١٧ - علاقة البيان بالسحر (١):
البيان لغة: البلاغة والفصاحة. قال الجرجاني: "وهو النطق الفصيح المعرب أي المُظهر عمّا في الضمير وإظهار المعنى وإيضاح ما كان مستورا قبله، وقيل: هو الإحْراج عن حد الإشكال" (٢). وفي الحديث عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن من البيان لسحرا" (٣).
والمراد هنا البيان البليغ المتمثل في الفصاحة والبلاغة الذي يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والباطل في قالب الحق فيستميل القلوب لما يحدثه هذا النوع من أثر في القلوب والأسماع فالمراد ذم هذا النوع من البيان.
قال في التيسير: "قال ابن عبد البر: تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن ﷺ تعالى مدح البيان قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجته فأحسن المسألة فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال" (٤). ورجح الشيخ سليمان القول الأول ونصره.
وقال ابن عثيمين ﵁ "ينظر إلى أثره والمقصود منه فإن كان المقصود منه رد الحق وإثبات الباطل فهو مذموم لأنَّهُ استعمال لنعمة الله في معصيته وإن كان المقصود منه إثبات الحق وإبطال الباطل فهو ممدوح (٥)، وإذا كان البيان يستعمل
стр. 1052
في طاعة الله وفي الدعوة إلى الله فهو خير من العي لكن إذا ابتلي الإنسان ببيان ليصد الناس عن دين الله فهذا لا خير فيه والعي خير منه والبيان من حيث هو لا شكَّ أنه نعمة ولذا امتن الله على الإنسان فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] (١).
وقال الخطابي: "البيان اثنان: -
أحدهما: ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان.
والآخر: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن وجهته، فيلوح للناظر في معرض غيره. وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم. قال: فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه المذموم" (٢).
١٥٤ - السخط من أقدار الله
انظر باب (التسخط من أقدار الله).
١٥٥ - السفر إلي بلاد الكفر
انظر باب (الإقامة في بلاد الكفار).
стр. 1053
١٥٦ - السلام على الله **
وهذا مما ورد النهي عن إطلاقه قال الراغب: "السَّلْمُ والسلامةُ التعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة" (١).
والسلام اسم من أسماء الله ثابت بالكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]. وفي حديث عائشة ﵂ قَالت: كان النَّبِيّ ﷺ إِذَا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلام، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ" (٢).
قال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: ""السلام" أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله" (٣).
قال في التيسير: "لما كان حقيقة لفظ الإسلام السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب. فإذا قال المسلم: السلام عليكم فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن يَسلَم من الشر كله، والله هو المطلوب منه لا المطلوب له،
стр. 1054
وهو المدعو لا المدعو له، وهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض استحال أن يسلم عليه بل هو المسلم على عباده" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والسلام له عدة معان:
١ - التحية كما قال: سلَّم على فلان؛ أي حيَّاه بالسلام.
٢ - السلامة من النقص والآفات، كقولنا: "السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته".
٣ - السلام: اسم من أسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣] (٢).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ قَالَ: "كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي الصَّلاةِ قُلْنَا السَّلامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ السَّلامُ عَلَى فُلان وَفلانٍ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ "لا تَقُولُوا: السَّلامُ عَلَى الله، فَإِنَّ الله هُوَ السَّلام، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَات، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" (٣).
стр. 1055
* حكم قول السلام على الله:
لا يجوز لأنَّهُ يوهم نقص الله، وبأن فيه عيبًا، فالله يُدعى ولا يُدعى له فكيف يدعى له بالسلامة وهو المُسلِّم، وقد جاء النهي عن ذلك كما تقدم.
قال ابن عثيمين ﵀: "وهذا نهي تحريم" (١).
وقال ﵀: "قوله "لا يقال السلام علي الله" أي لا تقل السلام عليك يا رب لما يلي:
أ - أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك، إذ لا يُدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلا أن يتصف به، والله سبحانه منزه عن صفات النقص.
ب - إذا دعوت الله أن يسلم نفسه فقد خالفت الحقيقة، لأن الله يُدعى ولا يدعى له فهو غني عنا لكن يثني عليه بصفات الكمال مثل غفور سميع عليم .. " (٢).
* فائدة في معنى السلام المطلوب عند التحية:
قال ابن القيم ﵀: "فيه قولان مشهوران:
أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم، والسلام هنا هو الله ومعنى الكلام نزلت بركة اسمه عليكم وحلت عليكم ونحو هذا واختير في هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء لما يأتي في جواب السؤال الذي بعده واحتج أصحاب هذا القول بحجج منها ما ثبت في الصحيح أنهم كانوا يقولون في الصلاة السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على فلان فقال النَّبِيّ ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فنهاهم النَّبِيّ ﷺ ، أن
стр. 1056
يقولوا: السلام على الله لأن السلام على المسلم عليه دعاء له وطلب أن يسلم والله تعالى هو المطلوب منه لا المطلوب له، وهو المدعو لا المدعو له؛ فيستحيل أن يُسَلَّم عليه بل هو المسلِّم على عباده كما سلم عليهم في كتابه.
ومن حججهم ما رواه أبو داود من حديث ابن عمر "أن رجلا سلم على النَّبِيّ ﷺ فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ثم تيمم ورد عليه وقال: "إني كرهت أن أذكر الله علي طهر".
قالوا: ففي هذا الحديث بيان أن السلام ذكر الله، وإنما يكون ذكرًا إذا تضمن اسمًا من أسمائه.
ومن حججهم أيضًا أن الكفار من أهل الكتاب لا يُبدؤون بالسلام فلا يقال لهم سلام عليكم، ومعلوم أنه لا يكره أن يقال لأحدهم سلمك الله؛ وما ذاك إلا أن السلام اسم من أسماء الله فلا يسوغ أن يطلب للكافر حصول بركة ذلك الاسم عليه فهذه حجج كما ترى قوية ظاهرة.
القول الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية. ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يذكر بلا ألف ولام يقول المسلم: سلام عليكم، ولو كان اسمًا من أسماء الله لم يستعمل كذلك بل كان يطلق عليه معرفًا كما يطلق عليه سائر أسمائه الحسنى فيقال: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين فضلا عن أن يصرفه إلى الله وحده بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينًا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى.
وبعد أن ذكر القولين رجح أن الحق في مجموع القولين فكل منهما بعض الحق والصواب في مجموعهما. وقال: لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي يطلب منه
стр. 1057
السلامة فتضمن لفظ السلام معنيين:
أحدهما ذكر الله كما في حديث ابن عمر.
والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء اللهُ وطلب السلامة منه فتأمل هذه الفائدة" (١).
١٥٧ - السلف
انظر باب: (أهل السنة والجماعة).
١٥٨ - السمعة
انظر باب: (الرياء).
стр. 1058
١٥٩ - السنة
سبق أن عرَّفنا السنة في باب أهل السنة والجماعة وسنتكلم عن مسألة حكم إنكار السنة وحكم من جحد وأنكر الإجماع الذي فيه نص.
* الأدلة:
جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بالتحذير من مخالفة أمره ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
وفي حديث أبي رافع يرفعه، قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا علي أريكة يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". (١)
وعن المقداد بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ بلفظ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" (٢). وفي رواية للترمذي: "وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله" (٣).
* أقوال السلف:
* قال الإمام إسحاق بن راهوية: "من بلغه عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُقرُّ بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر" (٤).
وقال العلامة ابن الوزير ﵀: "التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه" حديثه كفر صريح" (٥).
стр. 1059
قال السيوطي: "اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النَّبِيّ ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة" (١).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "الذي ينكر العمل بالسنة يكون كافرا؛ لأنَّهُ مكذب الله ولرسوله ولإجماع المسلمين" (٢).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بعد أن أورد الأدلة على حجية القرآن والسنة على حد سواء: "وهما أصلان متلازمان من جحد واحدًا منهما فقد جحد الآخر وكذب به، وذلك كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام بإجماع أهل العلم والإيمان" (٣).
وقول القائل أنه لا يحتج بسنته أو أنها غير محفوظة ضلال وكفر بالله قال الشيخ ابن باز ﵀: "وكيف تمكن طاعته ورد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله إذا كانت سنته لا يحتج بها وكانت كلها غير محفوظة، وعلى هذا القول يكون الله قد أحال عباده إلى شيء لا وجود له، وهذا من أبطل الباطل ومن أعظم الكفر بالله وسوء الظن به" (٤).
وقد قسَّم أهلُ العلم السُّنَّة كما هو معلوم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.
فالمتواتر هو: ما نقل عن النَّبِيّ ﷺ جمع عن جمع يستحيل تواطئهم على الكذب.
وأما الآحاد فهو: ما نقل عن النَّبِيّ ﷺ بما لم يبلغ حد التواتر؛ لأن الآحاد منه الغريب ومنه العزيز ومنه المشهور.
стр. 1060
* حكم إنكار المتواتر .
قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ في إيضاح ذلك: "المسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلا وتارة لا يصحبها التواتر، فالقسم الأول يكفر جاحده لمخالفته المتواتر لا لمخالفته الإجماع، القسم الثاني لا يكفر به" (١).
ويبين شيخ الإسلام معنى المتواتر فيقول: "المقصود من المتواتر ما يفيد العلم لكن من الناس من لا يسمى متواترًا إلا ما رواه عدد كثير يكون العلم حاصلا بكثرة عددهم فقط ويقولون إن كل عدد أفاد العلم في قضية أفاد مثل ذلك العدد العلم في كل قضية وهذا قول ضعيف والصحيح ما عليه الأكثرون أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة، وأيضًا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقًا له أو عملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف وهذا في معنى المتواتر لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض ويقسمون الخبر إلى متواتر ومشهور وخبر واحد ... والصحيح الذي عليه الجمهور أن التواتر ليس له عدد محصور والعلم الحاصل بخبر من الأخبار يحصل في القلب ضرورة كما يحصل الشبع عقب الأكل والرى عند الشرب وليس لما يشبع كل واحد ويرويه قدر معين بل قد يكون الشبع لكثرة الطعام وقد يكون لجودته كاللحم وقد يكون لاستغناء الآكل بقليله، وقد يكون لاشتغال نفسه بفرح أو غضب أو حزن ونحو ذلك" (٢).
стр. 1061
* حكم رد خبر الآحاد:
أنكر العلماء على من رد خبر الآحاد حيث ثبت إجماع أهل العلم على وجوب الأخذ بالحديث الصحيح ولو كان آحادًا.
قال ابن عبد البر: "وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافًا.
وقد أجمع المسلمون على جواز قبول الواحد السائل المستفتي لما يخبره به العالم الواحد إذا استفتاه فيما لا يعمله، وقبول خبر الواحد العدل فيما يخبر به مثله، وقد ذكر الحجة عليهم في ردهم أخبار الآحاد جماعةٌ من أئمة الجماعة وعلماء المسلمين، وقد أفردت لذلك كتابًا موعبًا كافيًا، والحمد لله" (١).
وقال العلامة ابن القيم بعد حكاية إجماع الصحابة على قبول أخبار الصحابة ﵃: "فممن نصَّ على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي.
قال ابن خويز منداد في كتابه "أصول الفقه": وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه الواحد والاثنان: "ويقع بهذا الضرب أيضًا العلم الضروري، نصَّ على ذلك مالك"" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن قسّم الأخبار إلى متواتر وآحاد فقال بعد ذكر المتواتر -: "وأما القسم الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل
стр. 1062
ونحوه، ولم يتواتر لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملًا به، أو تصديقًا له، كخبر عمر بن الخطاب ﵁: "إنما الأعمال بالنيات" وأمثال ذلك، فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد ﷺ من الأولين والآخر، أما السلف فلم يكن بينهم في ذلك نزاع، وأما الخلف فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة" (١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ﵁: "الفصل الأول: في أدلة من قال إن خبر العدل يفيد العلم وبيان ما يرد عليها، والجواب عنه. هذا القول هو مذهب جمهور السلف وأكثر المحدثين والفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح عن الإمام أحمد ﵀، فقد اشتهر عنه القطع بأحاديث الرؤية والعلم بمدلولها .. " (٢).
وردُّ خبر الآحاد يترتب عليه مفاسد عظيمة. قال أبو المظفر السمعاني:
"وربما يرتقي هذا القول - أي رد أخبار الآحاد - إلى أعظم. هذا، فإن النَّبِيّ ﷺ أدى هذا الدين إلى الواحد فالواحد من أصحابه، وهذا الواحد يؤديه إلى الأمة، وينقله عنه، فإذا لم يُقبل قول الراوي لأنَّهُ واحد، رجع العيب إلى المؤدي، نعوذ بالله من هذا القول البشع، والاعتقاد القبيح" اهـ (٣).
وقال الشيخ الألباني ﵀: "فالحق ما قلته: إن هذا القول الباطل يؤدي بأصحابه إلى الإقصار في العقيدة على القرآن وحده أسوة بالقرآنيين، وبعض الأمثلة المتقدمة كاف لإثبات ما قلته ... " ثم أضاف ﵀ قائلًا: "الوجه العشرون: هناك حكمة تروى عن عيسى ﵊ تقول في حق المتنبئين
стр. 1063
الدجالين الكذبة: "من ثمارهم تعرفونهم" فمن شاء من المسلمين أن يعرف ثمرة ذلك القول الباطل: أن العقيدة لا تثبت بحديث الآحاد، فليتأمل فيما سنسوقه من العقائد الإسلامية التي تلقاها الخلف عن السلف، وجاءت الأحاديث متضافرة متوافرة شاهدة عليها، وحينئذ يتبين له خطورة ذلك القول الذي يتبناه المخالفون دون أن يشعروا بما يؤدي إليه من الضلال البعيد من إنكار ما عليه المسلمون من العقائد الصحيحة، وهاك ما يحضرني الآن منها:
نبوة آدم علية السلام وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.
أفضلية نبينا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والرسل.
شفاعته ﷺ العظمى في المحشر.
شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته.
معجزاته ﷺ كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر، فإنها مع ذكرها في القرآن تأولوها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله ﷺ .
صفاته ﷺ البدنية وبعض شمائله الخلقية.
الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق وصفة الملائكة والجن، والجنة والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.
خصوصياته ﷺ التي جمعها السيوطي في كتاب (الخصائص الكبرى) مثل دخول الجنة ورؤية أهلها وما أعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن وغير ذلك.
القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.
الإيمان بعذاب القبر.
الإيمان بضغطة القبر.
стр. 1064
الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.
الإيمان بالصراط.
الإيمان بحوضه ﷺ وأن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.
دخول سبعين ألفًا من أمته ﷺ الجنة بغير حساب.
سؤال الأنبياء في المحشر عن التبليغ.
الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر.
الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الله تعالى كتب علي كل إنسان سعادته أو شقاوته ورزقه وأجله.
الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.
الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازًا.
الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازًا.
الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.
وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة.
وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
وأن الله ملائكة سياحين يبلغون النَّبِيّ ﷺ سلام أمته عليه.
الإيمان بمجموع أشراط الساعة كخروج المهدي، ونزول عيسى ﵇ وخروج الدجال، ودابة الأرض من موضعها، وغيرها مما صحت به الأحاديث.
وأن المسلمين يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تتمسك بما كان عليه الصحابة من عقيدة وعبادة وهدى.
الإيمان بجميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا مما جاء في السنة الصحيحة، كالعلي والقدير وصفة الفوقية والنزول وغيرها.
الإيمان بعروجه ﷺ إلى السماوات العلي، ورؤيته آيات ربه الكبرى.
стр. 1065
هذه بعض العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي تبلغ المئات، وما أظن أحدًا من المسلمين يجرؤ على إنكارها، أو التشكيك فيها" (١).
وقد رد الشيخ ابن جبرين على شبهة من قال أن من رد شيئًا من الأصول والعقائد يكفر وأخبار الآحاد لا يكفر من رد منها شيئًا للاختلاف في ثبوتها، فقال حفظه الله: "فيقال: سبق أن استدل بهذا علي أن الآحاد لا تفيد العلم مطلقًا، وأجيب هناك بأن من اتضحت له السنة ولو آحادًا وتحقق ثبوتها عن النَّبِيّ ﷺ ثم ردها بدون تأويل ولا شبهة، وقامت عليه الحجة فإنه يكفر، لتظاهره برد شيء مما جاء به الرسول ﷺ عن ربه، ومن رد شيئًا من دين الرسول كمن رد جميعه.
وعلى هذا فلا فرق بين الأصول والفروع في التكفير، فتخصيص الأصول لا دليلٌ عليه" (٢).
ومما يحسن ذكره هنا أقوال أهل العلم في حكم من أنكر الإجماع المعلوم:
بيّن شيخ الإسلام معنى الإجماع فقال: "معنى الإجماع أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام وإذا ثبت إجماع الأمة علي حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن اجماعهم فإن الأمة لا تجتمع علي ضلالة ولكن كثيرًا من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك بل يكون القول الآخَر أرجح في الكتاب والسنة" (٣).
فقد تقدم بعض النقل في كفر من أنكر الإجماع المعلوم، قال الإمام النووي ﵀: "أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد مجمع عليه، وليس هو على إطلاقه، بل
стр. 1066
من جحد مجمعا عليه فيه نص، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة والزكاة أو الحج أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر، ومن جحد مجمعا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة .... فليس بكافر" (١).
قال ابن تيمية: "وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع هل يكفر علي قولين والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة، وتنازعوا في الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية والتحقيق أن قطعية قطعي وظنية ظني والله أعلم" (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية قال ﵀: "وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول وإن كل ما أجمعوا عليه، فلابد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين الله فيه الهدى ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البين وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل
стр. 1067
الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر" (١).
وقال ﵀: "والإجماع نوعان: قطعي فهذا لا سبيل إلى أن يعلم إجماع قطعي علي خلاف النص، وأما الظني فهو الإجماع الإقرارى والاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدًا أنكره" (٢).
١٦٠ - سوء الظن بالله
انظر باب: (الظن بالله).
١٦١ - سواع
صنم كان لقوم نوح ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية. انظر باب (صنم).
стр. 1068
١٦٢ - السَّيِّد *
[عبدي وأمتي]
السيد في اللغة يُطلق على الرب المالك والشريف والفاضل والحكيم ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "والسيادة قد تكون بالنسب، وقد تكون بالعلم، وقد تكون بالكرم، وقد تكون بالشجاعة، وقد تكون بالملك، كسيد المملوك، وقد تكون بغير ذلك من الأمور التي يكون بها الإنسان سيدًا، وقد يقال للزوج: سيد بالنسبة لزوجته، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ " (٢).
والسيد من أسماء الله - تعالى - وهي من معاني الصمد، فسر ابن عباس الصمد: بأنه: "الكامل في عمله وحلمه وسؤدده" (٣).
قال ابن القيم ﵀:
"وهو الإله السيد الصمد الذي ... صمدت إليه الخلق بالإذعان
الكامل الأوصاف من كل الوجـ ... ـوه كماله ما فيه من نقصان" (٤)
стр. 1069
وإذا كان قول (سيدنا وابن سيدنا) منهي عنه فلأن ذلك بسبب تعاظم الممدوح وذلك مما ينافيع كمال التوحيد كما يسبب غلو المادح في ممدوحه.
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ " (١).
وعَنْ مُطَرِّفٍ بن عبد اللهُ بن الشخير قَالَ: قَالَ أَبي انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: "السَّيِّدُ الله ﵎". قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا فَقَالَ: "قُولُوا بقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ" (٢).
وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلايَ وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي" (٣).
حكم وفوائد:
١ - حكم تسمية المخلوق بالسيد (٤):
قال الإمام ابن القيم في: "اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بأنه ﷺ لما قيل له: يا سيدنا قال: "إنما السيد الله"". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النَّبِيّ ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم". وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي أنه سيد كندة، ولا يقال لمالك أنه سيد البشر. قال: وعلى هذا فلا يجوز أن
стр. 1070
يطلق على الله هذا الاسم وفي هذا نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى، فهو بمعنى المالك، والمولى، والرب، لا بالمعنى الذي يطلق على المخلوق" (١).
ونص العلماء على النهي عن قول السيد على الإطلاق أو جهة التعاظم.
قال الخطابي: "لا يقال السيد ولا المولى على الإطلاق إضافة إلا في صفة الله تعالى" (٢).
وقال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الإطلاق كما تقدم من كلام الخطابي ويؤيد كلامه حديث بن الشخير المذكور والله أعلم وعن مالك تخصيص الكراهة بالنداء فيكره أن يقول يا سيدي ولا يكره في النداء" (٣).
وقال الخطابي: "المعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل والخضوع الله وهو الذي يليق بالمربوب" (٤).
وقال النووي: "المراد بالنهي من استعماله على جهة التعاظم لا من أراد التعريف" (٥).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "وأما قول يا سيد، ومولاي .. إلخ، فهذه الألفاظ تستعملها العرب علي معانٍ، كسادة الرياسة والشرف، والمولى يطلق علي السيد، والحليف، والمعتق، والموالي بالنصرة والمحبة والعتق، وأطلق السيد علي الزوج كما قال تعالى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]: فإطلاق هذه الألفاظ علي هذا الوجه معروف لا يُنكر، وفي السنة من ذلك كثير، وأما إطلاق
стр. 1071
ذلك في المعاني الحديثة كمن يدّعي أن السيد هو الذي يُدعى ويُعظّم، والولي هو الذي ينبغي منه النصر والشفاعة، ونحو ذلك من المقاصد الخبيثة، فهذا لا يجوز، بل هو من أقسام الشرك" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "والسيد يطلق على معان، منها: المالك، الزوج، والشريف المطاع، وسيدي هنا مضافة إلى ياء المتكلم وليست علي وجه الإطلاق فالسيد علي وجه الإطلاق لا يقال إلا لله قال ﷺ : "السيد الله"" (٢).
وقال أيضًا: "إطلاق السيد علي غير الله تعالى إن كان يقصد معناه وهي السيادة المطلقة فهذا لا يجوز، وإن كان يقصد به مجرد الإكرام فإن كان المخاطب به أهلًا للإكرام فلا بأس به. ولكن لا يقول: السيد بل يقول يا سيد، أو نحو ذلك، وإن كان لا يقصد به السيادة والإكرام وإنما هو مجرد اسم فهذا لا بأس به" (٣).
والذي أراه أن النهي متعلق بالخطاب والمواجهة بذلك لأنَّهُ مظنة التعاظم (٤).
كما ينهى عنه إذا ترتب عليه خضوع وإذلال (٥). وقد سبق من كلام ابن عثيمين أنه أحد الوجوه في المنع قال: "أن النهي بالخطاب أي أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب؛ لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئًا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: "قوموا إلى سيدكم"، أو علي سبيل الغيبة كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك ... إلخ" (٦).
стр. 1072
وفي نهي الرسول ﷺ لمن قال أنت سيدنا وابن سيدنا بيان أن مواجهة المادح للممدوح بالمدح - ولو بما فيه: أنه من عمل الشيطان؛ لأن ذلك يسبب تعاظم الممدوح ويسبب غلو المادح حتى ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه وقال في معنى قول الله تعالى: (﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ أي إلهًا وسيدًا، وقال في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]: إنه السيد الذي انتهي سؤدده. وأما استدلالهم بقول النَّبِيّ ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" فالظاهر أن النَّبِيّ ﷺ لم يواجه سعدًا به، فيكون في هذا المقام تفصيل. والله أعلم" (١).
فلا يجوز أن يواجه الإنسان ويقال له: يا سيد من باب المدح، ويجوز أن يقال هذا في حقه إذا كان غائبًا، وكان ممن يستحق هذا الوصف وهذا يجمع الأدلة.
وقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن قول يا سيدي فلان، فأجاب ﵀: "ما ينبغي أليس في رسول الله أسوة حسنة إذ قال وهو سيد الخلق: "لسيد الله" (٢).
وورد إلى فتاوى اللجنة سؤال هذا نصه:
"س: هل يجوز أن أقول للضابط في الشرطة أو القوات المسلحة: حاضر يا سيدي؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه، وبعد:
جـ: يجوز أن تقول له: حاضر ولا يجوز أن تقول له: يا سيدي؛ لقول النَّبِيّ ﷺ لما قال له بعض الصحابة: أنت سيدنا. قال: "السيد الله ﵎". رواه أبو داود بإسناد صحيح" (٣).
стр. 1073
وقال ابن عثيمين: "جرى شرّاح هذا الحديث على أن النَّبِيّ ﷺ نهاهم عن قول: "سيدنا" فحاولوا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم"، وقوله: "قوموا إلى سيدكم"، وقوله في الرقيق: "وليقل سيدي ومولاي". بواحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز.
الثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة، وهي التدرج إلى الغلو، والإباحة إذا لم يكن هناك محذور.
الثالث: أن النهي بالخطاب أي أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب؛ لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئًا آخر وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: "قوموا إلى سيدكم"، أو علي سبيل الغيبة كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك، لكن هذا يرد عليه إباحته ﷺ للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي.
والذي يظهر لي أن لا تعارض أصلا لأن النَّبِيّ ﷺ أذن لهم أن يقولوا بقولهم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان بالغلو مثل "السيد"؛ لأن السيد المطلق هو الله تعالى وعلى هذا فيجوز أن يقال: سيدنا وسيد بني فلان ونحوه، لكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلا لذلك، أما إذا لم يكن أهلا كما لو كان فاسقًا أو زنديقا فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاها، وقد جاء في الحديث: "لا تقولوا للمنافق سيد فإنكم إذا قلتم ذلك أغضبتم الله". فإذا كان أهلا لذلك وليس هناك محذور، فلا بأس به، وأما إن خشي المحذور أو كان غير أهل فلا يجوز. والمحذور: هو الخشية من الغلو فيه" (١).
стр. 1074
٢ - أما إطلاق المولى فقد جاء في الحديث عَنْ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ولا يَقُلْ مَوْلَايَ فإنما مولاكم الله " (١).
وحكمه كالسيد عند الإطلاق فتكون خاصة بالله وعند التقييد والإضافة فتكون لغير الله. وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم أنه لا ينبغي أن يقال: مولاي فلان (٢).
وفي الولاية المقيدة المضافة قال ابن عثيمين: "فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة منها الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، والعتيق.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[التحريم: ٤] وقال ﷺ فيما يروى عنه: "من كنت مولاه فعلي مولاى"، وقال ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" ويقال للسلطان ولي الأمر، وللعتيق مولي فلان لمن أعتقه، وعليه يعرف أنه لا وجه لاستنكار بعض الناس لمن خاطب ملكًا بقوله: مولاي؛ لأن المراد بمولاي أي متولي أمري، ولا شكَّ أن رئيس الدولة يتولي أمورها" (٣).
قال النووي ﵀: "ولا بأس بقول العبد لسيده مولاي فإن المولي وقع علي ستة عشر معنى منها الناصر والمالك" (٤).
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم: "أنه لا ينبغي أن يقال: مولاي فلان" (٥)
ولا شكَّ أن ترك ذلك أولى وأحوط؛ لأنَّهُ قد يكسب المخاطب الترفع والعجب والتعاظم ويكسب من قاله التذلل والخضوع.
стр. 1075
٣ - حكم تسمية المنافق بالسيد:
ولا يجوز تسمية المنافق بالسيد لما تقدم من حديث بريدة أن رَسُولُ الله ﷺ قال: "لا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سيِّد فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ " (١).
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: عن قول "السيد فلان"؛ فأجاب ﵀: "قول: "السيد" ينظر إن كان صحيحًا أنه ذو سيادة فيقال: هو سيد بدون أل فلا بأس به، بشرط ألا يكون فاسقًا ولا كافرًا، فإن كان فاسقًا أو كافرًا فإنه لا يجوز إطلاق لفظ سيد إلا مضافًا إلى قومه، مثل سيد بني فلان، أو سيد الشعب الفلاني ونحو ذلك" (٢).
٤ - ما جاء في قول "سيدنا محمد ":
قال العلامة السفاريني ﵀: "قال في المطلع: السيد الذي يفوق في الخير قومه. قاله الزجاج. وقيل: التقي وقيل الحليم، وقيل الذي لا يغلبه غضبه وجميع ذلك في نبينا ﷺ . وقال في القاموس: سيد القوم: أجلَّهم. وهو ﷺ أجلّ خلق الله وأعظم خلق الله وأكرم خلق الله، واكمل خلق الله ﷺ " (٣).
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن قول "سيدنا محمد" فقال:
"للعلماء فيها كلام، والصحيح أنه لا محذور فيها لكن ما الراجح؟ الراجح تركها لأجل مجيئها في النصوص "محمدًا عبده ورسوله"" (٤).
وقال العلامة صديق حسن خان ﵀: "ولفظ "السيد" له معنيان:
أحدهما: أن السيد هو الذي يكون مالكًا مختارًا بنفسه وحده، ولا يكون محكومًا عليه من أحد، بل يكون حاكمًا مستقلًا بذاته كشأن الملوك في الدنيا، فهذا
стр. 1076
الأمر إنما هو شأن الله تعالى، ليس غيره سيدًا بهذا المعنى.
وثانيهما: أن السيد رعَويٌّ لآخر، ولكن له فضل على عامة الرعايا، ممتاز منهم بالمزايا، ينزل إليه حكم الحاكم أولًا، ثم يبلغ إليهم من لسانه وبواسطته كـ "مرزبان" القرى و "قهرمان" المحلات، و"خوانين" السوقة.
فالنبي بهذا المعنى سيد لأمته، والإمام سيد أهل عصره، والشيخ سيد لمريديه، والعالم سيد لتلامذته، والمجتهد لمتبعيه.
فإن هؤلاء الكبار الكرام يتمسكون بحكم الله تعالى أولًا بأْنفسهم، ثم يبلغونه إلى أصاغرهم ويعلمونهم" (١).
ولا يزاد لفظ (سيدنا) في الأذان والصلاة والأذكار.
ففي التشهد الأخير من الصلاة وردت عدة صيغ في الصلاة علي النَّبِيّ ﷺ وليس في شيء منها لفظ السيادة (سيدنا) بل هي: "اللهم صلِّ علي محمد ... إلخ" وفي بعضها: "اللهم صلِّ علي محمد عبدك ورسولك ... إلخ" وقد ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني صيغًا كثيرة في كتابه "صفة الصلاة" وليس فيها لفظ (سيدنا) وإن كان ﵊ هو سيد ولد آدم وأقوم الخلق وأكبرهم في المقام بأحكام الله تعالى، لكننا في الصلاة والأذكار متعبدون بما ورد عنه ﷺ فلا يزد في ذلك
٥ - الجمع بين حديث "السيد الله" وحديث "أنا سيد ولد آدم "؟
سئل الشيخ ابن إبراهيم عن الجمع بين حديث "السيد الله" وحديث "أنا سيد ولد آدم"؟
فقال: "الجمع أنه منع من هذا الذي هو جائز حماية لحمى التوحيد. والثاني قاله على وجه التحدث بنعمة الله. أما التحريم والله أعلم فبالنسبة إلى غير الرسول ﷺ (٢).
стр. 1077
وسئل الشيخ ابن عثيمين عن الجمع بين حديث "السيد الله". وما جاء في التشهد "اللهم صل على سيدنا محمد وعلي آل سيدنا محمد". وحديث "أنا سيد ولد آدم"؟
فأجاب قائلًا: "لا يرتاب عاقل أن محمدًا ﷺ سيد ولد آدم فإن كل عاقل مؤمن يؤمن بذلك، والسيد هو ذو الشرف والطاعة والإمرة، وطاعة النَّبِيّ ﷺ من طاعة الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ونحن وغيرنا من المؤمنين لا نشك أن نبينا ﷺ سيدنا، وخيرنا، وأفضلنا عند الله وأنه المطاع فيما يأمر به، صلوات الله وسلامه عليه، ومن مقتضى اعتقادنا أنه السيد المطاع، ﵊، أن لا نتجاوز ما شرع لنا من قول أو فعل أو عقيدة ومما شرعه لنا في كيفية الصلاة عليه في التشهد أن نقول: اللهم صل علي محمد، وعلي آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلي آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، أو نحوها من الصفات الواردة في كيفية الصلاة عليه ﷺ ولا أعلم أن صفة وردت بالصيغة التي ذكرها السائل وهي "اللهم صل على سيدنا محمد وعلي آل سيدنا محمد" وإذا لم ترد هذه الصيغة عن النَّبِيّ، ﵊، فإن الأفضل ألا نصلي على النَّبِيّ ﷺ بها، وإنما نصلي عليه بالصيغة التي علمنا إياها.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أن كل إنسان يؤمن بأن محمدًا ﷺ سيدنا فإن مقتضى هذا الإيمان أن لا يتجاوز الإنسان ما شرعه، وأن لا ينقص عنه، فلا يبتدع في دين الله ما ليس منه، ولا ينقص من دين الله ما هو منه، فإن هذا هو حقيقة السيادة التي هي من حق النَّبِيّ ﷺ علينا.
وعلي هذا فإن أولئكم المبتدعين لأذكار أو صلوات على النَّبِيّ ﷺ لم يأت بها شرع الله على لسان رسوله محمد ﷺ تنافي دعوى أن هذا الذي ابتدع يعتقد أن محمدًا ﷺ سيد، لأن مقتضى هذه العقيدة أن لا يتجاوز ما شرع وأن لا ينقص منه، فليتأمل الإنسان وليتدبر ما يعنيه بقوله حتى يتضح له الأمر ويعرف أنه تابع لا مشرع.
стр. 1078
وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "أنا سيد ولد آدم" والجمع بينه وبين قوله: "السيد الله" أن السيادة المطلقة لا تكون إلا لله وحده فإنه تعالى هو الذي له الأمر كله فهو الآمر وغيره مأمور، وهو الحاكم وغيره محكوم، وأما غيره فسيادته نسبية إضافية تكون في شيء محدود، وفي زمن محدود، ومكان محدود، وعلي قوم دون قوم، أو نوع من الخلائق دون نوع" (١).
٦ - عبارة "السيدة عائشة ﵂ "؟
قال الشيخ ابن عثيمين: "لا شكَّ أن عائشة ﵂ من سيدات نساء الأمة، ولكن إطلاق"السيدة" علي المرأة و "السيدات" علي النساء هذه الكلمة متلقاة فيما أظن من الغرب حيث يسمون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضح النساء، لأنهم يسودون النساء أي يجعلونهن سيدات مطلقًا، والحقيقة أن المرأة امرأة، وأن الرجل رجل، وتسمية المرأة بالسيدة على الإطلاق ليسل بصحيح، نعم من كانت منهن سيدة لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك أننا نسمي كل امرأة سيدة.
كما أن التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة وما أشبه ذلك لم يكن معروفًا عند السلف بل كانوا يقولون: أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت رسول الله ﷺ ونحو ذلك" (٢).
٧ - أما إطلاق الرب فلا يجوز إلا على الله:
قال الحافظ ابن كثير ﵀: "الرب هو المالك المتصرف، لا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة نقول: رب الدار، رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله " (٣).
стр. 1079
وفي الفتح: "قال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله" ا. هـ والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقوله: (﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ وقوله ﵊ في أشراط الساعة: "أن تلد الأمة ربَّتها" فدل علي أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق" (١).
وقد تقدم حديث: "لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي ... " الحديث.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "قيل: إن الفرق بين الرب والسيد، أن الرب من أسماء الله تعالى اتفاقا، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى؟ ولم يأت في القرآن أنه من أسماء الله (٢). لكن في حديث عبد الله بن الشخير "السيد الكد" وسيأتي. فإن قلنا: ليس من أسماء الله فالفرق واضح، إذ لا التباس، وإن قلنا: إنه من أسماء الله فليس في الشهرة والاستعمال، كلفظ الرب فيحصل الفرق" (٣).
وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: ما حكم قول: "رب البيت"؟ "رب المنزل"؟
فأجاب: "قولهم: رب البيت ونحوه ينقسم أقسامًا أربعة:
القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب في معنى لا يليق بالله مثل أن يقول: "أطعم ربك" فهذا منهي عنه لوجهين:
الوجه الأول: من جهة الصيغة لأنَّهُ يوهم معنى فاسدًا بالنسبة لكلمة رب، لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يُطعِم ولا يطعَم، وإن كان لا شكَّ أن الرب هنا غير الرب الذي يطعم ولا يطعم.
الوجه الثاني: من جهة أنك تشعر العبد أو الأمة بالذل لأنَّهُ إذا كان السيد ربًّا كان
стр. 1080
العبد مربوبًا والأمة مربوبة.
وأما إذا كان في معنى يليق بالله تعالى مثل أطع ربك كان النهي عنه من أجل الوجه الثاني.
القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب مثل ربه، وربها، فإن كان في معنى لا يليق بالله كان من الأدب اجتنابه، مثل أطعم العبد ربه أو أطعمت الأمة ربها، لئلا يتبادر منه إلى الذهن معنى لا يليق بالله.
وإن كان في معنى يليق بالله مثل أطاع العبد ربه وأطاعت الأمة ربها فلا بأس بذلك لانتفاء المحذور.
ودليل ذلك قوله ﷺ في حديث اللقطة في ضالة الإبل وهو حديث متفق عليه: "حتَّى يجدها ربها" وقال بعض أهل العلم: إن حديث اللقطة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل كالإنسان، والصحيح عدم الفارق لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة بها. قال تعالي ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] وقال في العباد: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾.
القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم فقد يقول قائل بالجواز لقوله تعالى حكاية عن يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] أي سيدي، وإن المحذور هو الذي يقتضي الإذلال وهذا منتفٍ لأن هذا من العبد لسيده.
القسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر فيقال: هذا رب الغلام فظاهر الحديث الجواز وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق لمملوكه" (١).
стр. 1081
١٦٣ - الشؤم *
الشؤم بضم المعجمة وسكون الهمزة، وقد تُسهَّلُ فتصير واوا، قال ابن الأثير: "الواو في الشؤم همزة، ولكنها خُففت فصارت واوا، وغلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزة ... والشؤم ضد اليُمنِ: يقال: تشاءمتُ بكذا، وتيمَّنت بكذا" (١).
قال الحافظ ابن حجر: "والطيرة والشؤم بمعنى واحد" (٢).
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ" (٣).
وفي رواية قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ" (٤).
وعن عَبْد الله بْن عُمَرَ ﵂ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاثٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ" (٥).
стр. 1082
وفي رواية سهل عن سعد الساعدي، يرفعه: "إن كان في شيء ففي المرأة، والفرس، والمسكن" (١).
وعند أبي داود أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لا هَامَةَ وَلا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ، وَإِنْ تَكُنْ الطِّيَرَةَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ" (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وكانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تنكر أن يكون من كلام النَّبِيّ ﷺ وتقول: إنما حكاه رسول الله ﷺ عن أهل الجاهلية" (٣).
وقد أورد الإمام أحمد إنكارها في المسند من طريق قتادة عن أبي حسان أن رجلًا قال لعائشة: إن أبا هريرة يُحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن الطيرة في المرأة، والدار، والدابة" فغضبت غضبًا شديدًا، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض فقالت: إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك (٤).
قال ابن حجر: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك" (٥).
قال ابن القيم: "ولكن قول عائشة هذا مرجوح. ثم ذكر أن الحديث قد روي على وجهين: الأول: بالجزم "الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس"، والثاني: بالشرط "إن كان ففي المرأة، والفرس، والمسكن"" (٦).
стр. 1083
* معنى حديث الشؤم في ثلاث:
قال النووي ﵀: "اختلف العلماء في هذا الحديث فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سببا للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة، أو الفرس أو الخادم، قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة كما صرح به في رواية "إن يكن الشؤم في شيء". وقال الخطابي وكثيرون، هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو خادم أو فرس فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة".
وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها، وسوء جيرانها وأذاهم. وشؤم المرأة عدم ولادتها، وسلاطة لسانها وتعرضها للريب. وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها (١).
وقيل: حِرانها، وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه.
وقيل المراد بالشؤم في الحديث أي عدم الموافقة ...
قال القاضي عياض: قال بعض العلماء: "الجامع لهذه الفضول السابقة في الأحاديث، ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لم يقع الضرر به، ولا اطردت له عادة خاصة ولا عامة فهذا لا يلتفت إليه وأنكر الشرع الالتفات إليه، وهو الطيرة.
الثاني: ما يقع عنده الضرر عموما لا يخصه، ونادرا لا يتكرر كالوباء فلا يقدم عليه ولا يخرج منه.
الثالث: ما يخص ولا يعم، كالدار، والفرس، والمرأة، فهذا يباح الفرار منه" (٢).
قال في جامع الأصول: ""إن كان الشؤم في شيء" يعني: إن كان ما يكره ويخاف
стр. 1084
عاقبته: ففي هذه الثلاثة، وتخصيصه المرأة والفرس والربع (١) والدار لأنَّهُ لما أبطل مذهب العرب في التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك قال: فإن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه ارتباطه: فليفارقها، بأن ينتقل عن الدار ويبيع الفرس ويطلق الزوجة، وكان محل هذا الكلام محل استثناء الشيء من غير جنسه، وسبيله سبيل الخروج من كلام إلى غيره" (٢).
وقال القرطبي: "ولا يظن به أنه يحمل على ما كانت الجاهلية تعتقده، بناء علي أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه منها شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره" (٣).
وقال ابن القيم: "وقالت طائفة أخرى: الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطيّر بها، فيكون شؤمها عليه ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشئومة عليه قالوا ويدل عليه حديث أنس: "الطيرة على تطير" (٤) " (٥).
وأحسن الأقوال في ذلك وأرجحها ما قرره ابن القيم (٦) وابن رجب ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد وتتابع عليه الشراح بعده حيث قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "قد يظن بعض الناس أن هذا الحديث، وما في معناه يدل على جواز الطيرة، لقوله ﷺ : "الشؤم في ثلاث، المرأة والدابة والدار". ونحو هذا والأمر ليس كذلك، فقد قال ابن القيم ﵀: إخباره ﷺ بالشؤم في هذه
стр. 1085
الثلاثة ليس فيها إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أنه سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشئومة علي من قربها وسكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر هذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا، يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشئوما يريان الشر علي وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ولاية وغيرها فكذلك الدار، والمرأة، والفرس والله سبحانه خالق الخير والشر، والسعود والنحوس، فيخلق بعض هذه الأعيان سعودًا مباركة، ويقضى بسعادة من قاربها وحصول اليمن والبركة له" (١).
وقال ابن رجب ﵀: "والتحقيق أن يقال في إثبات الشؤم في هذه الثلاث ... إن هذه الثلاث أسباب يقدر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه بها، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جُبلت عليه ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النَّبِيّ ﷺ خرجه أبو داود وغيره وكذا ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك وقد أمر النَّبِيّ ﷺ قوما سكنوا دارا فقلَّ عددهم وقلَّ مالهم أن يتركوها ذميمة. فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهي عنه ... " (٢).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولكن يبقى علي هذا أن يقال: هذا جار في كل مشؤوم فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟.
وجوابه: أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخُصّت بالذكر لذلك ذكره في شرح السنن" (٣).
стр. 1086
١٦٤ - شد الرحال إلى القبور والسفر إليها *
[زيارة القبور - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية]
الرجال - بالمهملة - جمع رحل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب (١).
قال ابن سيده: "وارتحل البعير جعل عليه الرحل، ورحل رحلة شدَّ عليه أداته" (٢).
وكنَّى بشد الرحال عن السفر لأنَّهُ لازمه (٣).
وقد جاء النهي عن السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. أو زيارة المواضع الفاضلة والمقصود عدم تحديد بقعة مباركة تُعمل المطي إليها بقصد القربة والمرخص فيه ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ
стр. 1087
ومسجد الأقصى (١).
وشد الرحال إلى القبور صرحت الأحاديث بالنهي عنه لأنَّهُ من الوسائل التي تفضي إلى الغلو والتعظيم فهو من الوسائل والأسباب الشركية.
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُشَدُّ الرحال" (٣) - وفي لفظ: "لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى" (٤).
وجاء في بعض الروايات: "لا تُشَدُّ العُرى إلا إلى ثلاثة مساجد" (٥).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ الطُّورِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ.
стр. 1088
قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى" (١).
وعن قزعة قال: أردت الخروج إلى الطور فأتيت ابن عمر ﵄ فقلت له، فقال: "إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد إلى مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى. ودع عنك الطور ولا تأته" (٢).
* والمراد من النهي عن شد الرحال السفر إلى بقعة بذاتها تقربا إلى الله:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ بعد ذكره للحديثين السابقين: "فابن عمر، وبصرة بن أبي بصرة، جعلا الطور مما نُهي عن شد الرحال إليه؛ لأن اللفظ الذي ذكراه: في النهي عن شدها إلى غير الثلاثة، مما يُقصد به القُربة. فعُلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث.
والطور إنما يُسافر من يسافر إليه لفضيلة البُقعة، فإن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم كليمه موسى هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة لأربعة، وجمهور العلماء" (٣).
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: "المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيَين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر ﵁ كما بيّنته
стр. 1089
في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها"، وهو الذي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض والإمام الجويني والقاضي حسين، فقالوا: "يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة، كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة" ذكره المناوي في "الفيض".
فليس هو رأي ابن تيمية وحده، كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة، وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء" (١).
* حكم شد الرحل لزيارة قبر النَّبِيّ ﷺ -:
لا يجوز ذلك لحديث: "لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد ... ".
وقوله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرحال" بضم أوله بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها.
وكنّى بشد الرحال عن السفر، لأنَّهُ لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي (٢) فهذه كلها داخلة في المعنى المذكور كما يدخل فيه وسائل السفر الحديثة من سيارات وطائرات وغيرها، ويدل عليه قول - في بعض طرقه -: "إنما يسافر" (٣).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "فدخل في النهي: شدُّها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإنما أن يكون نفيًا، وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي" (٤).
стр. 1090
والنهي جاء عن شد الرحال إليها والسفر من أجلها فذلك الذي صرحت الأحاديث به، أما زيارة القبور من دون شد الرحال إليها فقد اتفق العلماء علي أن ذلك جائز لما أخرجه مسلم في صحيحه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١). بل هو قربة إلى الله ومأمور به لقول النَّبِيّ ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" (٢) فالزيارة إذا كانت على الصفة الشرعية فإنها مشروعة (٣). أما ما يفعله بعض الناس من البدع الذميمة والجهالات الوخيمة حيث لا يقصد من الحج إلا زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ ووضع الأيدي على شباكه (٤) فهذا جهل وضلال.
وإليك أقوال الأئمة في النهي عن شد الرحال:
قال ابن تيمية: "وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه" (٥).
وقال المناوي: " ... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه" (٦).
وقال ابن بطة: "ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها" (٧).
وقال النووي: "واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير