وَانتكَسَ (١)، وَإِذا شيكَ فَلا انتَقَشَ (٢)، طُوبَى (٣) لِعَبْدٍ آخِذٍ بعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاه، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنْ اسْتَأْذنَ لَمْ يُؤْذنْ لَه، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ" (٤).
عن أبي كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بشر هذه الأمة بالسناء (٥) والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" (٦).
وعن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كانت الدنيا همه فرَّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الدنيا الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (٧).
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي له العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار" (٨).
* أقوال السلف:
عن علي ﵁ أنه ذكر فتنًا في آخر الزمان فقال له عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: "إذا تُفقه لغير الدين، وتُعلّم العلم لغير العمل، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة" (٩).
стр. 72
وقال قتادة: "من كانت الدنيا همه ونيته وطُلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها جزاء. وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة" (١).
* حكم إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا:
قال ابن سعدي ﵀: "وأما العمل لأجل الدنيا وتحصيل أغراضها فإن كانت إرادة العبد كلها لهذا القصد ولم يكن له إرادة لوجه الله والدار الآخرة فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن فإن المؤمن ولو كان ضعيف الإيمان لا بد أن يريد الله والدار الآخرة.
وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا والقصدان متساويان أو متقاربان فهذا وإن كان مؤمنًا فإنه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص وعمله ناقص لفقدان كمال الإخلاص.
وأما من عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصًا تامًا ولكنه يأخذ على عمله جُعْلًا معلومًا يستعين به على العمل والدين كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير، وكالمجاهد الذي يترتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل له مُعينًا على قيام الدين؛ ولهذا جعل الله في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزءًا كبيرًا لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة كما قد عرف تفاصيل ذلك، فهذا التفصيل يُبَيِّنُ لك حكم هذه المسألة كبيرة الشأن، ويوجب لك أن تنزل الأمور منازلها والله أعلم" (٢).
стр. 73
* أحكام وفوائد:
١. الفرق بين إرادة الإنسان بعمله الدنيا وبين الرياء:
الذي يظهر أن فقه هذا الباب غير فقه باب الرياء.
فتعريف الرياء: هو تحسين العبادة في الظاهر أو إظهارها أو الإخبار عنها بقصد رؤية الناس وكسب الثناء منهم.
أما إرادة الإنسان بعمله الدنيا فقد أراد بعمله الديني المنفعة الدنيوية. فهما مختلفان، وقد أفرد الإمام محمد بن عبد الوهاب المجدد لكل منهما بابًا مستقلًا في كتاب التوحيد.
قال الشيخ ابن عثيمين: "الإنسان يعمل رياءً يريد أن يُمدح في العبادة فيقال هو عابد ولا يريد النفع المادي، أما إذا أراد بعمله الدنيا فهو لا يريد أن يُمدح بعبادته ولا يريد المراءاة بل يعبد الله مخلصًا له ولكنه يريد شيئًا من الدنيا؛ كالمال، والمرتبة، والصحة في نفسه وأهله وولده وما أشبه ذلك فهو يريد بعمله نفعًا في الدنيًا غافلًا عن ثواب الآخرة" (١).
٢. صور من إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
ذكر الشيخ ابن عثيمين صورًا من إرادة الإنسان بعمله الدنيا فقال:
"١ - أن يريد المال كمن أذّن ليأخذ راتب المؤذن أو حج ليأخذ المال.
٢ - أن يريد المرتبة كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة فترتفع مرتبته.
٣ - أن يريد دفع الأذى والأمراض والآفات عنه كمن تعبد لله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا بمحبة الخلق له، ودفع السوء عنه وما أشبه ذلك.
٤ - أن يتعبد لله يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير وهناك أمثلة كثيرة" (٢).
стр. 74
٣. الأعمال التي رتب عليها الشارع ثوابًا دنيويًا:
ومثال ذلك قوله ﷺ : "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه"، وقوله ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سَلَبُه" ونحو ذلك. فهذا إذا استحضر ثواب الآخرة وسعى لها ورغب إليها واستحضر ثواب الدنيا ولم يقتصر عليها بل كان قلبه معلقًا بالآخرة فلا بأس بذلك مع العلم بأن الأفضل استحضار ثواب الآخرة فقط؛ لأن الشارع إنما رتب الثواب الدنيوي لجواز قصده.
وإن لم يرتب الشارع لها ثوابًا دنيويًا ولم يرغب فيه فقصد ثواب الدنيا محرم وشرك بالله وهذه المسائل كثيرة، وصورها لا يتأتى حصرها في مثل هذا، والأمر كما قال ابن القيم ﵀: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التى أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] " (١).
فينبغي للعبد أن يكون مخلصًا لله، مريدًا بعمله وجه الله حتى يغنم الأجرين في الدارين؛ لأن من أراد الله والآخرة جمع الله له ثواب الدنيا والآخرة، ولا يلتفت إلى تحصيل الدنيا، وقد جاءت الأحاديث محذرة من ذلك، أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء، عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٢).
стр. 75
وعن أبي أمامة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ قال رسول الله ﷺ : "لا شيء له"، فأعادها ثلاث مرات يقول له الرسول ﷺ : "لا شيء له". ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه" (١).
٤ - بعض الناس عِنْدَما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، فمثلًا يقولون في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بَيَّنَ الله تعالى في كتابه عن حكمة الصوم مثلًا أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية (٢).
٥ - سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ السؤال التالي: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عِنْدَ قصدهم العلم والشهادة فكيف يتخلص طالب العلم من هذا الحرج؟
فأجاب بقوله: "يُجاب عن ذلك بأمور:
أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذون هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة.
الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.
стр. 76
الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣،٢] وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي" (١).
٦ - بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من طلب العلم أو غيره مما هو خير في نفسه لما فيه من المحبة له لا لله ولا لغيره من الشركاء فليس مذمومًا بل قد يثاب بأنواع من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها فيتنعم بذلك في الدنيا ولو كان فعل كل حسن لم يفعل لله مذمومًا لما أطعم الكافر بحسناته في الدنيا؛ لأنها تكون سيئات، وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه الله إلى أن يتقرب بها إليه وهذا معنى قول بعضهم: "طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله" وقول آخر: "طلبهم له نية". يعني نفس طلبهم حسن ينفعهم، وهذا قيل في العلم لأنه الدليل المرشد فإذا طلبه بالمحبة وحصَّله عرّفه الإخلاص، فالإخلاص لا يقع إلا بالعلم فلو كان طلبه لا يكون إلا بالإخلاص لزم الدور (٢).
٧ - قال الألوسي في تفسير قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]: "وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أن آية الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] نسخت آية هود" (٣).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "نسختها أي: قيدتها وخصصتها، فإن السلف كانوا يسمون التقييد والتخصيص نسخًا، وإلا فالآية محكمة" (٤).
стр. 77
قال أنس بن مالك والحسن: "نزلت في اليهود والنصارى" (١).
وقال غيرهم: "هذا في الكفار" (٢).
* وهنا يرد إشكالان:
الأول: دلالة الآية في الكفار الأصليين فكيف تذكر في حق المسلمين؟.
الثاني: أنها لو كانت في المسلمين لاقتضى تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار (٣).
ويجاب عن الإشكال الأول: بأن السلف ورد عنهم أيضًا أنهم أدخلوا أصنافًا من المسلمين في هذه الآية فقال مجاهد في تفسيرها: "هم أهل الرياء" (٤).
وقال البغوي: "نزلت في كل من عمل عملًا يريد به غير الله " (٥).
وفي التيسير: "قال الضحاك: "من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختاره الفراء"، قال ابن القيم: "وهذا القول أرجح"، ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها" (٦).
فهذه الآية وإن نزلت في الكفار فإن بعض المؤمنين اشتركوا معهم في وصفهم فأصبح الحكم واحدًا، ومن هنا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الآية في باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
والعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية نزلت في الكفار ولكن لفظها يشمل كل من أراد الدنيا بعمله الصالح من غير الكفار وهي في حق المسلم
стр. 78
لا تقتضي تخليده في النار، قال الإمام ابن القيم مجيبًا عن هذا الإشكال: "إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ما ينجيه. فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها، بل أراد به الله والدار الآخرة، لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل. ونجاة هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة. فالإيمان إيمانان:
إيمانٌ: يمنع دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه.
وإيمانٌ: يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود. فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد" (١).
وقد سُئل الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه: "ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه.
فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في طلب الجنة، والهرب من النار، فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عَبَّاسٍ.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالًا صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالًا صالحة يقصد بها مالًا مثل أن يحج لمال يأخذه
стр. 79
لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل الغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية. وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء؛ لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] " (١).
١٢ - الاسترقاء
هو طلب الرقية. وسيأتي الكلام عنه في باب (الرقى).
стр. 80
١٣ - الْاِسْتِسْقَاءُ بالْأنوَاءِ *
الاستسقاء لغة: طلب السقيا ومجيء المطر.
والنوء: سقوط نجم من النازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته (١). والنوء جمعه أنواء.
قال ابن الأثير: "ناء. يَنُوء نوءًا: أي نهض وطلع" (٢).
وفي قول الرسول ﷺ : "ولا نوء" يقول الإمام البغوي: "أراد به ما كانت العرب تنسب المطر إلى أنواء الكواكب الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وتقول: مطرنا بنوء كذا، فأبطل الشرع أن يكون بنوء النجم شيء إلا بإذن الله، كما أخبر الرسول ﷺ عن ربه قال: "من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب"" (٣).
وقال النووي: "وأما النوء ففيه كلام طويل قد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله تعالى - فقال: النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب، فإنه مصدر
стр. 81
ناء النجم ينوء نوءا، أي سقط وغاب، وقيل: أي نهض وطلع.
وبيان ذلك: أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته.
وكان أهل الجاهلية إذا كان عِنْدَ ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعي: "إلى الطالع منهما"، قال أبو عبيد: "ولم أسمع أحدا ينسب النوء للسقوط إلا في هذا الموضع، ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوءا تسمية للفاعل بالمصدر". وقال أبو إسحاق الزجّاج في بعض أماليه: "الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارج"" (١).
قال ابن الأثير: "وإنما يسمى نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناءَ الطالعُ بالمشرق. وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد" (٢).
قال أبو بكر الرازي: "وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها. وقيل إلى الطالع منها لأنها في سلطانه" (٣).
والخلاصة أن الاستسقاء بالأنواء: يراد به نسبة الحوادث إليها نسبة إيجاد أو جعلها سببا لوجود الحوادث كالمطر والرياح والحر والبرد. والنسبة قد تكون إلى طلوع النجم أو غروبه على ما كانت الجاهلية تعتقده.
* الدليل من الكتاب: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] (٤).
جاء عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال:
стр. 82
شكركم تقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا" (١).
* الدليل من السنة: عَنْ زيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى بنَا رَسُولُ الله ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: "أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ (٢) فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَب" (٣).
جاء في صحيح مسلم عن ابن عَبَّاسٍ قال: مطر الناس على عهد النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا"، قال فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر" (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ليبيت القوم بالنعمة ثم يصبحون وأكثرهم كافرون يقولون مطرنا بنجم كذا كذا" (٦).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم وتكذيب بالقدر وحيف السلطان" (٧).
стр. 83
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب (١)، والطعن في الأنساب (٢)، والاستسقاء بالنجوم والنياحة" (٣).
* حكم الاستسقاء بالأنواء:
ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء وهو من باب نسبة الفعل للكوكب وادعاء أنه هو الذي ينشئ السحاب ويأتي بالمطر وهذا كفر أكبر (٤) وكذلك من اعتقد أنها فاعلة له وحدها بما جعل الله فيها من القدرة على ذلك ثم تركها فهو كافر أيضًا؛ لأن الخلق والأمر لله وحده.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ما هو كفر بإجماع المسلمين وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات وأن الكواكب فاعلة مختارة وهذا كفر بإجماع المسلمين" (٥).
الثاني: أن يعتقد أن هذه الأنواء سببًا والله هو الخالق الفاعل وهذا شرك أصغر لأن كل من اعتقد سببًا لم يجعله الله سببًا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركا أصغر (٦).
قال ابن عثيمين ﵀: "نسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: نسبة إيجاد وهذا شرك أكبر.
ثانيًا: نسبة سبب وهذه شرك أصغر.
стр. 84
ثالثًا: نسبة وقت وهذه جائزة بأن يريد بقوله مطرنا بنوء كذا أي جاءنا المطر في هذا النوء أي في وقته.
ولهذا قال العلماء: يحرم أن يقول "مطرنا بنوء كذا"، ويجوز "مطرنا في نوء كذا"، وفرقوا بينهما أن "الباء" للسببية و "في" للظرفية ... والحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مُطلقا، ولا يظن أنها تأتي سببية، فهذا جائز، ومع ذلك فالأولى أن يُقال لهم: قولوا: في نوء كذا" (١).
وقال الشافعي: "من قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا، فلا يكون كفرا، وغيره من الكلام أحب إليّ منه" (٢).
قال في جامع الأصول: "وإنما غلّظ النبي ﷺ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها. فأما من جعل المطر من فعل الله ﵁ وأراد بقوله: "مطرنا بنوء كذا". أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني. فإن ذلك جائز" (٣) فهذه نسبة وقت جائزة.
قال ابن الأثير: "أي أن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات" (٤).
* تنبيهات:
الأول: التغييرات الجوية مثل الحر والبرد وهبوب الرياح حكمها حكم نزول المطر الحكم واحد يجري عليها الأقسام التي ذكرنا.
الثاني: قال الشيخ ابن عثيمين: "يذكر في بعض كتب التوقيت "وقل أن يخلف نوؤه" أو "هذا نوؤه صادق" وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله على عباده، وهذا شرك أصغر" (٥).
стр. 85
١٤ - الاستشفاع بالله على خلقه *
تعريفه لغة: استشفع استشفاعًا بالشيء أي جعله شافعًا له والاستشفاع مأخوذ من الشفاعة وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه.
* الدليل من السنة: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ الله ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله جُهدَتْ الأَنْفُسُ وَضَاعَتْ الْعِيَالُ وَنُهِكَتْ الأَمْوَالُ وَهَلَكَتْ الأَنْعَامُ فَاسْتَسْقِ اللهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، وَنَسْتَشْفِعُ بِالله عَلَيْكَ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ويحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ" وَسَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ، إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بِالله عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا الله؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا" وَقَالَ بِأَصَابعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَئطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْل بِالرَّاكِبِ (١).
* أقوال العلماء:
قال السعدي ﵀: "وأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه. لأن رتبة المتوسَّل به غالبا دون رتبة المتوسَّل إليه. وذلك من سوء الأدب مع الله. فيتعين تركه. فإن الشفعاء لا يشفعون عِنْدَه إلا بإذنه" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الاستشفاع بالله على خلقه تنقص لله لأنه جعل مرتبة الله أدنى من مرتبة المشفوع إليه. إذ لو كان أعلى مرتبة ما احتاج أن
стр. 86
يشفع عنده بل يأمره أمرًا والله لا يشفع لأحد من خلقه إلى أحد لأنه أجل وأعظم من أن يكون شافعًا؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ ذلك على الأعرابي، وهذا وجه وضع هذا الباب في كتاب التوحيد" (١).
* فائدة: الذي أنكره الرسول ﷺ من الأعرابي قوله: "نستشفع بالله عليك" ومعناها أي نجعله واسطة بيننا وبينك كأنه قال: نطلب من الله أن يتوسط لنا عِنْدَ الرسول ﷺ وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول ﷺ ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
أما قوله: "إنا نستشفع بك على الله" فمعناه صحيح أي نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عِنْدَ الله فتدعو الله لنا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وأما الاستشفاع بالرسول ﷺ في حياته فالمراد به استجلاب دعائه، وليس خاصا به ﷺ ، بل كل حي صالح يُرجى أن يُستجاب له فلا بأس أن يُطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي ﷺ لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: "لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك" (٢). وأما الميت فإنه يشرع في حقه الدعاء له على جنازته وعلى قبره وفي غير ذلك. وهذا هو الذي يشرع في حق الميت. وأما دعاؤه فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد عليه، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ
стр. 87
بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤] فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة" (١).
وقال ابن عثيمين ﵀: "فإن قيل أليس قد قال النبي ﷺ : "من سأل بالله فأعطوه". وهذا دليل على جواز السؤال بالله؛ إذ لولم يكن السؤال بالله جائزًا لَم يكن إعطاء السائل واجبًا؟
والجواب أن يقال: إن السؤال بالله لا يقتضي أن تكون مرتبة المسؤول به أدنى من مرتبة المسؤول بخلاف الاستشفاع، بل يدل على أن مرتبة المسؤول به عظيمة بحيث إذا سئل به أعطي.
على أن بعض العلماء قال: "من سألكم بالله" أي: من سألكم سؤالا بمقتضى شريعة الله فأعطوه، وليس المعنى من قال: أسألك بالله.
والمعنى الأول أصح، وقد ورد مثله في قول الملك: "أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن"" (٢).
стр. 88
١٥ - الاستعاذة *
لغة: الالتجاء والاعتصام والتحرز وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. والعياذ بالله لرفع المكروه واللياذ: لطلب المحبوب قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره (١)
شرعًا: قال ابن كثير: "الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ لطلب الخير" (٢).
وقال ابن القيم بعد أن أوضح معناها وأصل اشتقاقها: "وبعد فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل لديه أمر لا تحيط به العبارة" (٣) فالاستعاذة بالله عبادة لأنه وحده الذي يُحرِّزُ (٤) عبده
стр. 89
من الشرور كلها فصرفها لله إيمان وتوحيد وصرفها لغيره شرك به سبحانه.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦].
* الدليل من السنة: وعن خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ" (١).
ومن الأحاديث دعاء دخول المسجد: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" (٢).
حكم الاستعاذة:
* العبادة يجب أن تكون لله وحده وصرفها لغير الله شرك، وهذه قاعدة يجب أن نستحضرها في جميع العبادات.
قال شيخ الإسلام ﵀: "فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له فالعبادة متعلقة بألوهيته والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره لا ملك ولا نبي ولا غيره" (٣).
وقد أمر الله بصرف جميع أنوع العبادات له فقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
стр. 90
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: "ومضمونه أنه الخالق الرزاق مالك الدار وساكنيها ورازقهم فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره" (١).
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان؛ ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو مشرك كافر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ " (٢).
* والاستعاذة بالمخلوق على قسمين:
القسم الأول: الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله أو الاستعاذة بأصحاب القبور والموتى والغائبين أو الحجر أو الصنم فهذا شرك أكبر مخرج من الملة.
قال ابن عثيمين ﵀: "أما الاستعاذة بالمخلوق؛ ففيها تفصيل، فإن كان المخلوق لا يقدر عليه؛ فهي من الشرك، قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق عند أحد من الأئمة" (٣)، وهذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه
стр. 91
إلا الله؛ لأنه لا يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله؛ سوى الله" (١).
ويدخل في ذلك الاستعاذة بالجن قال ابن أبي العز الحنفي: "ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ يعني الإنسي للجن، باستعاذتهم بهم، رهقًا: أي إثمًا وطغيانًا وخسرانًا وشرًا، وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرًا إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة. وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١،٤٠]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما ينزل عليهم الشياطين" (٢).
* القسم الثاني: الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر القادر.
قال ابن باز: فلا بأس به كما تقول لرجل: أعوذ بك من غلامك أو ابنك وهو مقتضى الأحاديث الواردة في صحيح مسلم لما ذكر النبي ﷺ الفتن قال: "فمن وجد من ذلك ملجأ فليعذ به" (٣). وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله أن امرأة من
стр. 92
بني مخزوم سرقت فأتي بها إلى النبي ﷺ فعاذت بأم سلمة زوج النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فقطعت (١).
قال ابن عثيمين ﵀: "وهذا هو مقتضى النظر، فإذا اعترضني قطاع طريق، فعذت بإنسان يستطيع أن يخلصني منهم، فلا شيء فيه.
لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك؛ لأن هذا لا يكون إلا لله" (٢).
* أحكام وفوائد:
* الاستعاذة المشروعة والممنوعة خمسة أنواع:
فالأول والثاني: الاستعاذة بالله وبصفة من صفاته ككلامه وعظمته وعزته فهذا أمر مطلوب رغَّب فيه الشارع.
الثالث: الاستعاذة بالحي الحاضر القادر وهذه جائزة.
الرابع: الاستعاذة بالأموات والغائبين فهذا شرك والعياذ بالله (٣).
الخامس: الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فإنه شرك والعياذ بالله.
* بعض العلماء قال: إن الاستعاذة عبادة خاصة بالله يجوز صرفها للمخلوق مطلقًا. قال ابنُ تَيمِيَّةَ: "والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة" (٤). وقد تقدم أن هذا ليس على إطلاقه، بل مرادهم مما لا يقدر عليه إلا الله.
стр. 93
وكذلك قال البخاري في خلق أفعال العباد (١)؛ ودليلهم أن الاستعاذة عبادة وذكر بعض العلماء الإجماع على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله (٢)، فإن كان المراد من كلامهم منع الاستعاذة بالمخلوق مطلقًا. فالصحيح ما تقدم من جواز الاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، أما ما ذكر من إجماع العلماء فمحمول على أن يفعل على وجه التعبد أو أن يكون المستعاذ منه لا يقدر على دفعه إلا الله، أو أن تكون الاستعاذة بأصحاب القبور ونحوه (٣). ولكن يراعى ما يقوم في قلب العبد من الاضطرار لهذا المستعاذ به وتعلق قلبه به، قال الشيخ ابن عثيمين: "لكن تعليق القلب بالمخلوق لا شك أنه من الشرك، فإذا علقت قلبك ورجاءك وخوفك وجميع أمورك بشخص معين، وجعلته ملجأ؛ فهذا شرك، لأن هذا لا يكون إلا لله" (٤).
قال الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: "لكن هل مقصوده بقوله: "باب من الشرك الاستعاذة بغير الله" (٥) شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك، لكل أنواع الاستعاذة، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق؟ والجواب: أن هذا فيه تفصيل، فمن العلماء من يقول: الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، وليس ثم استعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن الاستعاذة توجه القلب، واعتصامه، والتجاؤه، ورغبه، وهذه المعاني جميعًا لا تصلح إلا لله - جل وعلا -.
وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر، وطلب العياذ، وهو: أن يستعيذ من شر أحْدَقَ به،
стр. 94
وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئًا من ذلك، وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركًا أكبر، إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ، أو طُلِبتْ منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله.
والذي يظهر أن المقام - كما سبق - فيه تفصيل، وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر، وفيها عمل باطن، فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ، وأن يطلب العياذ، وهو أن يُعصم من هذا الشر، أو أن ينجو من هذا الشر، وفيها - أيضًا - عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته، واضطراره، وحاجته إلى هذا المستعاذ به، واعتصامه بهذا المستعاذ به، وتفويض أمر نجاته إليه.
فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يُقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله، لأن منهما ما هو عملي قلبي - كما تقدم - وهو - بالإجماع - لا يصلح التوجه به إلا لله. وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر - فقط - وهو طلب العياذ والملجأ، فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها" (١).
* حكم قول أعوذ بالله وبكـ أو ثم بكـ:
قال ابن عثيمين: "وقوله أعوذ بالله وبك هذا محرم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية وهو الواو.
ويجوز "بالله ثم بك" لأن ثم تدل على الترتيب والتراخي.
فإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله، وعلى هذا يكون قوله: "أعوذ بالله ثم بك" محرمًا.
أجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة، لقوله ﷺ في صحيح
стр. 95
مسلم وغيره: "من وجد ملجأ فليعذ به". لكن لو قال أعوذ بالله ثم بفلان وهو ميت فهذا شرك أكبر لأنه لا يقدر على أن يعيذك" (١).
* في الحديث قوله: "أعوذ بكلمات الله" وكلمات الله من صفاته فكلام الله صفة غير مخلوق فيستعاذ بالصفة كالاستعاذة بالأسماء ومثله "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك ... "، ومثله حديث "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" فيجوز الاستعاذة بها كما يجوز القسم بها.
قال ابنُ تَيمِيَّةَ في كتاب الفرقان: "وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر هي التي كون بها الكائنات فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته، وأما كلماته الدينية وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه فأطاعها الأبرار وعصاها الفجار" (٢).
وقال ابن باز: "الكلمات معناها: أي كلمات الله النافذة الكونية التي لا راد لها. وقال بعض السلف المراد بالكلمات: الشرعية وكلمات القرآن لأنها كلمات عظيمة شريفة وهي كلام الله وكل هذا حق وكلها وصف له سبحانه فكلامه الكوني نافذ وكلامه الشرعي أفضل الكلام" (٣).
* تجب إعاذة من استعاذ بالله تعظيمًا له جل شأنه، وقد جاء في الحديث: "من استعاذكم بالله فأعيذوه" قال في عون المعبود: ("من استعاذكم بالله" أي: طلب الإعاذة مستعيذًا بالله من ضرورة أو جائحة حلت به أو ظلم ناله أو تجاوز عن جناية (فأعيذوه) أي: أعينوه وأجيبوه فإن إغاثة الملهوف فرض) (٤).
стр. 96
وقال في فتاوى اللجنة: "هذا إذا كان المستعيذ لا يلزمه ما استعاذ منه، أما إن كان يلزمه ما استعاذ منه كالدين وحق الزوج والقصاص ونحو ذلك لم تجب إعاذته، والواجب عليه أداء الحق عليه إلا أن يسمح خصمه عن حقه، جمعًا بين الأدلة" (١).
* الفرق بين الاستعاذة والدعاء:
استعاذ واستغاث على وزن استفعل، ومادة استفعل تأتي في الغالب للطلب فمادة استعاذ واستغاث واستعان واستسقى وما شابهها فيها دعاء لأنه طلب من الأدنى للأعلى. والدعاء من أنواع الطلب وهذا ظاهر في دلالة اللغة أما دلالة الشرع فالاستعاذة طلب العوذ وهو الدعاء المشتمل على ذلك والاستغاثة طلب الغوث وهو الدعاء المشتمل على ذلك فتبين أن الاستعاذة من أنواع الدعاء.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "كالدعاء فإن الاستعاذة من أنواعه" (٢).
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: "فالاستعاذة والاستخارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب" (٣).
стр. 97
١٦ - الاستعانة *
تعريفه لغة: استعان أصلها من عون، والعونُ: المعاونةُ والمظاهرةُ يقال فلان عَوني: أي مُعِيني.
والاستعانة شرعًا: طلبُ العون (١)، والاستعانة بالله عبادة بل أجل العبادات وهي تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه.
قال شيخ الإسلام: "تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] " (٢).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
* الدليل من السنة: عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: "يَا غُلامُ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا احْفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وَإِذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله فَقَدْ رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الْكُتُبُ، فَلَوْ جَاءَتْ الأُمَّةُ يَنْفَعُونَكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ الله لَكَ لَمَا اسْتَطَاعَتْ وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَضُرَّكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتبهُ الله لَكَ مَا اسْتَطَاعَتْ" (٣).
* أقوال العلماء: يقول شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى
стр. 98
الصرصري ما يقول في قصائده في مدح الرسول ﷺ من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث، وأستعين، وأستنجد ونحو ذلك. وكذلك ما يفعله كثير من الناس من استنجاد الصالحين والمتشبهين بهم والاستعانة بهم أحياء وأمواتًا فإني أنكرت ذلك في مجالس عامة وخاصة وبينت للناس التوحيد ونفع الله بذلك ما شاء الله من الخاصة والعامة" (١).
وقال: ﵀: "فالعبادة والاستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل هذا لله وحده لا شريك له، فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو ولا رب لنا غيره لا ملك ولا نبي ولا غيره" (٢).
* حكم الاستعانة بالمخلوق:
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها" (٣).
قال الشوكاني: "ولا خلاف أنه يجوز أن يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه من أمور الدنيا كأن يستعين به على أن يحمل معه متاعه" (٤).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: "الاستعانة بالحي الحاضر القادر فيما يقدر عليه جائزة" (٥)، "ويمكن الاستعانة بالأحياء من الناس في حدود الأسباب العادية ببذل مال أو شفاعة عِنْدَ ذي سلطان مثلًا، أو إنقاذ من مكروه ونحو ذلك من الوسائل التي هي من طاقة البشر حسب ما هو معتاد ومعروف بينهم، أما ما كان فوق قوى البشر من الأسباب غير العادية فليس ذلك إلى العباد بل هو إلى الله وحده لا شريك له" (٦). وجاء فيها أيضًا: "فالاستعانة بغير الله فيما هو من
стр. 99
اختصاص الله تعالى نوع من الشرك الأكبر الذي يخرج من فعله من ملة الإسلام وكذا الاستعانة بالأموات أو الاستعانة بالغائبين عن نظر من استعان بهم من ملائكة أو جن أو إنس في جلب نفع أو دفع ضر نوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفر الله إلا لمن تاب منه؛ لأن هذا النوع من الاستعانة قربة وعبادة وهي لا تجوز إلا لله خالصة لوجهه الكريم" (١).
وجاء أيضًا: "إن الاستعانة بالجن واللجوء إليهم في قضاء الحاجات من الإضرار بأحد أو نفعه شرك في العبادة؛ لأنه نوع من الاستمتاع بالجني بإجابته سؤاله وقضائه حوائجه في نظير استمتاع الجني بتعظيم الإنسي له ولجوئه إليه واستعانته به في تحقيق رغبته" (٢).
وجاء في موضع آخر من فتاوى اللجنة: "إن الاستعانة بالجن والملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله" (٣).
وقد لخص الشيخ ابن عثيمين ﵀ أحكام الاستعانة فقال: "هي أنواع:
الأول: الاستعانة بالله وهي: الاستعانة المتضمنة لكمال الذل من العبد لربه، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته وهذه لا تكون إلا لله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ووجه الاختصاص أن الله تعالى قدم المعمول ﴿إِيَّاكَ﴾ وقاعدة اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص وعلى هذا يكون صرف هذا النوع لغير الله تعالى شركا مخرجا عن الملة.
الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر قادر عليه، فهذه على حسب المستعان عليه فإن كانت على بر فهي جائزة للمستعين مشروعة للمعين لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا
стр. 100
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وإن كانت على إثم فهي حرام على المستعين والمعين لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وإن كانت على مباح فهي جائزة للمستعين والمعين لكن المعين قد يثاب على ذلك ثواب الإحسان إلى الغير ومن ثم تكون في حقه مشروعة لقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
الثالث: الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر فهذه لغو لا طائل تحتها مثل أن يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.
الرابع: الاستعانة بالأموات مطلقا أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون على مباشرته فهذا شرك لأنه لا يقع إلا من شخص يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًا في الكون.
الخامس: الاستعانة بالأعمال والأحوال المحبوبة إلى الله تعالى وهذه مشروعة بأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] " (١).
ضابط الاستعانة الشركية:
إذا كانت الاستعانة بالأموات أو الغائبين أو الأصنام ونحوها أو استعانة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك أكبر مخرج من الإسلام. قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله" (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فالاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية والربوبية" (٣).
وقال الشوكاني: "وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يستعان فيه إلا به ومنه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " (٤).
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
* الدليل من السنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" (١).
وعن عبادة بن الصامت قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : "إنه لا يُستغاث بي، إنما يستغاث بالله " (٢).
* أقوال العلماء:
قال ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عن الحديث السابق: "إنما أراد ألا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله" (٣).
وقال أيضًا: "لكن ظاهر لفظ الحديث إن صح يقتضي أنه لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، وأنه أمرهم أن يستغيثوا فيه بالله تعالى" (٤).
وقال أيضًا: "ولا يلزم تخطئة أبي بكر الصِّدِّيق، فإن الصِّدِّيقَ قد يعتقد عند النبي ﷺ في دفع ذلك المنافق بعضَ الأمور التي يقدر عليها البشر، فَبَيَّن له النبي ﷺ أنه ليس عنده في دفعه حيلة، بل يستغاث الله في أمره" (٥).
стр. 103
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والظاهر أن مراده ﷺ إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ لأن استغاثتهم به ﷺ من المنافق من الأمور التي يقدر عليها إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه ﷺ لجناب التوحيد" (١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "قوله لا يستغاث بي يحتمل أمرين:
الأول: أن النبي ﷺ لا يستطيع قتله لأنه كان ممنوعًا من قتله؛ لأجل أن لا يتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابه فامتنع عن قتله.
الثاني: يحتمل - إن صح الخبر - أنه قاله سدًا للذريعة وإن كان قادرًا على التخلص منه حتى لا تقع منهم هذه الكلمة في أمور لا يقدر عليها" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قوله (إنه لا يستغاث بي) ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.
فعلى الأولى: يكون نفي الاستغاثة هنا من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول ﷺ ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه" (٣).
حكم الاستغاثة:
الاستغاثة أخص أنواع العبادة، فإخلاصها لله إيمان وتوحيد، أما الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو شرك وكفر (٤).
وقد تقدم في باب الاستعاذة أن جميع أنوع العبادات لا تصرف لغير الله، فمن
стр. 104
صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر. والاستغاثة من نوع الدعاء والطلب؛ لأن فيها طلب الغوث أي الدعاء المشتمل على ذلك فهي من أهم أنواع العبادات.
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "فالاستغاثة المنفية نوعان:
أحدهما: الاستغاثة بالميت مطلقًا في كل شيء.
الثاني: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق، فليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله لا نبيا ولا غيره" (١).
وقال الشوكاني ﵀: "ولا خلاف أنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على الغوث فيه من الأمور ولايحتاج مثل ذلك إلى استدلال فهو في غاية الوضوح وما أظنه يوجد فيه خلاف" (٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "والاستغاثة الشركية التي أنكرناها هي ما يأتي بيانه؛ وهي الاستغاثة بالغائب أو الميت أو الحي الحاضر الذي لا يقدر، وأما الجائزة فهي طلب الحي الحاضر" (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الاستغاثة أقسام:
الأول: الاستغاثة بالله وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل وأتباعهم، ودليله ما ذكره الشيخ (٤) ﵀ قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وكان ذلك في غزوة بدر حين نظر النبي ﷺ إلى المشركين في ألف رجل وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا فدخل العريش يناشد ربه رافعًا يديه مستقبل القبلة يقول: "اللهم أنجز لي
стр. 105
ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض". وما زال يستغيث بربه رافعًا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر ﵁ رداءه فألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله هذه الآية (١).
الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظًا من الربوبية قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢].
الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى﴾ [القصص: ١٥].
الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به فيمنع منه لهذه العلة، ولعلة أخرى وهي الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية ينقذ بها من الشدة" (٢).
وعلى هذا فإن الاستغاثة بالمخلوق على قسمين:
الأول: الاستغاثة بالأموات والغائبين، أو الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله كالذي يستغيث عِنْدَ المرض أو خوف الغرق بالرسول أو البدوي فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. قال الشيخ ابن قاسم: "وقد تبين من الآيات والأحاديث أن دعاء
стр. 106
الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر بل هو أكبر أنواعه" (١).
الثاني: الاستغاثة بالحي القادر الحاضر، وهي جائزة. وعليه يحمل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: "وإذا طلبت من أحد غوثًا وهو قادر عليه فإنه يجب عليك تصحيحًا لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة؛ لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد" (٢).
* أحكام وفوائد:
* وإذا علمت أن الاستغاثة بغير الله هي الشرك الأكبر تبين لك أن المستغيثين بالقبور والموتى كالمشركين لا تجوز الصلاة خلفهم؛ وقد سئل مفتي الديار الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الصلاة خلف من يستغيث بغير الله فقال: "لا تجوز الصلاة خلف جميع المشركين ومنهم من يستغيث بغير الله ويطلبه المدد لأن الاستغاثة بغير الله من الأموات والأصنام والجن وغير ذلك من الشرك بالله سبحانه ... وإذا لم تجد إمامًا مسلمًا تصلي خلفه جاز لك أن تصلي في بيتك" (٣).
وقالت اللجنة عمن يستغيث بغير الله: "هم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملة الإسلام لا تجوز موالاتهم، كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم، ولا تجوز عشرتهم ولا الإقامة بين أظهرهم؛ إلا لمن يدعوهم إلى الحق على بينة ويرجو أن يستجيبوا له وأن تصلح حالهم دينيًا على يديه وإلا وجب عليه هجرهم" (٤).
стр. 107
* الفرق بين الدعاء والاستغاثة:
أن الدعاء عام في كل الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء في حالة الشدائد، وكل ذلك يتعين إخلاصه لله وحده، فالاستغاثة من الدعاء فكل مستغيث داعٍ وليس كل داعٍ مستغيث (١).
وتختلف الاستغاثة عن الاستعانة أن لفظ الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قالوا: والفرق بين المستغيث والداعي أن المستغيث ينادي بالغوث والداعي ينادي بالمدعو" (٣).
стр. 108
١٨ - الاستغفار
أصل الغفر في اللغة: التغطية (١).
قال في المفردات: "الغفر إلباس ما يصونه من الدنس" (٢).
والغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب (٣).
ويطلق الغفر على الستر ومنه المغفر وهي بيضة الحديد (٤)، والستر من الله معناه كما قال الخطابي: "أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشِهُرهُ في عيونهم" (٥). والألف والسين والتاء للطلب.
وفي الشرع: قال الراغب: "والاستغفار طلب ذلك بالمقال والفِعال، وقوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان فقط بل باللسان وبالفِعال، فقد قيل: الاستغفار باللسان من دون ذلك بالفِعال (٦) فِعلُ الكذابين" (٧).
ومعنى الاستغفار: طلب محو الذنوب والتجاوز عنها وستر كل عيب بما يجب أن يستر به والوقاية من شره.
قال ابن الجوزي: "الاستغفار استفعال من طلب الغفران تغطية الذنب بالعفو
стр. 109
عنه" (١)، وسبب وضعها في هذا الكتاب لأنها من العبادات التي تصرف لله ولا تصرف لغيره.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقال : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].
* الدليل من السنة: عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "وَالله إِنِّي لأسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة" (٢).
وعَنه ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهُمْ" (٣).
وعن أَنَس بْن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالِي،
стр. 110
يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً" (١).
وفي صحيح البخاري عن شَدَّاد بْن أَوْسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنا عَبْدُكَ وَأَنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (٢).
* الفرق بين الاستغفار والتوبة:
الاستغفار يذكر تارة مفردًا غير مقرون بالتوبة وتارة يذكر مقرونًا بها ولها في كل حال معنى قال ابن القيم: "فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله. وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس: أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤ،. فدلالته عليه إما بالتضمن وإما باللزوم.
* وحقيقتها: وقاية شر الذنب، ومنه المغفر، لما يقي الرأس من الأذى. والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مِغفرًا، ولا القَّبع ونحوه مع ستره، فلا بد في لفظ "المغفر" من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإن الله لا يعذب مستغفرًا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق ولهذا لا يمنع