← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فمن صرف لشيء منها نوعا من العبادة فهو مشرك كافر قد سواها بربه في هذا الحق الذي يختص به، فإن العبودية لا حق فيها لملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غيرهما، بل هم مفتقرون غاية الافتقار إلى تألههم وتعبدهم الله" (١). وقال ﵀: "حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله" (٢). * الدليل من الكتاب: قال الله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان.١٣] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء.٨٤] وقال تعالى: ﴿يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء.١١٦]، وقال : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام. ٨٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. * أقسام الشرك الأكبر (٣): أنواع الشرك الأكبر المتعلق بالألوهية والعبادة أربعة أنواع: النوع الأول: شرك الدعوة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. النوع الثاني: شرك النية وهي الإرادة والقصد، والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ

стр. 1122

يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود.١٥ - ١٦]. النوع الثالث: شرك الطاعة، والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لا دعاؤهم إياهم. كما فسرها النَّبِيّ ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية. فمن أطاع المخلوقين في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله واعتقد ذلك بقلبه مع علمه بأنه مخالف للدين فقد اتخذهم أربابًا من دون الله وأشرك به الشرك الأكبر (١). النوع الرابع: شرك المحبة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة. ١٦٥ - ١٦٧]. * أضرار الشرك الأكبر: ١ - أنه أعظم الظلم علي الإطلاق كما قال الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان.١٣]. ٢ - أنه يحبط العمل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام.٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى لرسوله ﷺ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ

стр. 1123

أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ٣ - أن صاحبه خالد مخلد في النار ولا يغفر الله له إلا بالتوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. ٤ - أنه حلال الدم والمال (١)، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. وقوله ﷺ "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني في ماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابُهم علي الله" (٢). قال ابن جرير الطبري ﵀ "وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان" (٣). وقال ابن حجر ﵀: "قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصان الدم" (٤).

стр. 1124

٥ - وتحرم مناكحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. كما تحرم ذبيحته لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ويستثنى أهل الكتاب، فحرائر نسائهم العفيفات (١)، وذبائحهم حلال لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ٦ - كما أن المشرك لا يرث ولا يورث بل ماله لبيت المال ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.

стр. 1125

١٦٩ - الشرك الخفي * هو أن يعمل الرجل لمكان الرجل، وهو الرياء أيضًا (١) قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "سمي الرياء شركا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي، وفي حديث محمود بن لبيد (٢) الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر. وعن شداد بن أوس قال: "كنا نعد الرياء علي عهد رسول الله ﷺ ، الشرك الأصغر" (٣) " (٤). وهو كما علمت غير مخرج من الملة، ولكن تجب التوبة منه. وهو النوع الثالث من أنواع الشرك. * الدليل من السنة: في الحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال الرياء" (٥).

стр. 1126

وعن أبي بكر ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ لما قال: "الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل" قال: قلنا: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله أو دُعي مع الله؟ قال: "ثكلتك أمك يا صديق، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبركم بقول يذهب صغاره وكباره - أو صغيره وكبيره؟ - " قلت: بلى يا رسول الله. قال: "تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلم، والشرك أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان" (١). وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قال: قلنا: بلي، قال: "الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل" (٢). * العلاقة بين الشرك الخفي والشرك الأصغر: بعض العلماء يجعل الشرك الخفي قسمًا مستقلًا، وبعضهم يجعله من أقسام الشرك الأصغر، وفي حديث محمود بن لبيد سمى الرياء الشرك الأصغر، وقد جاءت نقول عن العلماء تبين أنه من الشرك الأصغر ذكر ذلك إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب حين قال: "الثالثة: أي الرياء من الشرك الأصغر" (٣). وقرر ذلك الشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (٤). وظاهر كلام السعدي ﵀

стр. 1127

أن الخفي مرادف للأصغر حيث قال: "والشرك في توحيد الإلهية والعبادة ينافي التوحيد في كل المنافاة وهو نوعان: شرك أكبر جلي، وشرك أصغر خفي" (١). أما الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ فيرى أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، قال ﵀: "وهناك شرك يقال له: الشرك الخفي، ذكر بعض أهل العلم أنه قسم ثالث، واحتج عليه ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ " قالوا: بلي يا رسول الله. قال: "الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه". خرجه الإمام أحمد. والصواب: أن هذا ليس قسمًا ثالثًا، بل هو من الشرك الأصغر، وهو قد يكون خفيًا؛ لأنَّهُ يقوم بالقلوب، كما في هذا الحديث، وكالذي يقرأ يُرائي، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يرائي، أو يجاهد يرائي، أو نحو ذلك. وقد يكون خفيًا من جهة الحكم الشرعي بالنسبة إلى بعض الناس كالأنواع التي في حديث ابن عباس السابق. وقد يكون خفيًا وهو من الشرك الأكبر، كاعتقاد المنافقين، فإنهم يراءُون بأعمالهم الظاهرة، وكفرهم خفي لم يظهروه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣] والآيات في كفرهم وريائهم كثيرة، نسأل الله العافية. وبما ذكرنا يعلم أن الشرك الخفي لا يخرج عن النوعين السابقين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وإن سمي خفيًا: فالشرك يكون خفيًا ويكون جليًا.

стр. 1128

فالجلي: دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم، ونحو ذلك. والخفي: ما يكون في قلوب المنافقين يصلون مع الناس، ويصومون مع الناس، وهم في الباطن كفار يعتقدون جواز عبادة الأوثان والأصنام، وهم على دين المشركين، فهذا هو الشرك الخفي؛ لأنَّهُ في القلوب. وهكذا الشرك الخفي الأصغر، كالذي يقصده بقراءته ثناء الناس، أو بصلاته أو بصدقته أو ما أشبه ذلك، فهذا شرك خفي، لكنه شرك أصغر. فاتضح بهذا أن الشرك شركان: أكبر، وأصغر، وكل منهما يكون خفيًا: كشرك المنافقين، وهو أكبر، ويكون خفيًا أصغر كالذي يقوم يرائي في صلاته أو صدقته أو دعائه الله، أو دعوته إلى الله أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر أو نحو ذلك" (١).

стр. 1129

١٧٠ - شرك التسمية * من تمام الشكر ألا يُعبَّد الاسم إلا لله وتعبيد الاسم لغير الله حرام وشرك ينافي كمال التوحيد. * ومن الأدلة على شرك الطاعة: قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]. * معنى قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: ذكر المفسرون عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعنني أو لأجعلنّ له قرني أيّل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يُخوِّفُهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا. ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حُبُّ الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ " (١). وقال عكرمة: "ما أشرك آدم ولا حواء وكان لا يعيش لهما ولد فأتاهما الشيطان فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فهو قوله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ " (٢).

стр. 1130

وقال قتادة: "كان آدم ﵇ لا يولد له ولد إلا مات، فجاءه الشيطان فقال: إن سرك أن يعيش ولدك هذا فسمه عبد الحارث، ففعل قال: فأشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة" (١). وقال أيضًا: "شركًا في طاعته ولم يكن شركًا في عبادته" (٢). وقال مجاهد: "كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا وأطاعاه فذلك قول الله ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (٣). وذكر ابن جرير الطبري قولًا آخر فقال: "وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم جعلا الله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد، وقالوا معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها - أي هذا الرجل الكافر - حملت حملًا خفيفًا فلما أثقلت دعوتما الله ربكما، قالوا: وهذا مما ابتديء به الكلام على وجه الخطاب، ثم رد إلى الخبر عن الغائب كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾. ثم ذكر من قال ذلك - وهو الحسن البصري - وعقب عليه بقوله: قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب قول من قال عنى بقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ في الاسم لا في العبادة، وأن المعني بذلك آدم وحواء لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك" (٤).

стр. 1131

وممن أبطل القصة أو قال أن الآية عائدة إلى بني آدم: ابن حزم وابن كثير في تفسيره وابن القيم وابن عثيمين وغيرهم. وقال ابن كثير في التفسير: "وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء" (١). وقال ابن القيم ﵀ " ... فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس، فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمِّياه عبد الحارث، ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك" (٢). ويذكر الإمام ابن القيم الاستطراد في القرآن ويتعرض له في كتبه ذاكرًا من أمثلته آدم وحواء فيقول: " ... بل هذا استطراد من الشيء إلى نظيره وشبهه ولازمه وله نظائر في القرآن كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ إلى آخر الآية، فاستطرد من الشخص المخلوق من الطين وهو آدم إلى النوع المخلوق من النطفة وهم أولاده وأوقع الضمير على الجميع بلفظ واحد ومثله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآيات ... " (٣). ونرى الشيخ صلاح الدين الصفدي يناقش شيخ الإسلام في ثبوت هذه القصة فيقول: "سألت الشيخ الإمام العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ سنة سبع مئة

стр. 1132

وثمانية عشر أو سنة سبع مئة وسبعة عشر بدمشق المحروسة عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ... ﴾ على قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف:١٨٩ - ١٩٠]؛ فأجاب بما قاله المفسرون في الجواب، وهو آدم وحواء، وأن حواء لما أثقلت بالحمل أتاها إبليس في صورة رجل، وقال: أخاف من هذا الذي في بطنك أن يخرج من دبرك أو يشق بطنك وما يدريك لعله يكون بهيمةً أو كلبًا، فلم تزل في همٍّ حتى أتاها ثانيًا وقال: سألت الله أن يجعله بشرًا سويًا، وإن كان كذلك، فسميه "عبد الحارث"، وكان اسم إبليس في الملائكة "الحارث"؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. وهذا مروي عن ابن عباس ﵄؛ فقلت له: هذا فاسد من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في الآية الثانية ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾؛ فهذا دليل على أن القصة في حق جماعة. الثاني: أنه ليس لإبليس في الكلام ذكر. الثالث: أن الله تعالى علَّمَ آدم الأسماء كلَّها؛ فلابد وأنه كان يعلم أن الحارث اسمٌ لإبليس. الرابع: أنه تعالى قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]، وهذا يدل على أن المراد به الأصنام، الآن "ما" لما لا يعقل، ولو كان إبليس؛ لقال: "من" هي التي لمن يعقل. فقال الشيخ تقي الدين: "قد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهذا قصي؛ لأنَّهُ سمى أولاده الأربعة: عبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد الدار، والضمير في "يشركون" له ولأعقابه الذين يسمون أولادهم بهذه الأسماء وأمثالها. قلت: وهذا أيضًا فاسد؛ لأنَّهُ تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا

стр. 1133

زَوْجَهَا﴾ وليس كذلك إلا آدم؛ لأن الله تعالى خلق حواء من ضلعه. فقال [أي: ابن تيمية،]: المراد بهذا أن زوجته - زوجة قصي - من جنسه قرشية عربية؛ فما رأيت التطويل معه"" اهـ (١). وقد أبطل الشيخ ابن عثيمين ﵀ هذه القصة فقال: "وهذه القصة باطلة من وجوه: الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النَّبِيّ ﷺ وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة. الوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا ماتا عليه كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة. إذا ما ذكرنا آدم وفعاله .... وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ....... وأن جميع الناس من عنصر الزنا فمن جوّز موت أحد من الأنبياء علي الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كان تابا من الشرك فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما، ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك. الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء. الوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع منه الشرك لكان اعتذاره

стр. 1134

به أقوى وأولى وأحرى. الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة. وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: "أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة" فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما فلا يقبلان منه صرفًا ولا عدلًا. الوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: "لأجعلن له قرني أيل" إما أن يُصدِّقا أن ذلك ممكن في حقه وهذا شرك في الربوبية، لأنَّهُ لا يقدر على ذلك إلا الله أولا يُصدِّقا فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه. الوجه السابع: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] بضمير الجمع ولو كان آدم وحواء لقال: عما يشركان. فهذه الوجوه تدل علي أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك مبرئون منه باتفاق أهل العلم، وعلي هذا فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًّا فإن منهم مشركًا ومنهم موحدًا" (١). ولكن الفريق الثاني - الذين أثبتوا القصة - لهم أدلة ظاهرة كما تبيَّن لنا من قول قتادة ومجاهد وابن جرير الطبري، وقد أوضح قولهم القرطبي فقال: "قال المفسرون: كان شركا في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا علي أن الضيف ربه كما قال حاتم:

стр. 1135

وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا .... وما فيَّ إلا تيك من شيمة العبد" (١) وقال جلال الدين السيوطي في تفسير الجلالين: "فلما آتاهما ولدًا صالحًا جعلا له شركاء، وفي قراءة بكسر الشين والتنوين أي شِركًا فيما آتاهما بتسميته عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله وليس بإشراك في العبودية لعصمة آدم" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إنَّ هذا الشرك في مجرد تسمية، لم تُقصد حقيقتها" (٣). وقد علَّق علي ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن بقوله: "وهو مَحْمَل حسن، يُبيِّن أن ما وقع من الأبوين، من تسميتهما ابنهما عبد الحارث: إنما هو مجرد تسمية، لم يقصدا تعبيدَه لغير الله، وهذا معنى قول قتادة: شُركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته" (٤) وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉ فإن فيه غير موضع يدل علي ذلك والعجب ممن يكذب بهذه القصة وينسى ما جرى أول مرة ... وليس المحذور في هذه القصة بأعظم من المحذور في المرة الأولى" (٥). ويؤيد صحة القصة الشيخ عبد العزيز بن باز فيقول: "بل هو كما قال ابن عباس وغيره من السلف، وإن المعصية قد وقعت منهما، والمعصية قد تقع من الأنبياء إذا كانت صغيرة كما قال العلماء، ويُحتمل أنهما حينما فعلًا ذلك كانا يعتقدان جواز ذلك فلهذا فعلاه ولم يعلما أنه منكر وإنما كرهاه أولًا ثم خضعا لوسوسته

стр. 1136

وما أراد، وبَيَّن الله فيما أنزله على رسوله ﷺ أنه لا يجوز، وهذا الحكم يناط بشريعة محمد ﷺ فهي الشريعة العامة وما كان قبلنا ففيه إباحة لبعض المسائل ومنع لبعضها" (١). وفي معنى الآية قال الشيخ السعدي ﵀ "أي: جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به وأقرّ به أعين والديه فعبّداه لغير الله. إما أن يسمياه بعبد غير الله كعبد الحارث وعبد العزى وعبد الكعبة ونحو ذلك أو يشركا في الله في العبادة بعد ما منَّ الله عليهما بما من به من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد" (٢). وهذه المسألة - كما ترى - مختلف فيها، وسواء قلنا بصحة القصة وثبوتها أو لا فإن هناك أصولًا لا يُختلف فيها وهي أن الشرك المضاد للتوحيد لا يقع من الأنبياء ﵈، وما حصل من معصية فلا يقدح في مقام النبوة (٣)، وهو على صحة القصة وثبوتها فلا يعدو أن يكون معصية من المعاصي. * حكم تعبيد الاسم لغير الله: قال ابن حزم: "اتفقوا علي تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب" (٤). ومقصود ابن حزم أنهم لم يجمعوا علي تحريم التسمية بعبد المطلب، لظاهر ما صح عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال في غزوة حنين، لما انهزم عنه أصحابه إلا قليلًا:" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، فهو لم يقصد به التعبيد لغير الله، بل هو من الرسول

стр. 1137

- ﷺ إخبار عن اسم ماضٍ وحكاية نسب، فلا يضر لأنَّهُ مشتهر به مثل عبد مناف وعبد عمرو إذا كانت من باب الإخبار لا من باب الإنشاء والإقرار (١). وذكر ابن القيم ﵀ أن: "باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، وأن من باب الإخبار، والإخبار بمثل ذلك علي وجه تعريف المسمى لا يحرم، ولا وجه لتخصيص أبي محمد ذلك بعبد المطلب خاصة، فقد كان أصحابه يسمون بعبد شمس، وبني عبد الدار بأسمائهم، ولا ينكر عليهم النَّبِيّ ﷺ " (٢). وقال ابن تيمية ﵀: "كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم: عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله ... وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله ﷺ ، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية ... وكان من شعار أصحاب الرسول ﷺ معه في الحروب: يا بني عبد الرحمن! يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله! كما قالوا ذلك يوم بدر، وحنين، والفتح، والطائف" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين: "ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب، فلا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب" (٤).

стр. 1138

وبهذا يتبيَّن تحريم إنشاء التسمية بذلك ومما يحرم أيضًا التسمية بعبد الرسول وعبد الحسين وعبد النَّبِيّ. قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومن هذا الباب: غلام رسول: غلام رسول، غلام محمد، أي عبد الرسول" (١). ومن الأخطاء التي ينبه لها في هذا الباب التعبيد لأسماء يظن أنها من أسماء الله تعالى وليست كذلك مثل: عبد المقصود، عبد الموجود، عبد المعبود، عبد الهادي، عبد القاضي، فهذه يكون الخطأ فيها من وجهين: الوجه الأول: تسمية الله بما لم يرد به السمع، وأسماؤه سبحانه توقيفية. الوجه الثاني: التعبيد بما لم يسمّ الله به نفسه ولا رسوله (٢). وقال الشيخ ابن باز ﵀: "لا يجوز التعبيد لغير الله، كعبد الرسول وعبد الحسين وأما عبد المحسن فيجوز لأنَّهُ من أسماء الله" (٣). ١٧١ - شرك المحبة من أقسام الشرك الأكبر. انظر باب (الشرك الأكبر).

стр. 1139

١٧٢ - الشرعية [التوحيد والسنة] الشريعة في اللغة: الطريق الموصلة إلى الماء. قال الأزهري: "والشِّرعة والشريعة في كلام العرب: المَشْرَعة التي يشرعُها الناس فيشربون منها ويستقون، وربَّما شرَّعوها دوابّهم حتى تشرعَها وتشرب منها. والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عِدًا لا انقطاع له ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقي منه بالرشاء" (١). وفي الشرع: قال ابن الأثير: "هو ما شرع الله لعباده من الدين: أي سنَّه لهم وافترضه عليهم" (٢). وقال الإمام ابن تيمية عند تعرضه لتعريف الشريعة: "الشريعة: هي الأمر والنهي، والحلال والحرام، والفرائض والحدود، والسنن والأحكام" (٣). وقيل: الشريعة: هي الطريق في الدين (٤). وتطلق الشريعة ويراد بها: السنة؛ أي العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان. قال شيخ الإسلام: "وكذلك اسم الشريعة والشرع والشرعة فإنه ينتظم كلما شرعه الله من العقائد والأعمال. وقد صنف الشيخ أبو بكر الآجري "كتاب الشريعة"، وصنف الشيخ أبو عبد الله بن بطة كتاب "الإبانة عن شريعة الفرقة

стр. 1140

الناجية" وغير ذلك. وإنما مقصود هؤلاء الأئمة في السنة باسم الشريعة: العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان، مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل وأن الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله خالق كل شيء وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه علي كل شيء قدير وأنهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب ويؤمنون بالشفاعة لأهل الكبائر ونحو ذلك من عقود أهل السنة فسموا أصول اعتقادهم شريعتهم وفرقوا بين شريعتهم وشريعة غيرهم. وهذه العقائد التي يسميها هؤلاء الشريعة هي التي يُسمِّي غيرُهم عامَّتها "العقليات" و"علم الكلام" أو يسميها الجميع "أصول الدين" ويسميها بعضهم "الفقه الأكبر" وهذا نظير تسمية سائر المصنفين في هذا الباب "كتاب السنة" كالسنة لعبد الله بن أحمد والخلال والطبراني والسنة للجعفي وللأثرم وخلق كثير صنفوا في هذه الأبواب وسموا ذلك كتب السنة ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة. فالسنة كالشريعة هي: ما سنه الرسول وما شرعه، فقد يراد به ما سنه وشرعه من العقائد. وقد يراد به ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد به كلاهما فلفظ السنة يقع على معان كلفظ الشرعة؛ ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: سنة وسبيلًا. ففسروا الشرعة بالسنة والمنهاج بالسبيل" (١). والشريعة تنقسم إلى قسمين: اعتقاديات، وعمليات: فالاعتقاديات: هي التي لا تتعلق بكيفية العمل مثل اعتقاد ربوبية الله ووجوب

стр. 1141

عبادته واعتقاد بقية أركان الإيمان المذكورة وتسمى أصلية. والعمليات: هي ما يتعلق بكيفية العمل مثل الصلاة والزكاة، والصوم وسائر الأحكام العملية وتسمى فرعية لأنها تبنى علي تلك الاعتقاديات صحة وفسادا (١). فالعقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يقوم عليه الدين وتصح معه الأعمال كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].

стр. 1142

١٧٣ - شعب الإيمان الشعب: جمع شُعبة، والشعبة الفرقة والطائفة من الشيء (١). وشعب الإيمان خصاله المتعددة. قال ابن قاسم ﵀: "والشعبة: الطائفة من الشيء، والقطعة منه، والشعبة من شعب الإيمان، يدخل تحتها أفراد من الخصال، فهي من حيث هذا العدد، يكون تحتها أفراد من الخصال" (٢). وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان: "والدليل علي أن الإيمان أجزاء بشعب أن النَّبِي ﷺ قال في خبر عبد الله بن دينار: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة ألا إله إلا الله ... " فذكر جزءًا من أجزاء شعبة هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال لأنَّهُ ﷺ لم يقل: وأني رسول الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة، واقتصر على ذكر جزء واحد منها حيث قال: "أعلاها شهادة ألّا إله إلا الله ... " فدل هذا علي أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان ثم عطف فقال: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فذكر جزءًا من أجزاء شعبه هي نفلٌ كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك علي أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة، وكل جزء من أجزاء الشعب التي هي من بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هما من أعلى الإيمان وأدناه كله من الإيمان" (٣).

стр. 1143

* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﷺ قال ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١). * معنى البضع: والبضع بكسر الباء وللعلماء أقوال في معناه ذكرها الحافظ ابن رجب فقال: "البضع في اللغة: من الثلاث إلى التسع، هذا هو المشهور. ومن قال: ما بين اثنين إلى عشرٍ، فالظاهر إنما أراد ذلك، ولم يُدخلِ الاثنين والعشرَ في العدد. - وقيل: من أربع إلى تسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. والظاهر: أنه هو الذي قبله باعتبارِ إخراج الثلاثِ والعشرِ منه. وكذا قال بعضهم: ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة. وعلى هذا؛ فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر. والله أعلم" (٢). * اختلاف روايات الحديث في تعداد الشعب: قال النووي: "قَوْله ﷺ "الإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ شعْبَة" هَكَذَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَامِر الْعَقَدِيّ، عَنْ سُلَيْمَان بْن بلال، عَنْ عَبْد الله بْن دِينَار، عَنْ أَبي صَالِح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة، عَنْ النَّبيّ ﷺ . وَفِي رِوَايَة زُهيْر، عَنْ جَرِير، عَنْ سُهَيْل، عَنْ عَبْد الله بْن دِينَار، عَنْ أَبي صَالِح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة: "بضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بضْع وَسِتُّونَ" كَذَا وَقَعَ فِي مُسْلِم مِنْ رِوَايَة سُهَيْل: "بضْع وَسَبْعُونَ أَوْ بضْع وَسِتُّونَ" عَلَى الشَّكِّ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّل الْكِتَاب مِنْ رِوَايَة الْعَقَدِيِّ: "بضْع وَسِتُّونَ" بلا شَكٍّ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَغَيْرهمَا مِنْ رِوَايَة سُهَيل: "بضْع وَسَبْعُونَ" بلا شَكٍّ،

стр. 1144

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقٍ آخَر وَقَالَ فِيهِ: "أَرْبَعَة وَسِتُّونَ بَابًا". وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّاجِحَة مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: الصَّوَاب مَا وَقَعَ فِي سَائِر الأَحَادِيث وَلسَائِرِ الرُّوَاة "بضْع وَسِتُّونَ". وَقَالَ الشَّيْخ أبو عَمْرو بْن الصَّلاحَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هَذَا الشَّكُّ الْوَاقِع فِي رِوَايَة سُهَيْل هُوَ مِنْ سُهَيْل، كَذَا. قَالَهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ ﵀. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيل "بضْع وَسَبْعُونَ" مِنْ غَيْر شَكٍّ. وَأَمَّا سُلَيْمَان بْن بلال فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَلَى الْقَطْع مِنْ غَيْر شَكٍّ وَهِيَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَة أَخْرَجَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْر أنَّهَا فِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب مُسْلِم "بضْع وَسَبْعُونَ" وَفِيمَا عِنْدنَا مِنْ كِتَاب الْبُخَارِيِّ "بضْع وَسِتُّونَ". وَقَدْ نَقَلْت كُلّ وَاحِدَة عَنْ كُلّ وَاحِد مِنْ الْكِتَاتيْنِ وَلَا إِشْكَال فِي أَنَّ كُل وَاحِدَة مِنْهُمَا رِوَايَة مَعْرُوفَة فِي طرق رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيح قَالَ: وَالأَشْبَه بِالإِتْقَانِ وَالاحْتِيَاط تَرْجِيح رِوَايَة الأقَلّ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ رِوَايَة الأكْثَر، وَإِيَّاهَا اِخْتَارَ أَبُو عَبْد الله الْحَلِيمِيُّ؛ فَإِنَ الْحُكْم لِمَنْ حَفِظَ الزِّيَادَة جَازِ بها" (١) وذكر النووي ﵀ أن أبا حاتم ذكر أن: "رِوَايَة مَنْ رَوَى "بضْع وَسِتُّونَ شُعْبة". أَيْضًا صَحِيحَة؛ فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تَذْكُر لِلشَّيْءِ عَدَدًا وَلَا ترِيد نَفْي مَا سِوَاهُ. وَلَهُ نَظَائِر أَوْرَدَهَا فِي كِتَابه مِنْهَا فِي أَحَادِيث الإِيمَان وَالإسلَام. وَالله تَعَالى أَعْلَم ... " (٢). * الاجتهاد في حصر شعب الإيمان ومعرفتها: اجتهد العلماء في عدها فذكرها الحليمي صاحب المنهاج سبعا وسبعين، وعدها الحافظ أبو حاتم بن حبان تسعًا وسبعين فقال: "وقد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي ﷺ لم يتكلم قط إلا بفائدة ولا من سننه شيء لا

стр. 1145

يعلم معناه، فجعلت أعد الطاعات من الإيمان فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول ﷺ من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا وتلوته آية آية بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المُعاد منها فإذا كل شيء عده الله جل وعلا من الإيمان في كتابه وكل طاعة جعلها رسول ﷺ من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء فعلمت أن مراد النبي ﷺ كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن" (١). وقال النووي: "قَالَ الشَّيْخ: ثمَّ إِنَّ الْكَلام فِي تَعْيِين هَذه الشُّعَب يَطُول وَقَدْ صُنِّفَتْ فِي ذَلِكَ مُصَنّفات. وَمِنْ أَغْزَرهَا فَوَائِد كِتَاب (الْمِنْهَاج) لأَبي عَبْد الله الْحَلِيمِيِّ إِمَام الشَّافِعِيِّينَ بِبُخَارَى. وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ. وَحَذَا حَذْوه الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَيْهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابه الْجَلِيل الْحَفِيل كِتَاب "شُعَب الإِيمَان"" (٢). وشعب الإيمان المتعددة بعضها دعائم وأصول يزول الإيمان بزوالها مثل إنكار الإيمان باليوم الآخر (٣) وبعضها فروع قد لا يزول الإيمان بزوالها، وإن كان يوجب تركها نقصا في الإيمان أو فسقًا. مثل عدم إكرام الجار (٤)، وقد يجتمع في الإنسان شعب الإيمان، وشعب نفاق، فيستحق بشعب النفاق العذاب ولا يخلد في

стр. 1146

النار لما في قلبه من الإيمان. والله أعلم (١). وقال ابن رجب بعد أن ذكر الحديث: "فأشار إلى أن خصال الإيمان، منها ما هو قول باللسان، ومنها ما هو عمل بالجوارح، ومنها ما هو قائم بالقلب ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال" (٢). وقال النووي: "وَقَدْ نَبَّهَ ﷺ عَلَى أَنَّ أَفْضَلهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيِّن عَلَى كُلّ أَحَد، وَالَّذِي لا يَصِحّ شَيْء مِنْ الشُّعَب إِلَّا بَعْد صِحَّتِهِ. وَأَدْنَاهَا مَا يُتَوَقَّع ضَرَره بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ إِمَاطَة الأَذَى عَنْ طَرِيقهمْ. وَبَقِيَ بَيْن هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ أَعْدَاد لَوْ تَكَلَّفَ الْمُجْتَهِد تَحْصِيلهَا بغَلَبَةِ الظَنِّ، وَشِدَّة التَّتَبُّع لأَمْكَنَهُ. وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْض مَنْ تَقَدَّمَ. وَفِي الْحُكْم بأَنَ ذَلِكَ مُرَاد النَّبِيّ ﷺ صُعُوبَة، ثُمَّ إِنَهُ لا يَلْزَم مَعْرِفَة أَعْيَانهَا، وَلا يَقْدَح جَهْل ذَلِكَ فِي الإِيمَان إِذْ أُصُول الإِيمَان وَفُرُوعه مَعْلُومَة مُحَقَّقَة، وَالإِيمَان بِأَنَّهَا هَذَا الْعَدَد وَاجِب فِي الْجُمْلَة. هَذَا كَلام الْقَاضِي ﵀" (٣). وقال ابن رجب: "وفي القطع على أن ذلك هو مراد الرسول ﷺ من هذه الخصال عُسر" (٤). مسألة: أهل السنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان، سواءٌ كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، هذا قول الجمهور الأعظم منهم، وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة، بل هي غير منحصرة، وقد أجاب الحافظ ابن رجب فقال: "يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة:

стр. 1147

أحدها: أن يقال: إن عدد خصال الإيمان عند قول النبي ﷺ كان منحصرًا في هذا العدد، ثم حدثت الزيادة فيه بعد ذلك، حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي ﷺ . وفي هذا نظر. والثاني: أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصرُ في بضعٍ وسبعين نوعًا، وإن كانت أفراد كل نوع تتعدد تعددًا كثيرًا، وربما كان بعضها لا ينحصر. وهذا أشبه، وإن كان الوقوف على ذلك يتعسَّر أو يتعذر. والثالث: أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد، لا على وجه الحصر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. والمراد: تكثيرُ التعداد من غير حصوله في هذا العدد، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك، كأنه يقول: هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه. وهذا ذكره بعض أهل الحديث من المتقدمين، وفيه نظر. والرابع: أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها، وهو الذي تدعو إليه الحاجةُ منها. قاله ابن حامد من أصحابنا" (١). مسألة أخرى: تضمن كلام العلماء أن أركان الإيمان ستة بناءً على حديث جبريل ﵇ فكيف يُجمع بينها وبين قول الرسول ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة"؟. قال الشيخ ابن عثيمين في الجمع بين ذلك: "أن نقول الإيمان الذي هو العقيدة أصوله ستة وهي المذكورة في حديث جبريل ﵊ حينما سأل النبي ﷺ ، عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره - متفق عليه -. وأما الإيمان الذي يشمل الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون شعبة ولهذا سمى الله تعالى الصلاة إيمانا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال المفسرون: يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛

стр. 1148

لأن الصحابة كانوا قبل أن يؤمروا بالتوجه إلى الكعبة يصلون إلى بيت لمقدس" (١). ومن شعب الإيمان الحياء. كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "الحياء شعبة من الإيمان" (٢). وهو غريزة يحمل المرء على فعل ما يجمل ويزين، ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين (٣). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الحياء صفة انفعالية تحدث عند الخجل تحجز المرء عن فعل ما يخالف المروءة" (٤). وقال الشيخ ابن قاسم ﵀: "الحياء شعبة من الإيمان أي - بعض منه -، وإنما جعله بعضه، لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، ولأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار وانتهاء، فإذا حصل الانتهاء بالحياء، كان بعض الإيمان، والحياء من أفضل الأخلاق، وأجلها وأعظمها قدرا، بل هو خاصة الإنسانية، وفي الحديث: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" (٥). ١٧٤ - الشك في حكم اللّه أو الشك في أخباره انظر باب (لا إله إلا الله) فقد تحدثت عن شروطها ومنه اليقين المنافي للشك. وانظر باب (كفر الشك).

стр. 1149

١٧٥ - الشعوذة والدجل * الشعوذة: خفة في اليد وأعمال كالسحر تري الشيء للعين بغير ما هو عليه (١). والدجل: الواحد منه دجّال، وفعّال من أبنية المبالغة أي: يكثر منه الكذب والتلبيس - وجمعه دجَّالون ودجاجلة أي الكذّابون تشبيهًا بماء الذهب لأنه يظهر خلاف ما يبطن ويطلق على ماء الذهب دجّال (٢). قال ابن الأثير: "أصل الدجل الخلط، يقال دجّل إذا لبَّس أو موَّه" (٣). والكلام عن الشعوذة والدجل له تعلق كبير بأبواب (السحر) و (الكهانة) و (التنجيم) و (العراف). قال الراغب: "السحر يطلق عليمعانٍ وذكر منها ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده" (٤). ويحسن بنا هنا أن ننقل فتوى وردت للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء هذا نصها: "تطالعنا بعض الصحف والمجلات بأخبار بعض اللاعبين والمهرجين الذين يزعمون أن لهم قدرات فائقة كتكسير الصخور على صدورهم والنوم على المسامير والآلات الحادة وثني الحديد والأسياخ بأعينهم!! وجر السيارات بأصابعهم إلى آخر تلك الحركات المدهشة، فما هو حكم الشرع في تلك الأعمال والعاملين لها، وما حكم استضافتهم ومشاهدتهم ... ".

стр. 1150

وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت: "بأن ما يعمله بعض السفهاء من الناس من تكسير الصخور على صدورهم، والنوم على المسامير والآلات الحادة، وثني الحديد بأعينهم، وسحب السيارات بشعورهم أو أسنانهم، وأكل الأمواس والزجاج .. إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن العادة البشرية كل ذلك يعتبر من الدجل والشعوذة والسحر وهو من عمل سحرة فرعون كما قال الله في سورة الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وبناءً عليه؛ لا يجوز فعل هذه الأعمال، ولا تعلمها، ولا نشرها، ولا التشجيع عليها، والواجب محاربتها والتبليغ عن فاعليها ومعاقبتهم بما يردعهم ويكف شرهم عن الناس فألعابهم وأعمالهم تلك فيها من الدجل والشعوذة والتلاعب والاستخفاف بعقول الناس وفساد العقيدة وأكل الأموال بالباطل ما لا يخفى. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" (١).

стр. 1151

١٧٦ - الشفاعة * الشفاعة لغة: قال ابن منظور في اللسان: "الشفع خلاف الوتر، وهو الزوج ... وشفع لي يشفع شفاعة وتشفَّع: طلب" (١). والشفع: ضم الشيء إلى مثله. قال الراغب: "هي الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى" (٢). وفي الشرع: سؤال الخير للغير (٣) أو هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٤).

стр. 1152

قال أبو السعادات: "وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم. يقال شَفَع يَشْفَع شفاعةً فهو شافعٌ وشَفِيع، والمُشَفِّع الذي يَقْبلُ الشَّفَاعةَ، والمشَفَّع الذي تُقبَلُ شفاعته" (١). قال في التيسير: "فاتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله هضم لحق الربوبية وتنقص للعظمة الإلهية وسوء ظن برب العالمين. والإذن بالشفاعة من الله لخلقه جعلها الله إكراما للشافع ونفعا للمشفوع له" (٢). * الدليل من الكتاب: قول الله : ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]. * الدليل من السنة: عَنْ أَنَس بن مالك ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لكُلُّ نَبيٍّ سَأَل سُؤْلًا أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فَاسْتُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).

стр. 1153

وفي رواية لمسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولان عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "لِكُلِّ نَبيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). قال القاضي عياض: "قال أهل العلم: معناه دعوة أُعْلِمَ أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبُهم، وإلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة، ولنبينا ﷺ منها ما لا يعد، لكن حالهم عند الدعاء بها الرجاء والخوف، وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاءوه ويدعون بها على يقين من الإجابة" (٢). وقال الإمام ابن خزيمة ﵀: "أخّر نبينا محمد ﵇ دعوته ليجعلها شفاعة لأمته، لفضل شفقته ورحمته ورأفته بأمته فجزى الله نبينا ﵇ أفضل ما جزى رسولا عمن أرسل إليهم، وبعثه المقام المحمود الذي وعده ليشفع لأمته، فإن ربنا غير مخلف وعده، ومنجز نبيه ﷺ ما أخر من مسألته في الدنيا وقت شفاعته لأمته يوم القيامة" (٣). وجاء في الصحيحين أيضا عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي" وذكر منها "وأعطيت الشفاعة" (٤). وعن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّع" (٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا، وهو حديث طويل " ... فَيَقُولُ الله شَفَعَتْ الْمَلائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ... الحديث" (٦).

стр. 1154

فوائد وأحكام: ١ - أنواع الشفاعة يوم القيامة: ١ - الشفاعة العظمى وهي خاصة بنبينا محمد ﷺ وهي المقام المحمود الذي وعده الله بقوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك حين يشتد على الناس الموقف ويلتمسون الشفاعة ويؤذن لرسول الله ﷺ جاء ذلك في حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ " قال البخاري: وزاد عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثنى ابن أبي جعفر: "فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم" (١). وجاء حديث أَنسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيقُولُونَ: لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتونَ آدَمَ فَيقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ الله بِيَدِه، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّنَا. فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ويقُولُ: ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ الله، فَيَأْتُونَه، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذْكُرُ خَطِيئَتَه، ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا، فَيَأتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذْكُرُ خَطِيئَتَه، ائْتُوا عِيسَى الَّذِي كَلَّمَهُ الله، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَه، ائْتُوا عِيسَى فَيَأْتُونَه، فَيقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ الله، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ

стр. 1155

أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمْ الْجَنّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ" وَكَانَ قتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ" (١). والشاهد من حديث أنس قول الناس: "لَوْ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا". ٢ - الشفاعة لأهل الجنة في دخولها كما روى مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثر الأنبِيَاءِ تَبَعًا" (٢). وهي من خصائص النبي ﷺ . ٣ - الشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم لدخول الجنة (٣). ٤ - الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة فوق ما تقتضيه أحوالهم. قال ابن القيم ﵀: "وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي ﷺ لأبي سلمة وقوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين" (٤) وقوله في حديث أبي موسى "اللهم

стр. 1156

اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" (١) " (٢). ٥ - الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ومن أدلة هذا النوع قول النبي ﷺ لعكاشة بن محصن لما طلب منه أن يدعو الله أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب: "اللهم اجعله منهم" (٣). ويقول الله لمحمد ﷺ في حديث الشفاعة: "أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة" (٤). ٦ - الشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين ممن أدخلوا النار فيخرجون منها كما جاء صريحا في الأحاديث الكثيرة التي بلغت التواتر وهي عامة وتتكرر من الرسول ﷺ مرات، ويشفع أيضًا الملائكة والنبيون والمؤمنون تقدم في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: " ... يقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ... " (٥). ٧ - الشفاعة في أهل الكبائر قبل أن يدخلوا النار أن لا يدخلوها كما ذكر ذلك النووي (٦) وابن تيمية (٧)، وابن كثير (٨)، وابن حجر (٩)، والسفاريني (١٠) ﵏ وتوقف في هذا النوع ابن القيم حيث ذكر أنواع الشفاعة ثم قال: "ويبقى

стр. 1157

نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون فلم أظفر فيه بنص" (١). ٨ - شفاعة الرسول ﷺ في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب كما جاء في حديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَذكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ" وفي رواية "تَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ" (٢). وهذه خاصة بالنبي ﷺ . ولا تنفعه الشفاعة في الخروج من النار لكونه مات غير موحد بخلاف أهل التوحيد. والله أعلم (٣). ٢ - أسباب الحصول على الشفاعة: ومن أسباب الحصول على الشفاعة التوحيد وإخلاص العبادة لله وقراءة القرآن والصيام والمحافظة على الدعاء الوارد بعد كل أذان وسكنى المدينة والصبر على لأوائها والموت بها والصلاة على النبي محمد ﷺ وكثرة السجود وأن يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أربعين وقد ورد في كل منها أحاديث ثابتة وقد حقق الكلام فيها الجديع حفظه الله في كتابه الشفاعة عند أهل السنة (٤). وليست زيارة قبر الرسول ﷺ من ذلك ولم يذكرها أهل العلم ضمن أسباب الشفاعة، ومن ذكرها وتعلَّق بها فإنما يتعلق بأحاديث واهية قال عنها المحققون

стр. 1158

من العلماء: إنه لا يثبت منها شيء جاء ذلك عن الإمام ابن تيمية والحافظ ابن عبد الهادي وغيرهم من أئمة العلم (١). ٣ - والشفاعة شفاعتان شفاعة منفية وشفاعة مثبتة (٢): فالشفاعة المنفية (٣) ما كانت تطلب من غير الله والدليل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. والشفاعة بغير إذن الله أو الشفاعة لأهل الشرك كلها شفاعة منفية باطلة قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وقال ﵎: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. والقبوريون لما عظموا الأموات قادهم غلوهم ذلك إلى طلب الشفاعة من أوليائهم الأموات فطلبوها منهم في الدنيا، كما طلبها المشركون من أصنامهم والنصارى من رهبانهم قال ابن تيمية ﵀: "المشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، يصورون تماثيلهم، فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم، لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره، فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة" (٤). وقال ابن القيم ﵁: "ومن جَهلِ المشرك: اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا:

стр. 1159

أنه يشفع له، وينفعه عند الله. كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم. ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي له قوله وعمله. كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي الفصل الثاني ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين. كما قال أبو العالية: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين"؟. فهذه ثلاثة أصول. تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه. ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله" (١). * والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله ولها شروط: الشرط الأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. ويقول سيد الشفعاء في حديث الشفاعة الطويل: "فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع" (٢).

стр. 1160

الشرط الثاني: الرضى عن المشفوع له ورضى الله تعالى لا يحصل إلا باتباع الأوامر واجتناب المناهي فما أمر به فهو مرضي محبوب وما نهى عنه مبغض منبوذ والأدلة على هذا كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ومنها ما رواه مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً أُمَّتِي وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ الله مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا" (١). فالشفاعة بهذا خاصة بالمؤمنين الذين ماتوا على التوحيد. ودل على ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ ﷺ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْألنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ على الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبهِ أوْ نَفْسِهِ" (٢). قال ابن تيمية: "فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، لا تنال بتولي غير الله، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الصالحين" (٣). * وهناك اعتراضات على الشرط الثاني وهو الرضى عن المشفوع منها: ١ - أن النبي ﷺ شفع لعمه أبي طالب مع كونه كافر؟ وهذا يشكل مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
следующие страницы →