← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ومنها: أنه إذا عمل عملًا أثبته. ومنها: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. ومنها: أنه أحل له الوصال في الصيام، وأحل له الزيادة على أربع نسوة. ومنها أنه أُحل له القتال بمكة. ومنها: أنه لا يُورث. ومنها: بقاء زَوْجيَّتهِ بعد الموت، وإذا طلق امرأة تبقى حرمته عليها فلا تُنكح، إلى غير ذلك من الخصائص النبوية" (١). ولمزيد من التفصيل انظر في الأبواب (متابعة الرسول ﷺ ) (النبوة). ١٧٩ - الشهادة لمعين بالجنة أو النار انظر باب (التألّي على الله).

стр. 1192

١٨٠ - الصبر * الصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبرا أي إذا أُمسك وحبس ومنه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] أي: احبس نفسك معهم. وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه. فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده البذل والهذر والإفشاء، وفي فضول العيش: زهد، ويضاده الحرص، وفي اليسير من الدنيا: قناعة، وضده الشره (١). وفي الشرع: قال ابن تيمية ﵀: "الصبر فيه جمع وإمساك ولهذا قيل الصبر حبس النفس عن الجزع" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما" (٣).

стр. 1193

وقال الراغب في مفرداته: "الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع" (١). وقال ابن القيم ﵀: "وقيل: الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة" (٢)، ثم ذكر قول عمرو بن عثمان المكي ﵀: "الصبر هو الثبات مع الله وتلقي بلائه بالرحب والدعة" وقال معلقًا عليه: "ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى"" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين: "الصبر: حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط من أقدار الله" (٤). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم" (٥). * الدليل من السنة: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ وَالْحَمْدُ لله تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ لله، وَالْحَمْدُ لله تَمْلآَنِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا" (٦).

стр. 1194

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ به يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" (٢). وللبخاري ومسلم مرفوعًا: "ما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" (٣). ولمسلم قال ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (٤). وأمر رسول الله ﷺ الأنصار بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض. وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر عند المصيبة، وأخبر أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى. وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته ويوفر أجره (٥). * أقوال السلف في الصبر: قال عمر ﵁: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" (٦). وقال علي بن أبي طالب ﵁: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بان الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له" (٧).

стр. 1195

وقال الإمام أحمد: "ذكر الله الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا" (١). وقال أبو الفرج بن الجوزي: "الرجل كل الرجل من يصبر على العافية. وهذا الصبر متصل بالشكر، فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر، وإنما كان الصبر على السراء شديدا، لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ" (٢). وقال ابن القيم في منازل السائرين: "والصبر حبس النفس على المكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، وهو من أصعب المنازل على العامة وأوحشها في طريق المحبة وأنكرها في طريق التوحيد. وهو واجب بإجماع الأمة" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤] (٤). وقال ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين" (٥). وقال ابن كثير: "والصبر من صفات عباد الرحمن التي استحقوا بها الجنة العالية، ولقوا فيها التحية والسلام قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦] (٦).

стр. 1196

أحكام وفوائد: ١ - حكم الصبر: قال أبو بكر الطرطوشي في البدع والحوادث: "التصبر واجب" (١). وقال ابن حزم في المحلى: "والصبر واجب" (٢). وقال شيخ الإسلام: "والصبر واجب باتفاق العلماء" (٣). وقد تقدم كلام ابن القيم في مدارج السالكين: "أنه واجب بإجماع الأمة" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في حديث النهي عن النياحة: "وفيه دليل على أن الصبر واجب، لأن النياحة منافية له، فإذا حرمت دل على وجوبه" (٥). وهذا الحكم متعلق بالأقسام الثلاثة؛ فالصبر على أقدار الله التي لا صنع للعبد فيها واجب بالاتفاق وكذلك الصبر عن المحرمات. قال شيخ الإسلام: "والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور" (٦). وقال ﵀: "وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها" (٧). وأما الصبر على طاعة الله فيما افترض فواجب لا يخالف في لك عاقل. أما في غير هذه الأقسام الثلاثة فقد فصل الإمام ابن القيم في ذلك فقال بعد ذكره للنوع السابق - وهو الواجب -:

стр. 1197

وأما الصبر المندوب: فهو الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر على مقابلة الجاني بمثل فعله. وأما المحظور فأنواع: أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت، قال طاووس وبعده الإمام أحمد: من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار ... وأما الصبر المكروه فله أمثلة: أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنه. الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به. الثالث: صبره على المكروه. الرابع: صبره عن فعل المستحب. وأما الصبر المباح: فهو الصبر عن كل فعل مستوى الطرفين خير بين فعله وتركه والصبر عليه. وبالجملة: فالصبر على الواجب واجب، وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب، وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب، وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب، وعليه مكروه، والصبر عن المباح مباح .. والله أعلم" (١). ٢ - أقسام الصبر: يقول ابن القيم ﵀ في تقسيم الصبر: "الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر على المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها. وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: لابد للعبد من أمر يفعله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه ...

стр. 1198

وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧] " (١). وقال ابن عثيمين ﵀: "الصبر ثلاثة أنواع: أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله. وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة، إذا فتن الإ نسان مثلًا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله وهو رجل شاب ذو شهوة؛ فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، قد يصلي الإنسان مائة ركعه وتكون أهون عليه من هذا. وقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة فقد يموت له مثلا قريب أو صديق أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة ... " (٢). ٣ - تفاوت درجات الصبر: قال ابن القيم ﵀: "الصبر نوعان: اختياري، واضطراري، والاختياري أكمل من الاضطراري؛ فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتّى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري. ولذلك كان صبر يوسف الصديق ﷺ عن مطاوعة امرأة العزيز، وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه، أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لما ألقوه

стр. 1199

في الجب وفرقوا بينه وبين أبيه وباعوه بيع العبيد. وكذلك صبر الخليل ﵀، والكليم، وصبر نوح، وصبر المسيح، وصبر خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وسيد ولد آدم عليهم الصلاة والسلام كان صبرا على الدعوة إلى الله ومجاهدة أعداء الله؛ ولهذا سماهم الله أولي العزم، وأمر رسوله أن يصبر صبرهم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] (١). واعلم أن أجر الصبر في بعض الأعمال أكثر منه في غيره ويعظم الأجر بالصبر على أعظم الأعمال قال ابن تيمية ﵀: "فإن أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونهما فإن في العلم والإمارة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة والحج والصوم والزكاة من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد بل هو من أفضل الجهاد وأكمل من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب. الثاني: أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها بدون ذلك. الثالث: أن طلب النفس لها إذا كان بسبب أمر ديني كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل إليه من ذلك فإن صبره على ذلك يتضمن فعل المأمور وترك المحظور بخلاف ما إذا مالت نفسه إلى ذلك بدون عمل صالح" (٢).

стр. 1200

٤ - موقف العبد حال المصيبة: يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والناس حال المصيبة على مراتب أربع: الأولى: التسخط، وهو إما أن يكون بالقلب كأن يسخط على ربه ويغضب على قدر الله عليه، وقد يؤدي إلى الكفر قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] وقد يكون باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وقد يكون بالجوارح كلطم الخدود وشق الجيوب ونتف الشعور، وما أشبه ذلك. الثانية: الصبر وهو كما قال الشاعر: الصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل فيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل ويكرهه، لكنه يتحمله ويتصبر وليس وقوعه وعدمه سواء عنده، بل يكره هذا ولكن إيمانه يحميه من السخط. الثالثة: الرضا وهو أعلى من ذلك وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة إلى قضاء الله وقدره وإن كان قد يحزن من المصيبة، لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمة أو أصيب بضدها فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت بل لتمام رضاه بربه يتقلب في تصرفات الرب ولكنها عنده سواء إذ إنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر. الرابعة: الشكر وهو أعلى المراتب وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته شكر الله على ذلك قال

стр. 1201

النبي ﷺ : "ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا شيء إلا كفّر له بها حتى الشوكة يشاكها"، كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "وأعلى من ذلك، أي: من الرضى أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله تعالى عليه بها، حيث جعلها سببًا لتكفير خطاياه ورفع درجاته، وإنابته وتضرعه إليه وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه دون المخلوقين" (٢). ٥ - حكم الرضا بقضاء الله جل وعلا: قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: "قال ابن عقيل: الرضا بقضاء الله تعالى واجب فيما كان من فعله تعالى كالأمراض ونحوها، قال: فأما ما نهي عنه من أفعال العباد كالكفر والضلال فلا يجوز إجماعا، إذ الرضا بالكفر والمعاصي كفر وعصيان. وذكر الشيخ تقي الدين أن الرضا بالقضاء ليس بواجب في أصح قولي العلماء إنما الواجب الصبر" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وينبغي للإنسان أن يرضى بما يقدره الله عليه من المصائب التي ليست ذنوبا مثل أن يبتليه بفقر أو مرض أو ذل وأذى الخلق له فإن الصبر على المصائب واجب وأما الرضا بها فهو مشروع لكن هل هو واجب أو مستحب على قولين لأصحاب أحمد وغيرهم أصحهما أنه مستحب ليس بواجب" (٤). وقال ابن القيم: "وقد أجمع العلماء على أنه مستحب مؤكد استحبابه. واختلفوا في وجوبه على قولين. وسمعت شيخ الإسلام يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد وكان يذهب إلى القول باستحبابه، قال ابن تيمية: ولم يجيء الأمر به كما جاء الأمر

стр. 1202

بالصبر وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم" (١). وقال ﵀ في كتابه شفاء العليل: "وقد تنازع الناس فيه هل هو واجب أو مستحب على قولين وهما وجهان لأصحاب أحمد فمنهم من أوجبه واحتج على وجوبه بأنه من لوازم الرضا بالله ربًا وذلك واجب واحتج بأثر إسرائيلي: "من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ له ربًّا سواي" (٢). ومنهم من قال: هو مستحب غير واجب فإن الإيجاب يستلزم دليلًا شرعيًا ولا دليل يدل على الوجوب وهذا القول أرجح فإن الرضا من مقامات الإحسان التي هي من أعلى المندوبات". وقال: "إن طائفة أجابت بأن التقديرات لها وجهين وجها يرضى بها منه وهو إضافتها إلى الله سبحانه خلقا ومشيئة ووجه يسخط منه وهو إضافتها إلى العبد فعلا واكتسابا". ثم يوضح ذلك بقوله: "الحكم والقضاء نوعان ديني وكوني، فالديني يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام، والكوني منه ما يجب الرضا به كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا ربه كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحب الرضا به كالمصائب وفي وجوبه قولان هذا كله في الرضا بالقضاء الذي المقضي، وأما الذي هو وصفه سبحانه وفعله كعلمه وكتابه وتقديره ومشيئته فالرضا به من تمام الرضا بالله ربًا وإلهًا ومالكًا ومدبرًا، فبهذا التفصيل يتبين الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس"" (٣). وقال شيخ الإسلام ﵀: "وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من

стр. 1203

أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضا بالقضاء: هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين: فعلى الأول: يكون من أعمال المقتصدين، وعلى الثاني: يكون من أعمال المقربين. قال عمر بن عبد العزيز: الرضا عزيز، ولكن الصبر معول المؤمن. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لابن عباس: "إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا". ولهذا لم يجيء في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك، وهذا في الرضا بما يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] فالبأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب. وأما الرضا بما أمر به فأصله واجب، وهو من الإيمانه كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا"، وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤].

стр. 1204

ومن النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن النبي ﷺ أنه قال: "من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له". وأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضا بها، كما لا يشرع محبتها، فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبها، وإن كان قد قدّرها وقضاها كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ بل يسخطها كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ [محمد: ٢٨]. وقالت طائفة: ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقًا وتُسخط من جهة كونها مضافة إلى العبد فعلًا وكسبًا. وهذا القول لا ينافي الذي قبله، بل هما يعودان إلى أصل واحد، وهو سبحانه إنما قدر الأشياء لحكمة، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية، وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة، إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره من الآخر، كما في الحديث الصحيح: "ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه". وأما من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعوله، فهو خروج منه عن مقصود الكلام فإن الكلام ليس في الرضا فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وأفعاله، وإنما الكلام في الرضا بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيَّناه في غير هذا الموضع" (١).

стр. 1205

وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أما بالنسبة لفعل المقَدِّر فيجب على الإنسان الرضا به والصبر، وبالنسبة للمقدور فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا. مثال ذلك: قدر الله على سيارة شخص أن تحترق، فكون الله قدر أن تحترق السيارة هذا قدر يجب على الإنسان أن يرضى به، لأنه من تمام الرضا بالله ربًا. وأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة، فالصبر عليه واجب، والرضا به مستحب وليس بواجب على القول الراجح. والمقدور قد يكون طاعات، وقد تكون معاصي، وقد يكون من أفعال الله المحضة، فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال، ولهذا قال ابن القيم: فلذلك نرضى بالقضاء ونسخط الـ ... مقضي حين يكون بالعصيان فمن نظر بعني القضاء والقدر إلى رجل يعمل معصية، فعليه الرضا؛ لأن الله هو الذي قدر هذا، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظرنا إلى فعله، فلا يجوز له أن يرضى به لأنه معصية، وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور" (١). ٦ - الفرق بين الرضا والصبر: قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها بخلاف الصابر، وقال الخواص: الصبر دون الرضى، الرضى أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راض بأي ذاك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر (٢).

стр. 1206

وقال ابن رجب: كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى، فإنه إنما يكون بعد القضاء كما في الحديث: "وأسألك الرضى بعد القضاء" (١) لأن العبد قد يعزم على الرضى بالقضاء قبل وقوعه فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع القضاء فهو الراضي حقيقة" (٢). وقال ابن القيم مبينًا ضابط الرضا: "وليس من شرط الرضا ألا يحسَّ بالألم والمكاره بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه وطعنوا فيه. قالوا: هذا ممتنع على الطبيعة. وإنما هو الصبر. وإلا كيف يجتمع الرضا والكراهة؟ وهما ضدان والصواب أنه لا تناقض بينهما وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا كرضا المريض بشرب الدواء الكريه ورضا الصائم في اليوم الشديد الحرّ بما يناله من ألم الجوع والظمأ ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها" (٣). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]: "وهذا دليل على فضيلة الرضى، وهو أن لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولا يكرهه، وقد وصى النبي ﷺ رجلا فقال: "لا تتهم الله في شيء قضاه لك" (٤). فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في حكمة الله ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه، دعاه ذلك إلى الرضى، قال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (٥).

стр. 1207

٧ - أمور تتنافى مع الصبر أو تقدح في كماله: ١ - الشكوى إلى المخلوق على سبيل التسخط. ٢ - الأنين. ٣ - الندب والنياحة (١). وهذه الأمور تحتاج إلى توضيح وتفصيل حتى يتبين منها ما يتنافى مع الصبر وما يقدح فيه أو يقدح في كماله وما لا يكون كذلك: ١ - الشكوى: قال ابن القيم: "الشكوى نوعان: أحدهما: الشكوى إلى الله، فهذا لا ينافي الصبر، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ٨٣]، وقال أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] مع وصف الله له بالصبر، وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه: "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي، الخ .. ". وقال موسى ﷺ : "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك". والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال، فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله" (٢). وقال أيضًا ﵀: "والشكوى نوعان: شكوى بلسان المقال، وشكوى بلسان الحال، ولعلها أعظمها. ولهذا أمر النبي ﷺ من أنعم عليه أن يظهر نعمة الله عليه. وأعظم من ذلك من يشتكي ربه وهو بخير؛ فهذا أمقت الخلق عند ربه. قال الإمام أحمد قال كعب الأحبار: "إن من حسن العمل سبحة الحديث، ومن شر العمل

стр. 1208

التحذيف" قيل لعبد الله: ما سبحة الحديث؟ قال: سبحان الله بحمده في خلال الحديث. قيل: فما التحذيف؟ قال: يصبح الناس بخير، فيسألون، فيزعمون أنهم بشر! " (١). وقال أيضًا ﵀: "ومما يقدح في الصبر إظهار المصيبة، والتحدث بها. وكتمانها رأس الصبر. وقال الحسن بن الصباح في مسنده عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة". وذكر أنه "من بث الصبر فلن يصبر" وروي من وجه آخر عن الحسن يرفعه: من البر كتمان المصائب، وما صبر من بث" (٢). أما ما كان من إخبار عن الحال وشكوى مما يجده من ألم لا يصحبه تسخط للقدر فقد نقل ابن مفلح عن ابن تيمية قال: "ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح، لا لقصد الشكوى" ا. هـ وإلى هذا ذهب أحمد وابن المبارك فاحتج أحمد بقول النبي ﷺ لعائشة لما قالت وارأساه قال: "بل أنا وارأساه" (٣)، واحتج ابن المبارك بقول النبي ﷺ لابن مسعود: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" (٤) " (٥). قال ابن القيم: "وأما إخبار المخلوق بالحال فإن كان للاستعانة بإرشاده أو معاونته والتوصل إلى زوال ضرره لم يقدح ذلك في الصبر كإخبار المريض للطبيب بشكايته" (٦).

стр. 1209

وقد نقل ابن حجر كلامًا للقرطبي ﵀ فقال: "وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر" (١). وقال ابن حجر ﵀: "وأما إخبار المريض الطبيب أو صديقه عن حاله فلا بأس به اتفاقا" (٢). وقال أيضًا عند شرح حديث عائشة "وارأساه": "وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية فكم من ساكت وهو ساخط وكم من شاك وهو راض فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان" (٣). ٢ - الأنين؛ قال ابن القيم: "وأما الأنين فهل يقدح في الصبر، فيه روايتان عن الإمام أحمد قال أبو الحسين: أصحهما الكراهة لما روي عن طاووس أنه كان يكره الأنين في المرض. وقال مجاهد: كل شيء يكتب على ابن آدم مما يتكلم حتى أنينه في مرضه قال هؤلاء: وإن الأنين شكوى بلسان الحال ينافي الصبر. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "قال لي أبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج إليّ كتاب عبد الله بن إدريس. فأخرجت الكتاب، فقال أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم، فأخرجت أحاديث ليث، فقال: اقرأ عليّ أحاديث ليث، قال: قلت لطلحة: أن طاوس كان يكره الأنين في المرض، فما سمع له أنين حتى مات. فما سمعت أبي أنّ في مرضه إلى أن توفي. والرواية الثانية: أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر. قال بكر بن محمد عن أبيه سئل أحمد عن المريض يشكو ما يجد من الوجع، فقال: تعرف فيه شيئا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، حديث عائشة "وارأساه" (٤)، وجعل يستحسنه.

стр. 1210

وقال المروزي: دخلت على أبي عبد الله وهو مريض، فسألته، فتغرغرت عيناه، وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة. والتحقيق أن الأنين على قسمين: أنين شكوى فيكره، وأنين استراحة وتفريج فلا يكره، والله أعلم. وقد روى في أثر: أن المريض إذا بدأ بحمد الله، ثم أخبر بحاله، لم يكن شكوى وقال شقيق البلخي: من شكى من مصيبة نزلت به إلى غير الله، لم يجد في قلبه حلاوة لطاعة الله أبدا" (١). ٣ - الندب والنياحة وشق الثياب ... الندب: تعداد محاسن الميت وما يلقون بفقده بلفظ النداء (٢). والإتيان بحرف الندبة (٣). مثل قولهم: وارجلاه، واجبلاه، واانقطع ظهراه، وأشباه هذا. والنوح: قال في التيسير: "أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحه: واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك" (٤). ومن أحاديث النهي عن ذلك حديث عَبْدِ الله بن مسعود عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" (٥). وحديث كريمة المزنية قالت: سمعت أبا هريرة وهو في بيت أم الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة من الكفر بالله: شق الجيب، والنياحة، والطعن في النسب" (٦).

стр. 1211

قال في التيسير: "قوله: ودعى بدعوى الجاهلية قال شيخ الإسلام: "هو ندب الميت" وقال غيره: "هو الدعاء بالويل والثبور". وقال الحافظ: "أي: من النياحة ونحوها" وكذا الندب به كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم: "الدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف، والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية، وكونه منتسبا إليه يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي ويزن الناس به، فكل هذا من دعوى الجاهلية. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: الصحيح أن دعوى الجاهلية يعم ذلك كله" (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" (٢). وقال ابن تيمية: "فقوله: "هما بهما" أي: هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله ﷺ : "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة" وبين كفر منكر في الإثبات" (٣). وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء

стр. 1212

بالنجوم، والنياحة"، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "قوله "تقام يوم القيامة" أي تقام من قبرها. قوله: "وعليها سربال من قطران" السربال: الثوب السابغ كالدرع، والقطران معروف. ويسمى "الزفت"، وقيل: وقيل إنه النحاس المذاب. قوله: "ودرع من جرب" الجرب: مرض معروف يكون في الجلد يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى أن كل جلدها يكون جربًا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به، فكيف ومعه قطران؟ والحكمة: أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء: سربال من قطران ودرع من جرب، فكانت العقوبة من جنس العمل" (٢). وفي البخاري: قال أبو بردة بن أبي موسى ﵁: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: "إني بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة" (٣). * حكم النياحة: قال النووي: "فأما النياحة فحرام" (٤). وقال في موضع آخر: "وهو مجمع عليه" (٥).

стр. 1213

وقال ابن عبد البر: "وأجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء" (٢). وقال الصنعاني ﵀ في سبل السلام بعد أن ذكر حديثين منهما حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة" (٣): "والحديثان دالان على تحريم النياحة وتحريم استماعها إذ لا يكون اللعن إلا على محرم" (٤). وقال ابن القيم: "ومما ينافي الصبر شق الثياب عند المصيبة ولطم الوجه، والضرب بإحدى اليدين على الأخرى، وحلق الشعر، والدعاء بالويل، ولهذا برئ النبي ﷺ ممن سلق وحلق وخرف. سلق: رفع صوته عند المصيبة وحلق رأسه، وشق ثيابه، ولا ينافيه البكاء والحزن، قال الله تعالى عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤] قال قتادة: "كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا". وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ما كان من العين ومن القلب فمن الله والرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان"" (٥). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله (وقد جاء لعن من فعل ما في هذا الحديث عن ابن ماجه (٦)، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ : "لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور" وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، لأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم الصبر الواجب، والإضرار

стр. 1214

بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال؛ بشق الثياب وتمزيقها وذكر الميت بما ليس فيه، والدعاء بالويل والثبور والتظلم من الله تعالى وبدون هذا يثبت التحريم الشديد، فأما الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب. نص عليه أحمد لما رواه في مسنده (١) أنس أن أبا بكر ﵁ دخل على النبي ﷺ بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. وكذلك صح عن فاطمة ﵂ أنها ندبت أباها ﷺ فقالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه ... الحديث (٢) " (٣). مسألة: عذاب الميت بما نيح عليه ؟: في الصحيح عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" (٤). وفي رواية: "من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه" (٥) وفي رواية عند مسلم: "إن الميت ليُعذب ببكاء الحي" (٦). فقيل أنها متعارضة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]. وقد أنكرت عائشة ﵂ أن يكون النبي ﷺ قال ذلك وإنمال: "إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (٧). وقد تقدم رواية الصحابة لهذا الحديث وقد ثبت ذلك من رواية عمر بن الخطاب كما تقدم، وجاء عن غيره أيضًا وهم جازمون، فلا وجه للنفي مع إمكان

стр. 1215

حمله على محمل صحيح (١). قال ابن القيم: "وليس في هذه الأحاديث إشكال ولا مخالفته لظاهر القرآن ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره؛ فإن النبي ﷺ لم يقل أن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونوحهم، وإنما قال يعذب بذلك. ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص. وقد قال ﷺ : "السفر قطعة من العذاب". وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى أن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره، ويتأذى بذلك كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره. فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث ... " (٢). وللعلماء في ذلك أقوال مبسوطة ذكرها النووي وابن حجر رحمهما الله (٣). في شرحه لصحيح مسلم (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٩)، وذكرها أيضًا ابن حجر ﵀ في فتح الباري (٣/ ١٥٨). قال النووي: "والصحيح من هذه الأقوال ما قدّمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم على أن المراد بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين" (٤).

стр. 1216

قلت: وذكر الإمام الطبري وعياض ومن تبعه أن معنى التعذيب تألم الميت (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الميت يشعر بالألم. كما في الحديث:"السفر قطعة من العذاب" (٢). ومتى حصل شيء من ذلك فإثمه على فاعله أو قائله ولا يلحق الميت من الإثم شيء إلا إذا كان له فيه مدخل كأن أوصى به (٣). وقيل أنه محمل قوله ﵊: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فإن لم يمتثل أمره بذلك كان عليه إثم الأمر فقط" (٤). قال البخاري في صحيحه: "باب قول النبي ﷺ : يعذب الميت ببكاء كان النوح من سنته ... فإذا لم يكن من سنته، فهو كما قالت عائشة ﵂: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"" (٥). قال ابن حجر ﵀: "ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات ينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طرقته أو بالغ بذلك عُذّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فنُدب بأفعاله الجائرة عُذّب بما نُدب به، ومن كان يعرف من أهل النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيًا. بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذبيه تألُّمُه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب" (٦).

стр. 1217

٨ - حكم البكاء: البكاء على الميت جائز لا كراهة فيه إذا لم يصحبه ندب ونياحة. قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَلَى أَبي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأُخْرَى فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (١). وقد بسط الإمام ابن القيم أدلة المجيزين في كتابه عدة الصابرين (٢) فليراجع هناك. قال في الوسيط: "أما البكاء فجائز من غير ندبة ونياحة وشق جيب وضرب خد فكل ذلك حرام لأنه يخالف الانقياد لقضاء الله تعالى" (٣). وفي حاشية البجيرمي: "فالبكاء وحده لا يحرم" (٤). وقال ابن حزم: "والصبر واجب والبكاء مباح ما لم يكن نوح، فإن النوح حرام والصياح وخمش الوجوه وضربها وضرب الصدر ونتف الشعر وحلقه للميت كل ذلك حرام، وكذلك الكلام المكروه الذي هو تسخط لأقدار الله تعالى وشق الثياب" (٥).

стр. 1218

وقال ابن تيمية: "لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة مستحب، وذلك لا ينافي الرضا بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه، وبهذا يعرف معنى قول النبي ﷺ لما بكى على الميت وقال: "إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" (١) وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وأن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت. وأن الفضيل لما مات ابنه ضحك، وقال: رأيت أن الله قد قضى، فأحببت أن أرضى بما قضى الله به. حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع، فأما رحمة الميت والرضا بالقضاء وحمد الله كحال النبي ﷺ فهذا أكمل" (٢). وقال ابن مفلح: "وذكر الشيخ وجيه الدين من أصحابنا في "شرح الهداية" أنه يجوز البكاء على الميت إذا تجرد عن فعل محرم من ندب ونياحة وتسخط بقضاء اللهُ وقدره المحترم، والجزع الذي يناقض الانقياد والاستسلام له" (٣) ٩ - فائدة في معنى الهلع: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج ١٩ - ٢٢] قال الشوكاني: "قال في الصحاح: الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه يقال هلِع بالكسر فهو هلع وهلوع على التكثير وقال عكرمة هو الضجور قال الواحدي المفسرون يقولون تفسير الهلع ما بعده يعني قوله ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو جزوع أي كثير الجزع وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك

стр. 1219

وقال أبو عبيدة الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر وإذا مسه الشر لم يصبر" (١). قال ابن الجوزي: "قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أي أصابه الفقر جزوعا لا يصبر ولا يحتسب ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أصابه المال منوعا بمنعه من حق الله إلا المصلين وهم أهل الإيمان بالله" (٢). وقال ابن القيم: "وإذا أردت معرفة الهلوع فهو الذي إذا أصابه الجوع مثلًا أظهر الاستجاعة وأسرع بها، وإذا أصابه الألم أسرع الشكاية وأظهرها، وإذا أصابه القهر أظهر الاستطامة والاستكانة وباء بها سريعًا، وإذا أصابه الجوع أسرع الانطراح على جنبه وأظهر الشكاية، وإذا بدا له مأخذ طمع طار إليه سريعًا، وإذا ظفر به أحله من نفسه محل الروح فلا احتمال ولا أفضال وهذا كله من صغر النفس ودناءتها وتدسيسها في البدن وإخفائها وتحقيرها. والله المستعان" (٣). ١٨١ - الصدق المنافي للكذب من شروط (لا إله إلا الله) انظر باب (لا إله إلا الله) (أعمال القلوب).

стр. 1220

١٨٢ - الصراط المستقيم * [الدين - الإسلام - التوحيد - السنة] قال ابن تيمية: "وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام المحض وهو مافي كتاب الله تعالى وهو السنة والجماعة فإن السنة المحضة. وهي دين الإسلام المحض" (١). قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- -: "ولنذكر في الصراط قولا وجيزا، فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه، وترجمتهم بحسب صفاته ومتعلقاته، وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته. ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول ﷺ ، وهذا معنى قول بعض العارفين: إن السعادة كلها والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبة، وحسن معاملة. وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فأي شيء فسر به الصراط المستقيم، فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك كله، وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته فالأول

стр. 1221

يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيَّتُها (١) وقطب رحاها" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تفسير سورة الفاتحة عن الصراط المستقيم: "المراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ وهو صراط الذين أنعمت عليهم وهم رسول الله ﷺ وأصحابه وأنت دائما في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم" (٣). وقال الشيخ السعدي: "هو معرفة الحق والعمل به" (٤). * الدليل من الكتاب: قال الكل تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]: وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. * الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "خَطَّ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ فِي وَسَطِ الْخَطِّ خَطًّا وَخَطَّ خَارِجًا مِنْ الْخَطِّ خَطًّا وَحَوْلَ الَّذِي فِي الْوَسَطِ خُطُوطًا فَقَالَ: "هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ الإِنْسَانُ وَهَذ الْخُطُوطُ عُرُوضُهُ إِنْ نَجَا مِنْ هَذَا يَنْهَشُهُ هَذَا وَالْخَطُّ الْخَارِجُ الأَمَلُ"" (٥). وفي رواية قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده، ثم قال: "هذا سبيل

стр. 1222

الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وعن النواس بن سمعان مرفوعا قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة: محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم" (١). وعن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال: "البدع والشبهات" (٢). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والبدع والضلالات من أهل الشذوذ والأهواء، والتعمق في الجدل، والخوض في الكلام، فاتباع هذه من اتباع السبل التي تذهب بالإنسان عن الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم" (٣). وقد بيَّن شارحُ الطحاوية ضلالَ الفرق كالجهمية والقدرية والخوارج والمرجئة والرافضة فقال: "وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن

стр. 1223

الصراط المستقيم، الذي أمرنا الله باتباعه، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فوحد لفظ "صراطه " و"سبيله" وجمع "السبل" المخالفة له. وقال ابن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. ومن هاهنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة أمّ القرآن في كل ركعة، إما فرضا أو إيجابا، على حسب اختلاف العلماء في ذلك، لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر. المشتمل على أشرف المطالب وأجلها. فقد أمرنا الله تعالى أن نقول ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" (١). وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لتتبعنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن؟ "" (٢). * فائدة: قال ابن القيم ﵀: "قال الله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا

стр. 1224

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣] فجمع سبل الباطل ووحد سبيل الحق ولا يناقض هذا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٦]. فإن تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم فإن طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد وسبيل واحد وهو سبيله التي لا سبيل إليه إلا منها".

стр. 1225

١٨٣ - صفر * صَفَر: بفتح الصاد والفاء، وهو الشهر الثاني من الشهور الهجرية. وقد جاء الشرع بنفيه فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ" (١). وعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله ﵁ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ ولا غُولَ" قال الراوي عن أبي زبير: وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ أَنَّ جَابرًا فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ "ولا صَفَرَ" فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: الصَّفَرُ الْبَطْنُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ إنها دَوَابُّ الْبَطْنِ. قَالَ وَلَمْ يُفَسِّرْ الْغُولَ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذه الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ" (٢). * أقوال العلماء في معنى "صفر ": أولًا: قيل إنها: "حية تكون في البطن، تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب" (٣). وجاء الشرع بنفي هذا الزعم. قال النووي في ذكره لمعاني صفر: "أن الصفر دواب في البطن، وهي دود، وكانوا يعتقدون أن في البطن دابة تهيج عند الجوع، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب. وهذا التفسير هو الصحيح، وبه قال مطرف، وابن وهب، وابن حبيب وأبو عبيد، وخلائق من

стр. 1226

العلماء (١) وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث، فتعين اعتماده" (٢). قال في الفتح: "فعلى هذا، فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه (٣) من العدوى. ورجح الطبري هذا القول واستشهد له بقول الأعشى: وَلا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ والشُرسوف بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة ثم فاء: الضلع. والصفر: دود يكون في الجوف، فربما عض الضلع أو الكبد فقتل صاحبه. وقيل: المرد بالصفر: الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله، فرد الشارع ذلك بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الأجل. وقد جاء هذا التفسير عن جابر، وهو أحد رواة حديث: "لا صفر"، قاله الطبري" (٤). ثانيًا: قيل: "المراد تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، وبهذا قال مالك وأبو عبيدة". ذكر ذلك النووي - رحمه الله تعالى - (٥). وقال الشيخ ابن عثيمين: "كانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أراوا القتال في شهر المحرم استحلوه وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وهذا القول ضعيف، يضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير" (٦). ثالثًا: قيل: "إن صفر هو شهر صفر" ذكره في عون المعبود وقال: "المُرَاد الشَّهْر

стр. 1227

الْمَعْرُوف كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ" (١) روى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقيل في الصفر قول آخر، وهو أن المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل المحرم، فجاء الإسلام برد ما كانوا يفعلونه من ذلك، فلذلك قال ﷺ : لا صفر. قال ابن بطال: وهذا القول مروي عن مالك" (٣). قال الشيخ ابن عثيمين: "والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤوما، أي لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير، ويقدر فيه الشر" (٤). وجمع النووي بين القولين الأول والثاني فقال: "ويجوز أن يكون المراد هذا والأول (٥) جميعًا، وأن الصفرين جميعا باطلان، لا أصل لهما ولا تعريج على واحد منهما" (٦). وبالتفسيرين الأول والثاني قال ابن الأثير ﵀ ولم يجزم بواحد منهما (٧). * حكم التشاؤم بصفر: انظر باب (الشؤم)، وقد تقدم. ١٨٤ - الصليب * انظر باب (الوثن).

стр. 1228

١٨٥ - الصنم * قال الراغب الأصفهاني: "الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام" (١). وقال ابن الأثير: "قد تكرر ذكر الصنم والأصنام وهو ما اتخذ إلها من دون الله وقيل هو ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن" (٢). * الفرق بين الصنم والوثن: قال ابن الأثير: "أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة كما في حديث عدي بن حاتم قال: "قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: ألق هذا الوثن عنك" (٣) " (٤). ومن إطلاق الوثن على الصليب قول الأعشى: تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن

стр. 1229

قال الأزهري عن شمر: "أراد بالوثن الصليب" (١). وفي التيسير قال: "قال في عروة المفتاح: "الصنم: هو ما له صورة، والوثن: ما ليس له صورة". قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "هذا هو الصحيح في الفرق بينهما، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك"" (٢). وقال ابن حجر: "والأصنام جمع صنم قال الجوهري هو الوثن وقال غيره الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا فبينهما عموم وخصوص وجهي فإن كان مصورا فهو وثن وصنم" (٣). وقد جاء عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه سمى الصورة صنمًا. وقال الشيخ حمود التويجري ﵀: "والصور داخلة في مسمى الأصنام عند أهل اللغة فتدخل فيما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك، وقيل: الوثن هو الصنم (٥)، والصنم هو الوثن، وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، فأحدهما قد يعني به الآخر وأما مع الاقتران، فيفسر كل واحد بمعناه" (٦). وبهذا يظهر أن الصنم والوثن إذا افترقا اتحدا وإذا اجتمعا اختلفا ولعل هذا يوضح قول من قال إن الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن.

стр. 1230

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في قول الرسول ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد": "ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عُبد لكان ثنًا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه" (١). وقال ﵀: "الصنم ما كان منحوتًا على صورة، والوثن: ما كان منحوتًا على غير ذلك ذكره الطبري عن مجاهد. قلت: وقد يسمى الصنم وثنًا كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ويقال: إن الوثن أعمُّ، وهو قوي، فالأصنام: أوثان، كما أن القبور أوثان" (٢). يقول الشيخ السعدي: "إن الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع، وهو العبادة فإنها حق الله وحقه، فمن دعا غير الله أو عبده فقد اتخذه وثنًا، وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر منافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين: "والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله. أما الوثن، فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: "لا تجعل قبري وثنًا يعبد" فالوثن أعم من الصنم" (٤). وقال أيضًا في شرح باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد
следующие страницы →