← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواعه" (١). الثاني: الاستغاثة بالحي القادر الحاضر، وهي جائزة. وعليه يحمل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: "وإذا طلبت من أحد غوثًا وهو قادر عليه فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد" (٢). * أحكام وفوائد: * وإذا علمت أن الاستغاثة بغير الله هي الشرك الأكبر تبين لك أن المستغيثين بالقبور والموتى كالمشركين لا تجوز الصلاة خلفهم؛ وقد سئل مفتي الديار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الصلاة خلف من يستغيث بغير الله فقال: "لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلبه المدد لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه ... وإذا لم تجد إمامًا مسلمًا تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك" (٣). وقالت اللجنة عمن يستغيث بغير الله: "هم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملة الإسلام لا تجوز موالاتهم، كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم، ولا تجوز عشرتهم ولا الإقامة بين أظهرهم؛ إلا لمن يدعوهم إلى الحق على بينة ويرجو أن يستجيبوا له وأن تصلح حالهم دينيًا على يديه وإلا وجب عليه هجرهم" (٤).

стр. 107

* الفرق بين الدعاء والاستغاثة: أن الدعاء عام في كل الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء في حالة الشدائد، وكل ذلك يتعين إخلاصه لله وحده، فالاستغاثة من الدعاء فكل مستغيث داعٍ وليس كل داعٍ مستغيث (١). وتختلف الاستغاثة عن الاستعانة أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي ينادي بالمدعو" (٣).

стр. 108

١٨ - الاستغفار أصل الغفر في اللغة: التغطية (١). قال في المفردات: "الغفر إلباس ما يصونه من الدنس" (٢). والغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب (٣). ويطلق الغفر على الستر ومنه المغفر وهي بيضة الحديد (٤)، والستر من الله معناه كما قال الخطابي: "أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشِهُرهُ في عيونهم" (٥). والألف والسين والتاء للطلب. وفي الشرع: قال الراغب: "والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفِعال، وقوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان فقط بل باللسان وبالفِعال، فقد قيل: الاستغفار باللسان من دون ذلك بالفِعال (٦) فِعلُ الكذابين" (٧). ومعنى الاستغفار: طلب محو الذنوب والتجاوز عنها وستر كل عيب بما يجب أن يستر به والوقاية من شره. قال ابن الجوزي: "الاستغفار استفعال من طلب الغفران تغطية الذنب بالعفو

стр. 109

عنه" (١)، وسبب وضعها في هذا الكتاب لأنها من العبادات التي تصرف لله ولا تصرف لغيره. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. * الدليل من السنة: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالله إِنِّي لأسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة" (٢). وعَنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهُمْ" (٣). وعن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي،

стр. 110

يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" (١). وفي صحيح البخاري عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنا عَبْدُكَ وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (٢). * الفرق بين الاستغفار والتوبة: الاستغفار يذكر تارة مفردًا غير مقرون بالتوبة وتارة يذكر مقرونًا بها ولها في كل حال معنى قال ابن القيم: "فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله. وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس: أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤ،. فدلالته عليه إما بالتضمن وإما باللزوم. * وحقيقتها: وقاية شر الذنب، ومنه المغفر، لما يقي الرأس من الأذى. والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مِغفرًا، ولا القَّبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ "المغفر" من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق ولهذا لا يمنع

стр. 111

العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق. وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان: ذنب قد مضى: فالاستغفار منه: طلب وقاية شره. وذنب يخاف وقوعه، فالتوبة: العزم على أن لا يفعله. والرجوع إلى الله يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله" (١). وقال ابن رجب ﵀: "وكثيرًا ما يقترن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح" (٢).

стр. 112

١٩ - الاستقامة * قال في النهاية: "قام فُلان على الشيء إذا ثبتَ عليه ... ومنه الحديث: "اسْتَقِيموا لقُريش ما اسْتقاموا لكم، فإن لم يفعلوا فضَعُوا سُيوفَكم على عَواتِقِكم فأبيدُوا خَضْراءهُم" أي: دُومُوا لهم على الطاعة واثْبُتوا عليها، ما داموا على الدَّين وثبَتُوا على الإسلام. يقال: أقام واسْتقام، كما يقال: أجاب واسْتَجاب" (١). وعن قتادة السدوسي ﵀ قال: "الاستقامة أن تلبث على الإسلام والطريقة الصالحة ثم لا تمرق منها ولا تخالفها ولا تشذ عن السنة ولا تخرج عنها" (٢). وقال ابن رجب ﵀: "الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك" (٣). وألف أبو العباس ابن تيمية كتاب الاستقامة وقال في أوله: "قاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال، ومتابعة الكتاب والسنة في باب أسماء الله، وصفاته، وتوحيده، بالقول والاعتقاد، وبيان اشتمال الكتاب والسنة على جميع الهدى وأن التفرق والضلال إنما حصل بترك بعضه ... " (٤). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

стр. 113

[فصلت: ٣٠] وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣، ١٤]، وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]. * الدليل من السنة: عن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: "قل: آمنت بالله، ثم استقم" (١). قال ابن رجب: "قول سفيان بن عبد الله للنبي ﷺ : "قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك " طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره، فقال له النبي ﷺ : "قل: آمنت بالله، ثم استقم"، وفي الروية الأخرى: "قل: ربي الله، ثم استقم) " (٢). وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٣). قال ابن رجب ﵀: "فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الملك، استقامت جنوده ورعاياه، وكذلك فُسِّر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ

стр. 114

وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له. وأعظم ما يُراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسانُ، فإنه ترجمان القلب والمعبِّر عنه، ولهذا لما أمر النبي ﷺ بالاستقامة، وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه، وفي "مسند الإمام أحمد" عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه". وفي "الترمذي" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وموقوفًا: "إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اوعوججنا"" (١).

стр. 115

٢٠ - استقدام الكفار إلى جزيرة العرب انظر باب (جزيرة العرب). ٢١ - الاستقسام بالأزلام انظر باب (الكهانة). ٢٢ - الاستمداد [الدعاء] المدد: العون والنصر (١). والمراد به هنا "طلب المدد" (٢)، والمستمِدُّ داعٍ يلجأ إلى من بيده المدد والمعونة، فلا يُدعى ويُطلب منه المدد إلا الله، ومن الشرك الأعظم أن يقال: (مدد يا حسين) (مدد يا محمد) (مدد يا صاحب القبر)، لأنه من دعاء الأموات والغائبين. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، وقال : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]. وقد ردَّ الشيخ عبد الرحمن بن حسن على من ادَّعى جواز الاستمداد من

стр. 116

الأموات الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فقال: "الجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: أن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله وذلك أن الاستمداد نتيجة الاعتماد، والاعتماد هو معنى التوكل الذي هو من خصائص الإلهية وأجمعها لأعمال القلوب ... الوجه الثاني: أن مورد العبادة القلب واللسان والأركان، والمستمد لا يكون إلا داعيًا، وراغبًا، وراهبًا، وخاشعًا ومتذللًا، ومستعينًا، فإن الاستمداد طلب المدد بالقلب، واللسان، والأركان ولا بد، وهذه الأعمال هي أنواع العبادة، فإذا كانت لله وحده، فقد ألهه العبد، فإذا صرف لغير الله تعالى صار مألوهًا له" (١).

стр. 117

٢٣ - الاستهزاء * [سب الرسول، سب الدين والرب، سب الصحابة] تعريفه لغة: التهزء والهزؤ: السخرية، واستهزأ به سخر (١). والمقصود هنا الكلام على التنقص أو الهزل أو اللعب أو السخرية أو الاستخفاف، إما بالله أو بالقرآن أو بالرسول ﷺ ، أو بالسنة الصحيحة التي يعتقد ثبوتها، أو الأحكام الشرعية. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. * الدليل من السنة: عن ابن عمر ﵄ ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض -: "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عِنْدَ اللقاء - يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القرّاء -، فقال له عوف بن مالك: كذبتَ، ولكنك منافق،

стр. 118

لأخبرنَّ رسول الله ﷺ . فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، ما يلتفت إليه وما يزيد عليه" (١). * أقوال العلماء: قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في جواب سؤال عن معنى ما ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد: "فالقول الصريح في الاستهزاء بالدين مثل ما قدمت لك - يعني ما قاله المنافقون في غزوة تبوك - وأما الفعل فمثل: مد الشفة، وإخراج اللسان، ورمز العين، مما يفعله كثير من الناس عِنْدَما يؤمر بالصلاة والزكاة، فكيف بالتوحيد" (٢). وقال ﵀: "إذا فهمت أن هذا هو الاستهزاء فكثير من الناس يتكلم في الله بالكلام الفاحش عِنْدَ وقوع المصائب على وجه الجد وأنه لا يستحق هذا وأنه ليس بأكبر الناس ذنبًا" (٣). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به، وأشدها خطرًا إرادات القلوب فهي كالبحر الذي لا ساحل له" (٤).

стр. 119

* حكم الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله أو القرآن والرسول ﷺ -: بيَّن العلماء أحوال المستهزئين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًّا أو هزلًا وهو كيفما كان كفر فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة فإن التحقيق أخو الحق والعلم والهزل أخو الباطل والجهل" (١). وقال شهاب الدين الألوسي: "واستدل بعضهم بالآية على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك" (٢). وقال أبو بكر الجصاص بشأن هذه الآية: "فدل على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر. ودل أيضًا على أن الاستهزاء بآيات الله أو بشيء من شرائع دينه كفر من فاعله" (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذه - أي المذكورة في الآية - أشد من الكفر المجرد؛ لأن هذا كفر، وزيادة احتقار وازدراء" (٤). وقد بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد فقال: "باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول" (٥).

стр. 120

قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "أي: إنه يكفر بذلك (١)، لاستخفافه بجانب الربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، ولهذا أجمع العلماء كفر من فعل شيئا من ذلك، فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو هازلا لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعًا" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]. الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يعذر بذلك، بل يكفر، وعلى أن الشاك كافر باطل بطريق الأولى نبه عليه شيخ الإسلام (٣). قال ابن عثيمين ﵀ "والظاهر أن المراد من هزل بشي فيه ذكر الله مثل الأحكام الشرعية، أو هزل بالقرآن أو هزل بالرسول ﷺ فيكون معطوفا على قوله بشيء" (٤). وقد ذكره الشيخ أيضًا في نواقض الإسلام فقال الناقض السادس: "من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ أو ثواب الله أو عقابه كفر". وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "ومن هذا الباب: الاستهزاء بالعلم، وأهله، وعدم احترامهم لأجله" (٥). حكم الاستهزاء بالدين: قال الشيخ صالح آل الشيخ: "الاستهزاء بالدين فيه تفصيل، فإن المستهزئ بالدين، أو السابَّ له، أو اللاعن له، قد يريد دين المُستَهزأ به، ولا يريد دين

стр. 121

الإسلام أصلًا، فلا يرجع استهزاؤه إلى واحد من الثلاثة؛ فلهذا نقول: الكفر يكون أكبر إذا كان الاستهزاء بأحد الثلاثة التي ذكرنا ونصت عليها الآية، أو كان راجعًا إلى أحد الثلاثة. أما إذا كان الاستهزاء بشيء خارج عن ذلك، فإنه يكون فيه تفصيل: فإن هزل بالدين، فيُنظر هل يريد دين الإسلام، أو يريد تدين فلان؟ ومثال ذلك: أن يأتي واحد من المسلمين ويستهزئ - مثلًا - بهيئة أحد الناس وهيئته يكون فيها التزام بالسنة، فهل يكون هذا مستهزئًا الاستهزاء الذي يخرجه من الملة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا الاستهزاء راجع إلى تدين هذا المرء، وليس راجعًا إلى الدين أصلًا، فيُعرَّف بأن هذا سنة عن النبي ﷺ فإذا عَلِمَ أنه سنة، وأقرَّ بذلك، وأن النبي فعله ثم استهزأ، بمعنى: استنقص أو هزأ بالذي اتبع السنة مع علمه بأنها سنة وإقراره بصحة كونها سنة فهذا رجع إلى الاستهزاء بالرسول. وكذلك الاستهزاء بكلمات قد يكون مرجعها إلى القرآن، وقد لا يكون مرجعها إلى القرآن فيكون فيه تفصيل، فالخلاصة - إذًا - أن الاستهزاء إذا كان بالله، أو بصفاته، أو بأسمائه، أو بالرسول ﵊، أو بالقرآن فإن هذا كفر، وإن كان الاستهزاء غير ذلك فينظر: إن كان راجعًا إلى أحد الثلاثة فهو كفر أكبر، وإن كان غير ذلك فإنه يكون محرمًا ولا يكون كفرًا أكبر" (١). وهكذا القول في حكم الاستهزاء بالمتمسك بالدين: فإن له حالتين: الحالة الأولى: الاستهزاء بالمسلم لعيب خُلُقي، أو خَلقي مستقذر وذلك: كالاستهزاء بالطول والقصر، والعرج والعور، والعجلة والحماقة، والغضب والبلاهة وما شابه ذلك.

стр. 122

وهذا القسم حكمه التحريم؛ إذ هو كبيرة من كبائر الذنوب، التي حذر الله عباده المؤمنين من الوقوع فيها، ورتب على اقترافها عذابا أليما، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. فمن وقع في مثل هذا فإنما عليه الإقلاع، والتوبة النصوح، وعقد العزم على أن لا يعود (١). الحالة الثانية: الاستهزاء بالمسلم لتمسكه بدين الإسلام وهذا كفر (٢). قال الشيخ ابن باز ﵀: "لا ريب أن الاستهزاء بالله ورسوله بآياته وبشرعه وأحكامه من جملة أنواع الكفر لقول الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] ويدخل في ذلك الاستهزاء بالتوحيد، أو بالصلاة، أو بالزكاة، أو الصيام، أو الحج، أو غير ذلك من أحكام الدين المتفق عليها. أما الاستهزاء بمن يعفي لحيته أو يقصر ثيابه ويحذر الإسبال أو نحو ذلك من الأمور التي قد تخفى أحكامها جاهلًا، فهذا فيه تفصيل، والواجب الحذر من ذلك، ونصيحة من يعرف منه شيء من ذلك حتى يتوب إلى الله سبحانه ويلتزم بشرعه، ويحذر الاستهزاء بمن تمسّك بالشرع في ذلك، طاعة لله ورسوله ﷺ وحذر من غضب الله وعقابه والردة عن دينه وهو لا يشعر" (٣).

стр. 123

وقال أيضًا ﵀: "من يستهزئ بالمسلمة أو المسلم من أجل تمسكه بالشريعة الإسلامية فهو كافر سواء أكان ذلك في احتجاب المسلمة احتجابًا شرعيًا أم في غيره لما رواه عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عِنْدَ اللقاء. فقال رجل: كذبت، ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، فقال عبد الله ابن عمر: وأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] فجعل استهزاءه بالمؤمنين استهزاء بالله وآياته ورسوله. وبالله التوفيق" (١). وذكر العلامة ابن حجر الهيثمي عن بعض الأئمة الحنفية في كتاب ألّفه فيما يكون به المسلم مرتدًا، ذكر في الفصل الأول وهو ما اتفق العلماء عليه من المكفرات: "أو قال العلم الذي يتعلمونه أساطير وحكايات أو هذيان أو هباء أو تزوير، أو قال: إيش مجلس الوعظ؟ أو العلم لا يُثرِد. أو وعظ على سبيل الاستهزاء، أو ضحك على وعظ العلم، أو قال لرجل صالح: كن ساكنًا حتى لا نقع إلا وراء الجنة، أو قال: إيش هذا القبيح الذي خففت شاربك، أو قال: بئسما أخرجت السنة ... ". ثم عقب عليه بقوله ﵀: "وما ذكره في إيش مجلس الوعظ ... الخ إنما يتجه إن أراد الاستهزاء بالواعظ، وكذا إن أُطلِق على احتمال قوي فيه لظهور هذا اللفظ في الاستخفاف بمجلس الوعظ والعلم وما ذكره في الوعظ استهزاء، إنما يتجه إن أراد الاستهزاء بالواعظ، وكذا بالوعظ من حيث هو وعظ. أما لو أراد الاستهزاء

стр. 124

بالواعظ أو بكلماته لا من حيث كونه واعظا، فلا يتجه الكفر حينئذ، وكذا قال في الضحك على الوعظ ... " (١). * أحكام وفوائد: * حكم الجلوس مع المستهزئين: قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. قال القرطبي: "فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرّضا بالكفر كفر؛ قال الله : ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوِزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية" (٢). قال العلامة الشوكاني في تفسير هذه الآية: "أي أنزل عليكم في الكتاب أنكم عِنْدَ هذا السماع للكفر والاستهزاء بآيات الله لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بها، والذي أنزل الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به؛ فنُهوا عن ذلك.

стр. 125

وفي هذه الآية - باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب - دليلٌ على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية" (١). وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾: "هذا تعليل للنهي: أي إنكم إن قعدتم معهم تكونون مثلهم وشركاء لهم في الكفر، لأنكم أقررتموهم عليه، ورضيتموه لهم، ولا يجتمع الإيمان بالشيء وإقرار الكفر والاستهزاء به، ويؤخذ من الآية أن إقرار الكفر بالاختيار كفر، ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر، وهذا منصوص عليه أيضًا، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتمًا، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان، ويتأملوا كيف يمكن الجمع بين الكفر والإيمان، أو بين الطاعة والعصيان، فإن كثيرًا من الملحدين في البلاد المتفرنجة يخوضون في آيات الله، ويستهزئون بالدين، ويقرهم على ذلك ويسكت عليهم من لم يصل إلى درجة كفرهم، لضعف الإيمان والعياذ بالله تعالى" (٢). وقال الشيخ ابن باز ﵀: "ومن يستهزئ بأهل الدين والمحافظين على الصلوات من أجل دينهم ومحافظتهم عليه يعتبر مستهزئًا بالدين، فلا تجوز مجالسته ولا مصاحبته، بل يجب الإنكار عليه والتحذير منه ومن صحبته، وهكذا من يخوض في مسائل الدين بالسخرية والاستهزاء يعتبر كافرا فلا تجوز صحبته ولا مجالسته بل يجب الإنكار عليه والتحذير منه وحثه على التوبة النصوح" (٣).

стр. 126

* توبة المستهزئ: الصحيح من أقوال أهل العلم قبول توبة المستهزئ بالله إذا توفرت شروط التوبة. قال الشيخ ابن عثيمين: "لقوله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: ٦٦]، وهذا أمر قد وقع فإن من هؤلاء من عُفي عنه وهُديَ للإسلام وتاب، وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح أن المستهزئ بالله تقبل توبته لكن لابد من دليل بيّن على صدق توبته لأن كفره من أشد الكفر أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحد" (١). * فائدة: في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ قيل: إن الطائفة مخشي بن حُمير عفا الله عنه وتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم مقتله، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم مقتله ولا من قتله، ولا يدرى له عين ولا أثر. وقيل إن الطائفة زيد بن وديعة. والأول أشهر، ويحتمل أن الله عفا عنهما جميعًا (٢).

стр. 127

٢٤ - الإسلام * الإسلام في اللغة: قال الخطابي: "السَّلَم بفتح السين واللام: الاستسلام والإذعان كقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] أي الانقياد، وهو مصدر يقع على الواحد والاثنين والجمع" (١). وقال أبو بكر الرازي: "واستسلم أي انقاد" (٢). والاستسلام لله: الذل والخضوع له. وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: "ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختص بالاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به" (٣).

стр. 128

وقال ابن جرير الطبري: "وكذلك الإسلام وهو الانقياد بالتذلل والخشوع والفعل منه أسلم، بمعنى: دخل في السلم، كما يقال أقحط القوم: إذا دخلوا في القحط، وأربعوا: إذا دخلوا في الربيع، فكذلك أسلموا: إذا دخلوا في السلم، وهو الانقياد بالخضوع، وترك الممانعة، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إن الطاعة التي هي الطاعة عنده الطاعة له، وإقرارا الألسن والقلوب بالعبودية والذلة، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى، وتذللها له بذلك من غير استكبار عليه ولا انحراف عنه دون إشراك غير من خلقه معه في العبودية والألوهية" (١). * الإسلام في الشرع: قال قتادة: "الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تعريف الإسلام: "هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله" (٣). وقال الشيخ السعدي: "هو الانقياد لله وحده ظاهرًا وباطنًا بما شرعه على ألسنة رسله" (٤). وقال الشيخ ابن عثيمين: "هو استسلام العبد لله ظاهرًا وباطنًا بفعل أوامره

стр. 129

واجتناب نواهيه فيشمل الدين كلّه" (١). * الدليل من الكتاب: قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. * الدليل من السنة: روى مسلم عن طَاوُس أَنَّ رَجُلا قَالَ لِعَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أَلا تَغْزُو فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الإِسْلامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسة شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ" (٢). * أقوال العلماء: قال أبو العالية: "الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الإسلام الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو أن يسلم العبد لله رب العالمين فيستسلم لله وحده لا شريك له، ويكون سالمًا له بحيث يكون متألهًا له غير متألهٍ لما سواه" (٤). وقال ﵀: "وهو أن يجمع معنيَين: أحدهما الانقياد والاستسلام، والثاني إخلاص ذلك وإفراده" (٥). وقال ابن رجب ﵀: "الإسلام يقتضي الاستسلام والانقياد والطاعة" (٦).

стр. 130

* أحكام وفوائد: * العلاقة بين مسمى الإيمان والإسلام: إن اسم الإيمان تارة يذكر مفردا غير مقرون باسم الإسلام. وتارة يذكر مقرونا فمن أمثلة ذكره مقرونا بالإسلام قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وقول جبريل ﵇ في حديث عمر بن الخطاب: "ما الإسلام، وما الإيمان" (١). ومن أمثلة ذكر الإيمان مفردًا قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٧، ٨]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٢). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٣). ومن أمثلة ذكر الإسلام مفردًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

стр. 131

وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. والتفريق بين الإسلام والإيمان من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين السلف ﵏ ولهم فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: إنهما شيء واحد فلا فرق بين الإسلام والإيمان: وممن قال بذلك: الإمام البخاري حيث بوّب في صحيحه فقال: "باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام الإيمان والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي ﷺ له، ثم قال: "جاء جبريل ﵇ يعلمكم دينكم" فجعل ذلك كله دينًا. وما بين النبي ﷺ لوفد عبد القيس من الإيمان وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (١). قال ابن حجر: "تقدم أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد فلما كان ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة أراد أن يرد ذلك بالتأويل إلي طريقته، قوله وبيان أي مع بيان الاعتقاد والعمل دين. وقوله وما بين أي مع ما بين للوفد أن الإيمان هو الاسم حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا وقوله أي مع ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، ودل عليه خبر أبي سفيان أن الإيمان هو الدين فاقتضى ذلك أن الإسلام والإيمان أمر واحد هذا محصل كلامه" (٢).

стр. 132

محمد بن نصر المروزي يرى أن الإيمان هو الإسلام فيقول: "وقالت طائفة وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله الله دينًا ارتضاه لعباده ودعاهم إليه" (١). ونقل عنه شيخ الإسلام أنه قال: "وقد ذكرنا تمام الحجة في أن الإسلام هو الإيمان، وأنهما لا يفترقان ولا يتباينان" (٢). الإمام الحافظ ابن منده حيث بوب لذلك في كتاب الإيمان فقال: "ذكر الأخبار الدالة والبيان الواضح من الكتاب والسنة أن الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد" (٣). وإلى هذا الرأي يذهب ابن عبد البر حيث قال: "الذي عليه جماعة أهل الفقه والنظر أن الإيمان والإسلام سواء بدليل ما ذكرنا من كتاب الله قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعية والمالكية وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر إلى أن قال والصحيح عندنا ما ذكرت لك" (٤). القول الثاني: إنهما شيئان متغايران مطلقًا سواء اجتمعا أو افترقا: وقال به جماعة من السلف منهم:

стр. 133

١ - الإمام الزهري: حيث يرى: "إن الإسلام الكلمة والإيمان العمل" (١). ولبيان معنى كلام الزهري ﵀ أنقل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، قال: "ولما كان كل من أتى بالشهادتين صارًا مسلمًا متميزًا عن اليهود والنصارى، تجري عليه أحكام الإسلام؛ كان هذا مما يجزم به بلا استثناء فيه، فلهذا قال الزهري: الإسلام الكلمة، وعلى ذلك وافقه أحمد وغيره، وحين وافقه لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها، فإن الزهري أجلّ من أن يخفى عليه ذلك" (٢). ٢ - الإمام أحمد كما ذكره عنه عبد الملك الميموني قال: قلت: لأبي عبد الله تفرق بين الإيمان والإسلام قال: نعم (٣). وقال ابنه صالح: "سئل أبي عن الإسلام والإيمان. فقال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام القول والإيمان العمل فقيل ما تقول أنت؟ قال: الإسلام غير الإيمان" (٤). قال ابن منده: "وقال بهذا القول جماعة من الصحابة والتابعين منهم عبد الله بن عباس والحسن ومحمد بن سيرين وهو مذهب جماعة من أئمة الآثار" (٥). قال ابن عبد البر: "وقد ذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أن الإيمان والإسلام معنيان" (٦). القول الثالث: أن الإسلام والإيمان إذا أطلق أحدهما مفردًا شمل الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله. وأما إذا قرن بينهما وذكرا معًا فعند

стр. 134

ذلك يفترقان فيراد بالإسلام حينئذ الأعمال والأقوال الظاهرة ويراد بالإيمان الاعتقادات الباطنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ... فإذا قيل إن الإسلام والإيمان التام متلازمان لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر كالروح والبدن فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح وليس أحدهما الآخر فالإيمان كالروح فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن ولا يكون البدن حيا إلا مع الروح بمعنى أنهما متلازمان لا أن مسمى أحدهما هو مسمى الآخر" (١). وقال ابن رجب: " ... فإنه يتضح بتقرير أصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قُرن ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دالٌ على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، هكذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قورن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضمومًا إلى آخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم. وقد ذكر هذا المعنى أيضًا الخطابي في كتابه "معالم السنن" وتبعه عليه جماعة من

стр. 135

العلماء من بعده، ويدل على صحة ذلك أن النبي ﷺ فسَّر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسر في حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عنبسة قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك" قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان". قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت" قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: "الهجرة" قال: فما الهجرة؟ قال: "أن تهجر السوء" قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد". فجعل النبي ﷺ الإيمانَ أفضلَ الإسلام وأدخل فيه الأعمال، وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإيمان والإسلام هل هما واحد أو مختلفان فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة فمنهم من يدعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد منهم محمد بن نصر المروزي وابن عبد البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه وأيوب فيه ضعف ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف منهم قتادة وداود بن أبي هند وأبو جعفر الباقر والزهري وحماد بن زيد وابن مهدي وشريك وابن أبي ذئب وأحمد ابن حنبل وأبو خيثمة ويحيى بن معين وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما وكان الحسن وابن سيرين يقولان مسلم ويهابان مؤمن وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف، فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمّى الله في

стр. 136

كتابه الإسلام دينًا، وفي حديث جبريل سمّى النبيُّ ﷺ الإسلامَ والإيمانَ والإحسانَ دينًا، وهذا أيضًا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب وبالإسلام جنس العمل وفي المسند للإمام أحمد عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال الإسلام علانية والإيمان في القلب وهذا لأن الأعمال تظهر علانية والتصديق في القلب لا يظهر وكان النبي ﷺ يقول في دعائه إذا صلى على الميت اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان لأن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منه في الحياة. فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام كما قال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تامًا مع عمل جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلمًا وليس بمؤمن الإيمان التام كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول ابن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفًا ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ " (١). وبه تعرف معنى الجملة المشهورة في ذلك: أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا

стр. 137

افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فمتى قرن الإسلام والإيمان كان المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة والمراد بالإيمان ما يكون في القلب من التصديق وعمل القلب، وهذا يدل عليه حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". قال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". قال: صدقت ... الحديث (١). وإن ذكر أحدهما شمل الآخر. وهو ما يدل عليه حديث وفد عبد القيس حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام في حديث جبريل حيث قال ﷺ لهم: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس ... " الحديث (٢). وقال ابن سعدي: "اعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان وأثر من آثاره. فحيث أطلق الإيمان دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق والإسلام اسمًا للأعمال الظاهرة" (٣).

стр. 138

* الإسلام بالمعنى العام والخاص: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدًا ﷺ المتضمن لشريعة القرآن - ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًا من الأنبياء - فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الإسلام بالمعنى العام هو التعبد لله بما شرع منذ أن أرسل الله الرسل إلى أن تقوم الساعة كما ذكر الله ذلك في آيات كثيرة تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله . قال الله تعالى عن إبرهيم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. والإسلام بالمعنى الخاص بعد بعثة النبي ﷺ يختص بما بعث به محمد ﷺ لأن ما بعث به النبي ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة فصار من اتبعه مسلمًا ومن خالفه ليس بمسلم، فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم، فاليهود مسلمون في زمن موسى ﷺ ، والنصارى مسلمون في زمن عيسى ﷺ ، وأما حين بعث النبي محمد ﷺ فكفروا به فليسوا بمسلمين" (٢). * الإسلام الكوني والشرعي: قال الشيخ ابن عثيمين: "الإسلام لله تعالى نوعان: الأول: إسلام كوني وهو الاستسلام لحكمه الكوني وهذ عام لكل من في السماوت والأرض من مؤمن وكافر، وبرّ وفجر لا يمكن لأحد أن يستكبر عنه

стр. 139

ودليله قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]. الثاني: إسلام شرعي وهو الاستسلام لحكمه الشرعي وهذا خاص بمن قام بطاعته من الرسل وأتباعهم بإحسان، ودليله في القرآن كثير" (١). * هل الجهاد من أركان الإسلام ؟: عن يزيد بن بشر عن ابن عمر: قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". فقال له رجل: والجهاد في سبيل الله. قال ابن عمر: الجهاد حسن. هكذا حدثنا رسول الله ﷺ (٢). قال الحافظ ابن رجب: "وفي حديث معاذ بن جبل: "إن رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد". وذروة سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها، وذلك لوجهين: أحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان. والثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى ﷺ ولم يبق حينئذٍ ملةٌ إلا ملة الإسلام فحينئذ تضع الحرب أوزارها ويستغة ي عن الجهاد بخلاف هذه الأركان فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك" (٣).

стр. 140

٢٥ - الأصنام انظر باب (الصنم). ٢٦ - أصول الإيمان الأصل: "هو ما يبنى عليه غيره" (١). قال الشيخ ابن عثيمين: "ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه، وأصل الشجرة الذي يتفرع منه الأغصان قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤] (٢). "والعقيدة الإسلامية" أصولها: الإيمان، بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وقد دلّ على هذه الأصول كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يقول الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ويقول في القدر: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٤٩، ٥٠]. وفي سنة رسول الله ﷺ يقول النبي ﷺ مجيبًا لجبريل حين سأله عن الإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٣). وفي سنة رسول الله ﷺ يقول النبي ﷺ مجيبًا لجبريل حين سأله عن الإيمان:

стр. 141

"الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١). ومن هنا يعلم أن أصول الإيمان ستة: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، الإيمان بالرسل، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقدر خيره وشره. فهذه كما قال الشيخ عبد الرحمن القاسم: "أصول الإيمان التي تركب منها، والتي يزول بزوالها، ستة أركان، ويكون بزوال الواحد من تلك الستة، كافرًا كفرًا يخرج من الملة، وما عداها لا يزول بزواله؛ لكن منها ما يزول بزواله، كمال الإيمان الواجب، ومنها ما يزول بزواله، كمال الإيمان المندوب" (٢). وقد أفردنا لكل أصل بابا لوحده والله المستعان.

стр. 142

٢٧ - الأصولُ الثلاثة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته المشهورة الموسومة بثلاثة الأصول: "فإذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها فقل معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد ﷺ " (١). وقال الشيخ ابن عثيمين معلقًا على ذلك: "وهذه الثلاثة يشير بها ﵀ إلى الأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " (٢). * الدليل من السنة: حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح وسؤال القبر. وفيه الأصول التي يسأل عنها المرء في قبره إذا دفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فأقعداه فسألاه من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، وأما المرتاب أو المنافق فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (٣). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَبْدُ إِذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُل مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ" قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ

стр. 143

وَلا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ" (١). * فائدة: هذا المصطلح أطلقه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأراد به هذا المعنى الذي في الحديث، وأطلقه غيره وأراد به معنى آخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذه الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان برسله، وباليوم الآخر هي أمور متلازمة ... إلخ" (٢). وقال العلامة محمد السفاريني في معرض كلامه عن الأصول الثلاثة التي عليها مدار الخلق والأمر والسعادة: "فالأصل الأول إثبات التوحيد والصفات والقدر وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه وهي القصص التي قصها الله تعالى على عباده والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه ويكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب" (٣).

стр. 144

٢٨ - أصول الدين * تقدم تعريف الأصول في باب (أصول الإيمان) والمراد به هنا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وهناك نصوص لعلماء أهل السنة يثبتون فيها هذا التقسيم. وقال ابن دقيق العيد ﵀ في شرح حديث معاذ في بعثته إلى اليمن: "والبداءة في المطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به" (١). وقال أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في الموافقات: "الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف كما أنها في أصول كذلك" (٢). وفي بيان معنى الأصول يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول والدقيق مسائل فروع، فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهر والمتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا المتواترة ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر" (٣). وقال أيضًا ﵀: "إذا عرف هذان النوعان، فمن الناس من يسمى العلم

стр. 145

والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع علم الأصول، وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات، ويسمى النوع الآخر علم الفروع، وفروع الدين، وعلم الفقه والشريعة، ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين. ومن الناس من يجعل أصول الدين اسمًا لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير، سواء كان علميًا أو عمليًا سواء كان من القسم الأول أو الآخر؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين، وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك، وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف، وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام" (١). وأطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "أصول الدين" (٢) وذلك أن ملة النبي ﷺ تنقسم إلى اعتقادات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها. قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: "أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين (الفقه الأكبر) وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما
следующие страницы →