← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قتلْتُهَا فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ"" (١). قال الخطابي ﵀ عند شرحه لهذا الحديث: "وفيه بيان أن ساب النبي ﷺ مقتول "مهدر الدم"، وذلك أن السب منها لرسول الله ﷺ ارتداد عن الدين، ولا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله" (٢). أحكام وفوائد: ١ - الفرق بين سب الله وسب رسوله ﷺ -: قال الخطابي: "ويحكي عن مالك أنه كان لا يرى لمن سب النبي ﷺ توبة، ويقبل توبة من ذكر الله سبحانه بسب أو شتم ويكف عنه، وأخبرني بعض أهل العلم من أهل الأندلس أن هذه القضية جارية فيما بينهم وأن أمراءهم والقضاة يحكمون بها علي من فعل ذلك، وربما بقي أسراء الروم في أيديهم فيطول مقامهم بينهم فيطلبون الخلاص بالموت فيجاهرون بشتم النبي ﷺ فعند ذلك لا ينهون أن يقتلوا، والغالب علي بلاد الأندلس ونواحي الغرب رأي مالك" (٣). قال ابن تيمية ﵀: "ومن فرَّق بين سب الله وسب الرسول قالوا: سب الله تعالى كفر محض وهو حق لله وتوبة من لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مسقطة للقتل بالإجماع ... فإن الرجل لو أتي من الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب تاب الله عليه وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضة ولا معرة وإنما يعود ضرر السب علي قائله، وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن تنتهكها جرأة الساب، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول فإن السب هناك قد

стр. 982

تعلق به حق آدمي والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة والرسول تلحقه المعرة والغضاضة بالسب فلا تقوم حرمته، ولا تثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه لما أن هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضي الأمر إلى الفساد، وهذا الفرق يتوجه بالنظر إلى أن حد سب الرسول حق لآدمي كما يذكره كثير من الأصحاب بالنظر إلى أنه حق لله أيضا فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: " ... سابّ الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله بخلاف من سب الله فإنها تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول ﷺ فإنه يتعلق به أمران: الأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب. الثاني: أمر شخصي، لكونه من المرسلين، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه ﷺ ويقتل بعد توبته علي أنه مسلم، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ألف كتابا في ذلك اسمه: "الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول". وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ وكذا لو قذفه فإنه يقتل ولا يجلد. فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ وقبل منه وأطلقه؟ أجيب: بلى هذا صحيح لكن هذا في حياته ﷺ وقد أسقط حقه، أما بعد موته فلا

стр. 983

ندري فننفذ ما نراه واجبًا في حق من سبه ﷺ " (١). قال شيخ الإسلام: "إن الذي عصم دم ابن أبي السرح عفو النبي ﷺ ، وأنه بالإسلام والتوبة انمحى عنه الإثم، وبعفو النبي ﷺ احتقن الدم، وليس للأمة أن يعفوا عن حقه" (٢). ٢ - مما يلحق بهذا الباب لمز الرسول ﷺ -: واللمز: الطعن باللسان (٣). قال في مختار الصحاح: ""اللمز": العيب. وأصله الإشارة بالعين ونحوها ورجل "لمّاز" و"لُمزة" أي: عيّاب" (٤). ففي لمز الرسول ﷺ عيبُه وتنقيصه. وهذا داخل في سبه ﷺ لأن السب: "هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف ... " (٥). قال الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. يقول تعالي ذكره: ومن المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم في هذه الآيات من يلمزك في الصدقات يقول يعيبك في أمرها ويطعن عليك فيها يقال منه لمز فلانًا يلمزه ويلمِزُه إذا عابه وقرصه، وكذلك همزه. ومنه قيل: فلان هُمزة لُمزة" (٦). وهذه الآية نزلت في ذي الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قال أَبو سَعِيدٍ بَيْنَا

стр. 984

النَّبيُّ ﷺ يَقْسِمُ جَاءَ عَبْدُ الله بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: "ويلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ" قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: "دَعْه، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِ، وَصِيَامَهُ مع صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، - أَوْ قَالَ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ - يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَشْهَدُ سمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قتلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فَنزَلَتْ فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ " (١). قال الشوكاني في فتح القدير: "ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها" (٢). وقال الإمام تقي الدين: "فثبت أن كل من لمز النبي ﷺ في حكمه أو قسمه فإنه يجب قتله كما أمر به ﷺ في حياته وبعد موته وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد" (٣). وقال ﵀: "فإن لمز النبي ﷺ وأذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا أنه أولى به من نفسه وأنه لا يقول إلا الحق ولا يحكم إلا بالعدل وأن طاعته طاعة الله

стр. 985

وأنه يجب علي جميع الخلق تعزيره وتوقيره وإذا كان دليلا علي النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق. وأيضًا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما إن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفرا والأول باطل لأن الله سبحانه قد ذكر في القران أنواع العصاة من الزاني والقاذف والسارق والمطفف والخائن ولم يجعل ذلك دليلًا علي نفاق معين ولا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا لا لمجرد كونها معصية؛ لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلًا علي النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح فثبت أنه لا بد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلًا علي النفاق وكلما كان كذلك فهو كفر" (١). ٣ - ويلحق بهذا الباب إيذاء الرسول ﷺ - (٢): وهذه من صفات المنافقين قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣]. قال الشوكاني ﵀ في تفسير هذه الآية: "قوله: ﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ علي

стр. 986

وجه الطعن والذم هو أذن، قال الجوهري: يقال رجل أُذن: إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم - أقمأهم الله - أنهم إذا آذوا النبي ﷺ وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك اعتذروا له وقبل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدِّقُه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدِّقُه أنه أذن مبالغة، لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأن جملته أذن سامعة، ... وإيذاؤهم له هو قولهم "هو أذن" لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغترارًا منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن خباياهم كرمًا وحلمًا وتغاضيًا ... " (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "فعلم أن إيذاء رسول الله محادة لله ولرسوله لأن ذكر الإيذاء هو الذي اقتضي ذكر المحادّة، فيجب أن يكون داخلا فيه، ولولا ذلك لم يكن الكلام مؤتلفًا، ... ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادة كفر لأنه أخبر أن له نار جهنم خالدا فيها ... " (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀: "وذلك أن الإيمان والنفاق، أصله في القلب، وإنما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي ﷺ ، والذين يؤذونه من المنافقين، ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصل المدلول عليه، فثبت أنه حيث ما وجد ذلك كان صاحبه منافقا سواء كان منافقا قبل هذا القول أو حدث له النفاق بهذا القول" (٣). وقال في موضع آخر: "فالسبُّ إهانة واستخفاف، والانقياد للأمر إكرام وإعزاز،

стр. 987

ومُحالٌ أن يهين القلب من قد انقاد له وخضع واستسلم، أو يستخف به فإذا حصل في القلب استخفاف واستهانة امتنع أن يكون فيه انقياد واستسلام، فلا يكون فيه إيمان، وهذا هو بعينه كفر إبليس، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له واستكبر عن الطاعة فصار كافرًا" (١). وقال أيضًا: "ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات فإن من آذاه فقد آذي الله وقتلُ سابِّه واجب باتفاق الأمة سواء قيل إنه قتل لكونه ردة أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود" (٢).

стр. 988

١٤٩ - سب الريح * الريح من روح الله وقد جاءت أحاديث المصطفي ﵊ بالنهي عن سب الريح لأنها إنما تهب عن إيجاد الله تعالى وخلقه لها وأمره، فهو الذي أوجدها وأمرها، فمسبتها مسبة للفاعل الحقيقي، وهو الله جل ذكره ولا يسبها إلا أهل الجهل بالله ودينه وبما شرعه لعباده، ولذلك فإن سب الريح ينافي كمال التوحيد. وقد أرشد النبي ﷺ أمته إلى أن يقولوا ما فيه أدب مع الله وخضوع له وتسليم، وما ينفعهم من الدعاء الصالح عند هبوب الريح. * الدليل من السنة: عَنْ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "لا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِذا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهُمَّ إِنَّا نَسْألكَ مِنْ خَيْرِ هَذه الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بهِ، وَنَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ هَذه الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ" (١). وعن ثَابِت بْن قَيْسٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ : يَقُولُ: "الرِّيحُ مِنْ رَوْح اللهِ". قَالَ سَلَمَةُ: فَرَوْحُ الله تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا وَسَلُوا الله خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِالله مِنْ شَرِّهَا (٢). وفي تيسير العزيز الحميد: "قال الشافعي: لا ينبغي شتم الريح فإنها خلق مطيع لله، وجند من جنوده، يجعلها الله رحمة إذا شاء، ونقمة إذا شاء. ثم روي بإسناده حديثًا منقطعًا أن رجلا شكى إلى رسول الله ﷺ الفقر، فقال له: "لعلك تسب الريح".

стр. 989

وقال مطرف: "لو حبست الريح عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض"" (١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "لا يجوز سب الريح بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى لعباده، وتأديبه رحمة للعباد، فلهذا جاء في حديث أبي هريرة مرفوعا: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. وكونها قد تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله وعن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي ﷺ ، فقال: "لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه" رواه الترمذي وقال غريب" (٢). ويقاس علي تحريم سب الريح سب الشمس (٣) أو السحاب وأمثالهما من كل مخلوق لا يملك أن يفعل شيئًا إلا بأمر الله (٤)، ولا يَرِدُ علي هذا الباب من له إرادة وتصرف كبني آدم فإنه يجوز سبهم إذا كان بحق (٥). قال السعدي: "وهذا نظير ما سبق في سب الدهر أراد أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر وهذا خاص بالريح، ومع تحريمه فإنه حمق وضعف في العقل والرأي، فإن الريح مصرفة مدبره بتدبير الله وبتسخيره فالساب لها يقع سبه علي من صرفها، ولولا أن المتكلم بسب الريح لا يخطر هذا المعنى في قلبه غالبا لكان الأمر أفظع من ذلك، ولكن لا يكاد يخطر بقلب مسلم" (٦).

стр. 990

* فائدة: ليس من السب أن توصف الريح أو يوصف الدهر بالشدة لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦ - ٧] وكقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢]. * فائدة أخرى: جاء في الحديث: "لا تسبوا الريح، فإنها من نَفَس الرحمن " (١). قال ابن الأثير: "يريد بها أنها تُفرِّج الكرب، وتنشئ السحاب، وتنشر الغيث وتذهب الجدب. قال الأزهري: النفس في هذين الحديثين (٢) اسمٌ وُضِع موضع المصدر الحقيقي من نفَّس ينفِّس تنفيسًا ونفسًا، كما يقال: فرَّج يفرِّج تفريجًا وفرجًا، كأنه قال: أجد تنفيس ربكم من قبل اليمن وأن الريح من تنفيس الرحمن بها عن المكروبين. قال العتبي: هجمت علي واد خصيب وأهله مُصفَرَّةٌ ألوانُهم فسألتهم عن ذلك فقال شيخ منهم: "ليس لنا ريح". ومنه الحديث: "من نفس عن مؤمن كربة". أي: فرّج. ومنه الحديث: "ثم يمشي أنفس منه، أي: أفسح وأبعد قليلا"" (٣).

стр. 991

١٥٠ - سب الصحابة * أثنى الله على صحابة رسوله ﷺ ، في مواضع عديدة من كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التولة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩]. وقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ

стр. 992

يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ" قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَة وَالْعَهْدِ (١). قَالَ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: "إِنَّ الله نَظَرَ فِي قُلُوَبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَير قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنٌ وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ الله سَيِّئٌ" (٢). وعنه ﵁ قال: "من كان منكم متأسيا فليتأسى بأصحاب رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا علي الهدى المستقيم" (٣). قال الطحاوي في متنه المشهور: "وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (٤). وقال الهيثمي معلقًا علي كلام الطحاوي: "فبغض الصحابة كلهم وبغض بعضهم من حيث الصحبة لا شك أنه كفر" (٥). وقال ابن الصلاح ﵀: "للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة" (٦).

стр. 993

قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: "اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ ، والمراد أصحابه" (١)، وكذا قال ابن حجر (٢). ويقول ابن كثير ﵀: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل" (٣). * النهي عن سب الصحابة: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: "لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون" (٥). وعن ميمون بن مهران قال: "ثلاث ارفضوهن: سب أصحاب محمد ﷺ والنظر في النجوم، والنظر في القدر" (٦). وعن ابن عمر ﵄ قال: "لا تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم أربعين سنة" (٧). وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: قال أحمد بن حنبل: "يا أبا الحسن،

стр. 994

إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام" (١). وقال أبو زرعة الرازي ﵀: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحَدًا من أصحاب رسول الله، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ ، عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن، أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (٢). وقال بقية بن الوليد: "قال لي الأوزاعي: يا بقية! لا تذكر أحدا من أصحاب نبيك إلا بخير. يا بقية! العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ ، وما لم يجيء عنهم، فليس بعلم" (٣). وقال شيخ الإسلام: "ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم الدين وأعمالهم، خيرا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله، كالتفسير وأصول الدين، وفروعه، والزهد، والعبادة، والأخلاق، والجهاد، وغير ذلك فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم. وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم" (٤). * حكم سب الصحابة: قال شيخ الإسلام: "وبالجملة فمن أصناف السابة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره ومنهم من تردد فيه" (٥). وإليك تفصيل ذلك:

стр. 995

أ - سب عموم الصحابة: من سب الصحابة أو رماهم بالكفر والردة أو فسَّق جميعهم أو معظمهم فهو كافر لأسباب جليلة: ا - أن هذا طعن في نقلة الكتاب والسنة ويلزم منه الطعن فيهما. ٢ - أنه تكذيب لنص القرآن الكريم من الرضا عنهم. ٣ - استنبط الإمام مالك ﵀ من قوله تعالى في الصحابة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] أن من يبغض الصحابة كافر قال مالك: "لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر ووافقه الشافعي وغيره من الأئمة وقال الهيثمي وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية" (١). ٤ - قول الرسول ﷺ : "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" (٢). وفي رواية: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله" (٣). ولمسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية، مبينا حكم هذا القسم: "وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع، من الرضا عنهم، والثناء عليهم. بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره

стр. 996

متعين ... إلى أن قال -: وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام" (١). وقال الهيثمي ﵀: "ثم الكلام إنما هو في سب بعضهم أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر" (٢). ب - سب بعضهم سبا يطعن في دينهم: اتهام بعض الصحابة بالكفر أو الفسق مسألة فيها أقوال لأهل العلم فمنهم من يكفره ومنهم من يفسقه، وبعض العلماء يكفر من سب الخلفاء، وبعضهم يقتصر على الشيخين، وبعضهم ينظر في تواتر النصوص بفضله وعدم تواترها (٣). والصحيح أن من استحل سب من تواترت النصوص بفضله كالخلفاء فذلك كفر لأن في هذا تكذيبًا لأمر متواتر (٤). وقال القاضي عياض: "وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل" (٥). وروى الخلال عن أبي بكر المروذي قال: "سألت أبا عبد الله عن من يشتم أبا بكر وعمر وعائشة قال: ما أراه على الإسلام قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: قال مالك: الذين يشتمون أصحاب رسول الله ليس لهم سهم أو قال: نصيب في الإسلام" (٦). وقال الإمام أحمد ﵀: "لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه

стр. 997

وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع" (١). قال الهيثمي: "أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق" (٢). قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله؛ كالخلفاء، فإن اعتقد أحقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعا عن رسول الله ﷺ ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد أحقية سبه أو إباحته، فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق. وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقا - والله أعلم - " (٣). وقال أيضًا: "وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله، فالظاهر أن سابه فاسق إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله ﷺ فإنه يكفر" (٤). قال الهيثمي: عن حكم سب أبي بكر: "فيتلخص أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد، فليس بكفر. فتكون المسألة عنده على حالين: "إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفره وإلَّا كفر"" (٥). وقال: "وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي. والذي أراه الكفر فيها قطعًا"" (٦).

стр. 998

* تنبيه: قال شيخ الإسلام: "فصل في تفصيل القول فيهم: أما من اقترن بسبه دعوى أن عليا إله، أو أنه كان هو النبي وإنما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم" (١). وفي حاشية ابن عابدين قال: "وبهذا يظهر أن الرافضي إن كان ممن يعتقد الألوهية في علي أو أن جبريل غلط في الوحي، أو كان ينكر صحبة الصديق، أو يقذف السيدة عائشة فهو كافر" (٢). ج - من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم: قال شيخ الإسلام: "وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم - مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم. وأما من لعن وقبح مطلقًا فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا بعامتهم فهذا أيضا لا ريب في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم ... فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق" (٣).

стр. 999

وفي موضع آخر ضرب أمثلة لذلك فقال: "نحو قوله كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك" (١). * سب السلف والعلماء والمؤمنين (٢): وهذه من صفات المنافقين ومن علامات الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها وقال بعض السلف وأظنه مالكًا: "لا تجوز الإقامة في بلد يسب فيها السلف" وقد ذكر الله من صفات المنافقين لمز المطوعين من المؤمنين في الصدقات قال الإمام البخاري في صحيحه: بَاب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة. ٧٩] يَلْمِزُونَ: يَعِيبُونَ. وَجَهْدَهُمْ: طَاقَتَهُمْ (٣). ثم ذكر حديث أَبي مَسْعُودٍ قَالَ: "لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ وَجَاءَ إِنسَانٌ بأَكْثَرَ مِنْهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلا رِئَاءً فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] (٤). قال الواحدي في تفسيره: "الذين يلمزون: يعيبون ويغتابون المطوعين: المتطوعين المتنفلين من المؤمنين في الصدقات وذلك أن رسول الله ﷺ حث على الصدقة فجاء بعض الصحابة بالمال الكثير وبعضهم وهم الفقراء بالقليل فاغتابهم المنافقون وقالوا من أكثر أكثر رياء ومن أقل أراد أن يذكر نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥).

стр. 1000

١٥١ - السبب * لغة: الحبل، وما يتوصل به إلى غيره، والجمع أسباب (١) قال تعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص: ١٠]، أي: فليصعدوا إلى السماء (٢). قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم يعني: "طرق السماء" (٣). وقال القرطبي: "أصل السبب: الحبل يشد بالشيء فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئًا سببًا" (٤). والمراد في هذا الفصل: هو ما كان طريقا إلى الشيء يتوصل به إليه، فالبعض يعتقد في الأسباب أنها هي المسببة بذاتها، وهي الموجدة بنفسها، وهى الضارة والنافعة استقلالا وهذا شرك. والبعض ينفي تأثير الأسباب ويعرض عنها وهذا باطل. وأخذ الأسباب المشروعة جاءت به الشريعة.

стр. 1001

* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال الإمام ابن القيم: "والقرآن مملوء من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة، فيأتي بباء السببية تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، وبكي تارة، ويذكر الوصف المقتضي تارة، ويذكر صريح التعليل تارة كقوله ذلك بأنهم فعلوا كذا وقالوا كذا، ويذكر الجزاء تارة كقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٩]، وقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٨٥]، وقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧]، ويذكر المقتضى للحكم والمانع منه كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وعند منكري الأسباب والحكم لم يمنعه إلا محض مشيئته ليس إلا وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]، وقال: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، وقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ

стр. 1002

طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] (١). * الدليل من السنة: عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: جاء رَجُلٌ إلى النبي ﷺ على ناقة له، فقال: يَا رَسُولَ الله أَعْقِلُهَا وَأتَوَكَّل، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأتَوَكَّلُ؟ قَالَ: "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ" (٢). وعن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَوْ أنكُمْ كنتم تَوَكَّلْتُمْ عَلَى الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزقتمْ كَمَا يُرْزقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" (٣). قال أبو حاتم الرازي: "وهذا حديث أصل في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق" (٤). والأدلة على هذا الباب من الكتاب والسنة كثيرة وسوف يأتى بعض منها أثناء ذكر مسائل هذا الباب. أحكام وفوائد: ١ - الأسباب على قسمين: ١ - أسباب شرعية: وهي ما شرعها الله على لسان نبيه ﷺ التى يتوسل بها إلى إرضائه وثوابه. ٢ - أسباب كونية قدرية: وهي ما عُلم أو جُرّب في جلب ما ينفع ودفع ما يضر (٥). قال الشيخ ابن عثيمين: "فمن الأسباب القدرية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ

стр. 1003

الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠]. ومن الأسباب الشرعية قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وكل فعل رتب الله عليه عقابًا أو ثوابًا فهو من الأسباب الشرعية باعتبار كونه مطلوبًا من العبد، ومن الأسباب القدرية باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره" (١). ٢ - موقف الناس من الأسباب: الناس في الأسباب طرفان ووسط: الطرف الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها، لا بها، حتى قالوا: إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة، لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع، وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى: في ربط المسببات بأسبابها (٢). قال الإمام ابن القيم: "وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر" (٣). وهذا المفهوم الخاطئ المنحرف قد أدَّى ببعض الصوفية إلى القول بترك

стр. 1004

التكسب وأنه ينافي التوكل على الله. قال الإمام ابن القيم: "وعندهم أن الله لم يخلق شيئًا بسبب، ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، لا في السم قوة الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم؛ بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة هذه الأجسام لا بها، فليس الشبع بالأكل ولا الري بالشرب، ولا العلم بالاستدلال ولا الانكسار بالكسر ولا الإزهاق بالذبح، ولا الطاعات والتوحيد سببًا لدخول الجنة والنجاة من النار، ولا الشرك والكفر والمعاصي سببًا لدخول النار؛ بل يدخل هؤلاء الجنة بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة أصلا ويدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة ... بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح فعنها يصدر كل حادث ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنًا به اقترانًا عاديًا لا أن أحدهما سبب الآخر ولا مرتبط به، فأحدهما مجرد علامة وأمارة على وجود الآخر، فإذا وجد أحد المقترنين وجد الآخر معه بطريق الاقتران العادي فقط لا بطريق التسبب والاقتضاء، وهذا عندهم هو نهاية التوحيد وغاية المعرفة، وطرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين بل ولسائر أديان الرسل، ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها وجعلوا وجودها كعدمها ولم يمكنهم ذلك فإنهم لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويباشروا من الأسباب ما يدفع عنهم الحر والبرد والألم. فإن قيل لهم: هلا أسقطتم ذلك؟ قالوا: لأجل الاقتران العادي. فإن قيل لهم: هلا قمتم بما أسقطتموه من الأسباب لأجل الاقتران العادي

стр. 1005

أيضًا؟ فهذا المذهب قد فطر الله سبحانه الحيوان ناطقه وأعجمه على خلافه. وقوم طردوه فتركوا له الأسباب الأخروية وقالوا: سبق العلم والحكم بالسعادة والشقاوة لا يتغير البتة، فسواء علينا الفعل والترك، فإنْ سبق العلم والحكم بالشقاوة، فنحن أشقياء، عملنا أو لم نعمل، وإن سبق بالسعادة فنحن سعداء عملنا أو لم نعمل. ومنهم من يترك الدعاء جملة بناء على هذا الأصل ويقول المدعو به إن سبق العلم والحكم بحصوله حصل دعونا أو لم ندع، وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن دعونا. قال شيخنا (١): وهذا الأصل الفاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف وأئمة الدين؛ بل ومخالف لصريح العقل والحس والمشاهدة، وقد سئل النبي ﷺ عن إسقاط الأسباب نظرًا إلى القدر فرد ذلك وألزم القيام بالأسباب كما في الصحيح عنه أنه قال: "ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار" قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له". وفي الصحيح عنه أيضًا أنه قيل له: يا رسول الله، أرأيت ما يكدح الناس فيه اليوم ويعملون أمرٌ قُضي عليهم ومضى أم فيما يستقبلون مما آتاهم فيه الحجة؟ فقال: "بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم" قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له". وفي السنن عنه أنه قيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورُقىً نسترقي بها، وتقاة نتقي بها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: "هي من قدر الله".

стр. 1006

وكذلك قول عمر لأبي عبيدة ﵄ وقد قال أبو عبيدة لعمر: أتفر من قدر الله - يعني من الطاعون -؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله" (١). والطرف الثاني: غلاة أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء وقعوا في الشرك، حيث أثبتوا موجدًا مع الله تعالى، وخالفوا السمع والحس. فقد دل الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها فقال الله تعالى: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه ولم يحترق بها (٢). قال الإمام ابن القيم: "فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما شرك، والآخر عبودية وتوحيد. فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها ويعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها ويجعل نظره والتفاته مقصورا عليها، وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها فهذا الالتفات عبودية وتوحيد إذ لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب، وأما محوها أن تكون أسبابًا فقدحٌ في العقل والحسن والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية كان ذلك قدحًا في الشرع وإبطالًا له. وحقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكمها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه" (٣).

стр. 1007

وقد بين الإمام ابن تيمية ضلال من أنكر الأسباب وشرك من جعلها هي المبدِعة قال ﵀: "ومن قال إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التى في الحيوان التى يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابد من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شئ إذا شاء إلا الله وحده قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد" (١). وأما الوسط: فهم الذين هُدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيرًا في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودعه الله تعالى: فيها من القوى الموجبة. وهؤلاء هم الطائفة الوسط الذين وفقوا للصواب وجمعوا بين المنقول والمعقول، والمحسوس، وإذا كان القدر لا ينافي الأسباب الكونية والشرعية فهو لا ينافي أن يكون للعبد إرادة وقدرة يكون بهما فعله، فهو مريد قادر فاعل لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. لكنه غير مستقل بإرادته وقدرته وفعله، كما لا تستقل الأسباب بالتأثير في مسبباتها لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ

стр. 1008

الْعَالَمِينَ﴾، ولأن إرادته، وقدرته، وفعله من صفاته وهو مخلوق فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضًا، لأن الصفات تابعة للموصوف فخالق الأعيان خالق لأوصافها (١). قال الإمام ابن القيم: "فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب بمعنى أنه لا يطمئن إليها ولا يرجوها ولا يخافها فلا يركن إليها ولا يلتفت إليها بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها بل يكون قائما بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها فلا يصح التوكل شرعًا وعقلًا إلا عليه سبحانه وحده فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده فهو الذي سبب الأسباب وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها ولم يجعل منها سببًا يقتضي وحده أثره بل لابد معه من سبب آخر يشاركه وجعل لها أسبابًا تضادها وتمانعها بخلاف مشيئته سبحانه فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر ولا في الأسباب الحادثة ما يبطلها ويضادها وإن كان الله سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله والجميع بمشيئته واختياره فلا يصح التوكل إلا عليه ولا الالتجاء إلا إليه ولا الخوف إلا منه ولا الرجاء إلا له ولا الطمع إلا في رحمته كما قال أعرف الخلق به: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوز بك منك" وقال: "لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك"، فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب استقام قلبك على السير إلى الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم وبالله التوفيق، وما سبق به علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات الأسباب ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم أن كذا وكذا

стр. 1009

يحدث بسبب كذا وكذا فسبق العلم والحكم بحصوله عن سببه فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب لم يكن نظره وشهوده مطابقًا للحق بل كان شهوده غيبة ونظره عمى، فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ما هي عليه في علمه وحكمه وخلقه وأمره، والعلل التي تتقى في الأسباب نوعان: أحدهما: الاعتماد عليها والتوكل عليها والثقة بها ورجاؤها وخوفها فهذا شرك يرق ويغلظ وبين ذلك. الثاني: ترك ما أمر الله به من الأسباب، وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا وبين ذلك بل على العبد أن يفعل ما أمره الله به من الأمر ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله سبق به علمه وحكمه، وأن السبب لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم ولا يحصل للعبد ما لم تسبق له به المشيئة الإلهية، ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم، فيأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها، ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحًا ولا توصله إلى المقصود، فيجرد عزمه للقيام بها حرصًا واجتهادًا ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدًا للتوكل واعتمادًا على الله وحده، وقد جمع النبي ﷺ بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث يقول: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبب ونهاه عن العجز وهو نوعان: تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها. فالدين كله ظاهره وباطنه شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوية والله أعلم" (١).

стр. 1010

وقال شيخ الإسلام ﵀: "لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور: أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لا بد معه من أسباب أخر؛ ومع هذا فلها موانع. فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود، وهو - سبحانه - ما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله. الثاني: أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئا سببا بلا علم أو يخالف الشرع: كان مبطلا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء ... وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل". الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببًا إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف؛ فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله. فيدعو غيره - وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه - " (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فهذه الأسباب التي تتخذ وسائط ووسائل في الجلب والدفع اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده منفية بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، إلا أسبابًا وردت عن الله أو رسوله كالتوحيد والصلاة بحضور قلب وخشوع، وذل وانكسار، والدعاء والاستعفار بعد الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على ألا يعود إليه، والأعمال الصالحة من صدقة وصلة رحم وطاعة الله وتقواه، فهي في جلب الخير ودفع الشر، كما صرح به القرآن الكريم والسنة" (٢).

стр. 1011

وقال أيضًا: "وكل سبب لم يأذن به الله باطل مضر لمتخذه فلا يتعاطى، وإذا حقق المؤمن أن الله سبحانه رب كل شيء وخالقه ومليكه فإنه لا ينكر ما خلقه الله تعالى من الأسباب، كما جعل المطر سببا للنبات" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ومن جعل اعتماده على الله ملغيًا للأسباب فقد طعن في حكمة الله؛ لأن الله جعل لكل شيء سببًا، فمن اعتمد على الله اعتمادًا مجردًا كان قادحًا في حكمة الله؛ لأن الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها كمن يعتمد على الله في حصول الولد وهو لا يتزوج" (٢). ٣ - الأسباب على قسمين: مشروعة وغير مشروعة: * القسم الأول: أسباب مشروعة: ويتحقق ذلك إذا ثبت أن هذا السبب سبب حقيقي شرعي أو قدري. قال ابن عثيمين ﵀: "وطريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. وإما عن طريق القدر كما إذا جربنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم أو المرض، ولكن لابد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبريء بذلك مثلا؛ فهذا سبب ظاهر بين وإنما قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جربت هذا وانتفعت به وهو لم يكن مباشرًا ... " (٣). وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "إن إثبات الأسباب المؤثرة وكون الشيء سببًا: لا يجوز إلا من جهة الشرع فلا يجوز إثبات سبب إلا أن يكون سببا شرعيا، أو أن

стр. 1012

يكون سببا قد ثبت بالتجربة الواقعة أنه يؤثر أثرا ظاهرا لا خفيا" اهـ. والسبب الشرعي كالقراءة على المريض، والسبب القدري كالأشياء التي تعلم من جهة التجربة الظاهرة، مثل: دواء الطبيب بالنار، ومثل: الانتفاع ... الأسباب التي فيها الانتفاع ظاهر، كأن تتدفأ بالنار أو تتبرد بالماء أو نحو ذلك، أسباب ظاهرة بَيِّنَةُ الأثر فكل ما شرعه الله تعالى من أسباب التوقي والسلامة الأعمال الصالحة المشروعة والرقى الشرعية والتعاويذ والعلاجات التي ثبت أنها مع عامة من يتعاطاها كالعقاقير والأدوية المباحة فهي مشروعة ويندرج في هذا القسم: ١ - أسباب واجبة: أمر الله عباده بها وجعلها سببًا للنجاة من النار، فهذا لا بد فعلها مع التوكل على الله في ذلك: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]. وأما ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر بتعاطيه كالأكل عند الجوع والشرب عند العطش فهذا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة (١). وبعضهم يرى أن التداوي واجب (٢) في حالة تيقن نفعه وترتب الهلاك على تركه. وتقدم قول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أن ما علم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب" (٣) انظر في ذلك باب (التداوى). ٢ - أسباب مستحبة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن التداوي: "ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل" (٤). وقال: "إننا نرى أن القول الراجح في

стр. 1013

التداوي أنه أفضل من عدمه إذا كان يرجئ نفعه" (١). وقيل أن التداوي سنة (٢) وهو مذهب الشافعي فهو من الأسباب النافعة. ٣ - أسباب مباحة وجائزة: كالتداوي بما ليس فيه كراهة ولا تحريم بل بالأشياء المباحة فهذا جائز، وعلاج المسحور بالطرق النافعة والأدوية المباحة. قال ابن الجوزي ﵀: "والمقصود ههنا أنا نقول: إذا ثبت أن التداوي مباح بالإجماع مندوب إليه عند بعض العلماء فلا يلتفت إلى قوم رأوا أن التداوي خارج من التوكل؛ لأن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه تداوى وأمر بالتداوي، ولم يخرج بذلك من التوكل ولا أخرج من أمره أن يتداوى من التوكل" (٣). وذكر بعض العلماء أن ترك الدواء أفضل وهو مذهب الحنابلة (٤)، قال ابن الأثير: "ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رُخِّص له في الرقية والعلاج والدواء" (٥). وقد تقدم الكلام عن ذلك في باب (التداوي). * القسم الثاني: أسباب غير مشروعة: إذا كان هذا السبب لم يدل عليه الدليل، لا الدليل الشرعي ولا الدليل الواقعي، فإنه يكون ممنوعا باطلا ويندرج تحت هذا القسم الأنواع الآتية:

стр. 1014

أولًا: أسباب شركية تنافي التوحيد في أصله: قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا. فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر فهذا شر وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضرًا أو أنه يشفع بدعائهم إياه فهذا هو الشرك الذي بعث الله رسوله ﷺ بالنهي عنه وقتال من فعله. كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، والفتنة الشرك" (١). قال الشيخ ابن عثيمين: "ما ينافي التوحيد في أصله، وهو أن يتعلق الإنسان بشيء لا يمكن أن يكون له تأثير ويعتمد عليه اعتمادا كاملا معرضا عن الله مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب. وهذا شرك مخرج عن الملة وحكم الفاعل ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] " (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لكن لو اعتقد هذا المتشائم المتطير أن هذا فاعل بنفسه دون الله، فهو مشركا شركا أكبر؛ لأنه جعل لله شريكا في الخلق والإيجاد". وهناك أمثلة أخرى. ثانيًا: أن يثبت من الأسباب ما لم يجعله الله سببًا (٣): قال شيخ الإسلام ﵀: "فمن أثبت شيئا سببا بلا علم أو يخالف الشرع: كان مبطلا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء" (٤).

стр. 1015

قال الشيخ السعدي ﵀ عن لبس الحلقة والخيط: "وإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببًا يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرم وكذب على الشرع والقدر" (١). وقال ﵀: "فإذا كانت هذه الأمور ليست من الأسباب الشرعية التي شرعها على لسان نبيه التي يتوسل بها إلى رضاء الله وثوابه، ولا من الأسباب القدرية التي قد علم أو جرب نفعها مثل الأدوية المباحة كان المتعلق بها متعلقًا قلبه بها راجيًا لنفعها، فيتعين على المؤمن تركها ليتم إيمانه وتوحيده حيث تعلق بغير متعلق ولا نافع بوجه من الوجوه، بل هو ضرر محض. والشرع مبناه على تكميل أديان الخلق بنبذ الوثنيات والتعلق بالمخلوقين، وعلى تكميل عقولهم بنبذ الخرافات والخزعبلات، والجد في الأمور النافعة المرقية للعقول، المزكية للنفوس. المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها والله أعلم" (٢). * وبعضهم يجعله شركا أصغر ويجعله قاعدة: قال ابن عثيمين ﵀: "فإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه؛ فإنه لا يعد مشركا شركا يخرجه من الملة، لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببا، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركا من هذه الناحية، والقاعدة: إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببًا فإنه مشرك شركًا أصغر" (٣). ومما يستدل به لهذه القاعدة قول النبي ﷺ : "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٤).

стр. 1016

وقال الشيخ صالح الفوزان في تعليق الحلقة والخيط ونحوهما: "إن كان يعتقد أنها سبب فقط والواقي هو الله سبحانه فهذا شرك أصغر؛ لأن الله لم يجعل هذه الأشياء سببًا" (١). قال الشيخ صالح آل الشيخ: "هذه القاعدة صحيحة - في الجملة - لكن قد يُشْكِل دخول بعض الأمثلة فيها". ثالثا: أسباب محرمة لكن لا تدخل في الشرك: مثل: العلاج بالدم، فإنه محرم ويقدح في التوكل الواجب. وكذلك التداوى بالخمر، والسرقة للحصول على المال. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فيحرم على المرء أن يتداوى بشيء حرمه الله عليه، وذلك لأنه لو كان مصلحة للعباد ما حرم عليهم، ولم يجعل الله شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها، وقد سئل ﷺ عن التداوي بالخمر، فقال: "إنه داء وليس بدواء" (٢). وقد يحصل أن يشفي الله المريض إذا تناول شيئًا من هذا المحرم، فيظن الظان أنه برئ منه، ولكنه فتنة وامتحان من الله، فإنه لا يبرأ منه - أي من هذا الدواء المحرم -، ولكن يبرأ عند هذا الدواء المحرم، ولهذا لا نجزم أهذا الرجل شفي من لحم هذا الذئب، بل إننا نجزم بأنه لا شفاء فيما حرمه الله . وقد تداول الناس كلامًا فهموه على غير وجهه وهو قاعدة شرعية: إن الضرورات تبيح المحظورات، فقالوا: إن الإنسان إذا اضطر إلى الدواء المحرم، فإنه له أن يتناول، وهذا خطأ؛ لأن الدواء لا ضرورة إليه، لأنه قد يشفى الإنسان بدون دواء، وكم من إنسان استعمل أدوية كثيرة مما هي مباحة له، ولم يشف بها؟ فإذا تركها شفاه الله ، وكم من إنسان مرض ولم يتناول أدوية فشفاه الله؟ وكم

стр. 1017

من إنسان مرض فاستعمل الأدوية على ما ينبغي ومع ذلك لم ينج من المرض؟ وبقي مريضًا مع تناولها، وبهذا عرفنا أنه لا ضرورة إلى الدواء لأمرين: الأول: لأنه ربما يشفي بدون دواء. الثاني: فإنه إذا تناوله فليس من المؤكد أن يشفى به، فعلم بهذا أنه لا ضرورة، وأن الدواء المحرم لا تنطبق عليه هذه القاعدة، وعليه فلا يجوز التداوي بالحرام. وليس معنى قولنا: لا ضرورة إلى الدواء أننا نمنع من التداوي، أو أننا نحذر منه، بل إننا نرى أن القول الراجح في التداوي أنه أفضل من عدمه إذا كان يرجى نفعه" (١). أما الأسباب المكروهة من الاسترقاء والاكتواء وغيرها، فتركها أولى ومباشرتها تقدح في تمام التوكل المستحب، فإن القلوب تتعلق بالكي والاسترقاء تعلقًا زائدًا. ويدل على ذلك حديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب "قالوا: من هم يا رسول الله ﷺ قال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعك ربهم يتوكلون" (٢)، وأيضًا لحديث العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" (٣). قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا كما يظنه الجهلة فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]، أي:

стр. 1018

كافيه إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببًا مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا" (١). وقد تقدم الفرق بين الرقية والاسترقاء في باب (الرقى). ٤ - حكم التعلق بالأسباب: الأسباب وإن عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه والله يتصرف فيها كيف يشاء فخالق الأسباب ومسببها هو الله وحده - فما شاء كان - وإن لم يشأ الناس - وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله ولا يجعل منها سببا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا وقدرًا، ثم إذا ثبتت تلك الأسباب فلا يعتمد العبد عليها ولا يركن إليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها (٢) ويعلم أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع. فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع: لم يحصل المقصود. فإن اعتقد الإنسان أن السبب هو الفاعل بنفسه من دون الله فهو شرك أكبر، لأن الاعتماد الكلي على الأسباب، واعتقاد أنها تؤثر استقلًا في جلب المنفعة أو دفع المضرة من الشرك الأكبر. * وإن اعتمد الإنسان على سبب لم يثبت كونه سببا لا شرعا ولا قدرا فهو مبطل.

стр. 1019

* وإذا عُلِم السبب بطريق الشرع أو بطريق القدر فجائز لكن كما قدمنا يعتمد على مسببها، ومقدرها؛ لأنه قد يقوم في نفس العبد الاعتماد على هذه الأسباب ونسيان المسبب. * فالسبب المباح وإن كان في ذاته مباح لكن الاعتماد عليه مع نسيان المسبب نوع شرك. * قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها" (١). قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع غفلته عن المسبب وهو الله تعالى فهذا نوع من الشرك ولكن لا يخرج من الملة؛ لأنه اعتمد على السبب ونسي المسبب وهو الله - تعالى - " (٢). * وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن التوكل: "فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب نقص توكله على الله، ويكون قادحا في كفاية الله فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه" (٣).

стр. 1020

١٥٢ - السجود * [الإنحناء - التعظيم] قال الراغب: "السجود أصله التطامن والتذلل وجعل ذلك عبارة عن التذلل لله وعبادته وهو عام في الإنسان والحيوانات والجمادات" (١). والسجود عبادة فيها خضوع وتذلل فلا تكون إلا لله . * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ قال الراغب: "قيل عُني به الأرض إذ قد جعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا كما روي في الخبر، وقيل المساجد مواضع السجود الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجلان" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ووجه الدلالة أن الله تعالى أخبر أن المساجد وهي مواضع السجود وأعضاء السجود لله ورتب على ذلك قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ
следующие страницы →