ فَقُلْتُ لَهُ يَا هَذَا يُعْطِيكَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ هَذَا مُحَالٌ فَقَالَ يُونُسُ هَذَا جَوَابِي
قَالَ الْقَاضِي الْمُؤَلِّفُ ﵁ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ هَذَا يُجِيزُ بِمَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَيَأْذَنُ فِي الْحَدِيثِ بِمَا لَمْ يتحدث بِهِ بعد ويبيح مالم يَعْلَمْ هَلْ يَصِحُّ لَهُ الْإِذْنُ فِيهِ فَمَنْعُهُ الصَّوَابُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي
стр. 105
أَبُو الْوَلِيدِ يُونُسُ وَصَاحِبُهُ أَبُو مَرْوَانَ
وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ عَلَى الْمُجَازِ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ الْعَامَةِ الْمُبْهَمَةِ إِذَا طَلَبَ تَصْحِيحَ رِوَايَةِ الشَّيْخِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذَا مِمَّا رَوَاهُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ إِنْ كَانَ الشَّيْخُ مِمَّنْ يَعْلَمُ سَمَاعَهُ وَطَلَبَهُ بَعْدَ تَارِيخِ الْإِجَازَةِ فَيَحْتَاجُ هَهُنَا إِلَى ثُبُوتِ فَصْلٍ ثَالِثٍ وَهُوَ تَارِيخُ سَمَاعِهِ زَائِدًا إِلَى الْفَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا هُنَالِكَ
وَقَدْ تَقَصَّيْنَا وَجْهَ الْإِجَازَةِ بِمَا لَمْ نُسْبَقْ إِلَيْهِ وَجَمَعْنَا فِيهِ تَفَارِيقَ الْمَجْمُوعَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُشَافَهَاتِ وَالمُسْتَنْبَطَاتِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ
وَنَرْجِعُ إِلَى ذِكْرِ مَا بَقِيَ مِنْ ضُرُوبِ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلِ
الضَّرْبُ السَّادِسُ
وَهُوَ إِعْلَامُ الشَّيْخِ الطَّالِبَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَأَنَّ هَذَا الْكِتَابَ سَمَاعُهُ فَقَطْ دُونَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ أَوْ يَأْمُرَهُ
стр. 106
بِذَلِكَ أَوْ يَقُولَ لَهُ الطَّالِبُ هُوَ رِوَايَتُكَ أَحْمِلُهُ عَنْكَ فَيَقُولُ لَهُ نَعَمْ أَوْ يُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُهُ
فَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ وَطَرِيقٌ صَحِيحٌ لِلنَّقْلِ وَالْعَمَلِ عِنْدَ الْكَثِيرِ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ بِهِ وَتَصْحِيحَهُ لَهُ أَنَّهُ سَمَاعُهُ كَتَحْدِيثِهِ لَهُ بِلَفْظِهِ وَقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ إِيَّاهُ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ لَهُ وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ وَنُظَّارُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَمْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ الْمَدَنِيِّينَ وَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ وَالْحَافِظُ الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ الْمَالِكِيُّ وَغَيرهمَا وَهُوَ مَذْهَب عبد الملك بْنِ حَبِيبٍ مِنْ كُبَرَاءِ أَصْحَابِنَا وَبِهَا
стр. 107
نَعَى عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَعْرِفَتَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى وَكَانَ أَعْطَاهُ كُتُبَهُ وَنَسَخَهَا فَحَدَّثَ بِهَا عَنْهُ وَلَمْ يُجِزْهُ إِيَّاهَا فَقِيلَ لِأَسَدٍ أَنْتَ لَا تُجِيزُ الْإِجَازَةَ فَكَيْفَ حَدَّثَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْكَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْكَ
قَالَ إِنَّمَا طَلَبَ مِنِّي كُتُبِي يَنْتَسِخُهَا فَلَا أَدْرِي مَا صَنَعَ وَنَحْوَ هَذَا وَلَمْ يُجِزِ النَّقْلَ وَالرِّوَايَةَ بِهَذَا الْوَجْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةُ الْأُصُولِيِّينَ
стр. 108
وَجَعَلُوهُ كَالشَّاهِدِ إِذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَى شَهَادَتِهِ وَسُمِعَ يَذْكُرُهَا فَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهَا إِذْ لَعَلَّهُ لَوِ اسْتُؤْذِنَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَأْذَنْ لِتَشَكُّكٍ أَوِ ارْتِيَابٍ يُدَاخِلُهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وَالْأَدَاءِ أَوِ النَّقْلِ عَنْهُ بِخِلَافِ ذِكْرِهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَكَذَلِكَ النَّقْلُ عَنْهُ لِلْحَدِيثِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الطُّوسِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِيِّينَ لَكِنَّ مُحَقِّقُو أَصْحَابِ الْأُصُولِ لَا يَخْتَلِفُونَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُجَزْ بِهِ الرِّوَايَةُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْخَطِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ خَلَّادٍ بِصِحَّتِهَا وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ بِهَا
قَالَ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهُ هَذِهِ رِوَايَتِي لَكِنْ لَا تَرْوِهَا عَنِّي لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى نَهْيِهِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهَا عَنْهُ كَمَا لَوْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا ثُمَّ قَالَ لَهُ لَا تَرْوِهِ عَنِّي وَلَا أُجِيزُهُ لَكَ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ
قَالَ الْقَاضِي الْمُؤَلِفُ ﵁ وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ لَا يَقْتَضِي النَّظَرُ سِوَاهُ لِأَنَّ مَنْعَهُ أَلَّا يُحَدِّثَ بِمَا حَدَّثَهُ لَا لِعِلَّةٍ وَلَا رِيبَةٍ فِي الْحَدِيثِ لَا تُؤَثِّرُ لِأَنَّهُ قَدْ حَدَّثَهُ فَهُوَ شَيْءٌ لَا يُرْجَعُ فِيهِ
وَمَا أَعْلَمُ مُقْتَدًى بِهِ قَالَ خِلَافَ هَذَا فِي تَأْثِيرِ مَنْعِ الشَّيْخِ وَرُجُوعِهِ عَمَّا
стр. 109
حَدَّثَ بِهِ مَنْ حَدَّثَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ سَنَدَهُ عَنْهُ إِلَّا أَنِّي قَرَأْتُ فِي كِتَابِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيِّ الْقَرَوِيِّ فِي طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ إِفْرِيقِيةَ عَنْ شَيْخِ مِنْ جِلَّةِ شُيُوخِنَا أَنَّهُ أَشْهَدَ بِالرُّجُوعِ عَمَّا حَدَّثَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لأمر يقمه عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا بَعْضُ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ مَشَايِخِ الْأَنْدَلُسِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِمْ وَهُوَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَطِيَّةَ فَإِنَّهُ أَشْهَدَ بِالرُّجُوعِ عَمَّا حَدَّثَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِهَوًى ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ وَأُمُورٍ أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ
وَلَعَلَّ هَذَا لِمَنْ فَعَلَهُ تَأْدِيبٌ مِنْهُمْ وَتَضْعِيفٌ لَهُمْ عِنْدَ الْعَامَةِ لَا لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا صِحَّةَ تَأْثِيرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقِيَاسُ مَنْ قَاسَ الْإِذْنَ فِي الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَعَدَمِهِ عَلَى الْإِذْنِ
стр. 110
فِي الشَّهَادَةِ وَعَدَمِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْأَشْهَادِ وَالْإِذْنُ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا إِذَا سُمِعَ أَدَاؤُهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالْحَدِيثُ عَنِ السَّمَاعِ وَالْقِرَاءَةِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِذْنٍ بِاتِّفَاقٍ
فَهَذَا يَكْسِرُ عَلَيْهِمْ حُجَّتَهُمْ بِالشَّهَادَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا هُنَا وَلَا فَرْقَ
وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مُفْتَرَقَةٌ مِنَ الرِّوَايَةِ فِي أَكْثَرِ الْوُجُوهِ وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ أَوْصَافٌ لَا تُشْتَرَطُ فِي الرَّاوِي وَيَضِرُّ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِخِلَافِ الْخَبَرِ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ نَسِيَ شَهَادَتَهُ أَوْ شَكَّ فِيهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ نُقِلَتْ عَنْهُ
следующие страницы →