← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

"الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١). ومن هنا يعلم أن أصول الإيمان ستة: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، الإيمان بالرسل، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقدر خيره وشره. فهذه كما قال الشيخ عبد الرحمن القاسم: "أصول الإيمان التي تركب منها، والتي يزول بزوالها، ستة أركان، ويكون بزوال الواحد من تلك الستة، كافرًا كفرًا يخرج من الملة، وما عداها لا يزول بزواله؛ لكن منها ما يزول بزواله، كمال الإيمان الواجب، ومنها ما يزول بزواله، كمال الإيمان المندوب" (٢). وقد أفردنا لكل أصل بابا لوحده والله المستعان.

стр. 142

٢٧ - الأصولُ الثلاثة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته المشهورة الموسومة بثلاثة الأصول: "فإذا قيل لك ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها فقل معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمد ﷺ " (١). وقال الشيخ ابن عثيمين معلقًا على ذلك: "وهذه الثلاثة يشير بها ﵀ إلى الأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " (٢). * الدليل من السنة: حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح وسؤال القبر. وفيه الأصول التي يسأل عنها المرء في قبره إذا دفن وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فأقعداه فسألاه من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد، وأما المرتاب أو المنافق فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (٣). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعَبْدُ إِذا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُل مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ" قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ: لا دَرَيْتَ

стр. 143

وَلا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ" (١). * فائدة: هذا المصطلح أطلقه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأراد به هذا المعنى الذي في الحديث، وأطلقه غيره وأراد به معنى آخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذه الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان برسله، وباليوم الآخر هي أمور متلازمة ... إلخ" (٢). وقال العلامة محمد السفاريني في معرض كلامه عن الأصول الثلاثة التي عليها مدار الخلق والأمر والسعادة: "فالأصل الأول إثبات التوحيد والصفات والقدر وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه وهي القصص التي قصها الله تعالى على عباده والأمثال التي ضربها لهم. والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه ويكرهه. والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب" (٣).

стр. 144

٢٨ - أصول الدين * تقدم تعريف الأصول في باب (أصول الإيمان) والمراد به هنا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وهناك نصوص لعلماء أهل السنة يثبتون فيها هذا التقسيم. وقال ابن دقيق العيد ﵀ في شرح حديث معاذ في بعثته إلى اليمن: "والبداءة في المطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به" (١). وقال أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في الموافقات: "الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف كما أنها في أصول كذلك" (٢). وفي بيان معنى الأصول يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول والدقيق مسائل فروع، فالعلم بوجوب الواجبات كمباني الإسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهر والمتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا المتواترة ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر" (٣). وقال أيضًا ﵀: "إذا عرف هذان النوعان، فمن الناس من يسمى العلم

стр. 145

والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع علم الأصول، وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر، ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات، ويسمى النوع الآخر علم الفروع، وفروع الدين، وعلم الفقه والشريعة، ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين. ومن الناس من يجعل أصول الدين اسمًا لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير، سواء كان علميًا أو عمليًا سواء كان من القسم الأول أو الآخر؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين، وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك، وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف، وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام" (١). وأطلق بعض العلماء على العقيدة اسم "أصول الدين" (٢) وذلك أن ملة النبي ﷺ تنقسم إلى اعتقادات وعمليات، والمراد بالعمليات علم الشرائع والأحكام المتعلقة بكيفية العمل، كأحكام الصلاة والزكاة والبيوع وغيرها. قال ابن أبي العز في مقدمة شرح الطحاوية: "أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين (الفقه الأكبر) وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما

стр. 146

سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه ... " (١). وقال في الدرة المضية: وبعد فاعلم أن كل العلم ... كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي لأنه العلم الذي لا ينبغي ... لعاقل لفهمه لم يبتغ (٢) وهذا وإن كان مصطلحًا إلا أن هناك إشكالًا في بعض الأقوال في التفريق بين الأصول والفروع. فمن قائل: إن مسائل الأصول هي العلمية الاعتقادية التي يُطلب فيها العلم والاعتقاد فقط، ومسائل الفروع هي العملية التي يُطلب فيها العمل وهذا مردود بأن المسائل العملية منها ما يكفر جاحده مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان، كما أن المسائل العلمية فيها ما لا يأثم المنتازعون عليه كتنازع الصحابة: هل رأى محمدٌ ربَّه؟ ومن قائل: إن المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي وهذا الفرق خطأ أيضًا فقد كان على عهد النبي ﷺ طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي ﷺ فضلًا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي. ومن قائل: أن المسائل الأصولية هي المعلومة بالعقل والمسائل الفرعية هي المعلومة بالشرع قالوا: فالأول كمسائل الصفات والقدر، والثاني: كمسائل الشفاعة وخروج أهل الكبائر من النار وهذا مردود بأن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل فالكافر من جعله الله ورسوله

стр. 147

كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا (١). وأما إذا استخدم هذا الاصطلاح كما يفعل المعتزلة حيث جعلوا الأصول الخمسة هي أصول الدين فإنه ينكر عليهم أشد الإنكار، وكذلك ينكر على الشيعة الذين جعلوا الإمامة من أهم أصول الدين. وقد رد شيخ الإسلام على من أدخل في أصول الدين ما ليس منه فقال رحمه الله تعالى: "وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين. وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين، وإن أدخله فيه، مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر، ونحو ذلك من المسائل، ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها إما الاكوان وإما غيرها" (٢). وقال ﵀: "والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر والجسم والعرض تضمن كلامهم ذم من يدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين" (٣). وقال أيضًا: "ومن تدبر هذا رأى أهل البدع من النفاة يعتمدون على مثل هذا فيبتدعون بدعًا بآرائهم ليس فيها كتاب ولا سنة ثم يُكفِّرون من خالفهم فيما ابتدعوه، وهذا حال من كفر من الناس بما أثبتوه من الأسماء والصفات التي يسميها هو تركيبًا وتجسيمًا .. ونحو ذلك من الأقوال التي ابتدعها الجهمية والمعتزلة، ثم كفروا من خالفهم فيها، والخوارج الذين تأوّلوا آيات القرآن

стр. 148

وكفَّروا من خالفهم فيها أحسن حالًا من هؤلاء، فإن أولئك علَّقوا الكفر بكلام ما أنزل الله به من سلطان" (١). وقال أيضًا: "وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه أصول الدين، وهذا مسمى عظيم، والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم، فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل قد أنكروا أصول الدين، وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بيَّن فروع الدين دون أصوله كما قد بيَّنا هذا في غير هذا الموضع" (٢). وقال أيضًا: "وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات سواء كان المحدَث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى، كلفظ "أصول الدين" حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم، وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به ورسله، وأنزل به كتبه" (٣). وقال ﵀: "المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين، وأهم المطالب في الدين ينبغي أن يكون ذكرها في كتاب الله تعالى أعظم من غيرها، وبيان الرسول لها أولى من بيان غيرها، والقرآن مملوء بذكر توحيد الله تعالى، وذكر أسمائه وصفاته وآياته وملائكته .. والفرائض بخلاف الإمامة .. ومعلوم أن القرآن لم يدل على هذا كما دل

стр. 149

على سائر أصول الدين" (١). * حكم تقسيم الدين إلى لب وقشور: سُئل سلطان العلماء العز بن عبد السلام: هل يجوز أن يقول المكلف: "إن الشرع قشره علم الحقيقة لُبُّه" أم لا يجوز؟، فأجاب ﵀: "لا يجوز التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشرًا، وأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء ومن أجزاء علم الشريعة؟! ولا يُطلق مثل هذه الألقاب إلا غبيٌّ شقي قليل الأدب! ولو قيل لأحدهم: "إن كلام شيخك قشور" لأنكر ذلك غاية الإنكار ويُطلقُ لفظ القشور على الشريعة؟! وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فيُغرَّر هذا الجاهل تغريرًا يليق بمثل هذا الذنب" (٢). وقال تقي الدين السبكي: " ... وقولهم "من أهل القشور" إن أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام؛ فليس من القشور، بل من اللب، ومن قال عليه: "إنه من القشور" استحق الأدب، والشريعة كلها لباب" (٣). وليس المراد بهذا التقسيم أنه لا يُؤبه للفروع أو لا تأخذ حقها بالامتثال أو أن ينصب الاهتمام على الأصول فقط بحيث تهجر الفروع وإنما المراد أنها بالنسبة للأصول لا تبلغ مبلغها في الأهمية، فقد قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس ... " فنبه على المباني العظام، والأصول والفروع كلها تسير في مساق واحد من الالتزام بها ووجوب الامتثال فهي داخلة تحت حكم الله وخطابه، ويقاس صلاح القلب وفساده بظهور انقياده لشرائع الإسلام.

стр. 150

وليس المراد بالفروع أنها قشور يطرحها العبد وليست ذات فائدة، فهذا فيه غض من شأنها وتهوين لأمرها، وقد أنكر السلف على من هوَّن أمرها، أو قلل من شأنها ومن ذلك أن الإمام مالك ﵀ سُئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: ليس في العلم شيء خفيف أما سمعت قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة (١). وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن تقسيم الدين إلى قشور ولب، (مثل اللحية)؟. فأجاب ﵀ بقوله: "تقسيم الدين إلى قشور ولب، تقسيم خاطئ وباطل، فالدين كله لب، وكله نافع للعبد، وكله يقربه لله ، وكله يُثاب عليه المرء، وكله ينتفع به المرء، بزيادة إيمانه وإخباته لربه حتى المسائل المتعلقة باللباس والهيئات وما أشبهها، كلها إذا فعلها الإنسان تقربًا على الله واتباعًا لرسوله ﷺ فإنه يُثاب على ذلك، والقشور كما نعلم لا ينتفع بها بل ترمى، وليس في الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية ما هذا شأنه، بل كل الشريعة الإسلامية لب ينتفع به المرء إذا أخلص النية لله، وأحسن في اتباعه رسول الله ﷺ وعلى الذين يروجون هذه المقالة، أن يفكروا في الأمر تفكيرًا جديًا، حتى يعرفوا الحق والصواب، ثم عليهم أن يتبعوه، وأن يدعوا مثل هذه التعبيرات، صحيح أن الدين الإسلامي فيه أمور مهمة كبيرة عظيمة، كأركان الإسلام الخمسة، التي بينها الرسول ﷺ بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". وفيه: أشياء دون ذلك، لكنه ليس فيه قشور لا ينتفع بها الإنسان، بل يرميها ويطرحها.

стр. 151

وأما بالنسبة لمسألة اللحية: فلا ريب أن إعفاءها عبادة؛ لأن النبي ﷺ أمر به وكل ما أمر به النبي ﷺ فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، بامتثاله أمر نبيه ﷺ ، بل إنها من هدي النبي ﷺ وسائر إخوانه المرسلين، كما قال الله تعالى عن هارون: أنه قال لموسى ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، وثبت عن النبي ﷺ أن إعفاء اللحية من الفطرة التي فطر الناس عليها، فإعفاؤها من العبادة وليس من العادة، وليس من القشور كما يزعمه من يزعمه" (١). وقال الشيخ بكر أبو زيد: "وقد أنحى المقبلي في "العلم الشامخ" على من قال: الخلاف في الفروع سهل، وما جرى مجرى ذلك مما تجده منتشرًا اليوم، بل تحول إلى مقولة هزيلة بحيث أوردوا قولهم: هذا قشور وذلك لباب ويعنون بالقشور: المسائل الفقهية الدائرة في محيط الاستحباب، أو الكراهة، ونحو ذلك من أمور التحسينات والحاجيات، وهذا النبزُ إحياءٌ لما لدى المتصوفة، من تسميتهم أهل الفقه باسم: أهل القشور وأهل الرقص من الصوفية: أهل الحقيقة، فانظر كيف أن الأهواء يجر بعضها بعضًا. وابن تيمية ﵀ كثيرًا ما يستعمل هذا التعبير، فمراده إذًا من إنكار التفريق ترتيب التكفير، وعليه: فإن المعيَّن لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه" (٢). ٢٩ - إضافه النعم لغير الله انظر: باب (كفر النعمة).

стр. 152

٣٠ - الإطراء * [الغلو - التنطع] الإطراء في اللغة: المدح، وقال الفيومي: "طريت فلانًا مدحته بأحسن ما فيه، وقيل: بالغت في مدحه وجازوت الحد" (١). وقال ابن الأثير: "الإطراء: المبالغة في المدح والإسراف بما ليس في الممدوح" (٢). وقال ابن حجر: "الإطراء: المدح بالباطل" (٣). وفي الشرع: قال الإمام البغوي: "هو المبالغة في المدح والتعظيم والكذب فيه" (٤) * الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فإِنَّمَا أَنَا عَبْده، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ" (٥). * أقوال العلماء: يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وقوله: "إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله) أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي، كما غلت النصارى في عيسى ﵇، فادّعَوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبدُ الله، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، فقولوا:

стр. 153

عبدُ الله ورسوله. فأبى المشركون إلا مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، فعظّموه بما نهاهم عنه وحذَّرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة، وضاهوا النصارى في غُلُّوهم وشركهم، ووقعوا في المحذور، وجرى منهم من الغلو والشرك شعرًا ونثرًا ما يطولُ عدُّه، وصنَّفوا فيه المصنفات. وقد ذكر شيخُ الإسلام عن بعض أهل زمانه: أنه جوَّز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كلِّ ما يُستغاث فيه بالله. وصنَّف في ذلك مصنفًا، ردَّه شيخ الإسلام، وردُّه موجودٌ بحمد الله" (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وهذا النهي يحتمل انه مُنصَبّ على هذا التشبيه، وهو قوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، حيث جعلوه إلهًا أو ابنًا لله، وبهذا يوحي قول البوصيري: دع ما ادَّعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه أي دع ما قاله النصارى أن عيسى ﵇ ابن الله أو ثالث ثلاثة والباقي املأ فمك في مدحه ولو بما لا يرضيه. ويحتمل أنّ النهي عام؛ فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى بن مريم وما دونه، ويكون قوله (كما أطرت) لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق؛ لأنَّ إطراء النصارى عيسى بن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم ﷺ حيث جعلوه ابنًا لله وثالث ثلاثة، والدليل على أن المراد هذا قوله: "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"" (٢). وفي هذا الحديث النهي عن مدح النبي ﷺ المدح الزائد عن منزلته لأن الغلو قد يؤدي إلى الشرك بالله كما صار للنصارى.

стр. 154

٣١ - اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ قال ابنُ حَزْمٍ: "ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة، وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك" (١). * حكمهم: من اعتقد ذلك فهو كافر والعياذ بالله. وقد حكى القاضي عياض إجماع المسلمين على كفر بعض المتصوفة القائلين: "إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها، وإباحة كل شيء لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم" (٢). وفي معرض كلام شيخ الإسلام عن "اليقين" قال: "وقوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] كقولك يأتيك ما توعد. فأما أن يظن أن المراد: اعبده حتى يحصل لك إيقان. ثم لا عبادة عليك فهذا كفر باتفاق المسلمين" (٣). قال ابن كثير ﵀: "ويستدلُّ بها - أي الآية ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ - على تخطئة من ذهب من الملاحدة، إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عِنْدَهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء عليهم

стр. 155

السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت كما قدمنا" (١). قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ... ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله" (٢). وقال ﵀: "ومن اعتقد أن لله رجالًا خواصًا لا يحتاجون إلى متابعة محمد ﷺ بل استغنوا عنه كما استغنى الخضر عن موسى ... فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام" (٣). وقال: "ومن ادَّعى أن له طريقًا إلى الله يوصله إلى رضوان الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التي بعث بها رسوله، فإنه كافر يُستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (٤). قال ابن القيم: "ومن ظن أن يستغني عما جاء به الرسول ﷺ بما يلقى في قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرًا، وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وهذا تارة، فما يلقى في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان" (٥). قال في الإقناع: "ومن اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه ﷺ وأخذ ما بعث به، أو

стр. 156

قال أنا محتاج إليه في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ أو أن هدى غير النبي خير من هديه فهو كافر" (١). وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب هذا الباب في نواقض الإسلام حيث قال: "التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ ، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى ﵉ فهو كافر" (٢). * الرد على شبهة احتجاجهم بقصة الخضر: أورد شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ شبهة احتجاجهم بقصة الخضر في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه ورد عليها بما يأتي: الأول: موسى ﵇ يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد ﷺ فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر: كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا، لهذا قال الخضر لموسى: "أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه (٣)، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه" وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.

стр. 157

الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك (١). قال شارح الطحاوية: "وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵉، في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدُنِّي، الذي يدّعيه بعض من عُدِمَ التوفيق: فهو ملحد زنديق، فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته. ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيَّيْنِ لكانا من أتباعه. وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض، إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوّز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادةَ الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم، وأهل الاستقامة، وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله ﷺ حين أحصِرَ عنها، وهو يَوَدُّ منها نظرةً؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢] إلى آخر السورة" (٢).

стр. 158

٣٢ - الاعتكاف عِندَ القبور والمشاهد * العكف في اللغة: "الحبس والوقف والإقامة" (١). قال النووي: "الاعتكاف: أصله الحبس واللبث والملازمة للشيء فسمِّي الاعتكاف الشرعي لملازمته المسجد ولبثه فيه" (٢). وفي الشرع: قال الحجاوي ﵀: "لزوم مسجد لطاعة الله تعالى" (٣). وقال ابن هبيرة: "عبارة عن اللبث في المسجد بنية الاعتكاف" (٤). ومذاهب الفقهاء اختلفت في مدة الاعتكاف، ففريق قال بتحديد أقل الاعتكاف، وفريق آخر قال بعدم تحديد أقله، وأنه يصح بما يطلق عليه لبث في المسجد، وأكثر أهل العلم على أنه غير محدد بمدة، فيجزئ فيه ما يسمى لبث كلبث ساعة ونحوها" (٥). وهذا يهمنا في فهم صورة الاعتكاف الشركي، إذ المراد من الترجمة هنا التحذير من مشابهة المشركين في العكوف عِنْدَ الأصنام حيث

стр. 159

يعكف القبوريون عِنْدَ القبور ويقيمون عِنْدها تعبدًا لغير الله. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. * الدليل من السنة: "عن أبي واقد الليثي، أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلِّقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. قال: فمررنا بسدة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "قلتم والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، إنها لسنن لتركبنَّ سُنن من كان قبلكم سنة سنة"" (١). * أقوال العلماء: قال في شفاء الصدور: "فالعكوف المجاورة عِنْدَ قبر نبي أو غير نبي أو مقام نبي أو غير نبي ليس هو من دين المسلمين بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبرالله إذ قال لهم إبراهيم إمام الحنفاء: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] فعكوف المؤمنين في المساجد وعكوف الجاهلين في المشاهد هو من جنس عكوف المشركين فإن المشركين يعكفون على ما يرجونه ويخافونه ويتخذونه شفعا إلى الله قال: فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن العالم له خالقًا ولا أن يساويه في صفاته بل كان يقرون بأن خالق السموات والأرض واحد. كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧] وقوله: وكانوا يتخذون آلهتهم

стр. 160

إخبارًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهؤلاء العاكفون على القبور قد شابههم في الصورة المطلوب اجتنابها ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: يسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله ومع هذا يعبدون غيره، وهذا التوحيد لا يخلص بمجرده عن الشرك بل لا بد أن يخلص الدين لله فلا يعبد إلا إياه والكمال أن لا يرجو ولا يخشى إلا إياه حقيقة ومجازًا" (١). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن نوع هذا الشرك: الاعتكاف على قبور المشهورين بالنبوة، أو الصحبة، أو الولاية، وشد الرحال إلى زيارتها، لأن الناس يعرفون الرجل الصالح، وبركته، ودعاءه، فيعكفون على قبره، ويقصدون ذلك؛ فتارة يسألونه؛ وتارة يسألون الله عِنْدَه؛ وتارة يصلون ويدعون الله عِنْدَ قبره. ولما كان هذا بدء الشرك، سد النبي ﷺ هذا الباب ففي الصحيحين، أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن ينخذ مسجدًا" (٢).

стр. 161

٣٣ - الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به في اللغة: قال المناوي: "الإعراض: الإضراب عن الشيء وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة أي أخذت عرضا أي جانبا غير الجانب الذي هو فيه" (١). قال في اللسان: "والإعراض عن الشيء: الصد عنه، وأعرض عنه: صد" (٢). "والإعراض الصدود، أعرض عنه: صد ووَلَّى" (٣). والمقصود بالإعراض: الإعراض التام عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به. لا يبالي بالدين أصلًا، فلا يتعلم شيئًا من الدين ولا يوالي فيه ولا يعادي فيه، وهؤلاءلايعلمون الحق كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]. فجعل سبب عدم علمهم بالحق، لا لخفاء الحق في نفسه، ولكن لأنهم معرضون عن الديانة، وكذلك قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. فالإعراض المكفر هو الإعراض عن تعلُّم أصل الإيمان، أما إذا كان معه أصل الإيمان وأعرض عن فعل واجب من الواجبات الشرعية فهذا ينقص الإيمان ولا ينفيه بالكلية (٤).

стр. 162

* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]. قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾: "أي لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها" (١). حكمه: وهذا هو الناقض الأخير الذي ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإمام ﵀ في نواقض الإسلام العشرة فقال: "العاشر: الإعراض عن في دين الله لا يتعلمه ولا يعمل بِه، والدليل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ " (٢). ولتوضيح هذا الأمر فقد بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك أنواع الردة ثم أردفها بتنبيهات فقال: "التنبيه الثالث: ما يلزم منه لزومًا ظاهرًا ويدل دلالة ظاهرة على عدم الإقرار بالشهادتين باطنًا ولو أقرَّ بهما ظاهرًا، وذلك يشمل أمورًا منها: الإعراض عن دين الإسلام، لا يتعلمه ولا يعمل به، ولا يبالي بما يترك من الواجبات، وما يأتي من المحرمات، ولا بما يجهل من الأحكام. وينبغي أن يعلم أن المكلف لا يخرج من كفر الإعراض - المستلزم لعدم إقراره - بفعل أي خصلة من خصال البر، وشعب الإيمان؛ فإن هذه الخصال ما يشترك الناس في فعله - كافرهم ومؤمنهم - كإماطة الأذى عن الطريق، وبر

стр. 163

الوالدين، وأداء الأمانة. وإنما يتحقق عدم هذا الإعراض، والسلامةُ منه بفعل شيء من الواجبات التي تختص بها شريعة الإسلام التي جاء بها الرسول ﷺ كالصلاة والزكاة والصيام والحج - إذا فعل شيئًا من ذلك إيمانًا واحتسابًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله مع عدم شيء (١) من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ " اهـ (٢). وذكر ابن القيم ضابطًا للإعراض فقال ﵀: "وأما كفر الإعراض فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدق ولا يكذب، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة" (٣). وقال في موضع آخر عن أنواع الكفر: "الثالث: كفر إعراض محض لا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه، ولا يبغضه، ولا يواليه، ولا يعاديه، بل هو معرض عن متابعته ومعاداته" (٤). فتبيَّن أن المعرض لا يبالي أن يكون من أنصار الرسول، أو أن لا يكون من أنصار الرسول، أو أن يكون باحثًا عن الحق، أو أن لا يكون باحثًا عن الحق، أو أن يكون متبعا للدين، أو لا يكون متبعا للدين وهذا هو حاصل كلام ابن القيم فتجد أن المرء ليس عِنْدَه علم بالإسلام، ولا عِنْدَه علم بالرسالة، وليس من أهل الديانة أصلًا لأنه معرض عنها. فالتوحيد ليس مجرد الإقرار ثم يترك العمل ويعرض عنه وعن أحكامه.

стр. 164

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فإذا قيل: التوحيد زين، والدين حق، إلا التكفير، والقتال، قيل: اعملوا بالتوحيد، ودين الرسول، ويرتفع حكم التكفير، والقتال، فإن كان حق التوحيد الإقرار به، والإعراض عن أحكامه، فضلا عن بغضه، ومعاداته، فهذا والله عين الكفر وصريحه؛ فمن أشكل عليه من ذلك شيء فليطالع سيرة محمد ﷺ ، وأصحابه" (١). ومن الآيات التي يناسِب ذكرها هنا: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، قال الإمام ابن القيم في معنى هذه الآية: "فجعل الإعراض عما جاء به الرسول والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه والتسليم لما حكم به رضى واختيارا ومحبة فهذا حقيقة الإيمان وذلك الإعراض حقيقة النفاق ... " (٢). وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١]. قال ابنُ حَزْمٍ عن هذه الآيات: "هذه الآيات محكمات لم تدع لأحد علقة يشغب بها، قد بين الله فيها صفة فعل أهل زماننا فإنهم يقولون: نحن المؤمنون بالله وبالرسول ونحن طائعون لهما، ثم يتولى طائفة منهم بعد هذا الإقرار

стр. 165

فيخالفون ما وردهم عن الله ورسوله ﷺ ، أولئك بنص حكم الله تعالى ليسوا مؤمنين" (١). وقال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "فبَيَّن الله سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وإن المؤمن هو الذي يقول سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة فكيف بالنقض والسب ونحوه" (٢). * الفرق بين التولي والإعراض: قال أبو البقاء الكفوي في الكليات: "الإعراض: أن تولي الشيء عرضك: أي جانبك ولا تقبل عليه، والتولي: الإعراض مطلقا، ولا يلزمه الإدبار ... والإعراض: الانصراف عن الشيء بالقلب، قال بعضهم: المعرض والمتولي يشتركان في ترك السلوك إلا أن المعرض أسوأ حالًا ... وغاية الذم الجمع بينهما" (٣). وقال المناوي: "التولِّي: الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل ذكره الحرالي" (٤).

стр. 166

٣٤ - أعمال القلوب * هي ما تعلقت بعمل القلب وارتبطت به كالتوكل والمحبة والرغبة والرهبة والرجاء والخوف والإخلاص وتسمى أيضًا عبادة قلبية (١). قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: "وإنما أعطى الله كلَّ جارحة عملًا لم يُعطه الأخرى، فعمل القلب: الاعتقاد، وعمل اللسان: القول، وعمل اليد: التناول، وعمل الرجل: المشي، وكلها يجمعها اسم العمل" (٢). وقال ابن العربي ﵀: "فالعمل له محلان: أحدهما القلب، والآخر الجوارح وعلى القلب أمران: أحدهما الاعتقاد، والآخر الإخلاص" (٣). وقال ابن تيمية ﵀: "وأصل العمل عمل القلب وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار" (٤). وقال أيضًا: "وعمل القلب هو المحبة على سبيل الخضوع" (٥). وقال أيضًا: "والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب جِماعه الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به" (٦).

стр. 167

وقال ﵀: "فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب، ولابد فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته. ويقال لهذا: قول القلب. قال الجنيد بن محمد: "التوحيد: قول القلب، والتوكل: عمل القلب، فلابد فيه من قول القلب، وعمله: ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب، مثل حب الله ورسوله، وخشية الله وحب ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان، ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب"" (١). وقال ابن القيم ﵀: "وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لابد فيه من عمل القلب وهو حبه لله ورسوله وانقيادة لدينه والتزامه طاعته ومتابعه رسوله وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره" (٢). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: "عمل القلب هو قصده واختياره ومحبته ورضاه وتصديقه" (٣). * ومن أعمال القلوب: اليقين: وهو أهمها وروحها، قال ابن القيم: "فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال القلوب التي هي من أعمال الجوارح وهو حقيقة الصديقية وهو

стр. 168

قطب هذا الشأن الذي عليه مداره. وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التميمي عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا ترضينَّ أحدًا بسخط الله، ولا تحمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تذمنَّ أحدًا على ما لم يؤتك الله، فإن ما رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بعدله وقسطه جعل الرَّوْح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (١) " (٢). الرضى: قال ابن القيم ﵀: "إن الرضى من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان قال أبو الدرداء: ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم والرضى بالقدر" (٣). الصدق: قال ابن القيم: "ولهذا كان أصل أعمال القلوب كلها الصدق وأضدادها من الرياء والعجب والكبر والفخر والخيلاء والبطر والأشر والعجز والكسل والجبن والمهانة وغيرها أصلها الكذب فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارها بمثل الكذب" (٤). * العلاقة بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح: قال ابن القيم ﵀: "إن لله على العبد عبوديتين: عبودية باطنة وعبودية ظاهرة،

стр. 169

فله على قلبه عبودية، وعلى لسانه وجوارحه عبودية فقيامه بصورة العبودية الظاهرة مع تعريه عن حقيقة العبودية الباطنة مما لا يقربه إلى ربه ولا يوجب له الثواب وقبول عمله فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر فعمل القلب هو روح العبودية ولبها، فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح والنية هي عمل القلب الذي هو ملك الأعضاء والمقصود بالأمر والنهي فكيف يسقط واجبه ويعتبر واجب رعيته وجنده وأتباعه اللاتي، إنما شرعت واجباتها لأجله ولأجل صلاحه وهل هذا إلا عكس القضية وقلب الحقيقة والمقصود بالأعمال كلها ظاهرها وباطنها إنما صلاح القلب وكماله وقيامه بالعبودية بين يدي ربه وقيومه وإلهه ومن تمام ذلك قيامه هو وجنده في حضرة معبوده وربه فإذا بعث جنوده ورعيته وتغيب هو عن الخدمة والعبودية فما أجدر تلك الخدمة بالرد والمقت وهذا مثل في غاية المطابقة وهل الأعمال الخالية عن عمل القلب إلا بمنزلة حركات العابثين وغايتها أن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب ولما رأى بعض أرباب القلوب طريقة هؤلاء انحرف عنها إلى أن صرفه همه إلى عبودية القلب وعطل عبودية الجوارح وقال المقصود قيام القلب بحقيقة الخدمة والجوارح تبع والطائفتان متقابلتان أعظم تقابل هؤلاء لا التفات لهم إلى عبودية جوارحهم ففسدت عبودية قلوبهم وأولئك لا التفات لهم إلى عبودية قلوبهم ففسدت عبودية جوارحهم والمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرا وباطنا وقدموا قلوبهم في الخدمة وجعلوا الأعضاء تبعا لها فأقاموا الملك وجنوده في خدمة المعبود وهذا هو حقيقة العبودية ومن المعلوم أن هذا هو مقصود الرب تعالى بإرساله رسله وإنزاله كتبه وشرعه وشرائعه فدعوى المدعي أن المقصود من هذه العبودية حاصل وإن لم يصحبها عبودية القلب من أبطل الدعاوي وأفسدها والله الموفق.

стр. 170

ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها عَلِم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميزت بينهما، وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟. وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت؛ ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب ومركب الإسلام الجوارح فهذه كلمات مختصرة في هذه المسألة لو بسطت لقام منها سفر ضخم وإنما أشير إليها إشارة" (١). وقال في مدارج السالكين: "إن أعمال الجوارح تضاعف إلى حد معلوم محسوب وأما أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها وذلك لأن أعمال الجوارح لها حد تنتهي إليه وتقف عِنْدَه فيكون جزاؤها بحسب حدها، وأما أعمال القلوب فهي دائرة متصلة وإن توارى شهود العبد لها. مثاله: أن المحبة والرضى حال المحب الراضي لا تفارقه أصلًا، وإن توارى حكمها فصاحبها في مزيد متصل فمزيد المحب الراضي متصل بدوام هذه الحال له، فهو في مزيد ولو فترت جوارحه بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثير من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده حال نومه أكثر من مزيد كثير من أهل القيام وأكله أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع. فإن أنكرت هذا فتأمل مزيد نائم بالله وقيام غافل عن الله،

стр. 171

فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم لا إلى صور الأعمال" (١). * ومن أعمال القلوب وأعمال الجوارح: قال ابن القيم: "وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والذل له والخضوع والإخبات إليه والطمأنينة به وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها وعمل الجوارح بدونها إما عدم المنفعة أو قليل المنفعة وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك" (٢).

стр. 172

٣٥ - الأعياد انظر باب (عيد). ٣٦ - الإقامة في بلاد الكفار * [الولاء والبراء - الهجرة] قال الشيخ ابن عثيمين: "الإقامة في بلاد الكفار خطرها عظيم على دين المسلم، وأخلاقه، وسلوكه، وآدابه وقد شاهدنا وغيرنا انحراف كثير ممن أقاموا هناك فرجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا فسّاقًا، وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان - والعياذ بالله - حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين، ولهذا كان ينبغي بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوي في تلك المهالك" (١). وقد جاء في الكتاب والسنة النهي عن التشبه بالكفار كما جاء النهي عن الأسباب الموصلة إلى التشبه بهم، فالإقامة في بلادهم سببٌ في التشبه بهم ظاهرًا وباطنًا؛ فأمرت الشريعة بالابتعاد عن منازل المشركين وجاء الوعيد في حق من ساكنهم وخالطهم وأقام في بلادهم.

стр. 173

* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع" (١). * الدليل من السنة: عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال رسول الله ﷺ : "تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين" (٢). وقال ﷺ : "لا يَقْبَلُ الله مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ" (٣). وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ مرفوعًا: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: "لا قراءى نارهما" (٤). قال الخطابي: "في قوله "لا تراءى نارهما" ثلاثة أوجه: أحدهما: معناه لا يستوي حكماهما، قاله بعض أهل العلم. وقال بعضهم: معناه أن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها. وفيه وجه ثالث ذكره بعض أهل اللغة قال: معناه لا يتسم بسمة المشرك ولا

стр. 174

يتشبه به في هديه وشكله. والعرب تقول: ما نار بعير؟ أي: ما سمته" (١). وقال ابن الأثير: ""لا تراءى ناراهما". أي: يلزم المسلم ويجب عليه أن يُباعِد منزِلَه عن منزِلِ المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقِدتْ فيه نارُه تَلوُح وتظهرُ لنار المشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم" (٢). وقال ابن القيم: "إن النار هي شعار القوم عند النزول وعلاماتهم وهي تدعوهم إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألم بها جاور أهلها وسالمهم، فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران، وهذا شأنهما؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله، المشتمل على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة" (٣). * الفرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفر: انظر باب (الهجرة). * أقوال العلماء في النهي عن الإقامة ببلاد الكفار: للعلماء كلام في الإقامة ببلد الكفر سواء كانت بلد حرب أو بلد عهد، ويلحظ أن الحكم يختلف باختلاف الدار، كما يختلف باختلاف نية المقيم وقدرته على إظهار دينه (٤). يقول ابن رشد: "فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر، ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث

стр. 175

تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك - رحمه الله تعالى - أن يسكن أحد ببلد يُسَبُّ فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء، مريض الإيمان" (١). وقال العيني: "وأما الهجرة عن المواضع التي لا يتأتى فيها أمر الدين فهي واجبة اتفاقًا" (٢). وسيأتي في باب (الهجرة) أقوال العلماء في ذلك. وقال الشيخ ابن عتيق: "من أقام ببلاد الكفر رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا كافر عدو لله ورسوله، لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] " (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين: "فالإقامة في بلاد الكفر لا بد فيها من شرطين أساسيين: الشرط الأول: أمن المقيم على دينه بحيث يكون عنده من العلم والإيمان، وقوة العزيمة ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ وأن يكون مضمرا لعداوة الكافرين وبغضهم مبتعدًا عن موالاتهم ومحبتهم، فإن موالاتهم ومحبتهم مما ينافي الإيمان قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ

стр. 176

وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢]. وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن: "من أحب قومًا فهو منهم، وأن المرء مع من أحب" (١). ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرًا على المسلم؛ لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ولذلك قال النبي ﷺ : "من أحب قومًا فهو منهم". الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ. وبعد تمام هذين الشرطين الأساسين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام: القسم الأول: أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه، فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها، لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد أمر النبي ﷺ ، بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال ﷺ "بلغوا عني ولو آية". القسم الثاني: أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليحذّر

стр. 177

الناس من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه، لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. لكن لا بد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينًا للمسلمين؛ ليعرف ما يدبرونه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم. القسم الثالث: أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها حكم ما أقام من أجله. فالملحق الثقافي مثلا يقيم ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة ويندرئ بها شر كبير. القسم الرابع: أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم ﵏ على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة وأثروا ذلك عن بعض الصحابة ﵃. القسم الخامس: أن يقيم للدراسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منها وأشد فتكًا بدين المقيم وأخلاقه، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو

стр. 178

مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجة إلى معلمه فيؤدي ذلك إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال. والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسف منهم، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط: الشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد فأما بعث الأحداث - صغار السن - وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم، وخلقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرا من أولئكم المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في دياناتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم ومشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية. الشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيرانًا أو يتبع الباطل. وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا عليّ فأضل". الشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا

стр. 179

صادفت محلا ضعيف المقاومة عملت عملها. الشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدراس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة. القسم السادس: أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وكاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ولذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله". وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له وجهة من النظر فإن المساكنة تدعوا إلى المشاكلة، وعن قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: "لا تراءى نارهما" (١). وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.

стр. 180

هذا ما توصلنا إليه في حكم الإقامة في بلاد الكفر نسأل الله أن يكون موافقا للحق والصواب" (١). ولبيان معنى إظهار الدين قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الإظهار ضد الإخفاء فالمظهر لدينه هو الذي يتمكن من إعلانه ولا يضطهد على ذلك ولا يخفيه والعاجز عن الإظهار هو الذي لا يقدر على إظهار إيمانه وتوحيده وعقائد دينه وشرائعه والدين لا يحد ولا يفسر بتفسير أحسن ولا أوضح من تفسير النبي ﷺ ولا أجمع فإنه فسره بمجموع عقائد الدين وشرائعه وحقائقه، فجعل ذلك كله هو الدين فمتى قدر الإنسان على إظهار هذه الأمور وعدم إخفاء شيء منها فهو المظهر لدينه، ومتى عجز عن إظهارها أو إظهار شيء منها فهو عاجز عن إظهار دينه". * حكم السفر إلى بلاد الكفار: سئل الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية، لأجل التجارة أم لا؟ فأجاب: "الحمد لله إن كان يقدر على إظهار دينه، ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد سافر بعض الصحابة ﵃ كأبي بكر ﵁ وغيره من الصحابة، إلى بلدان المشركين، لأجل التجارة، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ، كما رواه أحمد في مسنده وغيره. وإن كان لا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لم يجز له السفر إلى ديارهم، كما نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث، التي تدل على النهي عن ذلك، ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجز.
следующие страницы →