اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" (١) " (٢).
٥ - الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ومن أدلة هذا النوع قول النبي ﷺ لعكاشة بن محصن لما طلب منه أن يدعو الله أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب: "اللهم اجعله منهم" (٣). ويقول الله لمحمد ﷺ في حديث الشفاعة: "أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة" (٤).
٦ - الشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين ممن أدخلوا النار فيخرجون منها كما جاء صريحا في الأحاديث الكثيرة التي بلغت التواتر وهي عامة وتتكرر من الرسول ﷺ مرات، ويشفع أيضًا الملائكة والنبيون والمؤمنون تقدم في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: " ... يقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ... " (٥).
٧ - الشفاعة في أهل الكبائر قبل أن يدخلوا النار أن لا يدخلوها كما ذكر ذلك النووي (٦) وابن تيمية (٧)، وابن كثير (٨)، وابن حجر (٩)، والسفاريني (١٠) ﵏ وتوقف في هذا النوع ابن القيم حيث ذكر أنواع الشفاعة ثم قال: "ويبقى
стр. 1157
نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون فلم أظفر فيه بنص" (١).
٨ - شفاعة الرسول ﷺ في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب كما جاء في حديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَذكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ" وفي رواية "تَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ" (٢). وهذه خاصة بالنبي ﷺ .
ولا تنفعه الشفاعة في الخروج من النار لكونه مات غير موحد بخلاف أهل التوحيد. والله أعلم (٣).
٢ - أسباب الحصول على الشفاعة:
ومن أسباب الحصول على الشفاعة التوحيد وإخلاص العبادة لله وقراءة القرآن والصيام والمحافظة على الدعاء الوارد بعد كل أذان وسكنى المدينة والصبر على لأوائها والموت بها والصلاة على النبي محمد ﷺ وكثرة السجود وأن يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أربعين وقد ورد في كل منها أحاديث ثابتة وقد حقق الكلام فيها الجديع حفظه الله في كتابه الشفاعة عند أهل السنة (٤).
وليست زيارة قبر الرسول ﷺ من ذلك ولم يذكرها أهل العلم ضمن أسباب الشفاعة، ومن ذكرها وتعلَّق بها فإنما يتعلق بأحاديث واهية قال عنها المحققون
стр. 1158
من العلماء: إنه لا يثبت منها شيء جاء ذلك عن الإمام ابن تيمية والحافظ ابن عبد الهادي وغيرهم من أئمة العلم (١).
٣ - والشفاعة شفاعتان شفاعة منفية وشفاعة مثبتة (٢):
فالشفاعة المنفية (٣) ما كانت تطلب من غير الله والدليل قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
والشفاعة بغير إذن الله أو الشفاعة لأهل الشرك كلها شفاعة منفية باطلة قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وقال ﵎: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
والقبوريون لما عظموا الأموات قادهم غلوهم ذلك إلى طلب الشفاعة من أوليائهم الأموات فطلبوها منهم في الدنيا، كما طلبها المشركون من أصنامهم والنصارى من رهبانهم قال ابن تيمية ﵀: "المشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، يصورون تماثيلهم، فيستشفعون بها ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم، لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم، فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره، فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة" (٤).
وقال ابن القيم ﵁: "ومن جَهلِ المشرك: اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا:
стр. 1159
أنه يشفع له، وينفعه عند الله. كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم. ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي له قوله وعمله. كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي الفصل الثاني ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين. كما قال أبو العالية: "كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين"؟. فهذه ثلاثة أصول. تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها: لا شفاعة إلا بإذنه. ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله" (١).
* والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله ولها شروط:
الشرط الأول: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
ويقول سيد الشفعاء في حديث الشفاعة الطويل: "فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع" (٢).
стр. 1160
الشرط الثاني: الرضى عن المشفوع له ورضى الله تعالى لا يحصل إلا باتباع الأوامر واجتناب المناهي فما أمر به فهو مرضي محبوب وما نهى عنه مبغض منبوذ والأدلة على هذا كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ومنها ما رواه مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنِّي اخْتبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً أُمَّتِي وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ الله مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا" (١).
فالشفاعة بهذا خاصة بالمؤمنين الذين ماتوا على التوحيد.
ودل على ذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ ﷺ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْألنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ على الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبهِ أوْ نَفْسِهِ" (٢).
قال ابن تيمية: "فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، لا تنال بتولي غير الله، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الصالحين" (٣).
* وهناك اعتراضات على الشرط الثاني وهو الرضى عن المشفوع منها:
١ - أن النبي ﷺ شفع لعمه أبي طالب مع كونه كافر؟ وهذا يشكل مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
стр. 1161
وأجيب عن ذلك بجوابين:
أ - أن الشفاعة هنا في تخفيف العذاب وليست في الخروج من النار وقد نص على ذلك القرطبي ﵀ حيث قال: "فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ قيل له: لا تنفع في الخروج من النار، كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة" (١).
ب - أن هذا خاص بأبي طالب وهذا مال إليه البيهقي في كتابه البعث والنشور حيث قال: "صحت الرواية في شأن أبي طالب فلا معنى للإنكار من حيث صحة الرواية، ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنها امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه ما ثبت الخبر بتخصيصه" (٢).
٢ - أن الرسول ﷺ يشفع لأهل الموقف يوم القيامة، وفيهم المؤمن والكافر.
والجواب عن ذلك: أن شفاعة الرسول ﷺ يومئذ لن تنجي الكفار من النار، بل هي لفصل القضاء بين الناس، وهذا شامل للمؤمنين والكفار.
* حكم طلب الشفاعة من الرسول ﷺ في الدنيا (٣):
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "والشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] " (٤).
стр. 1162
وقال السهسواني: "طلب الشفاعة منه ﷺ في حياته ثابت بلا شك، وكذلك طلب الشفاعة منه ﷺ يوم القيامة، وهذا لا ينكره أحد .. وأما حصول الإذن الآن بالشفاعة التي تكون يوم القيامة فثبوته غير مسّلم" (١).
يقول ابن تيمية: "إن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا عند أحد من أئمة المسلمين ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين ذكروا حكاية عن العتبى أنه رأى أعرابيًا أتى قبره وقرأ هذه الآية وأنه رأى في المنام أن الله غفر له وهذا لم يذكره أحد من المجتهدين من أهل المذاهب المتبوعين الذين يفتى الناس بأقوالهم ومن ذكرها لم يذكر عليها دليلًا شرعيًا. ومعلوم أنه لو كان طلب دعائه وشفاعته واستغفاره عند قبره مشروعا لكان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أعلم بذلك وأسبق إليه من غيرهم ولكان أئمة المسلمين يذكرون ذلك وما أحسن ما قال مالك: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" (٢).
وهذه المسألة كانت مثار جدل بين من يتزلفون للقبور وبين من يدعون لإخلاص الدين لله وحده.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات": "فإن قال (٣):
стр. 1163
أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل، لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ ، الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤].
ولا تكون إلا بعد إذن الله كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ، ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه، فأقول اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا.
فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله؟
فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟
فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا. بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله"" (١).
стр. 1164
ويعلق على هذا الشيخ ابن عثيمين قائلًا: "ثم إن هذا المشرك المشبه ليس يريد من رسول الله ﷺ أن يشفع له، ولو كان يريد ذلك لقال: اللهم شفع فيّ نبيك محمدًا رسول الله ﷺ ولكنه يدعو الرسول مباشرة ودعاء الله شرك أكبر مخرج من الملة، فكيف يريد هذا الرجل الذي يدعو مع الله غيره أن يشفع له أحد عند الله " (١).
وفي الرد على من زعم إجماع الحنابلة وغيرهم على طلب الشفاعة من الرسول ﷺ بعد موته عند زيارته. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: "وما علمت أحدًا من أهل العلم وأئمة الفتوى قال هذا، لا من الصحابة ولا من غيرهم؛ بل حكى الشيخ الإمام أحمد بن عبد الحليم: الإجماع على المنع من دعائه ﷺ والطلب منه؛ وقرر: أن هذا من شعب الشرك الظاهرة ... وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي - من أكابر الحنابلة وعلمائهم -: "والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا يعني النبي ﷺ ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته، ويطلب منه يوم القيامة، لا شفاعة ولا استغفارًا؛ وقال أيضًا: والحكاية التي تنسب إلى مالك مع أبي جعفر المنصور، كذب عند أهل المعرفة بالنقل والتصحيح". انتهى" (٢).
وقد تقرر أن من جعل الأنبياء والملائكة وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يزعم أنهم يرفعون الحوائج إلى الله، وأن الله يرزق عباده، وينصرهم بتوسطهم، أي بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله؛ فمن اعتقد هذا فهو كافر مشرك (٣).
стр. 1165
يقول ابن تيمية ﵀: "وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا" (١).
ويقول أيضًا: "من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى" (٢).
وبهذا يظهر لك جليًا حكم الاستشفاع بالأولياء والصالحين من أموات المسلمين؛ قال في التيسير: "فتبين أن دعاء الصالحين من الملائكة، والأنبياء وغيرهم شرك، كما كان المشركون الأولون يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله فأنكر الله عليهم ذلك فأخبر أنه لا يرضاه ولا يأمر به كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "ولا ريب أن الاستشفاع بالموتى يتضمن أنواعًا من العبادة: سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دون الله، ورجائه،
стр. 1166
والرغبة إليه، والإقبال عليه بالقلب والوجه والجوارح واللسان .. وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله" (١).
٤ - فائدة:
الآية القاطعة لما يتعلق به المشركون من أسباب هي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها. قال أبو العباس: "فقد تهدد سبحانه من دعا شيئا من دون الله وبين أنهم لا ملك لهم مع الله ولا شركا في ملكه وأنه ليس له عون ولا ظهير من المخلوقين فقطع تعلق القلوب بالمخلوقات رغبة ورهبة وعبادة واستعانة لم يبق إلا الشفاعة وهى حق لكن قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ... ﴾ " وهذا كله يبين أن الأمر كله لله هو الذي يكرم الشفيع بالإذن له في الشفاعة، والشفيع لا يشفع إلا فيمن يأذن الله له ثم يحد للشفيع حدا فيدخلهم الجنة فالأمر بمشيئته وقدرته واختياره وأوجه الشفعاء وأفضلهم هو عنده الذي على غيره واختاره واصطفاه بكمال عبوديته وطاعته وإنابته وموافقته لربه فيما يحبه ويرضاه" (٢).
وقال أيضًا: "فبيَّن أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون مثقال ذرة ولا لأحد منهم شرك معه ولا له ظهير منهم فلم يبق إلا الشفاعة" ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" فالأمر في الشفاعة إليه وحده كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة" ... " (٣).
стр. 1167
وقال ابن القيم: "فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينفع بها عابده أو شريكًا لمالكها أو ظهيرا أو وزيرًا ومعاونًا له أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض فقد يقول المشرك هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له فيقول المشرك قد تكون ظهيرا ووزيرًا ومعاونًا فقال وماله منهم من ظهير فلم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها وأن كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه" (١).
٥ - فائدة:
أنكر الخوارج والمعتزلة شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر بناء على أصلهم الفاسد في تخليد أهل الكبائر من أهل التوحيد في النار ، وحصروا معنى الشفاعة في زيادة الأجر والثواب لمن أطاع الله ، واحتجوا بما تقدم من الآيات ونحوها النافية للشفاعة، وهذه الآيات - كما ذكر أهل العلم - في حق الكافرين دون المؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] وبقوله : ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذه الشفاعة التي يطلبها
стр. 1168
المشركون من الشفعاء والأنداد من دون الله منتفية دنيا وأخرى ومنتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. قال شيخ الإسلام: "واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وبقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، وبقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ وبقوله ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
وجواب أهل السنة: أن هذا يراد به شيئان:
أحدهما: أنها لا تنفع المشركين كما قال تعالى في نعتهم ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، فهؤلاء نفى عنهم نفع شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا.
والثانى: أنه يراد بذلك نفي الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة" (١).
والخلاصة أن الناس في الشفاعة طرفان ووسط. فالخوارج والمعتزلة أنكروا الشفاعة والقبوريون أثبتوا شفاعة شركية فجوزوا طلب الشفاعة من الأموات والأولياء في أمور لا يقدر عليها إلا الله (٢). وأهل السنة أثبتوا الشفاعة بشروط
стр. 1169
الإذن والرضى.
٦ - الشبه التي يتعلق بها المشركون في طلب الشفاعة من غير الله:
بعض القبوريين يتعلق بشبه هي عند التحقيق دليل عليه وقد تقدم بيان ذلك في باب التوسل ونحن نذكره هنا زيادة في الإيضاح فمن ذلك:
١ - حديث عثمان بن حنيف في قول الضرير: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد.
والمقصود هنا الدعاء أي دعاء نبيك محمد لأنه في أول الحديث قال: إن شئت دعوت لك، وطلب منه أن يدعو أن يستجيب لدعاء النبي ﷺ فالمستشفع به هو دعاء النبي وليس ذات النبي ﷺ ، وقد سبق في باب (التوسل).
٢ - ومن شبههم أيضًا أنهم قالوا الاستشفاع بالأنبياء يجوز لأنكم تقولون إن الاستشفاع بالحي جائز والأنبياء أحياء، فنحن نستشفع بأحياء، فإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فالأنبياء من باب أولى.
* والجواب عن ذلك بما يأتي:
١ - أن الله أخبر عنهم في القرآن أنهم ماتوا وانقطعت أعمالهم قال : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله .. " فليس له عمل بعد الموت.
٢ - أن الله منعك أن تسألها من غيره.
وأما كونهم أحياء فنعم ولكنها حياة برزخية غير هذه الحياة.
قال ابن باز ﵀: "لا يجوز لأحد أن يطلب من الرسول ﷺ الشفاعة، لأنها ملك الله سبحانه، فلا تطلب إلّا منه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤].
فتقول: "اللهم شفع فيَّ نبيك، اللهم شفع فيَّ ملائكتك، وعبادك المؤمنين، اللهم
стр. 1170
شفع فيَّ أفراطي"، ونحو ذلك. وأما الأموات فلا يُطلب منهم شيء، لا الشفاعة ولا غيرها، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء؛ لأن ذلك لم يشرع، ولأن الميت قد انقطع عمله إلا مما استثناه الشارع.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع، أو ولد صالح يدعو له".
وإنما جاز طلب الشفاعة من النبي ﷺ في حياته ويوم القيامة؛ لقدرته على ذلك، فإنه يستطيع أن يتقدم فيسأل ربه للطالب، أما في الدنيا فمعلوم، وليس ذلك خاصًا به، بل هو عام له ولغيره، فيجوز للمسلم أن يقول لأخيه: وليس لي إلى ربي في كذا وكذا، بمعنى: ادع الله لي، ويجوز للمقول له ذلك أن يسأل الله ويشفع لأخيه، إذا كان ذلك المطلوب مما أباح الله طلبه.
وأما يوم القيامة فليس لأحد أن يشفع إلا بعد إذن الله سبحانه، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وأما حالة الموت فهي حالة خاصة لا يجوز إلحاقها بحال إنسان قبل الموت، ولا بحاله بعد البعث والنشور؛ لانقطاع عمل الميت، وارتهانه بكسبه إلا ما استثناه الشارع، وليس طلب الشفاعة من الأموات مما استثناه الشارع؛ فلا يجوز إلحاقه بذلك، لا شك أن النبي ﷺ بعد وفاته حي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء ولكنها ليست من جنس حياته قبل الموت، ولا من جنس حياته يوم القيامة، بل حياة لا يعلم حقيقتها وكيفيتها إلا الله سبحانه؛ ولهذا تقدم في الحديث الشريف قوله ﵊: ما من أحد يسلم علي إلا ردّ علي روحي حتى أرد عليه.
فدل ذلك على أنه ميت، وعلى أن روحه قد فارقت جسده، لكنها ترد عليه عند السلام، والنصوص الدالة على موته ﷺ من القرآن والسنة معلومة، وهو أمر متفق
стр. 1171
عليه بين أهل العلم، ولكن ذلك لا يمنع حياته البرزخية، كما أن موت الشهداء لم يمنع حياتهم البرزخية المذكورة في قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وإنما بسطنا الكلام في هذه المسألة؛ لدعاء الحاجة إليه، بسبب كثرة من يشبه في هذا الباب، ويدعو إلى الشرك وعبادة الأموات من دون الله. فنسأل الله لنا ولجميع المسلمين السلامة من كل ما يخالف شرعه. والله أعلم" (١).
٣ - ومن شبههم أيضًا أنهم يستدلون على الجواز بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
فيقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة، ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم (٢).
قال الشيخ السعدي: "وهذا المجيء إلى الرسول ﷺ مختص بحياته؛ لأن السياق يدل على ذلك، لكون الاستغفار من الرسول، لا يكون إلا في حياته. وأما بعد موته، فإنه لا يطلب منه شيء، بل ذلك شرك" (٣).
٤ - ومن شبههم أيضًا إطلاق القول بأن اللهُ ملّك المؤمنين الشفاعة.
قال الشيخ أبا بطين: "إطلاق القول بأن الله ملّك المؤمنين الشفاعة، خطأ، بل
стр. 1172
الشفاعة كلها لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ [الزمر: ٤٤]، وأثبت سبحانه الشفاعة بإذنه، وأخبر النبي ﷺ أن الأنبياء يشفعون، والصالحين يشفعون، وعلى هذا فمن أذن الله له في الشفاعة، يصح أن يقال أنه ملك ما أذن له فيه فقط، لا ما لم يؤذن له فيه، فهو تمليك معلق على الإذن والرضا لا تمليك مطلق كما يزعمه هذا الضال (١)، وسيد الشفعاء صلوات الله وسلامه عليه لا يشفع حتى يقال له ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع ... " (٢).
٧ - الفرق بين الشفاعة عند الله وبين الشفاعة عند البشر:
الشفاعة عند البشر قد تحصل بدون إذن المشفوع إليه، أو بدون رضاه عن المشفوع له، وذلك لأي سبب من الأسباب، والتي تدل على تأثير المخلوق في المخلوق، بخلاف الشفاعة عند الله ﵎، فلا تحصل إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له.
قال القاضي علي بن أبي العز شارح الطحاوية: "الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى أنه صار به شفعًا فيه بعد أن كان وترًا، فهو أيضًا قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار فاعلًا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب منه والله تعالى وتر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه فلا شريك له بوجه" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن المخلوق يشفع عند نظيره، أو من هو أعلى منه، أو دونه، بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع إليه ولابد شفاعته: إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما
стр. 1173
لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب.
وتكون شفاعة الشفيع هي التي حركت إرادة المشفوع إليه، وجعلته مريدًا للشفاعة بعد أن لم يكن مريدًا لها، كأمر الامر الذي يؤثر في المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريدًا لفعله" (١).
٨ - حكم الشفاعة في أمور الدنيا:
والمقصود من أمور الدنيا التوسط لدى أصحاب الجاه والسلطان ونحوهم من أصحاب الحقوق.
والشفاعة في أمور الدنيا قد تكون محمودة، وقد تكون مذمومة.
فالشفاعة لدى الآخرين من أجل أخذ الحقوق أو درء المظالم ونحو ذلك من حاجات الناس المباحة سعي مبرور.
وأما الشفاعة في إبطال الحقوق، أو إقرار الباطل، أو تعطيل حد ونحو ذلك فهو مذموم قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك قال تعالى ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته.
قال الحافظ النووي ﵀ في بيان ذلك: "تستحب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما أم إلى أحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كف ظلم، أو إسقاط تعزير، أو في تخليص عطاء لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود فحرام، وكذا الشفاعة في
стр. 1174
تتميم باطل، أو إبطال حق، ونحو ذلك فهي حرام" (١).
وقال في موضع آخر: "اعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها ما لم تكن شفاعة في حد، أو شفاعة في أمر لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظر على طفل أو مجنون أو واقف، أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلها شفاعة محرمة تحرم على الشافع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها" (٢).
وقال الشوكاني: "وأما التشفع بالمخلوق فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز طلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا" (٣).
وبهذا تعلم أن حكم طلب الشفاعة إذا كان في أمر مباح يقدر عليه فهذا جائز أما إذا كان طلب الشفاعة يتعلق به تعد على أحد أو إسقاط لمطلوب شرعي فمحرمة وأما إذا طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا من الشرك الأكبر.
стр. 1175
١٧٧ - الشكر *
قال الرازي: "الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف" (١).
والشكر عرفان الإحسان ونشرُه (٢).
وقال ابن حجر: "الشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة فمن كثر ذلك منه سمي شكورا ومن ثم قال وقليل من عبادي الشكور" (٣).
وقال ابن القيم: "أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل، والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلًا بها، لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدهما كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به عنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها. فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له" (٤).
стр. 1176
وقال ابن عثيمين: "الشكر فسروه بأنه: القيام بطاعة المنعم" (١).
والشكر يضاده الكفر والشرك وبوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بباب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. فقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر مرفوعًا: "من أولي معروفًا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره"" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "الشكر الذي هو عبادة من العبارات، وترك الشكر مناف للتوحيد، لأن الواجب أن يشكر الخالق المنعم ، فصارت لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية" (٣).
* الدليل من الكتاب:
قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال : ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ
стр. 1177
يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]، وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]، وقال : ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٥]، وقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧] وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧].
* العلاقة بين الحمد والشكر والمدح:
قال ابن كثير: "قال أبو جعفر بن جرير: "معنى الحمد لله الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد في تصحيح الآلات في طاعته وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش إستحقاق منهم ذلك عليه ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا" (١).
وقال ابن جرير ﵀: "الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله قال: وقد قيل إن قول القائل الحمد لله ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا. وقوله: الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه" (٢).
ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا
стр. 1178
من الحمد والشكر مكان الآخر وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية وقال ابن عباس الحمد لله كلمة كل شاكر وقد استدل القرطبي بابن جرير بصحة قول القائل الحمد لله شكرًا وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
ولكنهم اختلفوا أيها أعم الحمد أو الشكر على قولين والتحقيق أن بينهما عموما وخصوصًا.
فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية تقول حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول.
والشكر أعم من حيث ما يقعان به لأنه يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية لا يقال شكرته لفروسيته وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إلي هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم.
وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: "الحمد نقيض الذم تقول حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد والحمد أعم من الشكر وقال في الشكر هو الثناء على المحسن بما أو أولاكه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي والميت وللجماد أيضا كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم" (١).
стр. 1179
قال ابن القيم: "والفرق بينهما: أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا، ومتعلقة: النعم دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان" (١).
وبه تعلم أين يكون الشكر.
قال ابن عثيمين: "الشكر يكون في ثلاثة مواضع:
في القلب: وهو أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، فيرى لله فضلًا عليه بها، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وأعظم نعمة هي نعمة الإسلام، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
اللسان: وهو أن يتحدث بها على وجه الثناء على الله والاعتراف وعدم الجحود، لا على سبيل الفخر والخيلاء والترفع على عباد الله، فيتحدث بالغنى لا ليكسر خاطر الفقير، بل لأجل الثناء على الله، وهذا جائز كما في قصة الأعمى من بني إسرائيل لما ذكرهم الملك بنعمة الله، قال "نعم، كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيرًا فأعطاني الله المال"، فهذا من باب التحدث بنعمة الله.
стр. 1180
والنبي ﷺ تحدث بنعمة الله عليه بالسيادة المطلقة، فقال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" (١).
الجوارح: وهو أن يستعملها بطاعة المنعم، وعلى حسب ما يختص بهذه النعمة.
فمثلًا: شكر الله على نعمة العلم: أن تعمل به، وتعلمه الناس.
وشكر الله على نعمة المال: أن تصرفه بطاعة الله، وتنفع الناس به.
وشكر الله على نعمة الطعام: أن تستعمله فيما خلق له، وهو تغذية البدن، فلا تبني من العجين قصرًا مثلًا، فهو لم يخلق لهذا الشيء" (٢).
وفي حديث النبي ﷺ يقول: "أن ثلاثة من بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى ... الحديث قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمته، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيهما، فاستحق الرضى الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار بالنعمة ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب" (٣).
وذكر الشيخ ابن عثيمين من فوائد الحديث: "بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال، والشكر الأعم أن يقوم بطاعة المنعم في كل شيء" (٤).
стр. 1181
والشكر من أعلى مراتب العبد:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم بالسَّراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر ... " (١).
وقال الإمام ابن القيم: "على حسب صبر العبد وشكره تكون قوة إيمانه وآيات الله إنما ينتفع بها من آمن بالله ولا يتم له الإيمان إلا بالصبر والشكر فإن رأس الشكر التوحيد ورأس الصبر ترك إجابة داعي الهوى، فإذا كان مشركًا متبعًا هواه لم يكن صابرًا ولا شكورًا .. " (٢).
وقال ابن عثيمين في بيان موقف العبد حال المصيبة: "الرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك قال النبي ﷺ : "ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا شيء إلا كفّر له بها حتى الشوكة يشاكها"، كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك" (٣).
فائدة: في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
قال ابن عثيمين: "أكثر المفسرين على أنه على حذف مضاف، أي: أتجعلون شكر رزقكم، أي: ما أعطاكم الله من شيء من المطر ومن إنزال القرآن، أي: تجعلون شكر هذه النعمة العظيمة أن تكذبوا بها، والنبي ﷺ وإن كان ذكرها في المطر، فإنها تشمل المطر وغيره.
стр. 1182
وقيل: إنه ليس في الآية حذف، والمعنى: تجعلون شكركم تكذيبًا، وقال: إن الشكر رزق، وهذا هو الصحيح، بل هو أكبر الأرزاق، قال الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
فالنعمة تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكرتها، فهي نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، وإن شكرت في الثانية، فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثالث، وهكذا أبدًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] " (١).
стр. 1183
١٧٨ - شهادة أن محمدًا رسول اللّه *
[الإيمان بالرسل - النبوة]
الشهادة لغة: قال الجوهري: "الشهادة: خبرٌ قاطع.
والمشاهدة: المعاينة، وشَهدَهُ شُهودًا، أي حَضرَه، فهو شاهدٌ. وقومٌ شُهودٌ، أي حُضورٌ، وشهد له بكذا أي أدّى ما عنده من الشهادة، فهو شاهد" (١).
وفي مقاييس اللغة لابن فارس: شهد: الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام، لا يخرُج شيءٌ من فروعه عن الذي ذكرناه. من ذلك الشهادة، يجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام. يقال: شهد يشهد شهادةً. اهـ.
قال الإمام القاضي ابن أبي العز: "وعبارات السلف في "شهد" تدور على الحكم والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:
فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته.
وثانيها: تكلُّمه بذلك، وإن لم يُعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها.
وثالثها: أن يُعلم غيره بها بما يشهد به، ويُخبره به، ويبينه له.
ورابعها: أن يُلزمه بمضمونها ويأمرَه به.
стр. 1184
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به" (١).
وفي الشرع قال القاضي عياض: "والإيمان به ﷺ هو تصديق نبوته ورسالة الله له وتصديقه في جميع ما جاء به، وما قاله، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله ﷺ فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك اللسان ثم الإيمان به والتصديق له" (٢).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" (٣).
وقال الشيخ محمد بن عثيمين: "معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله" هو الإقرار باللسان والإيمان بالقلب بأن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي رسول الله إلى جميع الخلق من الجن والإنس كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] ولا عبادة لله تعالى إلا عن طريق الوحي الذي جاء به محمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
ومقتضى هذه الشهادة أن تصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر، أن تمتثل أمره فيما أمر، وأن تجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا تعبد الله إلا بما شرع، ومقتضى هذه
стр. 1185
الشهادة أيضًا أن لا تعتقد أن لرسول الله ﷺ ، حقًّا في الربوبية وتصريف الكون، أو حقًّا في العبادة، بل هو ﷺ عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا من النفع أو الضر إلا ما شاء الله كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فهو عبد مأمور يتبع ما أمر به، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١، ٢٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وبهذا تعلم أنه لا يستحق العبادة لا رسول الله ﷺ ولا من دونه من المخلوقين، وأن العبادة ليست إلا لله تعالى وحده ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. وأن حقه ﷺ ، أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها وهي أنه عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "ويلزم من هذه الشهادة أن تتبعه في شريعته وفي سُنَّته وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منه ولهذا نقول إن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول ﷺ ما ليس منها إنهم لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله" (٢).
وشهادة أن محمدًا رسول الله كما تقتضي الإيمان به تقتضي الإيمان بجميع الرسل لما بينهما من التلازم، وكذلك الكتب التي جاءت بها الرسل (٣).
стр. 1186
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
* الدليل من السنة: حديث وفد عبد القيس حيث قال ﷺ لهم: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس ... " الحديث (١).
أحكام وفوائد:
١ - أركان شهادة "أن محمدًا رسول الله ":
لهذه الشهادة ركنان اثنان هما قولنا: عبده ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ الآية، وقال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما الإيمان بأنه عبد الله فلئلا يُغلا في جنابه ولا يرفع فوق مرتبة العبودية إلى
стр. 1187
مرتبة العبادة له من دون الله فإن حقه ﷺ أن تنزله المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها. ووصف العبودية هو الذي اختاره الله لرسوله ﷺ في أشرف المقامات فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
وقوله (عبده) أضافه إليه إضافة تشريف وتعظيم، ومعنى العبد هنا المملوك العابد والعبودية الخاصة وصفه ﷺ كما قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وأعلى مراتب العبد العبودية الخاصة والرسالة، والنبي ﷺ أكمل الخلق في هاتين الصفتين الشريفتين، وأما الربوبية والألوهية فهما حق لله لا يشركه فيهما أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما (١).
ولابد من العلم بمعناها لا يكفي مجرد التلفظ قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة (٢) يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثيرون .. " (٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا ريب أنه لو قالها (٤) أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدًا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه، وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص كان كذلك كما ذكره صاحب
стр. 1188
"الدر الثمين في شرح المرشد المعين" من المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان انتهى. ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين" (١). وقد تقدم في أول الباب معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ .
٢ - ماذا تتضمن معرفة النبي ﷺ -:
قال ابن عثيمين: "وأما معرفة النبي ﷺ فتتضمن خمسة أمور:
الأول: معرفته نسبًا، فهو أشرف الناس نسبا فهو هاشمي قرشي عربي فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵇.
الثاني: معرفة سنّه، ومكان ولادته، ومهاجره وقد بينها الشيخ - محمد بن عبد الوهاب - بقوله: "وله من العمر ثلاث وستون سنة، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة". فقد ولد بمكة وبقي فيها ثلاثا وخمسين سنة، ثم هاجر إلى المدينة فبقي فيها عشر سنين، ثم توفي فيها في ربيع الأول سنة إحدى عشرة بعد الهجرة.
الثالث: معرفة حياته النبوية وهي ثلاث وعشرون سنة فقد أوحى إليه وله أربعون سنة كما قال أحد شعرائه:
وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان
الرابع: بماذا كان نبيًا ورسولًا؟ فقد كان نبيًا حين نزل عليه قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، ثم كان رسولًا حين نزل عليه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
стр. 1189
(٦)﴾ [المدثر: ١ - ٦] فقام ﷺ فأنذر وقام بأمر الله .
الخامس: بماذا أرسل ولماذا؟ فقد أرسل بتوحيد الله تعالى وشريعته المتضمنة لفعل المأمور وترك المحظور، وأرسل رحمة للعالمين لإخراجهم من ظلمة الشرك والكفر والجهل إلى نور العلم والإيمان والتوحيد حتى ينالوا بذلك مغفرة الله ورضوانه وينجوا من عقابه وسخطه" (١).
٣ - خصائص النبي ﷺ -:
قال الشيخ صالح الفوزان: "للرسول محمد ﷺ خصائص اختص بها عن غيره من الأنبياء وخصائص اختص بها عن أمته.
أ) والخصائص التي اختص بها عن غيره من الأنبياء كثيرة منها:
١ - أنه خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وقال ﷺ : "أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي".
٢ - المقام المحمود وهو الشفاعة العظمى (٢).
٣ - عموم بعثته إلى الثقلين الجن والإنس، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وهذا مجمع عليه، والآيات التي أنزلها الله على محمد ﷺ فيها خطاب لجميع الخلق: الجن والإنس، إذ كانت رسالته عامة للثقلين ...
стр. 1190
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب على الإنسان أن يعلم أن الله أرسل محمدًا ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن، وأوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأن يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويحبوا ما أحب الله ورسوله، ويكرهوا ما كرهه الله ورسوله، وأن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم ﵃ أجمعين.
٤ - ومن خصائصه ﷺ : القرآن العظيم الذي أذعن لإعجازه الثقلان، وأحجم عن معارضته مصاقيع الإنس والجان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر سورة من مثله أهل الفصاحة والبلاغة من سائر الأديان، وقد سبق تفصيل ذلك.
٥ - ومن خصائصه ﷺ : المعراج إلى السماوت العلى إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام فكان قاب قوسين أو أدنى.
ب) وأما الخصائص التي اختص بها دون أمته: قال القرطبي في تفسيره: خص الله تعالى رسوله من أحكام الشريعة بمعانٍ لم يشاركه فيها أحد، في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزية على الأمة وهبة له ومرتبة خص بها، ففرضت عليه أشياء ما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه .. ثم ذكر هذه الخصائص ومنها ... التهجد بالليل، يقال: إن قيام الليل كان واجبًا عليه إلى أن مات لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والمنصوص أنه كان واجبًا عليه ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
стр. 1191
ومنها: أنه إذا عمل عملًا أثبته. ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها: أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها أنه أُحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يُورث. ومنها: بقاء زَوْجيَّتهِ بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تُنكح، إلى غير ذلك من الخصائص النبوية" (١).
ولمزيد من التفصيل انظر في الأبواب (متابعة الرسول ﷺ ) (النبوة).
١٧٩ - الشهادة لمعين بالجنة أو النار
انظر باب (التألّي على الله).
стр. 1192
١٨٠ - الصبر *
الصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبرا أي إذا أُمسك وحبس ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] أي: احبس نفسك معهم.
وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه. فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده البذل والهذر والإفشاء، وفي فضول العيش: زهد، ويضاده الحرص، وفي اليسير من الدنيا: قناعة، وضده الشره (١).
وفي الشرع: قال ابن تيمية ﵀: "الصبر فيه جمع وإمساك ولهذا قيل الصبر حبس النفس عن الجزع" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما" (٣).
стр. 1193
وقال الراغب في مفرداته: "الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "وقيل: الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة" (٢)، ثم ذكر قول عمرو بن عثمان المكي ﵀: "الصبر هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة" وقال معلقًا عليه: "ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى"" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "الصبر: حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله" (٤).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم" (٥).
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ لله، وَالْحَمْدُ لله تَمْلآَنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا" (٦).
стр. 1194
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ به يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٢).
وللبخاري ومسلم مرفوعًا: "ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (٣).
ولمسلم قال ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (٤).
وأمر رسول الله ﷺ الأنصار بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض. وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر عند المصيبة، وأخبر أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى. وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره (٥).
* أقوال السلف في الصبر:
قال عمر ﵁: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" (٦).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بان الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له" (٧).
стр. 1195
وقال الإمام أحمد: "ذكر الله الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا" (١).
وقال أبو الفرج بن الجوزي: "الرجل كل الرجل من يصبر على العافية. وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديدا، لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ" (٢).
وقال ابن القيم في منازل السائرين: "والصبر حبس النفس على المكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة وأنكرها في طريق التوحيد. وهو واجب بإجماع الأمة" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤] (٤).
وقال ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين" (٥).
وقال ابن كثير: "والصبر من صفات عباد الرحمن التي استحقوا بها الجنة العالية، ولقوا فيها التحية والسلام قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦] (٦).