١٦٤ - شد الرحال إلى القبور والسفر إليها *
[زيارة القبور - تتبع آثار الأنبياء والصالحين المكانية]
الرجال - بالمهملة - جمع رحل، وهو للبعير كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب (١).
قال ابن سيده: "وارتحل البعير جعل عليه الرحل، ورحل رحلة شدَّ عليه أداته" (٢).
وكنَّى بشد الرحال عن السفر لأنَّهُ لازمه (٣).
وقد جاء النهي عن السفر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين. أو زيارة المواضع الفاضلة والمقصود عدم تحديد بقعة مباركة تُعمل المطي إليها بقصد القربة والمرخص فيه ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ
стр. 1087
ومسجد الأقصى (١).
وشد الرحال إلى القبور صرحت الأحاديث بالنهي عنه لأنَّهُ من الوسائل التي تفضي إلى الغلو والتعظيم فهو من الوسائل والأسباب الشركية.
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تُشَدُّ الرحال" (٣) - وفي لفظ: "لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى" (٤).
وجاء في بعض الروايات: "لا تُشَدُّ العُرى إلا إلى ثلاثة مساجد" (٥).
وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ الطُّورِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ.
стр. 1088
قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى" (١).
وعن قزعة قال: أردت الخروج إلى الطور فأتيت ابن عمر ﵄ فقلت له، فقال: "إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد إلى مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى. ودع عنك الطور ولا تأته" (٢).
* والمراد من النهي عن شد الرحال السفر إلى بقعة بذاتها تقربا إلى الله:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ بعد ذكره للحديثين السابقين: "فابن عمر، وبصرة بن أبي بصرة، جعلا الطور مما نُهي عن شد الرحال إليه؛ لأن اللفظ الذي ذكراه: في النهي عن شدها إلى غير الثلاثة، مما يُقصد به القُربة. فعُلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث.
والطور إنما يُسافر من يسافر إليه لفضيلة البُقعة، فإن الله سماه الوادي المقدس، والبقعة المباركة، وكلم كليمه موسى هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة لأربعة، وجمهور العلماء" (٣).
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: "المراد: لا يسافر إلى موضع من المواضع الفاضلة التي تقصد لذاتها ابتغاء بركتها وفضل العبادة فيها إلا إلى ثلاثة مساجد، وهذا هو الذي يدل عليه فهم الصحابيَين المذكورين، وثبت مثله عن ابن عمر ﵁ كما بيّنته
стр. 1089
في كتابي "أحكام الجنائز وبدعها"، وهو الذي اختاره جماعة من العلماء كالقاضي عياض والإمام الجويني والقاضي حسين، فقالوا: "يحرم شد الرحل لغير المساجد الثلاثة، كقبور الصالحين والمواضع الفاضلة" ذكره المناوي في "الفيض".
فليس هو رأي ابن تيمية وحده، كما يظن بعض الجهلة، وإن كان له فضل الدعوة إليه، والانتصار له بالسنة، وأقوال السلف بما لا يعرف له مثيل، فجزاه الله عنا خير الجزاء" (١).
* حكم شد الرحل لزيارة قبر النَّبِيّ ﷺ -:
لا يجوز ذلك لحديث: "لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد ... ".
وقوله ﷺ : "لا تُشَدُّ الرحال" بضم أوله بلفظ النفي، والمراد النهي عن السفر إلى غيرها.
وكنّى بشد الرحال عن السفر، لأنَّهُ لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي (٢) فهذه كلها داخلة في المعنى المذكور كما يدخل فيه وسائل السفر الحديثة من سيارات وطائرات وغيرها، ويدل عليه قول - في بعض طرقه -: "إنما يسافر" (٣).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "فدخل في النهي: شدُّها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإنما أن يكون نفيًا، وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي" (٤).
стр. 1090
والنهي جاء عن شد الرحال إليها والسفر من أجلها فذلك الذي صرحت الأحاديث به، أما زيارة القبور من دون شد الرحال إليها فقد اتفق العلماء علي أن ذلك جائز لما أخرجه مسلم في صحيحه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١). بل هو قربة إلى الله ومأمور به لقول النَّبِيّ ﷺ : "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" (٢) فالزيارة إذا كانت على الصفة الشرعية فإنها مشروعة (٣). أما ما يفعله بعض الناس من البدع الذميمة والجهالات الوخيمة حيث لا يقصد من الحج إلا زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ ووضع الأيدي على شباكه (٤) فهذا جهل وضلال.
وإليك أقوال الأئمة في النهي عن شد الرحال:
قال ابن تيمية: "وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه" (٥).
وقال المناوي: " ... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه" (٦).
وقال ابن بطة: "ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها" (٧).
وقال النووي: "واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير
стр. 1091
المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره" (١).
وقال الحافظ ابن حجر: "قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملًا بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة" (٢).
وقال ابن قدامة: "فإن سافر لزيارة القبر والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنَّهُ منهي عن السفر إليها قال النَّبِيّ ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" متفق عليه" (٣).
وقال ابن الأثير: "هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيمًا لشأنها وتشريفًا" (٤).
قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي كالسفر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى وغيره ... وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال إنه مستحب وإنما تنازعوا: هل هو منهي عنه، أو مباح؟ وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم يستحب زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ ولا إطلاق القول بأنه يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في
стр. 1092
كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون: يستحب للحاج أن يزور قبر النَّبِيّ ﷺ ... والمقصود أن كل من قصد السفر إلى المدينة فعليه أن يقصد السفر إلى المسجد والصلاة فيه كما إذا سافر إلى المسجد الحرام والمسجد الأقصى وإذا قصد السفر إلى القبر دون المسجد وجعل المسجد لا يسافر إليه إلا الأجل القبر، واعتقد أن السفر إليه تبعا للقبر كما يسافر إلى قبور سائر الصالحين ويصلي في مساجد هناك، فمن جعل السفر إلى مسجد الرسول ﷺ وقبره كالسفر إلى قبور هؤلاء والمساجد التي عندهم فقد خالف إجماع المسلمين، وخرج عن شريعة سيد المرسلين وما سنه لأمته الغر الميامين بخلاف الذي قصد المسجد" (١).
وقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف: "نص إمام الحرمين - ومثله القاضي حسين - على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في إكماله وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضًا، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مساجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة". وقال ابن سريج - من كبار أصحاب الشافعي - إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع" (٢).
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني: "والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتًا لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها
стр. 1093
والصلاة فيها" اهـ (١).
وقال السيد نعمان بن محمود الآلوسي بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية ونهاية الكلام في هذا المقام: "أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذي شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام" (٢).
وقال الإمام محمد صديق حسن القنوجي: "وقد ذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ والقاضي عياض من أئمة المالكية إلى منع السفر لزيارة القبور وكرهوها، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، والحافظ ابن قيم الجوزية، وقبلهما ابن عقيل وابن بطة من الحنابلة، وإليه ذهب إمام الحرمين أبو محمد الجويني.
وتغليط الغزالي إياه غلط لعدم تفرده بذلك، وكذلك القاضي حسين من الشافعية، وجماعة من الحنفية المتأخرة، الكائنة في هذه المائة الثالثة عشر من الهجرة الشريفة.
وقد حقق بعض أهل العلم هذه المسألة في كتابه جلاء العينين في المحاكمة بين أحمدين وذهب إلى ما هو الصواب فيها إن شاء اللهُ تعالى.
وحققها أيضًا صاحب مسك الختام في كتب ورسائل عديدة منها عون الباري والسراج الوهاج ورحلة الصديق إلى البيت العتيق وغيرها، وهي مذكورة أيضًا في النهج المقبول والبنيان المرصوص ونحوهما راجع ذلك.
وقد ذب جماعة من المحققين عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، منهم الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي ومن تبعه من علماء السنة من أهل الهند وصاحب الصارم المنكي، وصاحب القول الجلي، وغيرهما.
ولا شكَّ في أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ومن تبعه فيه ليس هو مذهبه خاصة، بل
стр. 1094
قال به قبله وبعده جماعة من أهل العلم، فالطعن عليه ﵀ خاصة في هذه المسألة وما في معناها، طعن لا يصيب إلا صاحبه، وسب لا يرجع إلا إلى قائله، وكيف يجوز هذا في شأنه؟! وإن هذا لا يجوز في حق أحد من المسلمين، كما قال ﷺ :: "سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر". و"من قال لأخيه كافرا فقد باء به إن لم يكن كذلك" (١).
وقال الألباني ﵀: "وفي هذه الأحاديث تحريم السفر إلى موضع من المواضع المباركة، مثل مقابر الأنبياء والصالحين، وهي وإن كانت بلفظ النفي "لا تُشَدَّ" فالمراد النهي كما قال الحافظ، على وزن قوله تعالى ﴿الْفَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وهو كما قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به" ... قلت (٢): ومما يشهد لكون النفي هنا بمعنى النهي رواية لمسلم في الحديث الثاني: "لا تشدوا" (٣).
ثم ذكر أقوال من تساهل في السفر لغير المساجد الثلاثة ورد عليهم مفندًا أقوالهم في كتابه النفيس أحكام الجنائز (٤).
ومما قاله ﵀: "والخلاصة: إن ما ذهب إليه أبو محمد الجويني الشافعي وغيره من تحريم السفر إلى غير المساجد الثلاثة من المواضع الفاضلة هو الذي يجب المصير إليه، فلا جرم اختاره كبار العلماء المحققين المعروفين باستقلالهم في الفهم، وتعمقهم في الفقه عن الله ورسوله أمثال شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم - رحمهم الله تعالى - فإن لهم البحوث الكثيرة النافعة في هذه المسألة الهامة، ومن هؤلاء الأفاضل الشيخ ولي الله الدهلوي، ومن كلامه في ذلك ما قال في
стр. 1095
الحجة البالغة ١/ ١٩٢: "كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسَدَّ ﷺ الفسادَ، لئلا يلحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولي من الأولياء والطور كل ذلك سواء في النهي".
ومما يحسن التنبيه عليه في خاتمة هذا البحث أنه لا يدخل في النهي السفر للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية" (١) " (٢).
قال ﵀: "وأما شد الرحال لزيارة القبور فلا يجوز، وإنما يشرع لزيارة المساجد الثلاث خاصة، لقوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" متفق على صحته. وإذا زار المسلم مسجد النَّبِيّ ﷺ دخل في ذلك علي سبيل التبعية زيارة قبره ﷺ وقبر صاحبيه وقبور الشهداء وأهل البقيع وزيارة مسجد قباء من دون شد الرحل، فلا يسافر لأجل الزيارة ولكن إذا كان في المدينة شرع له زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ وقبر صاحبيه، وزيارة البقيع والشهداء ومسجد قباء.
أما شد الرحال من بعيد لأجل الزيارة فقط فهذا لا يجوز علي الصحيح من قولي العلماء" (٣).
стр. 1096
قال الشيخ بكر أبو زيد في معرض كلامه عن ابن القيم: "فكان من الأعمال المعدودة من باب القربات: شد الرحال إلى قبر الخليل - فأنكر ابن القيم ذلك ونعي علي معاصريه عامتهم وخاصتهم وبين أن شد الرحال له من الأمور المنكرة في الدين والبدع المخالفة للصراط المستقيم فأحدث ذلك صراعا عجيبًا أوذي وسجن بسببه وفي ذلك يقول ابن رجب: "وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحال إلى قبر الخليل"" (١).
* أدلة المجيزين لاستحباب السفر لزيارة القبر:
استدل المجيزون للسفر إلى مجرد قصد زيارة القبر الشريف بأحاديث عديدة وهي إما موضوعة أو ضعيفة جدًّا لا تقوم بها حجة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ كلها ضعيفة، باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة النبوية - الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة - كره أن يقول الرجل: "زرت قبر النَّبِيّ ﷺ (ولو كان هذا اللفظ مشروعا عندهم، أو معروفا مأثورا عن النَّبِيّ ﷺ لم يكرهه عالم المدينة، والإمام أحمد - أعلم الناس في زمانه بالسنة - لما سئل عن ذلك - أي عن زيارة قبر النَّبِيّ ﷺ - لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله روحي حتى أردّ ﵇" (٣) وعلي هذا اعتمد أبو داود في سننه ... إلخ" (٤).
стр. 1097
وذكر - رحمه الله تعالى - في موضع آخر أمثلة ما يروى من تلك الأحاديث فقال: "ومنها حديث: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي". مثل ما يروون أنه قال ﷺ : "من زارني بعد مماتي كنت له شفيعا يوم القيامة" ... إلى أن قال: فهذه الأحاديث وما أشبهها كلها كذب موضوع علي النَّبِيّ ﷺ لم يثبت عنه لفظ واحد في زيارة قبره. وقال: كيف يكون زائر قبره كالمهاجر إليه في حياته؟ فإنما زيارته في حياته إنما شرعت لمن يأتي ويبايعه علي الإسلام والجهاد أو يطلب منه العلم، أو نحو ذلك من المقاصد المأمور بها في حياته، التي لا يحصل شيء منها بزيارة قبره" (١).
قال ابن باز ﵀: "ولو كان شيء من هذه الأحاديث ثابتًا لكان الصحابة ﵃ أسبق الناس إلى العمل به، وبيان ذلك للأمة ودعوتهم إليه، لأنهم خير الناس بعد الأنبياء، وأعلمهم بحدود الله وبما شرعه لعباده، وأنصحهم الله ولخلقه فلما لم يُنقل عنهم شيء من ذلك دل علي أنه غير مشروع" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة وغيرهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانًا" (٣).
ومن أدلة المجيزين ما يروونه من (أن بلالًا ﵁ رأى النَّبِيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو في الشام في منامه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟!، فانتبه حزينًا خائفا فركب راحلته وقصد المدينة) قال الحافظ
стр. 1098
ابن حجر في اللسان (١): "هذه قصة بينة الوضع" (٢).
قال الحافظ ابن عبد الهادي: "الأثر المذكور عن بلال ليس بصحيح" (٣).
وقال الذهبي: "إسناده ليّن وهو منكر" (٤).
* مسألة في حكم شد الرحال لزيارة الأهرامات:
سُئل الشيخ ابن جبرين عن زيارة مقابر الكفار كالأهرامات بمصر حيث يوجد بها مقابر الفراعنة وآثارهم فأجاب ﵀ بقوله: "لا يجوز شد الرحال إليها، ولو كان ذلك للاعتبار والتذكر، ولكن إذا كان هناك في مصر؛ أي: أتاها من غير شد رحل للاعتبار والنظر في آثار من قبلنا .. فلا مانع من ذلك إن شاء الله، ولو كان فيها قبور المشركين؛ لأن لم يقصد بزيارته تعظيم القبور" (٥).
١٦٥ - شروط "لا الله إله الله "
انظر باب: (لا إله إلا الله)
стр. 1099
١٦٦ - الشرك *
الشرك لغة: يطلق على التسوية والنصيب والمخالطة وحبالة الصائد، ذكر صاحب مقاييس اللغة أن مادة "الشرك" المكونة من حرف "الشين والراء والكاف" لها أصلان:
أحدهما: يدل علي مقارنة وخلاف وانفراد، والآخر يدل علي امتداد واستقامة.
فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ويقال في الدعاء: "اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين" أي اجعلنا لهم شركاء في ذلك.
стр. 1100
وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشراك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمى ذلك لامتداده" (١).
وقال الأزهري في تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار" (٢).
وقال الراغب: "الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا، عينا كان ذلك الشيء، أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية" (٣).
وقال في اللسان: "الشركة والشركة سواء" مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى: تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء" (٤).
وقال الرازي: "والشَّرَك بفتحتين حبالة الصائد الواحدة منها شركة" (٥).
وفي الشرع: قال شيخ الإسلام: "أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده" (٦).
وقد عرفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بقوله: "هو أن يدعو مع الله غيره أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها" (٧).
ويمكن أن يعرف بأنه مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله (٨).
стр. 1101
قل ابن القيم ﵀: "حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله ﷺ ؛ فعكس من نكس الله قلبه، وأعمى عين بصيرته، وأركسه بكسبه، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيما وطاعة: فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا - فضلا عن غيره - شبيها لمن له الأمر كله، فأزِمَّة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات" (١).
قال الشيخ السعدي: ﵀ "حقيقة الشرك بالله أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يُعظّم كما يُعظّم الله، أو يُصرف له نوع من خصائص الربوبية والألوهية" (٢).
*الدليل من الكتاب: قال الله تعالى ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
فوائد ومسائل:
١ - فائدة: قرر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أن أعظم ما نهى الله عنه الشرك وأعظم ما أوجبه التوحيد (٣).
стр. 1102
قال ابن عثيمين معلقًا على ذلك: "وذلك لأن أعظم الحقوق هو حق الله فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق وهو توحيد الله" (١).
٢ - أقسام الشرك:
الشرك أقسام متعددة فمن نظر إلى الشرك عموما فإنه يُقَسِّمه على حسب أنواع التوحيد الثلاثة فيقال شرك في الألوهية وشرك في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات (٢).
ومن نظر إلى شرك الألوهية فإنه يقسمه إلى: "أكبر وأصغر" (٣). ومنهم من يقسمه إلى ثلاثة أقسام: "أكبر وأصغر وخفي" وهو المشهور (٤).
وهذه كلها تقسيمات وأنواع بحسب مراد المتكلّم منها وأوصلها بعضهم إلى أربعة عشر نوعا وبعضهم إلى أكثر من ذلك.
وقَسَّمه ابن القيم ﵀ فقال: "شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله وشرك في عبادته ومعاملته وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والشرك الأول نوعان:
أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك.
الثاني: شرك من جعل مع االله إلها آخر ولم يعطل أسمائه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة وأما الشرك في العبادةِ فينقسم إلى مغفور وغير مغفور وأكبر وأصغر ثم فصل في أنواع الشرك التابعة لذلك وهي كالتالي:
стр. 1103
- شرك في الأفعال كالسجود لغير الله والطواف بغير بيته.
- شرك في اللفظ كالحلف بغير الله وقول: ما شاء الله وشئت.
- شرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له" (١).
وقسمه شيخ الإسلام (٢) وتبعه ابن سعدي - رحمهما الله - إلى نوعين: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية، فقال ابن سعدي: "الشرك نوعان: شرك في ربوبيته تعالى كشرك الثانوية المجوس الذين يعتقدون مع الله خالقًا، وشرك في ألوهيته كشرك سائر المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، ويصرفون له شيئًا من العبادة ويشركون بينه وبين المخلوقين، ويسموونهم بالله في خصائصه التي لا يوصف بها غيره" (٣).
وسوف أقتصر على ذكر الأقسام الثلاثة المتعلقة بشرك الألوهية وهي:
١ - الشرك الأكبر. انظر باب (الشرك الأكبر).
٢ - الشرك الأصغر. انظر باب (الشرك الأصغر).
٣ - الشرك الخفي. انظر باب (الشرك الخفي).
وأتبعته بشرك التسمية. وجعلت لكل نوع منها بابًا مستقلًا.
٣ - سبب أول شرك حصل في بني آدم:
تقدم في باب "التصوير" أن أول شرك حصل من بني آدم سببه هو الغلو في الصالحين وقبورهم (٤).
قال شيخ الإسلام: "وأصل الشرك في بني آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوَّروا تماثيلهم ثم عبدوهم فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح فإنه أول رسول بعث إلى أهل
стр. 1104
الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ (١).
وقال الشيخ السعدي عند ذكره لقصة نوح: "مكث البشر بعد آدم قرونا طويلة وهم أمة واحدة على الهدى، ثم اختلفوا وأدخلت عليهم الشياطين الشرور المتنوعة بطرق كثيرة فكان قوم نوح قد مات منهم أناس صالحون فحزنوا عليهم فجاءهم الشيطان فأمرهم أن يصوروا تماثيلهم ليتسلوا بهم وليتذكروا بها أحوالهم، فكان هذا مبتدأ الشر.
فلما هلك الذين صوروهم لهذا المعنى جاء من بعدهم وقد اضمحل العلم فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا؛ قد كانوا أولوكم يدعونهم ويستشفعون بهم، وبهم يسقون الغيث وتزول الأمراض، فلم يزل بهم حتى انهمكوا في عبادتهم على رغم نصح الناصحين" (٢).
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]: "وهذه أسماء رجال صالحين لما ماتوا زين الشيطان لقومهم أن يصورهم لينشطوا بزعمهم على الطاعة إذا رأوها، ثم طال الأمد وجاء غير أولئك فقال لهم الشيطان إن أسلافكم كانوا يعبدونهم ويتوسلون بهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم" (٣).
٤ - فائدة معرفة الشرك:
أخرج البخاري ومسلم وغيرهم عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه قال "كان الصحابة يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني" (٤).
стр. 1105
وهذا المعنى تمثل به أحد الشعراء بقوله:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه
وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إذا لم يعرف - الإنسان - من الشرك ما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شر منه، فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة" (١).
ومن هنا يتلخص لنا أن في معرفة الشرك الحذر من الوقوع فيه والمحافظة علي الدين والتوحيد وإذا عرف الشرك وظهر له بطلانه، عرف ضده وهو التوحيد بل لا يعرف العبد حقيقة التوحيد وفضله حتى يعرف ضده، وهو الشرك، كما قيل:
فالضد يظهر حسنه الضد .. وبضدها تتبين الأشياء (٢)
٥ - الفرق بين الكفر والشرك:
اختلف العلماء في الفرق بينهما؛ فقيل: إن بينهما اختلافًا. وقيل: إنهما اسمان لمسمى واحد (٣).
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "والشرك والكفر: قد يطلقان بمعنى واحد، وهو الكفر بالله، واسم لمن لا إيمان له؛ وقد يفرق بينهما، فيخص الشرك بقصد الأوثان، وغيرها من المخلوقات، مع الاعتراف بالله، فيكون الكفر أعم" (٤).
ويظهر الاختلاف بينهما في اللغة، حيث يطلق الكفر علي الستر والتغطية، أما
стр. 1106
الشرك فيطلق على التسوية (١).
قال الراغب: "الشركة والمشاركة خلط الملكين وقيل هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا عينا كان ذلك الشيء أو معنى كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية" (٢).
وبالنظر إلى ما يقابل الكلمتين يظهر الاختلاف أيضًا فإن الشرك يقابله التوحيد أما الكفر فنقيض الإيمان وكذلك يقابل الكفر الشكر. قال تعالي: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] وقال تعالى ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
وقال الرازي: "الكفر ضد الإيمان" (٣).
وقال الراغب: "والكفار في جمع الكافر المضاد للإيمان أكثر استعمالًا" (٤)، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧].
وظاهر القرآن التفريق بينهما قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١].
قال الراغب في معرض كلامه عن المشركين: "وقيل هم من عدا أهل الكتاب لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... ﴾
стр. 1107
[الحج: ١٧] أفرد المشركين عن اليهود والنصارى" (١).
ومن أشرك بالله فقد كفر بالأوامر. قال الرازي: "والشرك أيضًا الكفر" (٢).
وقال الراغب: "يقال: أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر" (٣).
قال ابن حزم: "واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارا. واختلفوا في تسميتهم مشركين" (٤).
ثم نص القول في تسميتهم مشركين في كتابه، وبين أن قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ والرمان من الفاكهة.
والخلاصة أن الكفر أشمل من الشرك فكل شرك كفر وليس كل كفر شركًا. ومن أمثلة ذلك الاستهزاء برسول الله ﷺ أو القرآن فإنه كفر وليس شركا كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. والكفر يطلق على الجحود، والإلحاد، والنفاق، والاستكبار، والاستحلال والإعراض فهذه كلها داخلة في الكفر.
أما الأمور الشركية كعبادة غير الله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ودعائهم من دون الله، وطلب الحوائج منهم، وعبادتهم عبادة كاملة مع نسيان الله بالكلية فهذا يطلق عليه شرك وكفر. قال العسكري في الفروق: "الكفر يقع على ضروب
стр. 1108
من الذنوب، فمنها: الشرك بالله، ومنها الجحد للنبوة، ومنها استحلال ما حرم الله، وهو راجع إلى جحد النبوة وغير ذلك مما يطول الكلام فيه وأصله التغطيه" (١).
قال ابن سعدي ﵀: "الكفر أعم من الشرك فمن جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه بلا تأويل فهو كافر سواء كان كتابيًا أو مجوسيًا أو وثنيًا أو ملحدًا، أو مستكبرًا أو غيرهم، وسواء كان معاندًا أو كافرًا، ضالًا أو مقلدًا" (٢).
وقال ابن باز ﵀: "ومن الشرك أن يعبد غير الله عبادة كاملة، فإنه يسمى شركا ويسمي كفرا، فمن أعرض عن الله بالكلية وجعل عبادته لغير الله كالأشجار أو الأحجار أو الأصنام أو الجن أو بعض الأموات من الذين يسمونهم بالأولياء يعبدهم أو يصلي لهم أو يصوم لهم وينسى الله بالكلية فهذا أعظم كفرا وأشد شركا، نسأل الله العافية" (٣).
стр. 1109
١٦٧ - الشرك الأصغر *
هو: "ما أتى في النصوص أنه شرك، ولم يصل إلى حدّ الشرك الأكبر" (١).
وعرفه الشيخ السعدي بأنه: "كل وسيلة يتوسل بها ويتطرق بها إلى الشرك الأكبر بشرط أن لا يبلغ مرتبة العبادة كالحلف بغير الله والرياء والتصنع للمخلوقين ونحو ذلك من الأقوال والأفعال المؤدية إلى الشرك" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "الشرك الأصغر هو كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة" (٣).
قالت اللجنة الدائمة في تعريف الشرك الأصغر بأنه: "كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركًا" (٤).
стр. 1110
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
* الدليل من السنة: حديث مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ" قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصغر يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الرِّيَاء، يَقُولُ الله لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بأعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" (١).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: ﷺ : "قَال الله تَبَارَكَ وَتعالي: أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ" (٢).
وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار" (٣).
أحكام وفوائد:
١ - يعرف الشرك الأصغر بأمور منها:
أولًا: صريح النص عليه، كقوله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء" (٤).
ثانيًا: أن يأتي منكّرا غير معرّف، فإن جاء معرّفا بـ "ال" دل على أن المقصود به الشرك المخرج من الملّة. ومن ذلك قوله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٥) " (٦).
стр. 1111
فائدة:
من الشرك الأصغر ما يكون شركا أكبر بحسب قائله ومقصد ه، فمثلا الحلف بغير الله تعالى في حد ذاته من الشرك الأصغر (شرك الألفاظ) لكن إن قصد قائله تعظيم غير الله تعالى كتعظيم الله مثلا فهذا شرك أكبر.
٢ - أضرار الشرك الأصغر:
من أضراره عموم الوعيد الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "يجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر لأن قوله ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر تقديره "إشراكًا به" فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم" (١).
ومن أضراره أنه يُضاد الإخلاص ولا يتم التوحيد إلا بالإخلاص. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، قال الشيخ السعدي ﵀: "فلا يتم للعبد توحيد حتى يتبرأ من الشرك كله جليه وخفيه ظاهره وباطنه الأقوال منه والأفعال، وتكون أعماله كلها خالصة متبعا سنة رسول الله ﷺ " (٢).
ومن أضراره أنه وسيلة قد تؤدي بصاحبها إلى الشرك الأكبر.
ومن أضراره أنه يبطل ثواب العمل (٣)، يقول تعالى - في الحديث القدسي -: "أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (٤).
стр. 1112
٣ - الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر:
أولًا: الأكبر لا يغفر الله لصاحبه، وأما الأصغر فقد اختلف فيه، فقيل: إنه تحت المشيئة. وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذبه الله عليه لكن لا يخلد في النار.
ثانيًا: الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
ثالثًا: أن الأكبر مخرج عن الملة، وأما الأصغر فلا يخرج منها ولذا فمن أحكامه أن يعامل معاملة المسلمين. فيناكح، وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
رابعًا: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار إن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر (١).
قال الشيخ السعدي ﵀: "اعلم أن الشرك الأكبر، والشرك الأصغر يفترقان في أحكام كثيرة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع: يفترقان في حدهما: أما الشرك الأكبر فهو صرف نوع من العبادة لغير الله تعالى فكل ما ثبت في الكتاب والسنة من العبادات إذا صرف العبد منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر.
وأما حد الشرك الأصغر فهو كل وسيلة يخشى أن توصل صاحبها إلى الشرك الأكبر كالحلف بغير الله، وكالرياء والسمعة وكالغلو في المخلوق الذي لا يصل إلى رتبة عبادته فهذا هو أصل الفروق بينهما.
الفرق الثاني والثالث: أن الشرك الأكبر محكوم على صاحبه بالكفر والخروج من الإسلام، ومحكوم عليه أيضًا بالخلود في النار، وتحريم دخول الجنة.
وأما الشرك الأصغر فهو بخلاف ذلك في الحكمين فإنه لا يحكم على صاحبه بالكفر ولا الخروج من الإسلام، ولا يخلد في النار إذا لم يفعل مكفرا آخر.
стр. 1113
فهذه الأحكام الثلاثة وما يترتب عليها من التفريعات المبنية عليها لم يختلف فيها أهل العلم لأن نصوص الكتاب والسنة فيها كثيرة قاطعة صريحة" (١).
٤ - حكم مرتكب الشرك الأصغر:
تبين مما سبق أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة ولا يخلد صاحبه في النار وقد ذكر العلماء في حكم مرتكبه قولين:
* القول الأول: أن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... ﴾ [النساء:١١٦]. وهذه الآية قال عنها بعض أهل العلم أنها تشمل كل شرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره، وأما بالنسبة لكبائر الذنوب كالخمر والزنى فإنها تحت المشيئة إن شاء الله غفرها وإن شاء أخذ بها.
وقد تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة ولكن اختلف كلامه فيها، قال الشيخ ابن عثيمين عن ذلك: "فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر" (٢).
وذكر أنه استدل على أن "الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر؛ لعموم قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ و ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأن مؤول بمصدر تقديره: شركًا به، وهو نكرة في سياق النفي؛ فيفيد العموم" (٣).
وبالنظر إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نجده يقول:
"وأعظم الذنوب عند الله الشرك به، وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، والشرك منه جليل ودقيق، وخفي وجلي" (٤).
стр. 1114
ويقول بعبارة صريحة: "وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى القرآن، وإن كان صاحب الشرك يموت مسلما، لكن شركه لا يغفر له، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة" (١).
* القول الثاني: أن الشرك الأصغر داخل تحت المشيئة، ويكون المراد بقوله: "أن يشرك به" الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر؛ فإنه يغفر لأنه لا يخرج من الملة، وكل ذنب لا يخرج من الملة؛ فإنه تحت المشيئة، وهذا القول لا يقلل من أهميته؛ فصاحب الشرك الأصغر على خطر، وهو أكبر من كبائر الذنوب، قال ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا" (٢).
ويفهم من عبارات ابن القيم أن الشرك الأصغر تحت المشيئة، حيث يقول ﵀: "فأما نجاسة الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة، ونجاسة مخففة فالمغلظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء" (٣).
ويقول: "الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه" (٤) إلى أن يقول: "وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للمخلوق" (٥).
وقد بحث العّلامة السعدي هذه المسألة فقال ﵀: "من لحظ إلى عموم الآية -
стр. 1115
يعني قوله تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وأنه لم يخص شركًا دون شك، أدخل فيها الشرك الأصغر، وقال إنه لا يغفر، بل لا بد أن يعذب صاحبه، لأن من لم يغفر له لابد أن يعاقب، ولكن القائلين بهذا لا يحكمون بكفره، ولا بخلوده في النار، وإنما يقولون: يعذب عذابا بقدر شركه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة.
وأما من قال: إن الشرك الأصغر لا يدخل في الشرك المذكور في هذه الآية، وإنما هو تحت المشيئة فإنهم يحتجون بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] فيقولون: كما أنه بإجماع الأئمة أن الشرك الأصغر لا يدخل في تلك الآية، وكذلك لا يدخل في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لأن العمل هنا مفرد مضاف، ويشمل الأعمال كلها، ولا يحبط الأعمال الصالحة كلها إلا الشرك الأكبر.
ويؤيد قولهم أن الموازنة بين الحسنات والسيئات التي هي دون الشرك الأكبر، لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع.
قالوا: وإذا فارق الشرك الأكبر في تلك الأحكام السابقة بأنه لا يحكم عليه بالكفر والخروج من الإسلام ولا بالخلود في النار، فارقه في كونه مثل الذنوب التي دون الشرك وأنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه؛ ولأن مشاركته للكبائر في أحكامها الدنيوية والأخروية أكثر من مشاركته للشرك الأكبر ويؤيد قولهم أن الموازنة واقعة بين الحسنات وبين السيئات التي هي دون الشرك الأكبر لأن الشرك الأكبر لا موازنة بينه وبين غيره فإنه لا يبقى معه عمل ينفع.
وأما السيئات التي دونه فيقع بينها الموازنة من رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة بلا عذاب، ومن رجحت سيئاته على حسناته، استحق دخول النار بقدر ذنوبه، ومن تساوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف الذين مآلهم إلى دخول
стр. 1116
الجنة، ولكن الأولون قد يجيبون عن هذا بأنه قد يعذب صاحب الشرك الأصغر قبل الموازنة، إما في البرزخ، وإما قبل ذلك أو بعده في عرصات القيامة، فيقول الآخرون: وكذلك الكبائر قد يعذب صاحبها قبل الموازنة فتسقط الموازنة بها فلا يختص بذلك الشرك الأصغر، ومن تأمل الأدلة من الكتاب والسنة أمكنه أن يعرف الراجح من القولين" (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن القاسم ﵀: "ومن المعلوم بالضرورة من الدين المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات علي الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من ﵀، ويخلد في النار أبد الآبدين. وأن من مات لا يشرك بالله شيئًا يدخل الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحن، وأما الشرك الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وما لي إلا الله وأنت ونحو ذلك فيطلق عليه الشرك كما في حديث "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". ونحو ذلك، ولكن لا يخرج بذلك من الملة بالكلية، ولا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فهو أخف من الأكبر، وقد يكون أكبر بحسب حال قائله ومقصده" (٢).
ويخشى على صاحب الشرك الأصغر أن يأتي بعد ذلك بسيئات تنضم إلي ذلك الشرك فيكبر شركه الأصغر حتى ترجح به سيئاته فيدخل النار.
قال شيخ الإسلام: "فإن قالها - يعني: لا إله إلا الله - على وجه الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر؛ فهذا غير مصر علي ذنب أصلًا فيغفر له ويحرم علي النار.
وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فيرجع بها ميزان
стр. 1117
الحسنات، كما في حديث البطاقة (١). فيحرم على النار، لكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه.
وهذا خلاف من رجحت سيئاته حسناته، ومات، فإنه يستوجب النار، وإن كان قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل قالها وأتى بعدها بسيئات رجحت على هذه الحسنات، فإنه في حال قوله لها مخلصا مستيقنا بها قلبه تكون حسناته راجحة، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات قبل دخل الجنة.
ولكن بعد ذلك قد يأتي بسيئات راجحة، ولا يقولها بالإخلاص واليقين المانع من جميع السيئات ومن الشرك الأكبر والأصغر، بل يبقى معه الشرك الأصغر، ويأتي بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين فيضعف بسبب ذلك قول: لا إله إلا الله؛ فيمتنع الإخلاص في القلب فيصير المتكلم بها كالهاذي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن يختبر بها من غير ذوق طعم ولا حلاوة.
فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل قد يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين الضعيف، وقد يقولونها من غير يقين وصدق تام، ويموتون
стр. 1118
علي ذلك ولهم سيئات كثيرة. فالذي قالها بيقين وصدق تام: إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين دخلوا النار قد فات فيهم أحد الشرطين، إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافي للسيئات أو لرجحانها علي الحسنات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت علي حسناتهم فضعف لذلك صدقهم ويقينهم، فلم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين يمحو سيئاتهم، أو يرجح حسناتهم.
فقول السلف في قوله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] هي قول: لا إله إلا الله كما قالوا وكما بين ذلك رسول الله ﷺ إذا قالها بصدق ويقين ومات علي ذلك، فإن هذا يكون قائمًا بالواجب، وتكون حسناته راجحة، والسيئة التي من جاء بها كبّ وجهه في النار هي الشرك، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والموجبتان: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. ومن يشرك به شيئًا دخل النار.
وكثير من الناس، أو أكثرهم يدخل في الإيمان والتوحيد، ثم ينافق من جهة كسب الذنوب ورينها على القلوب، أو يدخل في نوع من الشرك والنفاق.
والشرك نوعان: أكبر، وأصغر. فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الشرك الأكبر وجبت له النار، ومن خلص من الأكبر وحصل له بعض الأصغر مع حسنات راجحة علي ذنوبه دخل الجنة، فإن تلك الحسنات هي توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر، ومن خلص من الشرك الأكبر، ولكن كبر شركه الأصغر حتى رجحت به سيئاته دخل النار.
فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر، أو كان كثيرا أصغر، فالأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به، والخلاص من الأكبر ومن أكثر الأصغر
стр. 1119
الذي يجعل السيئات راجحة على الحسنات فصاحبه ناج، ومن نجا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ورجحت حسناته علي سيئاته دخل الجنة" (١).
٥ - أمثلة الشرك الأصغر وصوره:
الشرك الأصغر قد يكون ظاهرًا جليًا، وربما كان خفيًا دقيقًا، كما أنه يكون في الإرادات والنيات، ويكون في الأقوال والأفعال قال ابن القيم: "وأما الشرك الأصغر؛ فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده" (٢).
стр. 1120
١٦٨ - الشرك الأكبر *
هو أن يجعل الإنسان الله ندًّا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته (١) وهو من أعظم ما نهى الله عنه وأشد أنواع الظلم وأكبر الكبائر - نعوذ بالله منه -.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ "الشرك الأكبر وهو كل شرك أطلقه الشارع وكان متضمنا لخروج الإنسان عن دينه" (٢).
قال السعدي ﵀: "الشرك المناقض لتوحيد الألوهية نوعان: جلي ظاهر مخرج من دائرة الإسلام وهو الشرك الأكبر، وهذا النوع لا يقبل الغفران قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وتفسيره: أن يتخذ العبد الله ندا يحبه كمحبة الله أو يرجوه أو يخافه كخوْفه من الله، أو يدعوه أو يصرف له نوعا من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة. وفي هذا المقام لا فرق بين الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين والطالحين والأشجار والأحجار وغيرها
стр. 1121
فمن صرف لشيء منها نوعا من العبادة فهو مشرك كافر قد سواها بربه في هذا الحق الذي يختص به، فإن العبودية لا حق فيها لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غيرهما، بل هم مفتقرون غاية الافتقار إلى تألههم وتعبدهم الله" (١).
وقال ﵀: "حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله" (٢).
* الدليل من الكتاب: قال الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان.١٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء.٨٤] وقال تعالى: ﴿يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء.١١٦]، وقال : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام. ٨٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
* أقسام الشرك الأكبر (٣):
أنواع الشرك الأكبر المتعلق بالألوهية والعبادة أربعة أنواع:
النوع الأول: شرك الدعوة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
النوع الثاني: شرك النية وهي الإرادة والقصد، والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ
стр. 1122
يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود.١٥ - ١٦].
النوع الثالث: شرك الطاعة، والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لا دعاؤهم إياهم. كما فسرها النَّبِيّ ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية. فمن أطاع المخلوقين في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله واعتقد ذلك بقلبه مع علمه بأنه مخالف للدين فقد اتخذهم أربابًا من دون الله وأشرك به الشرك الأكبر (١).
النوع الرابع: شرك المحبة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة. ١٦٥ - ١٦٧].
* أضرار الشرك الأكبر:
١ - أنه أعظم الظلم علي الإطلاق كما قال الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان.١٣].
٢ - أنه يحبط العمل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام.٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى لرسوله ﷺ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
стр. 1123
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
٣ - أن صاحبه خالد مخلد في النار ولا يغفر الله له إلا بالتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
٤ - أنه حلال الدم والمال (١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وقوله ﷺ "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني في ماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابُهم علي الله" (٢).
قال ابن جرير الطبري ﵀ "وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان" (٣).
وقال ابن حجر ﵀: "قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصان الدم" (٤).
стр. 1124
٥ - وتحرم مناكحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. كما تحرم ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ويستثنى أهل الكتاب، فحرائر نسائهم العفيفات (١)، وذبائحهم حلال لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
٦ - كما أن المشرك لا يرث ولا يورث بل ماله لبيت المال ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
стр. 1125
١٦٩ - الشرك الخفي *
هو أن يعمل الرجل لمكان الرجل، وهو الرياء أيضًا (١)
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "سمي الرياء شركا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي، وفي حديث محمود بن لبيد (٢) الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر.
وعن شداد بن أوس قال: "كنا نعد الرياء علي عهد رسول الله ﷺ ، الشرك الأصغر" (٣) " (٤).
وهو كما علمت غير مخرج من الملة، ولكن تجب التوبة منه. وهو النوع الثالث من أنواع الشرك.
* الدليل من السنة: في الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال الرياء" (٥).