العلماء (١) وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله راوي الحديث، فتعين اعتماده" (٢).
قال في الفتح: "فعلى هذا، فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه (٣) من العدوى. ورجح الطبري هذا القول واستشهد له بقول الأعشى:
وَلا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ
والشُرسوف بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة ثم فاء: الضلع. والصفر: دود يكون في الجوف، فربما عض الضلع أو الكبد فقتل صاحبه. وقيل: المرد بالصفر: الحية، لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله، فرد الشارع ذلك بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الأجل. وقد جاء هذا التفسير عن جابر، وهو أحد رواة حديث: "لا صفر"، قاله الطبري" (٤).
ثانيًا: قيل: "المراد تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، وبهذا قال مالك وأبو عبيدة". ذكر ذلك النووي - رحمه الله تعالى - (٥).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "كانوا في الجاهلية ينسئون، فإذا أراوا القتال في شهر المحرم استحلوه وأخروا الحرمة إلى شهر صفر، وهذه النسيئة التي ذكرها الله بقوله تعالى: ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وهذا القول ضعيف، يضعفه أن الحديث في سياق التطير، وليس في سياق التغيير" (٦).
ثالثًا: قيل: "إن صفر هو شهر صفر" ذكره في عون المعبود وقال: "المُرَاد الشَّهْر
стр. 1227
الْمَعْرُوف كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِهِ" (١) روى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقيل في الصفر قول آخر، وهو أن المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل المحرم، فجاء الإسلام برد ما كانوا يفعلونه من ذلك، فلذلك قال ﷺ : لا صفر. قال ابن بطال: وهذا القول مروي عن مالك" (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين: "والأقرب أن صفر يعني الشهر، وأن المراد نفي كونه مشؤوما، أي لا شؤم فيه، وهو كغيره من الأزمان يقدر فيه الخير، ويقدر فيه الشر" (٤).
وجمع النووي بين القولين الأول والثاني فقال: "ويجوز أن يكون المراد هذا والأول (٥) جميعًا، وأن الصفرين جميعا باطلان، لا أصل لهما ولا تعريج على واحد منهما" (٦). وبالتفسيرين الأول والثاني قال ابن الأثير ﵀ ولم يجزم بواحد منهما (٧).
* حكم التشاؤم بصفر: انظر باب (الشؤم)، وقد تقدم.
١٨٤ - الصليب *
انظر باب (الوثن).
стр. 1228
١٨٥ - الصنم *
قال الراغب الأصفهاني: "الصنم جثة متخذة من فضة أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونها متقربين به إلى الله تعالى وجمعه أصنام" (١).
وقال ابن الأثير: "قد تكرر ذكر الصنم والأصنام وهو ما اتخذ إلها من دون الله وقيل هو ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن" (٢).
* الفرق بين الصنم والوثن:
قال ابن الأثير: "أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة كما في حديث عدي بن حاتم قال: "قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: ألق هذا الوثن عنك" (٣) " (٤).
ومن إطلاق الوثن على الصليب قول الأعشى:
تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن
стр. 1229
قال الأزهري عن شمر: "أراد بالوثن الصليب" (١).
وفي التيسير قال: "قال في عروة المفتاح: "الصنم: هو ما له صورة، والوثن: ما ليس له صورة". قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "هذا هو الصحيح في الفرق بينهما، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك"" (٢).
وقال ابن حجر: "والأصنام جمع صنم قال الجوهري هو الوثن وقال غيره الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا فبينهما عموم وخصوص وجهي فإن كان مصورا فهو وثن وصنم" (٣).
وقد جاء عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه سمى الصورة صنمًا.
وقال الشيخ حمود التويجري ﵀: "والصور داخلة في مسمى الأصنام عند أهل اللغة فتدخل فيما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها" (٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك، وقيل: الوثن هو الصنم (٥)، والصنم هو الوثن، وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، فأحدهما قد يعني به الآخر وأما مع الاقتران، فيفسر كل واحد بمعناه" (٦).
وبهذا يظهر أن الصنم والوثن إذا افترقا اتحدا وإذا اجتمعا اختلفا ولعل هذا يوضح قول من قال إن الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن.
стр. 1230
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في قول الرسول ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد": "ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عُبد لكان ثنًا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه" (١).
وقال ﵀: "الصنم ما كان منحوتًا على صورة، والوثن: ما كان منحوتًا على غير ذلك ذكره الطبري عن مجاهد.
قلت: وقد يسمى الصنم وثنًا كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ويقال: إن الوثن أعمُّ، وهو قوي، فالأصنام: أوثان، كما أن القبور أوثان" (٢).
يقول الشيخ السعدي: "إن الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع، وهو العبادة فإنها حق الله وحقه، فمن دعا غير الله أو عبده فقد اتخذه وثنًا، وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر منافق. والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "والأصنام: جمع صنم، وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله. أما الوثن، فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان، وفي الحديث: "لا تجعل قبري وثنًا يعبد" فالوثن أعم من الصنم" (٤).
وقال أيضًا في شرح باب: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد
стр. 1231
من دون الله (١): "قوله: "أوثانًا"، جمع وثن، وهو كل ما نصب للعبادة، وقد يقال له: صنم، والصنم: تمثال ممثل، فيكون الوثن أعم.
ولكن ظاهر كلام المؤلف أن كل ما يعبد من في دون الله يسمى وثنًا، وإن لم يكن على تمثال نصب، لأن القبور قد لا يكون لها تمثال ينصب على القبر فيعبد" (٢).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ [الأنعام: ٧٤].
والأصنام كثيرة قديمًا وحديثًا فمما ذكره الله في كتابه العزيز: اللات والعزى ومناة وودًا وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، وهناك أصنام أخرى منها إساف ونائلة وذو الخلصة، وقد ألَّف الكلبي في ذلك كتابًا سماه الأصنام وذكر ابن كثير عن ابن إسحاق أصنامًا أخر فقال: "وكانت فَلْس لطي ومن يليها بجبل طي بين سلمى وأجا، قال ابن هشام فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه واصطفى منه سيفين الرسوب، والمخذم فنفله إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي قال ابن إسحاق وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:
стр. 1232
ولقد شددت على رضاء شدة ... فتركتها قفرا بقاع أسمحا
وقال ابن إسحاق وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:
بين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذو الكعبات في سنداد" (١)
وقال هشام بن السائب الكلبي في كتاب الأصنام: "واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا. ومنهم من اتخذ صنمًا. ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام خيمة مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت وسموها الأنصاب. فإذا كانت تماثيل سموها الأصنام والأوثان، وسموا طوافهم الدوار. فكان الرجل إذا سافر فنزل منزلًا أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًا وجعل ثلاثًا لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك. فكانوا ينحرون ويذبحون عندها كلها ويتقربون إليها. وهم على ذلك عارفون فضل الكعبة عليها يحجُّونها ويعتمرون إليها، وكان الذين يفعلون من ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها، ولصبابة بها" (٢).
* ذكر بعض الأصنام المشتهرة في الجاهلية:
١ - هبل: وهو أعظم أصنام قريش وكان موجودًا في جوف الكعبة (٣).
قال ابن هشام: "حدثني بعض أهل العلم أن عمرو لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها
стр. 1233
فتمطرنا. فقال لهم: ألا تعطونني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هُبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه" (١).
وكانت العرب تُعظِّم هذا الصنم وتستقسم عنده بالأزلام وتضرب القداح. يقول الكلبي: "كان على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى أوركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب" (٢).
وفي يوم أُحُد حين لم يبق مع رسول الله غير اثني عشر رجلًا وأصيب منهم سبعون رجلًا أقبل أبو سفيان وأخذ يرتجز: أعل هبل أعل هبل قال النبي ﷺ : "ألا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا الله أعلى وأجل" (٣).
وأما تحطيم هبل فكان عام الفتح يوم دخل الرسول ﷺ مكة فأمر بكسر الأصنام، روى الأزرقي عن ابن عباس ﵄ في تحطيم الأصنام قال: "وأمر رسول الله ﷺ بهبل فكسر وهو واقف عليه فقال الزبير بن العوام لأبي سفيان بن حرب: يا أبا سفيان، قد كُسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك، فقال أبوسفيان: دع عنك هذا يا ابن العوام، فقد أرى أن لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان" (٤).
٢ - اللات (٥):
قال ابن كثير: "كانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف له
стр. 1234
أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.
وجاء عن عبد الله بن عباس وغيره أفهم قرءوا "اللاتّ" بتشد التاء وفسروه بأنه كان رجلًا يلتّ للحجيج في الجاهلية السويق فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا "اللات" يعنون مؤنثة منه - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا - " (١).
وقال صاحب التيسير: "وقال الأعمش: سموا اللات - بالتخفيف من الإله والعزَّى من العزيز" (٢).
وقال ابن عثيمين: "اللاتّ" تقرأ بتشديد التاء وتخفيفها والتشديد قراءة ابن عباس فعى قراءة التشديد تكون اسم فاعل من اللت، وكان هذا الصنم أصله رجل يلت السويق للحجاج أي يجعل فيه السمن ويطعمه الحجاج، فلما مات عكفوا على قبره وجعلوه صنمًا.
وأما على قراءة التخفيف فإن اللات مشتقة من الله أو من الإله فهم اشتقوا من أسماء الله اسما لهذا الصنم وسموه اللات وهي لأهل الطائف ومن حولهم من العرب" (٣).
وذكر الكلبي أن قريشًا وجميع العرب تعظّم اللات وبها كانت تسمي زيد اللات، وتيم اللات" (٤).
وقال ابن إسحاق: "وكانت اللات لثقيف بالطائف وكان سدنتها وحجابها بني
стр. 1235
مُعَتِّب من ثقيف" (١).
قال ابن كثير: "وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف" (٢).
٣ - مَنَاة (٣):
بفتح الميم والنون الخفيفة اسم صنم كانت على ساحل البحر، قال ابن كثير: "أما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويصلون منها للحج إلى الكعبة" (٤).
وقال ابن عثيمين: "مناة قيل مشتقة من المنّان وقيل من منى لكثرة ما يمنى عنده من الدماء بمعنى يراق ومنه سميت منى لكثرة ما يراق فيها من الدماء" (٥).
وقد ذكرها الله في كتابه فقال : ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ٢٠] وذكر المفسرون في قوله: ﴿الْأُخْرَى﴾ أقوالًا منها: "أن ذلك للتحقير والذم وأن المراد المتأخرة الوضيعة" (٦).
وقد بلغ من تعظيم المشركين إياها أنهم كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة تحرجا وتعظيما لها كما جاء في صحيح مسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵄ أخبرته: "أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسّان يهلّون لمناة فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين
стр. 1236
الصفا والمروة وإنهم قالوا لرسول الله ﷺ عن ذلك حين أسلموا فأنزل الله في ذلك قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (١).
* هدم مناة:
قال ابن هشام: "قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقُدَيد قال ابن هشام: فبعث رسول الله ﷺ إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها ويقال: علي بن أبي طالب" (٢).
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية نقلًا عن الواقدي أن الذي هدم مناة سعد بن زيد الأشهلي (٣).
وقال ابن سعد الواقدي: "في شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ قالوا: بعث رسلوا لله ﷺ حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي مناة وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأشهلي يهدمها فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعليها سادن فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك. فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فقال السادن: مناة دونك بعض عصاتك ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها، ويقبل على الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئًا وانصرف راجعًا إلى رسول الله ﷺ ، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان" (٤).
стр. 1237
٤ - العزى (١):
قال ابن كثير: "قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله ﷺ : "قولوا الله مولانا ولا مولى لكم"" (٢). وقد ذكرها الله في القرآن فقال : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم ١٩ - ٢٣].
وروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ" (٣).
قال ابن كثير: "هذا محمول على سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي بسنده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت هجرا، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن شمالك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد"" (٤).
стр. 1238
وقال ابن هشام: "فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنَتها وحجابَها بنو شيبان من سُليم حلفاء بني هاشم" (١).
وقال ابن كثير: "بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول:
يا عزى كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك" (٢)
قال الكلبي: "وكان الذي اتخذ العُزى ظالم بن أسعد" (٣).
وعند النسائي عن أبي طفيل قال: "لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئًا فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون يا عزى، يا عزى، يا عزى فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعمتمها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى سول الله ﷺ فأخبره فقال: تلك العزى" (٤).
قال ابن الكلبي: "ولم تكن قريش ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامها العزى ثم اللات ثم مناة" (٥).
٥ - أصنام قوم نوح ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر (٦):
أخبر الله عن تعظيم قوم نوح لهذه الأصنام حيث قال :
стр. 1239
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣].
قال القرطبي: "قال ابن عباس وغيره هي أصنام وصور كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب وهذا قول الجمهور" (١).
قَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "صَارَتْ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوح فِي الْعَرَبِ بَعْد، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بدَوْمَةِ الْجَنْدَل، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لآلِ ذِي الْكَلاع أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجلسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبدَتْ" (٢).
وقال القرطبي: "قال الماوردي فأما وَدُّ فهو أول صنم معبود سمي ودا لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل وفيه يقول شاعرهم:
حياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما
وأما سواع فكان لهذيل (٣) بساحل البحر في قولهم وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ في قول قتادة وقال المهدوي لمراد ثم لغطفان. الثعلبيّ: وأخذت أعلى وأنعم - وهما من طيء - وأهلُ جَرش من مذحج يَغوثَ فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا، ثم إن بني ناجية أرادوا نزعه من أعلى وأنعم ففروا به إلى الحصين أخى بني الحارث بن كعب من خزاعة وقال أبو عثمان النهدي رأيت يغوث وكان من رصاص وكانوا يحملونه على جمل أحرد ويسيرون معه ولا
стр. 1240
يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك فإذا برك نزلوا وقالوا قد رضي لكم المنزل فيضربون عليه بناء ينزلون حوله وأما يعوق فكان لهمدان ببَلْخَع في قول عكرمة وقتادة وعطاء ذكره الماوردي وقال الثعلبي وأما يعوق فكان لكهلان من سبأ ثم توارثه فالأكبر حتى صار إلى همدان وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني:
يَريشُ الله في الدنيا ويبرى ... ولا يبرى يعوق ولا يَريشُ
وأما نسر فكان لذي الكلاع من حمير في قول قتادة ونحوه عن مقاتل وقال الواقدي كان وَدُّ على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة نسر من الطير، فالله أعلم" (١).
* كيف صارت أصنام قوم نوح إلى العرب ؟
يقول الكلبي: "إن مبتدع الأوثان للعرب عمرو بن لحي الخزاعي كان له قرين من الجن فأتاه يوما وأخبره أن أصنام قوم نوح المشهورة قد دفعها الطوفان إلى ساحل جدة وطمرتها الرمال.
قال هشام الكَلبي: وكان له - أي عمرو بن لحي - رئي من الجن وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجّل بالمسير والظَّعْن من تهامة بالسعد والسلامة. ثم قال: ائت ضَفَّ جُدَّة فيها أصنامًا مُعدَّة، فأورِدها تهامةَ ولا تهب، ثم ادع العربَ إلى عبادتها تُجَب.
فأتى شطَّ جُدَّة فاستثارها ثم حملها حتى ورد تهامةَ، وحضرا الحجُّ فدعا العربَ إلى عبادتها قاطبةً" (٢).
وقد أُنكر عليه فعله هذا، قال الأزرقي: "وكان بمكة رجل من جرهم على دين
стр. 1241
إبراهيم وإسماعيل، وكان شاعرًا فقال لعمرو بن لحي حين غيّر الحنيفية:
يا عمرو لا تظلم بمكةَ ... إنها بلدٌ حرام
سايل بعادٍ أين هم ... وكذاك تحترم الأنام
وبني العماليق الذين لـ ... ـهم بها كان السوام
فزعموا أن عمرو بن لحي أخرج ذلك الجرهمي من مكة ... " (١).
وظلت هذه الأوثان تعظمها العرب حى جاء الإسلام فلم يبقَ لها ذكر، بل دخل الناس في دين الله أفواجًا، وانمحت تلك الشركيات والضلالات فلم يبقَ لها ذكر. ولله الحمد والمنة.
وقد بعث رسول الله ﷺ سرّية بقيادة عمرو بن العاص ﵁ لتحطيم سواع ويقول ابن العاص: "فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه قال: لا تقدر على ذلك قلت: لم؟ قال: تمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل ويحك وهل يسمع أو يبصر قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئا ثم قلت: للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله" (٢).
٦ - إساف ونائلة:
قال ابن إسحاق: "واتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان إساف ونائلة رجلًا وامرأة من جرهم - هو إساف بن بغي ونائلة بنت ديك -، فوقع إساف على نائلة في الكعبة، فمسخهما الله حجرين" (٣).
وقال السهيلي: "فأُخرجا إلى الصفا والمروة، فنصبا عليهما، ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف
стр. 1242
الناس بالكعبة وبهما، حتى عُبدا من دون الله" (١).
وقال ابن كثير: "قال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونها فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية (٢).
قلت - أي ابن كثير -: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا، ثم حُولا إلى الصفا والمروة، فنُصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمررة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابَهم ... لمفضي السيول من إساف ونائل" (٣)
وأما إزالتهما فقال السهيلي: "ذكر الواقدي: أن نائلة حين كسرها النبي ﷺ عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء - أي بيضاء الشعر - تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور" (٤).
٧ - ذو الخَلَصة:
بفتح الخاء واللام وهو بيت صنم ببلاد دوس يعبد من دون الله ويتقرب إليه بأنواع من العبادات.
قال ابن إسحاق: "وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيله ومن كان ببلادهم" (١).
стр. 1243
ببلادهم" (١).
قال ابن كثير: "وكان يقال لها الكعبة "اليمانية" والكعبة التى بمكة الكعبة "الشامية" فبعث إليه رسول ﷺ جرير بن عبد الله البجلي" (٢).
وروى البخاري عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ أَوْ الْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ " قَالَ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ قَالَ: فَكَسَرْنَا وَقتلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ فَأتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ" (٣).
وروى البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَليَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ". وَذو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٤).
قال في الفتح: "قال ابن التين: فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور فهو المراد باضطراب ألياتهن ... ويحتمل أن يكون المراد أنهن يتزاحمن بحيث تضرب عجيزة بعضهن الأخرى عند الطواف حول المراد المذكور وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر قال: "لا تقوم الساعة حتى تدافع مناكب نساء بني عامر على ذي الخلصة"" (٥).
قال الشيخ حمود التويجري: "وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث، فإن
стр. 1244
قبيلة دوس وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخلصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتى قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التوحيد، وجدّد ما اندرس من الدين، وعاد الإسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀، وبعث جماعة من الدعاة إلى ذي الخلصة، فخربوها، وهدموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرة أخرى، ثم لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ على الحجاز، أمر عامله عليها، فأرسل جماعة من جيشه، فهدموها وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة" (١).
* أدلة الكتاب والسنة على هدم الأصنام ووجوب ذلك على كل قادر:
١ - قال الله تعالى عن إبراهيم ﵇ ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء: ٥٧ - ٥٨]، وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٣]، وقام الخليل ﵇ - على قلة المناصر له - بتكسير آلهة قومه وأصنامهم، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].
٢ - وقال تعالى عن موسى ﵇ في العجل الذي اتخذه قومه إلهًا ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧]. مع
стр. 1245
قوله تعالى عن الأنبياء ومنهم موسى ﵇ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا - وفي رواية صنمًا - فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآية (١).
قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: "في هذه الآية دليل على كسر نصب الأوثان إذا غلب عليهم" (٢).
٤ - وقال تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] قال أبو سلمة: والرجز الأوثان (٣).
٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (٤).
٦ - عن عمرو بن عبسة أنه قال للنبي ﷺ : وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء" (٥).
٧ - عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا
стр. 1246
سويته" (١). وقوله هنا: "تمثالًا" نكرة في سياق نفي فيعم جميع التماثيل (٢).
٨ - قال أسامة ﵁: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة، ورأى صورًا، فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها، ويقول: "قاتل الله قومًا يصورون ما لا يخلقون" (٣).
٩ - تأمل هدمه ﷺ وإزالته لأصنام الجاهلية بيده، وبعثه الصحابة لكسرها فقد بعث جرير بن عبد الله البجلي مع سرية لكسر صنم (ذي الخلصة) في اليمن، وبعث خالد بن الوليد إلى (نخلة) لهدم (العزى)، وبعث المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب إلى (الطائف) لهدم (اللات)، وبعث علي بن أبي طالب إلى (الفُلس) (٤) - صنم لطيء - لهدمه. وبعث عمرو بن العاص إلى (سواع) لكسره، وبعث الطفيل بن عمرو الدوسي إلى (ذي الكفين) صنم (دوس) لتحريقه، وبعث سعد بن زيد الأشهلي إلى (المشلل) لهدم (مناة).
وأما ما جاء عن الصحابة ﵃ والسلف في هدم الأصنام وإزالتها فكثير، منها:
١ - روى ابن أبي شيبة عن لبابة عن أمها وكانت تخدم عثمان بن عفان أن عثمان بن عفان ﵁ كان يصلي إلى تابوت فيه تماثيل، فأمر به فحك (٥).
٢ - وروى البيهقي في (سننه) عن أبي مسعود ﵁ أن رجلا صنع له طعامًا فدعاه
стр. 1247
فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة ثم دخل (١).
٣ - وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه كان لا يترك لأهل فارس صنمًا إلا كسر ولا نارًا إلا أطفئت (٢).
٤ - قال ابن القيم: "وفي مسائل صالح، قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر، ويكسر الصليب.
وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر، وطائفة من أهل الحديث، وجماعة من السلف، وهو قول قضاة العدل" (٣).
٥ - وقال السرخسي: "ولو وجدوا في الغنائم صليبا من ذهب أو فضة أو تماثيل، أو دراهم، أو دنانير فيها التماثيل، فإنه ينبغي للإمام أن يكسر ذلك كله" (٤).
٦ - وفي الفتاوى الهندية: "إن وجدوا في الغنيمة قلائد ذهب أو فضة فيها الصليب والتماثيل، فإنه يستحب كسرها قبل القسمة" (٥).
٧ - وقال العز بن عبد السلام عن الجهاد: "وفيه الحقوق الثلاثة: أما حق الله فكمحو الكفر وإزالته من قلوب الكافرين، ومن ألسنتهم، وكتخريب كنائسهم، وكسر صلبانهم وأوثانهم" (٦).
٨ - وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "المنكرات من الأعيان والصور، يجوز إتلاف محلها تبعا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة: جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرا أو خشبا ونحو ذلك: جاز تكسيرها
стр. 1248
وتحريقها" (١).
مسألة: حول بقاء شيء من الأصنام في بعض الأمصار التي فتحها الصحابة رضوان الله عليهم.
هناك أسئلة تدور حول عدم دك بعض حصون الشرك وبقاء بعض الآثار الوثنية التي نراها في عصرنا الحاضر ومنها: الأصنام التي في (مصر) من معبودات الفراعنة، وأصنام (بوذا) (٢) في بلاد الأفغان مع أنها فتحت في أول العهد الإسلامي.
* وللجواب عن ذلك نقول:
اعلم أن التماثيل والتصاوير التي كانت في الجاهلية وأدركها المسلمون أثناء الفتوحات الإسلامية قد هدموها وأتلفوها قطعًا، فهم خير من نفذ وصية المصطفى ﷺ ، وقد بعثهم في حياته لهدم الأوثان ومحقها، بل وأتلفوا الكتب التي هي دون الأصنام كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته، قال:
"ولما فُتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبًا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين، فكتب إليه عمر: أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالًا فقد كفانا الله، فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها" (٣).
فإذا كان هذا عملهم في كتب أولئك فما بالك بأصنامهم ومعبوداتهم؟!!!.
فالسبب في بقاء بعض الأصنام والتماثيل والمعبودات في البلدان التي فتحوها
стр. 1249
لا يخرج عن ثلاثة:
السبب الأول: أن من هذه التماثيل ما كان داخلًا في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، فتترك بشرط عدم إظهارها، ففي الشروط العمرية المعروفة على أهل الذمة (وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا ... وألا نخرج صليبًا ولا كتابًا في أسواق المسلمين).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح قوله (ولا نظهر عليها صليبًا): "لما كان الصليب من شعائر الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره، قال أحمد في رواية حنبل: ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا، ولا يظهروا خمرًا، وعلى الإمام منعهم من ذلك.
وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم، فإن قدر على من فعل من ذلك شيئًا بعد التقدم إليه فإن سلبه لمن وجده.
وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام؛ فإنه معبود النصارى كما أن الأصنام معبود أربابها ومن أجل هذا يسمون عباد الصليب، ولا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها ولا يتعرض لهم إذا نقشوا ذلك داخلها" (١).
وقد كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على منع إظهار دينهم فإن رأوا شيئا ظاهرا كسر قال الحطاب: "قال ابن حبيب: وإن أظهروا صلبهم في أعيادهم واستسقائهم كسرت وأدبوا" (٢).
وقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: "ويمنعون - أي أهل الذمة - من إظهار منكر
стр. 1250
بيننا؛ نحو خمر، وخنزير، وناقوس: وهو ما يضرب به النصارى لأوقات الصلاة ... إلى أن قال: ويتلف ناقوس لهم أظهر" (١).
بل جاء المنع ممن هو دون الأصنام والنواقيس. قال ابن مفلح الحنبلي: "ويمنعون وجوبًا من إظهار خمر وخنزير، فإن فعلا أتلفناهما" (٢).
وقال السفاريني: "وما أظهروه من المحرمات في شرعنا تعين إنكاره عليهم، فإن كان خمرا جازت إراقته، وإن أظهروا صليبًا أو طنبورًا جاز كسره. وإن أظهروا كفرهم أدبوا على ذلك، ويمنعون من إظهار ما يحرم على المسلمين" (٣).
السبب الثاني: أن تكون التماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجزون عن هدمها وإزالتها، مثل تلك التماثيل الهائلة المنحوتة في الجبال والصخور بحيث لا يستطيعون إزالتها أو تغييرها، وقد ذكر ابن خلدون في (المقدمة) أن الهياكل العظيمة جدًّا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة، حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان، قال "لذلك نجد آثارًا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها، مع أن الهدم أيسر من البناء" (٤) ثم مثَّل على ذلك بمثالين:
الأول: أن الرشيد عزم على هدم (إيوان كسرى) فشرع في ذلك وجمع الأيدي واتخذ الفؤوس وحماه بالنار وصب عليه الخل حتى أدركه العجز.
الثاني: أن المأمون أراد أن يهدم (الأهرام) في (مصر) فجمع الفعلة ولم يقدر (٥).
السبب الثالث: أن تكون التماثيل مطمورة تحت الأرض أو مغمورة بالرمال
стр. 1251
ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات، وهذا مثل كثير من آثار الفراعنة في (مصر)، فمعبد (أبو سمبل) مثلًا في (مصر) - وهو من أكبر معابد الفراعنة - كان مغمورًا بالرمال مع تماثيله وأصنامه إلى ما قبل قرن ونصف القرن تقريبًا، وأكثر الأصنام الموجودة في المتاحف المصرية في هذا الوقت لم تكتشف إلا قريبًا، وقد ذكر المقريزي (ت ٨٤٥) أن أبا الهول مغمور تحت الرمال - في وقته - لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط دون الباقي - بخلافه اليوم - (١)، وسئل الزركلي عن الأهرام وأبي الهول ونحوها: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟! فقال: كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول (٢).
* تنبيهات:
١ - يجب تبرئة الصحابة أن يقال فيهم أنهم تركوا الأوثان فلم يهدموها فهم أحرص الناس على إقامة التوحيد وشعائره، وإزالة الشرك ومظاهره، وهم الذين حفظوا عن رسول الله ﷺ النصوص المعروفة التى تدل على حرمة التماثيل كلعن المصور. وبيان أنه أشد الناس عذابًا يوم القيامة. وأنه من أظلم الناس ... إلخ.
٢ - لا يقال بعد هذا أن هذه الأصنام من آثار الجاهلية وقد تركها الصحابة والتابعون فيجب أن تترك. فإن إزالة آثار الشرك مع القدرة عليه من أولويات التوحيد التي حثت الشريعة عليه وأولته اهتمامها دليل ذلك زيارة على ما تقدم أن جبريل امتنع من دخول بيت رسول الله ﷺ بسبب تمثال كان في باب بيته فقد روى الترمذي - وصححه -، وأبو داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب، فمر برأس
стр. 1252
التمثال الذي في البيت يقطع، فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتين توطآن، ومر بالكلب فليخرج ففعل رسول الله ﷺ (١)، وعنه ﵁ قال: "استأذن جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، فقال: ادخل، فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤوسها، أو تُجعل بساطًا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير" (٢).
فإن جبريل أمر الرسول ﷺ بقطع رأس التمثال الذي في بيته، وهل يقول قائل: إن هذا التمثال الذي في بيت (سيد ولد آدم ﷺ ) كان للعبادة؟!!
٣ - من أولويات التوحيد التي حثت الشريعة عليه سد الذرائع والطرق الموصلة إلى الشرك، وهذا أصل من أصول الإسلام ولا سيما في باب التوحيد وحماية جنابه، فتحرم هذه الأصنام للأدلة السابقة ولأنها أيضا من باب سد الذرائع، فوجود الأصنام بين ظهراني المسلمين لا شك أنه مظنة للشرك في القريب أو البعيد، والشريعة جاءت بسد الذرائع المفضية للمفاسد وكذلك الحال في بقاء الأصنام.
٤ - لا يقال أن المصلحة تقتضي ترك هذه التماثيل فإن أعظم المصالح على الإطلاق إقامة التوحيد وتشييد أركانه، وهدم الشرك وآثاره، ولا مفسدة أعظم من ترك صروح الشرك والوثنية عند القدرة عليها، وتأمل في قصة إبراهيم ﵇ المذكورة في القرآن كيف جعل الأصنام جذاذًا ولم ينظر لمثل هذه المصالح الموهومة التي يمليها الشيطان على الرغم من عدم وجود المعين، ومن تسلطهم عليه. وتأمل في قصة وفد ثقيف عندما أسلموا ووفدوا على الرسول ﷺ :
فإنهم لما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية - وهي اللات - لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله ﷺ عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى
стр. 1253
سألوه شهرًا واحدًا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها فبعث المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها (١).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في فوائد قصة ثقيف هذه: "ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك، والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها. والله المستعان" (٢).
وقال أيضًا: "ومنها هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتا للطواغيت وهدمها أحب إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله ويشرك بأربابها مع الله لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمها ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها" (٣).
٥ - لا يقال أن الممنوع منها ما كان للعبادة فقد تناولت الأحاديث كافة أشكال التماثيل والتصاوير بمعناها ومعقولها، فتشملها بعلة التحريم؛ فإن علة حرمة التصاوير اتخاذها ذريعة لعبادتها من دون الله تعالى، وطريقًا للغلو فيها وتعظيمها، وهو بداية وقوع الشرك في بني آدم، كما تقدم في أسماء الرجال الصالحين من قوم نوح.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقال غير واحد من السلف: "كان هؤلاء قوما
стр. 1254
صالحين في قوم نوح ﵇ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵁ ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى".
وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها".
فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات، فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد (أفرأيتم اللات والعزى) قال: "كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره"، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄: "كان يلت السويق للحاج".
فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي ﷺ " (١).
كما أن فيها مضاهاة لخلق الله تعالى كما يدل عليه قوله ﷺ "الذين يضاهون بخلق الله" قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: "وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد - هذا أو معناه -، وهذا عندنا باطل قطعا؛ لأنه قد ورد في الأحاديثِ
стр. 1255
الإخبارُ عن أمر الآخرة بعذاب المصورين؛ فإنهم يقال لهم "أحيوا ما خلقتم"، وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله ﷺ : "المشبهون بخلق الله" وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زمانا دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله" (١).
كما أن في بقاء الأصنام تشبها بالمشركين وعباد الأوثان، وقد ثبت في السنن عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال "من تشبه بقوم فهو منهم".
* جهود المسلمين في هدم الأصنام:
لقد كان للمسلمين عموما وللعلماء خصوصًا جهودًا في هدم الأصنام وتخريبها وإزالة ما يستطيعون إزالته منها اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه ولن نستوفي جميع جهودهم لكننا نذكر شيئًا منها على وجه الاختصار ومن ذلك:
١ - أخذ ذهب الباميان:
قال في الفهرست ذاكرًا أسماء مواضع العبادات ببلاد الهند وصفة البيوت ... إلخ: "ولهم بيت بالباميان من أوائل الهند مما يلي سجستان وإلى هذا الموضع بلغ يعقوب بن الليث لما قصد لفتح الهند والصور التي أنفذت إلى مدينة السلام من ذلك الموضع من الباميان حملت عند فتحها وهذا بيت عظيم يحله الزهاد والعباد وفيه من الأصنام الذهب المرصعة ما يجاوز القدر ولا يبلغه النعت والصفة، والهند تحجه من أقاصي بلادها برًا وبحرًا وبفرج بيت الذهب بيت، وقد اختلف فيه فقال قوم إنه بيت من حجارة فيه بددة وإنما سمي بيت الذهب لأن العرب لما فتحت هذا الموضع في أيام الحجاج أخذوا منه مائة بهار ذهبًا ... " (٢).
стр. 1256
٢ - الرشيد يحاول هدم إيوان كسرى:
قال ابن خلدون: "وانظر المشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه وشرع فيه ثم أدركه العجز" (١).
وقال ابن خلدون أيضًا: "الفصل الرابع في أن الهياكل العظيمة جدًّا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة ... وأكثر المباني العظيمة في الغالب هذا شأنها ويشهد لذلك أن المباني العظيمة لعهدنا نجد الملك الواحد يشرع في اختطاطها وتأسيسها فإذا لم يتبع أثره من بعده من الملوك في إتمامها بقيت بحالها ولم يكمل القصد فيها، ويشهد لذلك أيضًا أنا نجد آثارًا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها مع أن الهدم أيسر من البناء بكثير؛ لأن الهدم هو رجوع إلى الأصل الذي هو العدم والبناء على خلاف الأصل، فإذا وجدنا بناء تضعف قوتنا البشرية عن هدمه مع سهولة الهدم علمنا أن القدرة التي أسسته مفرطة القوة - وأنها ليست أثر دولة واحدة وهذا مثل ما وقع للعرب في إيوان كسرى، لما اعتزم الرشيد على هدمه وبعث إلى يحيى بن خالد وهو في محبسه يستشيره في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلًا يستدل به على عظم ملك آبائك الذين سلبوا الملك لأهل ذلك الهيكل، فاتهمه في النصيحة وقال: أخذته النعرة للعجم والله لأصرعنه وشرع في هدمه وجمع الأيدي عليه واتخذ له الفؤوس وحماه بالنار وصب عليه الخل حتى أدركه العجز بعد ذلك كله ... وأقصر عن هدمه" (٢).
٣ - المأمون يحاول هدم الهرمين بمصر:
قال في معجم البلدان: "ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبهما فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل فوجد في داخله مهاو
стр. 1257
ومراق يهول أمرها ويعسر السلوك فيها، ووجد في أعلاها بيت مكعب طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرع وفي وسطه حوض رخام مطبق فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمة بالية قد أتت عليها العصور الخالية، فأمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه" (١).
قال ابن بطوطة: "فلما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين المأمون أراد هدمها فأشار عليه بعض مشايخ مصر أن لا يفعل، فلج في ذلك وأمر أن تفتح من الجانب الشمالي فكانوا يوقدون عليها النار ثم يرشونها بالخل ويرمونها بالمنجنيق حتى فتحت الثلمة التي بها إلى اليوم" (٢).
وقال ابن خلدون: "وكذلك اتفق للمأمون في هدم الأهرام التي بمصر وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل وشرعوا في نقبه فانتهوا إلى جو بين الحائط والظاهر وما بعده من الحيطان وهنالك كان منتهى هدمهم وهو إلى اليوم فيما يقال منفذ ظاهر، ويزعم الزاعمون أنه وجد ركازًا بين تلك الحيطان والله أعلم" (٣).
٤ - وقد ذكر المسعودي في تاريخه بيتًا كان بأنطاكية من أرض الشام كانوا يعظمونه، ويقربون فيه القرابين، فخرب عند مجيء الإسلام ... وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب والفضة وأنواع الجواهر (٤). وكذلك بيت غمدان بصنعاء خربه عثمان بن عفان ﵁ (٥)، وبيت كاوسان بناه كاوس الملك بناء عظيما بمدينة فرغانة من مدائن خراسان وخربه المعتصم بالله (٦). وبيت نار على خليج
стр. 1258
القسطنطينية من بلاد الروم بناه سابور بن أردشير بن بابك - وهو ساور الجنود - حين نزل على هذا الخليج وحاصر القسطنطينية في عساكره فلم يزل هذا البيت هنالك إلى خلافة المهدي فخرب (١). وكذلك بنيان كانت تعظمه الفرس في وسط مدينة جور يقال له الطربال أخربه المسلمون (٢).
٥ - محمود بن سبكتكين يقتلع ألف صنم ويكسر الصنم المشهور بسومنات:
ذكر الذهبي أن ابن سبكتكين افتتح عدة مدائن بالهند وقلع أزيد من ألف صنم وذكر أن لهم صنمًا معظمًا يؤرخون مدته بجهالتهم بثلاث مئة ألف سنة (٣). قال ﵀: "ثم حارب محمود النواب السامانية وخافته الملوك واستولى على إقليم خراسان ونفذ إليه القادر بالله خلع السلطنة ففرض على نفسه كل سنة غزو الهند فافتتح بلادا شاسعة وكسر الصنم سومنات الذي كان يعتقد كفرة الهند أنه يحيى ويميت ويحجونه ويقربون له النفائس بحيث إن الوقوف عليه بلغت عشرة آلاف قرية وامتلأت خزائنه من صنوف الأموال وفي خدمته من البراهمة ألفا نفس ومئة جوقة مغاني رجال ونساء فكان بين بلاد الإسلام وبين قلعة هذا الصنم مفازة نحو شهر فسار السلطان في ثلاثين ألفا فيسر الله فتح القلعة في ثلاثة أيام واستولى محمود على أموال لا تحصى وقيل كان حجرًا شديد الصلابة طوله خمسة أذرع منزل منه في الأساس نحو ذراعين فأحرقه السلطان وأخذ منه قطعة بناها في عتبة باب جامع غزنة ووجدوا في أذن الصنم نيفا وثلاثين حلقة كل حلقة يزعمون أنها عبادته ألف سنة" (٤).
стр. 1259
قال في شذرات الذهب يذكر محمود بن سبكتكين: "وقلع من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم ... وكسر الصنم المشهور بسومنات وهو عند كفرة الهند يحيى ويميت ويقصدونه لأنواع العلل ومن لم يشف منهم احتج بالذنب وعدم الإخلاص ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب أهل التناسخ ... وبين قلعة الصنم وبلاد المسلمين مسيرة شهر مفازة قليلة الماء صعبة المسلك لا تهتدي طرقها فأنفق محمود ما لا يحصى في طلبها حتى وصلها وفتحها في ثلاثة أيام ودخل بيت الصنم وحوله أصنام كثيرة من الذهب المرصع بالجوهر محيطة بعرشه يزعمون أنها الملائكة فأحرق الصنم ووجد في أذنه نيفا وثلاثين حلقة فسألهم محمود عن تلك الحلق فقالوا كل حلقة عبادة ألف سنة كلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة ولهم فيه أخبار طويلة انتهى" (١).
وذكر ابن كثير في أخبار سنة ثمان عشرة وأربعمائة عن السلطان محمود أنه: "استخار الله لما بلغه خبر هذا الصنم وعباده وكثرة الهنود في طريقه والمفاوز المهلكة والأرض الخطرة في تجشم ذلك في جيشه وأن يقطع تلك الأهوال إليه فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة ممن اختارهم لذلك سوى المتطوعة فسلمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن ونزلوا بساحة عباده فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة قال فما كان بأسرع من أن ملكناه وقتلنا من أهله خمسين ألفا وقلعنا هذا الوثن وأوقدنا تحته النار وقد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم فأشار من أشار من الأمراء على السلطان محمود بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم فقال حتى أستخير الله فلما أصبح قال إني فكرت في الأمر الذي ذكر فرأيت أنه إذا نوديت
стр. 1260
يوم القيامة أين محمود الذي كسر الصنم أحب إلى من أن يقال الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا ثم عزم فكسره ﵀ فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل الذي مثقال دانق منه خير من الدنيا وما فيها مع ما حصل له من الثناء الجميل الدنيوي فرحمه الله وأكرم مثواه" (١).
٦ - الملك قلاوون يدمر صنمًا قبالة أبا الهول:
قال ابن إياس: "أبو الهول كان مدفونا في الرمال ولم يكن يظهر منه إلا رأسه وأنه كان يوجد قبالته صنم آخر قام الملك محمد الناصر قلاوون ٧١١ هـ بتدميره وقطعه وجعل منه أعتابًا" (٢).
٧ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب يهدم بنيانًا في أرض تعظمه العامة. قال في الرسالة السادسة ص (٣٩):
" بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم سيد الأنام وتابعي الأئمة الأعلام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله ... فنحن ولله الحمد متبعين غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة فإن بان لكم أن هدم البنا على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه، وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان
стр. 1261
لو تبين بالعمل بهاتين المسئلتين أنها تكبر على العامة الذين درجوهم وإياهم على ضد ذلك فإن كان الأمر كذلك فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل (الإقناع) (وغاية المنتهى) (والإنصاف) اللاتي عليه اعتماد المتأخرين وهو عند الحنابلة (كالتحفة) (والنهاية) عند الشافعية وهم ذكروا في باب الجنايز هدم البنا على القبور واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله والنهى عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكى الإجماع على ذلك فإن كانت المسئلة إجماعًا فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه" (١).
стр. 1262
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٦ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله *
طاعة العلماء والأمراء والسلاطين والملوك واجبة فيما أباحه الشارع وفيما شرعه وأحله، وممنوعة فيما لم يبحه الشارع وزجر عنه؛ وهذا يبين صلة الباب بالكتاب حيث جاءت النصوص بتحريم طاعة العلماء والأمراء فيما خالف هدي الرسول ﷺ وأنها موجبة للعقوبة وإن كان المخالف مجتهدا فاضلا لأن ذلك شرك في الطاعة يخل بالتوحيد.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة أحد الخلق استقلالًا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل لحرام، فمن أطاع مخلوقا في ذلك غير الرسول ﷺ فإنه لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]. أي: علماءهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، وفسرها النبي ﷺ بطاعتهم تحريم الحلال، وتحليل الحرام" (١).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ
стр. 1263
أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
* الدليل من السنة: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ" وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" (١).
وعن حذيفة أنه سئل عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه. وفي رواية أنه قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم (٢).
وهذا الحديث يدل على أن طاعة الرهبان والأحبار في تحريم الحلال، وتحليل الحرام عبادة لهم من دون الله (٣)، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، لقوله تعالى: ﴿مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 1264
تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وهذا قد وقع في كثيرٍ من الناس مع من قلّدهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من هذا الشرك" (١).
* أقوال السلف:
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع النبي ﷺ . فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: ما عُريَّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيُهلكون! أقول: قال النبي ﷺ ويقول: نهى أبو بكر وعمر؟ (٢) " (٣).
وقال مجاهد والحكم بن عتبة ومالك وغيرهم: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ " (٤).
وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وكلام الأئمة في هذا المكان واسع جدًّا" (٥).
стр. 1265
وقال أحمد بن حنبل ﵀: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" (١).
وفي كلام الإمام أحمد ﵀ الإشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة وذلك إنما نشأ من الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على كتب من تأخر والاستغناء بها عن الوحيين وهذا شبه ما وقع من أهل الكتاب الذين قال الله فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وقال ابن تيمية: "وإذا كان الرجل متبعًا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته، بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله ﷺ ممن يتعصب لواحد معين غير النبي ﷺ كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا كان جاهلًا ضالًا، بل قد يكون كافرًا، فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر، فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، بل غاية ما يقال إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد واحدًا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو، وأما أن يقول قائل إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان فهذا لا يقوله مسلم" (٢).