وقال الشيخ صالح الفوزان في تعليق الحلقة والخيط ونحوهما: "إن كان يعتقد أنها سبب فقط والواقي هو الله سبحانه فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه الأشياء سببًا" (١).
قال الشيخ صالح آل الشيخ: "هذه القاعدة صحيحة - في الجملة - لكن قد يُشْكِل دخول بعض الأمثلة فيها".
ثالثا: أسباب محرمة لكن لا تدخل في الشرك:
مثل: العلاج بالدم، فإنه محرم ويقدح في التوكل الواجب. وكذلك التداوى بالخمر، والسرقة للحصول على المال.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فيحرم على المرء أن يتداوى بشيء حرمه الله عليه، وذلك لأنه لو كان مصلحة للعباد ما حرم عليهم، ولم يجعل الله شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، وقد سئل ﷺ عن التداوي بالخمر، فقال: "إنه داء وليس بدواء" (٢).
وقد يحصل أن يشفي الله المريض إذا تناول شيئًا من هذا المحرم، فيظن الظان أنه برئ منه، ولكنه فتنة وامتحان من الله، فإنه لا يبرأ منه - أي من هذا الدواء المحرم -، ولكن يبرأ عند هذا الدواء المحرم، ولهذا لا نجزم أهذا الرجل شفي من لحم هذا الذئب، بل إننا نجزم بأنه لا شفاء فيما حرمه الله .
وقد تداول الناس كلامًا فهموه على غير وجهه وهو قاعدة شرعية: إن الضرورات تبيح المحظورات، فقالوا: إن الإنسان إذا اضطر إلى الدواء المحرم، فإنه له أن يتناول، وهذا خطأ؛ لأن الدواء لا ضرورة إليه، لأنه قد يشفى الإنسان بدون دواء، وكم من إنسان استعمل أدوية كثيرة مما هي مباحة له، ولم يشف بها؟ فإذا تركها شفاه الله ، وكم من إنسان مرض ولم يتناول أدوية فشفاه الله؟ وكم
стр. 1017
من إنسان مرض فاستعمل الأدوية على ما ينبغي ومع ذلك لم ينج من المرض؟
وبقي مريضًا مع تناولها، وبهذا عرفنا أنه لا ضرورة إلى الدواء لأمرين:
الأول: لأنه ربما يشفي بدون دواء.
الثاني: فإنه إذا تناوله فليس من المؤكد أن يشفى به، فعلم بهذا أنه لا ضرورة، وأن الدواء المحرم لا تنطبق عليه هذه القاعدة، وعليه فلا يجوز التداوي بالحرام.
وليس معنى قولنا: لا ضرورة إلى الدواء أننا نمنع من التداوي، أو أننا نحذر منه، بل إننا نرى أن القول الراجح في التداوي أنه أفضل من عدمه إذا كان يرجى نفعه" (١).
أما الأسباب المكروهة من الاسترقاء والاكتواء وغيرها، فتركها أولى ومباشرتها تقدح في تمام التوكل المستحب، فإن القلوب تتعلق بالكي والاسترقاء تعلقًا زائدًا.
ويدل على ذلك حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب "قالوا: من هم يا رسول الله ﷺ قال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعك ربهم يتوكلون" (٢)، وأيضًا لحديث العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" (٣).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا كما يظنه الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أي:
стр. 1018
كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببًا مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا" (١).
وقد تقدم الفرق بين الرقية والاسترقاء في باب (الرقى).
٤ - حكم التعلق بالأسباب:
الأسباب وإن عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه والله يتصرف فيها كيف يشاء فخالق الأسباب ومسببها هو الله وحده - فما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله ولا يجعل منها سببا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا وقدرًا، ثم إذا ثبتت تلك الأسباب فلا يعتمد العبد عليها ولا يركن إليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها (٢) ويعلم أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع. فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود.
فإن اعتقد الإنسان أن السبب هو الفاعل بنفسه من دون الله فهو شرك أكبر، لأن الاعتماد الكلي على الأسباب، واعتقاد أنها تؤثر استقلًا في جلب المنفعة أو دفع المضرة من الشرك الأكبر.
* وإن اعتمد الإنسان على سبب لم يثبت كونه سببا لا شرعا ولا قدرا فهو مبطل.
стр. 1019
* وإذا عُلِم السبب بطريق الشرع أو بطريق القدر فجائز لكن كما قدمنا يعتمد على مسببها، ومقدرها؛ لأنه قد يقوم في نفس العبد الاعتماد على هذه الأسباب ونسيان المسبب.
* فالسبب المباح وإن كان في ذاته مباح لكن الاعتماد عليه مع نسيان المسبب نوع شرك.
* قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع غفلته عن المسبب وهو الله تعالى فهذا نوع من الشرك ولكن لا يخرج من الملة؛ لأنه اعتمد على السبب ونسي المسبب وهو الله - تعالى - " (٢).
* وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن التوكل: "فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، ويكون قادحا في كفاية الله فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه" (٣).
стр. 1020
١٥٢ - السجود *
[الإنحناء - التعظيم]
قال الراغب: "السجود أصله التطامن والتذلل وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوانات والجمادات" (١).
والسجود عبادة فيها خضوع وتذلل فلا تكون إلا لله .
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ قال الراغب: "قيل عُني به الأرض إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر، وقيل المساجد مواضع السجود الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان" (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ووجه الدلالة أن الله تعالى أخبر أن المساجد وهي مواضع السجود وأعضاء السجود لله ورتب على ذلك قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ
стр. 1021
أَحَدًا﴾ أي لا تعبدوا معه غيره فتسجدوا له" (١).
* الدليل من السنة: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: "أَتيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَقُلْتُ: رَسُولُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ. قَالَ: فَأَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي أَّتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ الله أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ، قَالَ: "أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: "فَلا تَفْعَلُوا، لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ؛ لِمَا جَعَلَ اللهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ"" (٢).
وفي رواية أن: "معاذ بن جبل ﵁ قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم "زعمائهم" وذلك قبل أن يسلموا فلما رجع معاذ سجد للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "ما هذا يا معاذ"؟ فقال: رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله يعني أحق من أساقفتهم بالسجود فقال النبي ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" من عظم حقه عليها" (٣).
وفي رواية البزار: "أن النصارى قالوا لمعاذ هذه تحية الأنبياء فكذبهم النبي لما بلغه ذلك وقال: إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم" (٤). وعلى هذا فإن التقدير: "لو كنت آمرا أحدا أن يحيي أحدًا بالسجود لأمرت المرأة أن تحيي زوجها بالسجود" ولا يظن بمعاذ وهو من أعلم الصحابة بالحلال والحرام أن يخفى عليه أن التوجه بالعبادة لغير الله تعالى شرك لا يجوز.
وقد أشكل الأمر واشتبه بسجود التحية كسجود إخوة يوسف وأبويه وكذلك
стр. 1022
سجود الملائكة لآدم ﵇. قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الكهف: ٥٠] أي: "سجود تشريف وتكريم وتعظيم" (١).
وقال بعضهم: إن السجود كان لله وجعل آدم قبلة لهم، وهو قول عارٍ من الصحة بعيد عن الصواب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقال بعض الأغبياء: إن السجود إنما كان لله وجعل آدم قبله لهم، يسجدون إليه كما يسجد إلى الكعبة؛ وليس في هذا تفضيل له عليهم؛ كما أن السجود إلى الكعبة ليس فيه تفضيل للكعبة على المؤمن عند الله، بل حرمة المؤمن عند الله أفضل من حرمتها" (٢).
وفي تفسير آية البقرة ذكر ابن كثير معنى سجود الملائكة لآدم وذكر من الأقول أن: "هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ثم ذكر حديث معاذ السابق وضعف القولين الآخرين وهما كون السجدة لله وآدم قبله فيها كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وكون المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض واستظهر القول الأول أن السجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا وهي طاعة الله لأنها امتثال لأمره تعالى وقد قواه الرازي في تفسيره" (٣).
وعلى هذا فهناك سجود تحية، وهناك سجود عبادة ويختلف حكم التحية لغير الله عن حكم عبادة غير الله. ولا يلزم من السجود للشخص عبادته، بل يحتمل
стр. 1023
العبادة، ويحتمل غيرها من التحية والاحترام كما في الحديث المذكور (١)، بخلاف السجود للصنم فإنه شرك في العبادة (٢) ولا يحتمل أنه سجود تحية واحترام.
يقول ابن حجر الهيتمي الشافعي الفقيه: "ونقل الزركشي وغيره هذا الإشكال - أي الفرق بين السجود للوالد والسجود للصنم - ولم يجيبوا عليه، ويمكن أن يُجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه بل ورد شرع غيرنا بالسجود للوالد كما في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ بناء على إن المراد بالسجود ظاهره وهو وضع الجبهة، كما مشى عليه جمع، وأجابوا بأنه كان شرعًا لمن قبلنا ومشى آخرونه على أن المراد به الانحناء، وعلى كل فهذا الجنس قد ثبت للوالد ولو في زمن من الأزمان وشريعة من الشرائع فكان شبهة دارئة لكفر فاعله، بخلاف السجود لنحو الصنم أو الشمس فإنه لم يرد هو ولا ما يشبهه في التعظيم في شريعة من الشرائع، فلم يكن لفاعل ذلك شبهة لا ضعيفة ولا قوية، فكان كافرًا، ولا نظر لقصد التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف من وردت بتعظيمه فاندفع الاستشكال واتضح الجواب عنه كما لا يخفى" (٣).
فالسجود لغير الله إذا كان على وجه العبادة شرك أكبر مخرج من الملة.
قال ابن تيمية: "وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده ... ولهذا نهى النبي ﷺ معاذًا أن يسجد له وقال: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها. ونهى عن الانحناء في التحية ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد" (٤).
стр. 1024
وسئل النووي ﵀ عن السجود الذي يفعله بعض الناس بين يدي المشايخ ونحوهم ما حكمه: فأجاب عن ذلك بقوله: "هو حرام شديد التحريم" (١) وقال كذلك: "إن ذلك حرام قطعا بكل حال سواء كان إلى القبلة أو غيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى" (٢).
وقال ابن القيم: "ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجود له. والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراما وتواضعا. فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه. فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له. وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه" (٣).
* مسألة:
ذكر ابن القيم ﵀ في "الإغاثة " على قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، ما نصه: "قال السدي: هو باب من أبواب بيت المقدس، وكذالك قال ابن عباس [﵄] قال: والسجود بمعنى الركوع، وأصل السجود الانحناء لمن تعظِّمه، فكل منحنٍ لشيء تعظيمًا له فهو ساجد له. قاله ابن جرير وغيره.
قلت (٤): وعلى هذا فانحناء المتلاقيَين عند سلام أحدهما لصاحبه من السجود المحرم، وفيه نهي صريح عن النبي ﷺ . انتهى ما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى" (٥).
ويوضح هذا ما ذكره الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ حيث قال: "وقد أشكل هذا
стр. 1025
على كثير من الناس، ممن لم يكن له معرفة بمدارك الأحكام، ومعاني الألفاظ، فزعموا: أن ما يفعله المسلمون الآن، من المعانقة من هذا القبيل، وأنه هو هذا الانحناء المحرم الذي ذكره ابن القيم، وليس الأمر كما زعموا، ولا على ما فهموا لوجوه:
أحدها: أن المسلمين لا يقصدون بهذه المعانقة، الانحناء لمن يسلمون عليه تعظيمًا له بذلك، وإنما يقصدون المعانقة المشروعة، وحملهم على ما هو الحق، وما يقصدونه ويتعارفونه، أحسن وأوفق من حملهم على الأمر المحرم، الذي لا يقصدونه ولا يعرفونه، إذ حملهم على هذا من العنت والتحكم.
الوجه الثاني: أن هذا من باب التحية والملاطفة والمحبة والشفقة، بعد الالتقاء من البعد والسفر وغير ذلك، لا من باب التعظيم.
الوجه الثالث: أن الانحناء المحرم الذي عناه ابن القيم، وتكلم فيه أهل العلم هو: الانحناء للمعظم من الناس تعظيمًا له بذلك، من غير مصافحة ولا معانقة كما يفعله أهل الأمصار اليوم للمعظم عندهم، فيقومون له وينحنون له ويعظمونه بذلك، وهذا لا يفعلونه غالبًا إلا للرؤساء.
وأعظم من ذلك وأبلغ في التحريم: ما قد يفعله بعضهم غالبًا مع الانحناء أو بدونه، من رفع يده والإشارة بها إلى محل السجود منه من أنفه وجبهته، وهذا فيه إشارة إلى السجود له، كما يفعله أهل الأمصار اليوم، من الانحناء والإشارة إلى الأنف والجبهة وهو الانحناء المذموم المحرم، الذي عناه ابن القيم ﵀، لا ما يفعله المسلمون الآن من المصافحة والمعانقة، ولا يقول هذا إلا جاهل متنطع متشدد، سمع لفظ الانحناء وأنه محرم، وأنه من السجود والتعظيم للمخلوق، فقاس عليه سلام أهل الإسلام، أو ظن أنه هو الذي عناه ابن القيم، وجعل إكبابه عليه للمعانقة انحناء له وتعظيمًا، وهذا باطل كما تقدم بيانه. والله أعلم" (١).
стр. 1026
* مسألة: حكم السجود على المقابر
ورد سؤال إلى اللجنة عن حكم السجود على المقابر والذبح عليها فأجابت اللجنة بالآتي: "السجود على المقابر والذبح لها وثنية جاهلية وشرك أكبر فإن كلا منهما عبادة والعبادة لا تكون إلا لله وحده فمن صرفها لغير الله فهو مشرك ... ولا شك أن قصد الإنسان إلى المقابر للسجود عليها أو الذبح عندها إنما هو لإعظامها وإجلالها بالسجود والقرابين التي تذبح أو تنحر عندها" (١).
стр. 1027
١٥٣ - السحر *
في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه.
قال الرازي: "وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر" (١).
والسحر مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع (٢).
وفي الاصطلاح: قال أبو محمد المقدسي: "عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ
стр. 1028
النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق: ٤] " (١).
وقال بدر العيني: "السحر هو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا يتعذر معارضته" (٢). فالساحر هو الذي يأتي بأعمال شيطانية، فيها الخفاء، واللطافة، والخداع، والتمويه، والتلهية، والتعليل، والاستمالة.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣] وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقَ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ" (٣).
والموبقات: المهلكات، سميت بذلك لأنها تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة.
وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه" (٤).
стр. 1029
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ اقْتبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ" (١).
قال شيخ الإسلام: "فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة" (٢).
وقد تقدم في باب الجبت أن العيافة والطرق والطيرة منها لحديث قَبِيصَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْتِ. الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ" (٣).
أحكام وفوائد:
١ - حقيقة السحر:
ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة (٤)، قال القرطبي في قصة سحر لبيد بن الأعصم اليهودي للنبي ﷺ ، وقول النبي ﷺ : "إن الله شفاني" والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقًا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحلّ والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق" (٥). وذلك لأن قوما من المعتزلة زعموا أن السحر تخييل لا حقيقة له واختار ذلك أبو جعفر الاستراباذي من الشافعية وأبو بكر
стр. 1030
الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري وطائفة (١).
قال النووي ﵀ في شرخ المهذب: قال المصنف - يعني الشيرازى صاحب الأصل -: "وللسحر حقيقة وله تأثير في إيلام الجسم وإتلافه، وقال أبو جعفر الاستراباذي من أصحابنا لا حقيقة له ولا تأثير له، والمذهب الأول، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ والنفاثات السواحر، ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة من شره" (٢).
ويقول المازري: "مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافًا لمن أنكر ذلك، ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به وأنه يفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت وهذا كله يبطل ما قالوه" (٣).
وقال الحافظ في الفتح: "هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال: أنه تخييل فقط، منع ذلك، ومن قال: إن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض. أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟ فالذي عليه الجمهور هو الأول. وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني، فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلّم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإن كثيرا ممن يدّعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه" (٤).
стр. 1031
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل ومنه ما له حقيقة" (١).
فالمعتزلة حصروا السحر في نوع واحد وهو التخييلي وقد رُدَّ عليهم بأن أهل السنة يثبتون هذا النوع ولا يلزم منه إنكار النوع الحقيقي كالمعتزلة.
وقال ابن باز: "لا شك أن السحر موجود وبعضه تخييل وأنه يقع ويؤثر بإذن الله " (٢).
وقال ﵀: "السحر قسمان: قسم يكون بالعقد والنفث والأدوية الضارة وهذا موجود. وقسم يكون بالتخييل والتلبيس والتزوير كما قال الله تعالى عن سحر سحرة فرعون قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] فسماه عظيمًا لما فيه من التلبيس والتخييل والتزوير على الناس" (٣).
٢ - الفرق بين السحر والمعجزة (٤):
هناك عدة فروق بين السحر وبين المعجزة وهذه الفروق هي:
١ - أن المعجزة: ليست من عمل النبي وكسبه إنما هي خلق محض من الله تعالى على خلاف سنته في الكائنات. أما السحر: فمن عمل الساحر وكسبه سواء أكان تعويذات أم بيانًا أم نميمة أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها (٥)، واستعملها إلى مسبباتها فليس خارقا للعادة ولا مخالفا
стр. 1032
لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها والوسائل بمقاصدها. فالسحر يوجد من الساحر وغيره أما المعجزة فلا يمكن أن يأتي بمثلها.
٢ - والمعجزة: تظهر على يد مدّعي النبوة لتكون آية على صدقه في رسالته التى بها هداية الناس من الضلالة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم وأخلاقهم وأبدانهم وأموالهم. أما السحر: فهو خلق ذميم أو خرافة أو صناعة يموه بها الساحر على الناس، ويضللهم ويخدعهم بها عن أنفسهم وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه، والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة بخفاء، والناس عنه غافلون.
٣ - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة، وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي كريم، عفيف عما في أيدى الناس، يدعو إلى الحق، وينافح دونه بقوة وشجاعة. أما الساحر: فسيرته ذميمة، ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يعطي، يدعو إلى الباطل ويسعى جهده في ستره، خشية أن يفتضح أمره، وينكشف سره، فلا يتم له ما أراد من الشر والفساد.
٤ - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام، وتفتح البلاد ويكون العمران. أما الساحر: فهو آفة الوحدة ونذير الفرقة والتخريب والفوضى والاضطراب (١).
٥ - أن المعجزة لا يمكن إبطالها أما السحر فإنه يمكن إبطاله.
٦ - أن معجزات الأنبياء ﵈ على حقائقها، وبواطنها كظواهرها، وأما
стр. 1033
السحر والطلسمات ليس فيها شيء خارق للعادة، بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها (١).
٣ - الفرق بين الساحر والكاهن:
جاء عن الإمام أحمد أنه قال: الكاهن يدعي الغيب والساحر يعقد (٢).
٤ - حكم عمل الساحر:
من العلماء من قال بأن السحر كفر، ودليلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ حيث برأ الله نبيه من السحر بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ﴾ فدل على أن السحر كفر، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فأثبت الكفر للشياطين وقرن ذلك بتعليمهم السحر للناس فدل على أن السحر كفر (٣).
وقال ابن كثير: "وقد استدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف" (٤).
وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام حيث قال: "الناقض السابع: السحر ومنه الصرف والعطف" (٥).
قال ابن باز ﵀: "إن السحر من أعظم الكبائر الموبقات، بل هو من نواقض الإسلام، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآيتين
стр. 1034
[البقرة: ١٠٢ - ١٠٣] فأخبر سبحانه في هاتين الآيتين أن الشياطين يعلِّمون الناس السحر وأنهم كفروا بذلك، وأن الملكين ما يعلمان من أحد حتى يخبراه أن ما يعلمانه كفر وأنهما فتنة ... وبهذا كله يعلم أن السحر كفر وضلالة وردّة عن الإسلام إذا كان من فعله يدّعي الإسلام، وفي الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
فبَيَّن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح أن الشرك والسحر من السبع الموبقات أي المهلكات. والشرك أعظمها، لأنه أعظم الذنوب، والسحر من جملته ولهذا قرنه الرسول ﷺ به، لأن السحرة لا يتوصلون إلى السحر إلا بعبادة الشياطين والتقرب إليهم بما يحبون من الدعاء، والذبح، والنذر، والاستعانة وغير ذالك.
روى النسائي ﵀ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه"، وهذا يفسر قوله تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ قال أهل التفسير: إنهن الساحرات اللاتي يعقدن العقد وينفثن فيها بكلمات شركية يتقربن بها إلى الشياطين لتنفيذ مرادهن في إيذاء الناس وظلمهم" (١).
والساحر في عمله المقتضي للكفر لا يخرج عن أمور ثلاثة:
الأول: إما أن يتضمن عمله الاعتقاد بأن الكواكب السبعة هي المتصرفة في العالم، وبالتالي فالساحر يخاطبها ويطلب منها أشياء، وذلك كفر ينافي الإيمان بالله، وأنه سبحانه المالك المتصرف المحيي المميت ...
стр. 1035
الثاني: فيه شرك بالله واعتقاد أن لتلك الأرواح القدرة على التصرف في الخلق من دون الله، فترى الساحر يتقرب إليها، ويعتقد فيها القدرة والعلم المستوجب لمخاطبتها وسؤالها والاستعانة بها.
الثالث: أن يتضمن الاستغاثة بالأرواح الأرضية [الجن] وسؤالها الحاجات والتقرب إليها بالأوراد الكفرية وبالذبح لها. وهذه الثلاث كلها يجمعها أن الساحر يتقرب إلى الشياطين إما باعتقاد أو طلب أو استعانة (١).
* وبعض أهل العلم يفصّل في حكم الساحر:
قال الشافعي: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب وإلَّا قتل وأخذ ماله فيئا وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرا معروف ولم يضر به أحدا نهى عنه" (٢).
فمذهب الشافعي التفصيل في ذلك: فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح فهو كافر وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر وإلَّا فلا (٣).
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "التحقيق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى: أن السحر نوعان كما تقدم، منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فلا شك في أنه يقتل كفرًا؛ لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته" (٤).
وقال ابن عثيمين ﵀: "السحر في الشرع ينقسم إلى قسمين:
стр. 1036
الأول: عقد ورقى أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله؛ فتجده ينصرف ويميل وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف ...
فالسحر قسمان:
أ) شرك: وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين، يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور.
ب) عدوان وفسق: وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها.
وبهذا التقسيم الذي ذكرناه نتوصل إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر الساحر أو لا يكفر؟ اختلف في هذا أهل العلم:
فمنهم من قال: إنه يكفر. ومنهم من قال إنه لا يكفر. ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبًا ... ومن كان سحره لأدوية والعقاقير ونحوها فلا يكفر ولكنه يعتبر عاصيًا معتديًا" (١).
وقد بَيَّن الشيخ سليمان بن عبد الله أنه لا خلاف بين القولين فقال ﵀: "وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرًا في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وفي حديث مرفوع رواه رزين:
стр. 1037
"الساحر كافر"، وقال أبو العالية: السحر من الكفر. وقال ابن عباس في قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علماه الخير والشر والكفر والإيمان فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر.
وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سُمي سحرًا فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه يكون حرامًا لمضرته يعزر من يفعله تعزيزًا بليغًا" (١).
٥ - سحر التمويه والتلبيس المعتمد على خفة الأيدي والأخذ بالعيون:
قال ابن حجر (٢): وهو ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصيته كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس" (٣).
وجاء في فتوى إدارة البحوث أن: "السحر يطلق على التخييل وإيهام الناظر إلى الشيء أنه يتحرك مثلا مع أنه لا يتحرك حتى يراه الحاضر رؤية وهمية تختلف عن حقيقته ويعتقده على خلاف واقعه وهذا النوع من السحر حرام لما فيه من التمويه والتلبيس واللعب بالعقول وقد يتخذ مهنة يكسب منها من يشتغل بها ويبتز أموال الناس بالباطل" (٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك: "وأما السحر الرياضي وهو ما يرجع إلى خفة
стр. 1038
اليد وسرعة الحركة، والسحر التمويهي وهو ما يكون بتمويه بعض المواد بما يظهرها على غير حقيقتها فهذان النوعان من الغش والخداع وليسا من السحر الذي هو كفر" (١).
وقال الدميني - حفظه الله -: "أما الأخذ بالعيون وخفة الأيدي والحركات الخفية والخداع والأعمال الهندسية والكيمائية فهي لا تخلو من حرمة لما يترتب عليها من أخذ أموال الناس بالباطل والاعتقاد في فاعل ذلك أن له من القدرة والتصرف فوق ما يستحقه مما اختص به الله" (٢).
٦ - حد الساحر:
صح عن جندب ﵁ أن حد الساحر ضربه بالسيف (٣).
وكذلك عن غيره من الصحابة والتابعين (٤).
وقال الحسن ﵁ يقتل السحار ولا يستتابوا (٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر" (٦).
وجاء في بعض الوقائع الصحيحة المأثورة ما يتضمن عدم قتل الساحر كعدم
стр. 1039
قتل لبيد بن الأعصم وكذلك عائشة ﵂ باعت جارية لها سحرتها (١)؛ ولذلك جاء الخلاف في قتل الساحر فقد قال الشافعي ﵁: "إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا" (٢).
والذي عليه الأئمة ﵏ أن الساحر يقتل وقد قدمنا شيئًا من أقوالهم.
قال مالك: "الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره، هو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فأرى أن يقتل ذلك، إذا عمل ذلك هو نفسه" (٣).
وأمرُ عمرَ بقتل السحرة ثابت معلوم، فعن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاثة سواحر" (٤).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "إن أثر عمر صريح في قتل كل ساحر وساحرة وهو من حجج الجمهور القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة.
وعن أحمد يستتاب، فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيله، وبه قال الشافعي، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.
стр. 1040
قلت (١): الأول أصح لظاهر عمل الصحابة. فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا يصح، لأنه أكثر فسادا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل الكتاب، لأن الإسلام يجب ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقا قبلت توبته" (٢).
وقال ابن باز ﵀: "قد اختلف العلماء في حكم الساحر، هل يستتاب وتقبل توبته؟ أم يقتل بكل حال ولا يستتاب إذا ثبت عليه السحر؟ والقول الثاني: هو الصواب، لأن بقاءه مضر بالمجتمع الإسلامي والغالب عليه عدم الصدق في التوبة، ولأن في بقائه خطرا كبيرا على المسلمين.
واحتج أصحاب هذا القول على ما قالوه بأن عمر ﵁: أمر بقتل السحرة ولم يستتبهم وهو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمر الرسول ﷺ باتباع سنتهم.
واحتجوا أيضا بما رواه الترمذي ﵀ عن جندب بن عبد الله البجلي أو عن جندب الخير الأزدي مرفوعا وموقوفًا: "حد الساحر ضربه بالسيف". وقد ضبطه بعض الرواة بالتاء فقال: "حد الساحر ضربة بالسيف" والصحيح عند العلماء وقفه على جندب (٣).
وصح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت من غير استتابة.
قال الإمام أحمد ﵀: "ثبت ذلك - يعني قتل الساحر - من غير استتابة عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، يعني بذلك عمر، وجندبا، وحفصة" ومما ذكرنا يعلم أنه لا
стр. 1041
يجوز إبقاء السحرة أو إتيانهم ... وأن الواجب قتل الساحر متى ثبت تعاطيه السحر بإقراره أو بالبينة الشرعية من غير استتابة" (١).
أما شبهة عدم قتل لبيد فقد أجيب عنها بأنه ترك ﷺ قتله لأنه كان بينه وبين يهود عهد وأن لبيدًا لم يعمل السحر بنفسه إنما صنعه غيره له.
وقيل إن لبيد كان يهوديًا فأظهر الإسلام نفاقا ولم يقتل الرسول ﷺ المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه وكذلك ما وقع لجارية عائشة أجيب عنه بأنها لم تعمل السحر بنفسها وحمل الشافعي ﵁ فعل عائشة ﵂ على أن سحر المرأة لها ليس فيه كفر وإلا فلو كان فيه كفر لقتلتها كما فعل عمر وحفصة ﵄ (٢).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: "جـ: إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قُتل لردته حدًا وإن ثبت أنه قتل بسحره نفسًا معصومة قتل قصاصًا، وإن لم يأتِ في سحره بمكفر ولم يقتل نفسًا ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح أنه يقتل حدًا لردته، وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏؟ لكفره بسحره مطلقًا" (٣).
وقال ابن عثيمين ﵀: "وأما قتل الساحر فإن كان سحره كفرًا قُتل قَتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته وهو الصحيح وإن كان سحره دون الكفر؛ قُتل قَتل الصائل أي قُتل لدفع أذاه وفساده في الأرض وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام وظاهر النصوص التي ذكرها المؤلف أنه يقتل بكل حال" (٤).
стр. 1042
٧ - حكم تعلم السحر وتعليمه:
قال ابن قدامة المقدسي ﵀: "تعلم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم" (١).
وقال ﵀: "قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته" (٢).
وقال صاحب التيسير: "وقد نص أصحاب أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمهم".
وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ "من تعلم شيئًا من السحر قليلًا كان أو كثيرًا كان آخر عهده من الله" وهو مرسل" (٣).
وقال ابن كثير عن قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر (٤).
والصحيح أن تعلم السحر وتعليمه والعمل به كفر لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال ابن حجر: "فيه الإشارة إلى أن تعلم السحر كفر" (٥).
ومن الأدلة على كفر من يتعلم السحر ولو لم يعمل به ما ورد في قصة المرأة التى جاءت أم المؤمنين عائشة ﵂ من دومة الجندل وفيها: "أنها بعد أن بالت في التنور فرأت فارسًا مقنعًا بحديد خرج منها، قالت: ذهب في السماء وغاب حتى ما
стр. 1043
أراه، فسألتها عنه فقالت: ذلك إيمانك خرج منك فاذهبي" (١).
وروى الطبري عن السدي نحوه وفيه: "فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء وذلك الإيمان".
وقال ابن باز ﵀: "لا يجوز تعلم السحر أبدًا حتى إذا قصد به فك السحر؛ لأنَّهُ لابد وأن يترتب عليه عبادة لغير الله أو فعل محرم أو ترك واجب" (٢).
٨ - حكم الذهاب للسحرة وسؤالهم:
بيَّنا بحمد الله في باب الكهانة حكم الذهاب إليهم وهو منطبق على الذهاب للسحرة. وقد جاء في سنن البيهقي عن ابن مسعود ﵁: "من أتى ساحرًا، أو كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ".
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: "ليس منا من تطير أو تُطير له، أو تكهن أو تُكهن له، أو سحر أو سُحِر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل علي محمد ﷺ (٣).
وقال الإمام أحمد: "العراف طرف من السحر والساحر أخبث" (٤).
وقال الألباني ﵁: "فمن استعان بهم على فك سحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أو كافر. وصدقه المستعين به ثم
стр. 1044
صدق هذا الحاضرون فقد شملهم جميعًا وعيد قوله ﷺ : "من أتى عرافًا، أو كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد"، وفي حديث آخر: "لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (١).
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن الذهاب إلى السحرة للعلاج فأجاب ﵀: "لا يجوز لك أن تذهب إلى السحرة فإن هذا محرم، وقد روي عن النَّبِيّ ﷺ : "ليس منا مَنْ سحر أو سُحر له" (٢).
٩ - إصابة الرسول ﷺ بالسحر:
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول ﷺ قد سحره لبيد بن الأعصم واستمر معه ذلك حيث قالت عائشة ﵂: "أنه لبث ستة أشهر يرى أنه يأتي ولا يأتي .. " الحديث (٣).
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ الله ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُريقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ الله أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُل. فَقَالَ: مَطْبُوبٌ قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِيَ مُشْطٍ (٤) وَمُشَاطَةٍ (٥) وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ (٦) قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذرْوَانَ فَأَتَاهَا رَسُولُ الله ﷺ
стр. 1045
فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا عَائِشَة، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفلا اسْتَخْرَجْتَهُ قَالَ: "قَدْ عَافَانِي الله فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا" فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ ... وَقَالَ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ يُقَالُ الْمُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ وَالْمُشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الْكَتَّانِ" (١).
وفي مسلم: أحرقته؟ قال: "لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا، فأمرت بها فدفنت".
وفي لفظ البخاري: "يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي"، وفيه أيضًا: "حتى كان يرى أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن".
قال سفيان: "وذلك أشد ما يكون من السحر". وفيه: "قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم من بني زريق، حليف اليهود، كان منافقًا" (٢).
١٠ - توضيح معنى كلمة الطب (٣):
الطِبُّ بكسر الطاء في اللغة، يقال على معان: أحدها: السحر وهو المراد هنا.
وتطلق أيضًا على الإصلاح والحذق، ويقال لنفس الدواء طب، ويطلق على العادة وغير ذلك (٤).
والمقصود المعنى الأول قال ابن الأثير: "رجل مطبوب أي مسحور كنّوا بالطب عن السحر تفاؤلا بالبرء، كما كنّوا بالسليم عن اللديغ" (٥)، قال أبو عبيد:
стр. 1046
"تفاؤلًا بالسلامة". وكما كنّوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: "مفازة تفاؤلا بالفوز من الهلاك".
قال ابن الأنباري: "الطب من الأضداد، ويقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء، يقال له: طب" (١). قال ابن الأثير: "ومنه الحديث "فلعل طبًا أصابه" أي سحرًا" (٢).
وقال ابن حجر: "أخرج أبو عبيدة من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "احجتم النَّبِيّ ﷺ علي رأسه بقرن حين طب". قال أبو عبيد يعني سحر" (٣).
قال الإمام البغوي: "قولها "طب": أي سحر ... وقيل هو من الأضداد ويقال لعلاج الداء طب، وللسحر طب وهو من أعظم الأدواء" (٤).
١١ - فائدة:
بيَّن الواقدي السنة التي وقع فيها السحر أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلًا قال: "لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم من سنة سبع جاء رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم وكان حليفًا في بني زريق وكان ساحرًا فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرنا، وقد سحرنا فلم نصنع شيئًا ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه فجعلوا له ثلاثة دنانير" (٥).
١٢ - الرد على من أنكر إصابة الرسول ﷺ بالسحر:
شكك أقوام في صحة الحديث المذكور بدعوى التشكيك في الثقة بما يوحى إليه وهذا باطل.
стр. 1047
فإن سحر الرسول ﷺ لا يحط من شأن رسالته ولا ينفي عصمته.
وفي الفتح: "قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولو يوح إليه بشيء.
وقال أيضًا: وهذا كله مردود لأن الدليل قد قام على صدق النَّبِيّ ﷺ فيما بلغه، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث: أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن. وهذا كثيرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.
وقال ابن حجر: "وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة ولفظه: حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" (١).
وقال القاضي عياض: "والسحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل، يجوز عليه ﷺ ، كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما كونه يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من صدقه، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طُرُوُّه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث لسببها، ولا فضّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أنه يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان" (٢).
стр. 1048
وقال ابن مفلح: "أنكر بعض الناس هذا لأنَّهُ نقص وعيب، أو أنه يمنع الثقة بالشرع، وهذا باطل، فإنه من جنس الأوجاع والأمراض والسم، والدلائل القطعية ناطقة بصدقه وعصمته، والإجماع أيضًا. فأما بعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولم يفضل من أجلها، فلا مانع منه" (١).
١٣ - حل السحر بسحر مثله:
انظر: باب (النشرة).
١٤ - علاقة النميمة والعضه بالسحر (٢):
العضه: هي النميمة كما فسرها الرسول ﷺ بقوله: "ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة القالة بين الناس" (٣).
والنميمة: نقل الحديث على وجه الإفساد بين الناس. والقالة: كثرة القول وإيقاع الخصومة بين الناس بما يُحكى للبعض عن البعض (٤).
قال الجرجاني: "النمام": هو الذي يتحدث مع القوم فينم عليهم، فيكشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو الثالث، وسواء كان الكشف بالعبارة، أو بالإشارة أو بغيرهما" (٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال أبو الخطاب في عيون المسائل: "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس".
стр. 1049
وقال في الفروع: "ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر والحيلة أشبه السحر"، ولهذا يعلم بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين لكنه يقال: الساحر إنما كفر لوصف السحر وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة" (١).
١٥ - ضبط كلمة العضه:
قال النووي في شرح مسلم: "قَوْله ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئكُمْ مَا الْعَضْه؟ هِيَ النَّمِيمَة الْقَالَة بَيْن النَّاس" هَذه اللفْظَة رَوَوْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: (الْعِضَهُ) بِكَسْرِ الْعَيْن وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة عَلَى وَزْن الْعِدَة وَالزِّنَة. وَالثَّانِي: (الْعَضْه) بفَتْحِ الْعَيْن وَإِسْكَان الضَّاد عَلَى وَزْن الْوَجْه، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الأَشْهَر فِي رِوَايَات بِلادنَا، وَالأَشْهَر فِي كُتُب الْحَدِيث وَكُتُب غَرِيبه، وَالأَوَّل أَشْهَر فِي كُتُب اللُّغَة وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ رِوَايَة أَكْثَر شُيُوخهمْ، وَتَقْدِير الْحَدِيث والله أَعْلَم: أَلَا أُنَبِّئْكُمْ مَا الْعَضْه الْفَاحِش الْغَلِيظ التَّحْرِيم؟ " (٢).
قال الزمخشري: "أصلها العِضهَة فِعله من العَضْه. وهو البَهت فحُذفت لامُه كما حذفت من السَّنة والشَّفَة وتجمع على عضين" (٣).
وأطلق على النميمة عضة لأنها لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا (٤).
قال ابن مفلح في الفروع: "ولهذا قال ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة" (٥).
стр. 1050
وقد عدها بعض العلماء من السحر، ووجه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة فأشبه السحر.
١٦ - حكم النميمة:
قال الله تعالى: - ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ [القلم: ١٠، ١١]
وجاء في الحديث: "كادت النميمة أن تكون سحرا" (١). وهي سبب لعذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة قال ﷺ : "لا يدخل الجنة قتّات" (٢). وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: "مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ: بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ باثْنتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" (٣).
فحكم النميمة التحريم إجماعًا، قال ابن حزم: "اتفقوا علي تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة". وهي من الكبائر. ولا يخفي علي العاقل اللبيب فساد النميمة وشدة ضررها فإنها تجعل الصاحب المخلص عدوا لدودًا، والقريب بعيدا، والمحب مبغضا، لا سيما إذا كانت بين العائلات والأقارب والجيران، فإن الضرر يزداد" (٤).
وقال ابن مسعود ﵁: "كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب شدة البهت وتمويه الكذب" (٥).
стр. 1051
١٧ - علاقة البيان بالسحر (١):
البيان لغة: البلاغة والفصاحة. قال الجرجاني: "وهو النطق الفصيح المعرب أي المُظهر عمّا في الضمير وإظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورا قبله، وقيل: هو الإحْراج عن حد الإشكال" (٢). وفي الحديث عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحرا" (٣).
والمراد هنا البيان البليغ المتمثل في الفصاحة والبلاغة الذي يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والباطل في قالب الحق فيستميل القلوب لما يحدثه هذا النوع من أثر في القلوب والأسماع فالمراد ذم هذا النوع من البيان.
قال في التيسير: "قال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن ﷺ تعالى مدح البيان قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجته فأحسن المسألة فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال" (٤). ورجح الشيخ سليمان القول الأول ونصره.
وقال ابن عثيمين ﵁ "ينظر إلى أثره والمقصود منه فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم لأنَّهُ استعمال لنعمة الله في معصيته وإن كان المقصود منه إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح (٥)، وإذا كان البيان يستعمل
стр. 1052
في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله فهو خير من العي لكن إذا ابتلي الإنسان ببيان ليصد الناس عن دين الله فهذا لا خير فيه والعي خير منه والبيان من حيث هو لا شكَّ أنه نعمة ولذا امتن الله على الإنسان فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] (١).
وقال الخطابي: "البيان اثنان: -
أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان.
والآخر: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن وجهته، فيلوح للناظر في معرض غيره. وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه المذموم" (٢).
١٥٤ - السخط من أقدار الله
انظر باب (التسخط من أقدار الله).
١٥٥ - السفر إلي بلاد الكفر
انظر باب (الإقامة في بلاد الكفار).
стр. 1053
١٥٦ - السلام على الله **
وهذا مما ورد النهي عن إطلاقه قال الراغب: "السَّلْمُ والسلامةُ التعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة" (١).
والسلام اسم من أسماء الله ثابت بالكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. وفي حديث عائشة ﵂ قَالت: كان النَّبِيّ ﷺ إِذَا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلام، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ" (٢).
قال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: ""السلام" أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله" (٣).
قال في التيسير: "لما كان حقيقة لفظ الإسلام السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب. فإذا قال المسلم: السلام عليكم فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يَسلَم من الشر كله، والله هو المطلوب منه لا المطلوب له،
стр. 1054
وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض استحال أن يسلم عليه بل هو المسلم على عباده" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والسلام له عدة معان:
١ - التحية كما قال: سلَّم على فلان؛ أي حيَّاه بالسلام.
٢ - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: "السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته".
٣ - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] (٢).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ قَالَ: "كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي الصَّلاةِ قُلْنَا السَّلامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ السَّلامُ عَلَى فُلان وَفلانٍ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ "لا تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَى الله، فَإِنَّ الله هُوَ السَّلام، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَات، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" (٣).
стр. 1055
* حكم قول السلام على الله:
لا يجوز لأنَّهُ يوهم نقص الله، وبأن فيه عيبًا، فالله يُدعى ولا يُدعى له فكيف يدعى له بالسلامة وهو المُسلِّم، وقد جاء النهي عن ذلك كما تقدم.
قال ابن عثيمين ﵀: "وهذا نهي تحريم" (١).
وقال ﵀: "قوله "لا يقال السلام علي الله" أي لا تقل السلام عليك يا رب لما يلي:
أ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يُدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله سبحانه منزه عن صفات النقص.
ب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه فقد خالفت الحقيقة، لأن الله يُدعى ولا يدعى له فهو غني عنا لكن يثني عليه بصفات الكمال مثل غفور سميع عليم .. " (٢).
* فائدة في معنى السلام المطلوب عند التحية:
قال ابن القيم ﵀: "فيه قولان مشهوران:
أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم، والسلام هنا هو الله ومعنى الكلام نزلت بركة اسمه عليكم وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النَّبِيّ ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فنهاهم النَّبِيّ ﷺ ، أن