لو تبين بالعمل بهاتين المسئلتين أنها تكبر على العامة الذين درجوهم وإياهم على ضد ذلك فإن كان الأمر كذلك فهذه كتب الحنابلة عندكم بمكة شرفها الله مثل (الإقناع) (وغاية المنتهى) (والإنصاف) اللاتي عليه اعتماد المتأخرين وهو عند الحنابلة (كالتحفة) (والنهاية) عند الشافعية وهم ذكروا في باب الجنايز هدم البنا على القبور واستدلوا عليه بما في صحيح مسلم عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه بهدم القبور المشرفة وأنه هدمها، واستدلوا على وجوب إخلاص الدعوة لله والنهى عما اشتهر في زمنهم من دعاء الأموات بأدلة كثيرة، وبعضهم يحكى الإجماع على ذلك فإن كانت المسئلة إجماعًا فلا كلام، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه" (١).
стр. 1262
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨٦ - طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله *
طاعة العلماء والأمراء والسلاطين والملوك واجبة فيما أباحه الشارع وفيما شرعه وأحله، وممنوعة فيما لم يبحه الشارع وزجر عنه؛ وهذا يبين صلة الباب بالكتاب حيث جاءت النصوص بتحريم طاعة العلماء والأمراء فيما خالف هدي الرسول ﷺ وأنها موجبة للعقوبة وإن كان المخالف مجتهدا فاضلا لأن ذلك شرك في الطاعة يخل بالتوحيد.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة أحد الخلق استقلالًا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل لحرام، فمن أطاع مخلوقا في ذلك غير الرسول ﷺ فإنه لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]. أي: علماءهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، وفسرها النبي ﷺ بطاعتهم تحريم الحلال، وتحليل الحرام" (١).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ
стр. 1263
أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
* الدليل من السنة: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: "يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ" وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" (١).
وعن حذيفة أنه سئل عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه. وفي رواية أنه قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم (٢).
وهذا الحديث يدل على أن طاعة الرهبان والأحبار في تحريم الحلال، وتحليل الحرام عبادة لهم من دون الله (٣)، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، لقوله تعالى: ﴿مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 1264
تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وهذا قد وقع في كثيرٍ من الناس مع من قلّدهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من هذا الشرك" (١).
* أقوال السلف:
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع النبي ﷺ . فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: ما عُريَّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيُهلكون! أقول: قال النبي ﷺ ويقول: نهى أبو بكر وعمر؟ (٢) " (٣).
وقال مجاهد والحكم بن عتبة ومالك وغيرهم: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي ﷺ " (٤).
وقال الإمام الشافعي ﵀: "أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد، وكلام الأئمة في هذا المكان واسع جدًّا" (٥).
стр. 1265
وقال أحمد بن حنبل ﵀: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك" (١).
وفي كلام الإمام أحمد ﵀ الإشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم وإنما ينكر على من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة وذلك إنما نشأ من الإعراض عن تدبر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على كتب من تأخر والاستغناء بها عن الوحيين وهذا شبه ما وقع من أهل الكتاب الذين قال الله فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
وقال ابن تيمية: "وإذا كان الرجل متبعًا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته، بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق، وأحب إلى الله ورسوله ﷺ ممن يتعصب لواحد معين غير النبي ﷺ كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا كان جاهلًا ضالًا، بل قد يكون كافرًا، فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر، فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، بل غاية ما يقال إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد واحدًا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو، وأما أن يقول قائل إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان فهذا لا يقوله مسلم" (٢).
стр. 1266
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه، فبذلك أمرنا ربنا ﵎ ونبينا ﷺ ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم، كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣] " (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "فإن الرب، والإله، الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته. فإذا اتخذ العبد العلماء والأمراء على هذا الوجه، وجعل طاعتهم هي الأصل وطاعة الله ورسوله تبعًا لها فقد اتخذهم أربابًا من دون الله يتألههم ويتحاكم إليهم ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، فهذا هو الكفر بعينه، فإن الحكم كله لله، كما أن العبادة كلها لله" (٢).
* حكم الطاعة في تحريم ما أحل الله:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة: "ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدًا كافرًا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة" (٣).
وقال شيخ الإسلام في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا
стр. 1267
مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله، فيتبعوهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله شرعا - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله، مشركا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتًا (١)، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ... ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل لحرام: إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول، ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه" (٢).
فتبين بهذا أن اتباع المشرعين المبدلين لدين الله وطاعتهم مع العلم بمخالفته كفر بخالق السماوات والأرض إذا اعتقد تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله لأن
стр. 1268
التشريع حق خالص لله وحده لا شريك له. من نازعه في شيء منه فهو مشرك قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة" (١).
وقال ابن تيمية: "فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله، فقد جعله ندًّا ... وهذا من الشرك الذي يدخل أصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] " (٢).
ويقول الحافظ ابن كثير في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]. (أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه قول غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] " (٣).
وفي تيسير العزيز الحميد قال: "اتباع هذا المحلل للحرام والمحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول ﷺ ، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به
стр. 1269
ربه. ولكن من علم أن هذا الخطأ فيما جاء به رسول الله ﷺ ، ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول رسول الله ﷺ ، فله نصيب من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبعه في ذلك لهواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول ﷺ ، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ ان أخطأ كما في القبلة. وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أنه الحق معه، فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطأ آثمًا كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار" (١).
وفي قول النبي ﷺ لعدي: "ألم يحرموا عليكم ما أحل الله ويحلوا لكم ما حرم الله فتتبعوهم، قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم".
قال الشنقيطي ﵀: "وهذا التفسير النبوي يقتضي أن كل من يتبع مشرعا بما أحل وحرم مخالفًا لتشريع الله أنه عابد له متخذه ربًا مشرك به كافر بالله، هو تفسير صحيح لا شك في صحته ... واعلموا أيها الإخوان: أن الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله وتشريعًا غير تشريع الله، وقانونًا مخالفًا لشرع الله من وضع البشر معرضًا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله، من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته، وهذا أشرك به في حكمه، والإشراك
стр. 1270
به في عبادته والإشراك به في حكمه، كلها سواء، وقد قال الله جل وعلا في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى في الإشراك في حكمه أيضًا: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] " (١).
وقال في موضع آخر: "وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم: أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم" (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "واعلم أن اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو العكس ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يتابعهم في ذلك راضيا بقولهم مقدما له ساخطا لحكم الله، فهو كافر لأنه ما أنزل الله فأحبط الله عمله ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر، فكل من كره ما أنزل الله فهو كافر.
الثاني: أن يتابعهم في ذلك راضيا في حكم الله وعالمًا بأنه أمثل وأصلح للعباد والبلاد ولكن لهوى في نفسه اختاره كأن يريد مثلا وظيفة، فهذا لا يكفر ولكنه فاسق وله حكم غيره من العصاة.
الثالثة: أن يتابعهم جاهلا فيظن أن ذلك حكم الله فينقسم إلى قسمين:
стр. 1271
أ - أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه فهو مفرط أو مقصر، فهو آثم، لأن الله أمر بسؤال أهل العلم عند عدم العلم.
ب - أن لا يكون عالما ولا يمكنه التعلم فيتابعهم تقليدا ويظن أن هذا هو الحق فهذا لا شيء عليه لأنه فعل ما أمر به وكان معذورا بذلك ولذلك ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أُفتي بغير علم فإنما إثمه على من أفتاه". ولو قلنا بإثمه بخطأ غيره للزم من ذلك الحرج والمشقة، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه.
فإن قيل: لماذا لا يكفر أهل القسم الثاني؟
أجيب: إننا لو قلنا بكفرهم لزم من ذلك تكفير كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله ويعلم أنه حكم الله" (١).
стр. 1272
١٨٧ - الطاغوت *
الطاغوت مشتق من الطغيان (١) وهو مجاوزة الحد (٢) وأمرنا باجتنابه والكفر به قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
قال ابن جرير ﵀: "وأرى أن أصل الطاغوت الطغووت من قول القائل طغا فلان يطغو إذا عدا قدره فتجاوز حده كالجبروت من التجبر والحلبوت من الحلب ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء ثم نقلت لامه - أعني لام الطغووت - فجعلت له عينًا وحُولت عينه فجعلت مكان لامه كما قيل: جذب وجبذ وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال" (٣).
وقال ابن فارس: "وكل مجاوز الحد في العصيان طاغ" (٤).
стр. 1273
وقال الراغب: "الطاغوت عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله ويستعمل في الواحد والجمع" (١).
* وفي الشرع: قال عمر بن الخطاب ﵁: الطاغوت: الشيطان وجاء ذلك عن مجاهد والشعبي والضحاك وقتادة والسدي (٢).
وقال آخرون الطاغوت هو الساحر، وجاء ذلك عن أبي العالية (٣).
وقال آخرون: بل الطاغوت هو الكاهن، وجاء ذلك عن سعيد بن جبير ورفيع قال ابن جريج ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: كهان تنزل عليها شياطين يلقون على ألسنتهم وقلوبهم (٤).
وقال ابن جرير: "أخبرني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد وفي كل حي واحد، وهي كهان ينزل عليها الشيطان" (٥).
وقال أيضًا: "والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا ما كان من شيء" (٦).
وفي قول عمر ﵁ (الجبت: السحر، الطاغوت: الشيطان) قال ابن كثير ﵀: "وهو قول قويٌّ جدًّا، فإنه يتناول كل ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان
стр. 1274
والتحاكم إليها والاستنصار بها" (١).
وتفسير العلماء للطاغوت ببعض أنواعه لا يدل على الحصر، وإنما هو من باب التفسير بالمثال أو من باب التنصيص على بعض أفراد العام لمعنى خاص فيه.
وقال ابن القيم: "الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع (٢)، فطاغوت كل قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها، وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انصرفوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا" (٣).
وجاء في فتاوى اللجنة: "معنى الطاغوت العام هو كل ما عبد من دون الله مطلقًا تقربًا إليه بصلاة أو صيام أو نذر أو ذبيحة أو لجوء إليه فيما هو من شأن الله لكشف ضر أو جلب نفع أو تحكيمًا له بدلًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ونحو ذلك" (٤).
وفيها أيضًا أن الطاغوت: "من دعا إلى الشرك أو لعبادة نفسه أو ادعى شيئًا من علم الغيب أو حكم بغير ما أنزل الله متعمدًا ونحو ذلك" (٥).
стр. 1275
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٦، ٢٥٧]، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠]، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وفسرت فتاوى اللجنة آية النساء بأن المراد بالطاغوت فيها: "كل ما عدل عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك أو دين يراه زعيم الجماعة أو الكاهن فهذه مضاهاة لتشريع الله داخل في معنى الطاغوت لكن من عبد من دون الله وهو غير راض بذلك كالأنبياء والصالحين لا يسمى طاغوتًا وإنما الطاغوت الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك وزينه لهم من الجن والإنس" (١).
* الدليل من السنة: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله هَلْ نرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ... وذكر الحديث وفي آخره قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " ... كَذَلِكَ يَجْمَعُ الله النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ
стр. 1276
وَتَبْقَى هَذه الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا" (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلا بآبَائِكُمْ" (٢)، والمراد بالطواغي: الطواغيت. كما جاء مصرحا بها في رواية عند النسائي: "لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلا بِالطَّوَاغِيتِ" (٣).
وروى أحمد عن ميمونة بنت كردم قالت: "كنت ردف أبي فسمعته يسأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال: "أبها وثن أم طاغية " فقال: لا، قال: "أوفِ بنذرك"" (٤).
أما حكم الطاغوت فالكفر به أحد ركني الشهادة فلا يكفي الإتيان بالشهادة إلا بالكفر بالطاغوت - فلا إله إلا الله - نفي وإثبات وما تنفيه "لا إله إلا الله"، هو عبادة الطاغوت وهو الشرك.
قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: "اعلم - رحمك الله - أن أول ما فرض الله على ابن آدم: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفِّر أهلها، وتعاديهم.
وأما معنى الإيمان بالله: فأن تعتقد أن الله هو الإله المعبوده وحده دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص، وتواليهم، وتبغض أهل الشرك، وتعاديهم؛ وهذه ملة إبراهيم التي
стр. 1277
سَفِهَ نفسَه من رغب عنها، وهذه: هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. والطاغوت: عام في كل ما عبد من دون الله، فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت.
* والطواغيت كثير ورؤوسهم خمسة:
الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله. والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠].
الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠].
الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الرابع: الذي يدّعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 1278
الخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩]، واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (١).
* فائدة:
جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: "ليس كل من عبد من دون الله يعتبر طاغوتا إنما يعتبر طاغوتا من عبد من دون الله وهو راض أو دعى إلى عبادة نفسه وعيسى بن مريم ﵇ لم يرض أن يكون معبودًا بل أنكر ذلك ودعا إلى عبادة الله وحده ... " (٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب: "كل من عبد شيئًا دون الله بأي أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة فإنما عبد الطاغوت فإن كان المعبود صالحا كانت عبادة العابد له واقعة على الشيطان الذي أمره بعبادته كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١] وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه كالطواغيت أو كان شجرًا أو حجرًا أو قبرًا كاللات والعزى ومناة وغير ذلك مما كان يتخذه المشركون لهم أصنامًا على صور الصالحين والملائكة أو غير ذلك فهي من الطاغوت الذي أمر الله عباده أن
стр. 1279
يكفروا بعبادته ويتبرءوا منه" (١).
قال ابن عثيمين ﵀: "فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت، وعلماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر، أو يدعون إلى البدع، أو إلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله طواغيت، والذين يزينون لولاة الأمر الخروج عن شريعة الإسلام بنظم يستوردونها مخالفة لنظام الدين الإسلامي طواغيت، لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعا لما جاء به النبي ﷺ ، لأن العلماء حقيقة ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علمًا، وعملًا، وأخلاقًا، ودعوة وتعليمًا، فإذا تجاوزوا هذا الحد وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة" (٢).
١٨ - الطِّب
الطِّب بكسر الطاء، والمطبوب: المسحور. يقال طُبَّ الرجل: إذا سُحِر، فكنوا بالطب عن السحر تفاؤلًا. انظر باب (السحر).
١٨٩ - الطرق
انظر باب (الكهانة).
стр. 1280
١٩٠ - الطواف بغير الكعبة *
يشرع الطواف بالكعبة واستلام الركنين اليمانيين وتقبيل الحجر الأسود. ولا يشرع الطواف بغير الكعبة (١).
قال ابن تيمية: "وأما مسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ولا فيها ما يتمسح به ولا ما يقبل فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي ﷺ ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ولا بصخرة بيت المقدس ولا بغير هؤلاء كالقبة التي فوق جبل عرفات وأمثالها بل ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة" (٢).
والطواف بالكعبة ركن في الحج وركن في العمرة وفي غيرهما سنة وعبادة يتقرب بها العبد إلى الله.
قال ابن تيمية: "ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة فإن النبي ﷺ لما هجر من مكة إلى المدينة صلى بالمسلمين ثمانية عشر شهرا إلى بيت المقدس، فكانت قبلة المسلمين هذه المدة، ثم إن الله حول
стр. 1281
القبلة إلى الكعبة وأنزل الله في ذلك القرآن كما ذكر في "سورة البقرة" وصلى النبي ﷺ والمسلمون إلى الكعبة، وصارت هي القبلة، وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء.
فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنما أو بقرا ليذبحها هناك ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، وأن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة، فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئا من ذلك معتقدا أن هذا قربة إلى الله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدا أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة" (١).
وقال ابن تيمية: "ومن ذلك الطواف بغير الكعبة وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبي ﷺ ولا بالقبة التي في جبل عرفة ولا غير ذلك" (٢).
وقال النووي: "لا يجوز أن يطاف بقبره ﷺ " (٣).
حكم الطواف حول القبور:
قال الشيخ ابن باز: "الغالب على عباد القبور هو التقرب إلى أهلها بالطواف بها كما يتقربون إليهم بالذبح لهم والنذر لهم وكل ذلك شرك أكبر، من مات عليه مات كافرا لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين" (٤).
стр. 1282
واستثنى من ذلك من يطوف تقربًا إلى الله جهلا منه فقال: "إلا أن يدَّعي أنه طاف بالقبور بقصد عبادة الله، كما يطوف بالكعبة يظن أنه يجوز الطواف بالقبور ولم يقصد التقرب بذلك لأصحابها وإنما قصد التقرب إلى الله وحده، فهذا يعتبر مبتدعًا لا كافرًا لأن الطواف بالقبور بدعة منكرة" (١).
والطواف بالقبر له حالان:
الحالة الأولى: أن يطوف بالقبر قاصدًا التقرب لصاحب القبر فهذا شرك أكبر.
الحالة الثانية: أن يطوف بالقبر قاصدًا التقرب إلى الله فهذا بدعة ولا يكون شركًا.
стр. 1283
١٩١ - الطيرة *
[الفأل - صفر - العدوى]
الطير في اللغة اسم لجماعة ما يطير (١).
قال في مختار الصحاح: "الطائر: جمعه طير مثل صاحب وصَحْب وجمع الطير طيور وأطيار، مثل فَرْخ وفُرُوخ وأفراخ. وقال قطرب وأبو عبيدة: "الطَّير" أيضًا قد يقع على الواحد وقريء: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) " (٣).
وقال ابن الأثير: "الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكّن وهي: التشاؤم بالشيء وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والضباء وغيرهما.
стр. 1284
وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه" (١).
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: "وأصل هذا أنهم كانوا يزجرون الطير والوحش ويثيرونهما، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحًا، وما تياسر منها سموه بارحًا، وما استقبلهم فهو الناطح، وما جاءهم من خلفهم سموه القعيد. فمن العرب من يتشاءم بالبارح، ويتبرك بالسانح، ومنهم من يرى خلاف ذلك. قال المدائني: سألت رؤبة بن العجاج: ما السانح؟ قال ما ولاك ميامنه، قال: قلت: فما البارح؟ قال ما ولاك مياسره. قال والذي يجيء من قدامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك فهو القاعد والقعيد.
وقال المفضل الضبي: "البارح ما يأتيك عن اليمين يريد يسارك، والسانح ما يأتيك عن اليسار فيمر على اليمين، وإنما اختلفوا في مراتبها ومذاهبها لأنها خواطر وحدوس وتخمينات لا أصل لها، فمن تبرك بشيء مدحه ومن تشاءم به ذمه" (٢).
ولم تكن العرب قاطبة تعتقد هذا وتقول به، بل كان منهم من أنكره، قال ابن القيم: "ومنهم من أنكرها بعقله، وأبطل تأثيرها بنظره، وذم من اغتر بها واعتمد عليها، وتوهم تأثيرها، فمنهم المرقش حيث يقول:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشايم
وكذا فلا خير ولا ... شر على أحد بدائم
لا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد التمائم
قد خط ذلك في السطو ... ر الأوليات القدائم
стр. 1285
يعني بالواق الصرد، وبالحاتم الغراب، سموه حاتما لأنه كان عندهم يحتم بالفراق" (١).
وقال الحافظ: "أصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة، تيمن به، واستمر وإن طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك" (٢).
قال البغوي: "فأبطل النبي ﷺ أن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب نفع أو ضر" (٣).
وإنما أضيفت الطيرة إلى الطير، لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به. وكذلك عرّفه ابن حجر فقال: "الطيرة والتشاؤم بمعنى واحد" (٤).
وقال العلامة محمد الطاهر بن عاشور: "إنما غلب لفظ الطيرة على التشاؤم؛ لأن للأثر الحاصل من دلالة الطيران على الشؤم دلالةً أشد على النفس؛ لأن توقع الضر أدخل في النفوس من رجاء الخير" (٥).
وقال أيضًا: "الطيرة في الأصل تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرُّض نوع الطير، من صفة اندفاعه، أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوهَّم منه أحدٌ أنه كان سببًا في لحاق شرٍّ به، فصار مردافًا للتشاؤم" (٦).
* فحدُّ الطيرة الشرعي هو: التشاؤم بالطيور، والأسماء، والألفاظ، والبقاع، والأشخاص، والأزمان أو هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم وهذا تعريف ابن القيم.
стр. 1286
قال الشيخ ابن باز ﵀: "والطيرة التشاؤم بالمرئيات والسمعيات من عمل الجاهلية" (١).
والطيرة الشركية يوضحها حديث ابن عمرو - الآتي -: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك" وحديث: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردّك" (٢) فحقيقة الطيرة الشركية ما دفعت الإنسان إلى العمل بها أما التي لا تؤثر على عزم الإنسان من التشاؤم فليس بطيرة. فكل طيرة وتشاؤم حمل الإنسان على المضي فيما أراده أو رده عنه اعتمادا عليها فهي شرك. ومفهوم الحديث: أن من لم تثنه الطيرة عن عزمه فإنها لا تضره، فلا تعود عليه بمعصية أو شرك، كما لا تضره فيما يستقبل من عمله وما عزم عليه، قال ابن حجر: "من وقع له ذلك فسلَّم لله ولم يعبأ بالطيرة لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك" (٣).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في قوله: "إنما الطيرة ما أمضاك أوردك": "هذا حد الطيرة المنهي عنها بأنها ما أوجب للإنسان أن يمضي لما يريده ولو من الفأل، فإن الفأل إنما يستحب لما فيه من البشارة والملاءمة للنفس، فأما أن يعتمد عليه ويمضي لأجله مع نسيان التوكل على الله، فإن ذلك من الطيرة، وكذلك إذا رأى أو سمع ما يكره فتشاءم به ورده عن حاجته، فإن ذلك أيضا من الطيرة" (٤).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ [الأعراف: ١٣١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩].
стр. 1287
* في الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى (١) ولا طيرة، ولا هامة (٢)، ولا صفر (٣) " (٤). زاد مسلم: "ولا نوء ولا غول (٥) ".
ولهما عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل، قالوا وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة" (٦).
وعن قَطَن بْن قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجِبْت" الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ (٧).
وعن بريدة أن النبي ﷺ : "كان لا يتطير من شيء" (٨).
وعن عروة بن عامر ﵁ قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" (٩).
وروى الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: "أقروا الطير على مَكِناتها" (١٠).
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسولَ الله ﷺ ، أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ. قَالَ: "فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ" قَالَ: قُلْتُ كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: "ذَاكَ
стр. 1288
شَيْءٌ يَجدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلا يَصُدَّنَّكُمْ"" (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطيرة شرك الطيرة شرك" - ثلاثًا -، قال ابن مسعود: "وما منا إلا (٢)، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (٣) ... وفي أحد إسنادي أحمد: "الطيرة شرك، الطيرة شرك ولكن الله يذهبه بالتوكل" (٤).
ولأحمد من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك" (٥).
وله من حديث الفضل بن عباس: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" (٦).
* قول السلف: قال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال
стр. 1289
رجل من القوم: خير خير، فقال ابن عباس: "لا خير ولا شر" (١).
وخرج طاوس مع أصحاب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس، وأي خير عند هذا؟! لا تصحبني (٢).
أحكام وفوائد:
١ - حكم الطيرة وهل هي شرك أكبر ؟:
قال في التيسير: "الطيرة شرك" صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من الاعتماد على غير الله تعالى وتعلق القلب بسواه ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١] ... وقال غير واحد من أصحاب أحمد ﵏: بأن الطيرة مكروهة، قال ابن حمدان في الرعاية: تكره الطيرة، وكذلك قال غير واحد من أصحاب أحمد. قال ابن مفلح ﵀: "والأولى القطع بتحريمها ولعل مرادهم بالكراهة التحريم".
قلت (٣): بل الصواب القطع بتحريمها لأنها شرك وكيف يكون الشرك مكروها الكراهة الاصطلاحية فإن كان القائل بكراهتها أراد ذلك فلا ريب في بطلانه" (٤).
قال ابن الأثير: "وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عمل بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك" (٥).
قال ابن عثيمين في شرح حديث: "الطيرة شرك، الطيرة شرك": "هاتان
стр. 1290
الجملتان يؤكد بعضهما بعضا من باب التوكيد اللفظي.
وقوله: شرك أي: إنها من أنواع الشرك، وليست الشرك كله وإلا لقال: الطيرة الشرك.
وهل المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر المخرج من الملة، أو أنها نوع من أنواع الشرك؟ نقول هي نوع من أنواع الشرك كقوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر". أي ليس الكفر المخرج عن الملة وإلا لقال: هما بهم الكفر. بل هما نوع من الكفر.
لكن في ترك الصلاة قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". فقال: "الكفر"، فيجب أن نعرف الفرق بين "ألـ" المعرفة أو الدالة على الاستغراق، وبين خلو اللفظ منها، فإذا قيل: هذا كفر؛ فالمراد أنه نوع من الكفر لا يخرج من الملة، وإذا قيل: هذا الكفر فهو المخرج من الملة.
فإذا تطير إنسان بشيء رآه أو سمعه لا يعد مشركا شركا يخرجه من الملة لكنه أشرك من حيث إنه اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببا، وهذا يضعف التوكل على الله ويوهن العزيمة، وبذلك يعتبر شركا من هذه الناحية والقاعدة: "إن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرع سببا فإنه مشرك شركا أصغر" (١).
٢ - كفارة الطيرة:
من تطير الطيرة المنهي عنها فردته عن حاجته فإن كفارته أن يقول الدعاء الوارد في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد: "من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير لا طيرك، ولا إله غيرك" (٢).
قال ابن حجر: "وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو
стр. 1291
موقوفًا: "من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك" (١).
كما يلزمه مع هذا الدعاء أن يفوض الأمر للَّه وحده ويمضي في أمره.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قوله: "فما كفارة ذلك؟ " إلى آخر الحديث هذه كفارة لما يقع من الطيرة ولكن يمضي مع ذلك ويتوكل على الله" (٢).
قال ابن حجر: "وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن النبي ﷺ : "ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع؛ وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظنت فلا تحقق" وهذا مرسل أو معضل، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في "الشعب"، وأخرج ابن عدي بسند لين عن أبي هريرة رفعه: "إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا"، وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رفعه: "لن ينال الدرجات العلى من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرًا" ورجاله ثقات، إلا أنني أظن أن فيه انقطاعًا، وله شاهد عن عمران بن حصين وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد" (٣).
٣ - الفرق بين الطيرة والفأل: انظر باب الفأل.
٤ - الفرق بين الطيرة والتطير:
قال ابن علان: "قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الفرق بين التطير والطيرة أن التطير هو الظن السيئ الذي يقع في النفس، والطيرة هي الفعل المرتب على الظن السيئ". (٤).
стр. 1292
حديث: "الشؤم في ثلاث" تقدم الكلام عنه في باب الشؤم.
حديث: "أقروا الطير على مَكِناتها": جاء في مسائل أبي داود ص ٢٦٧ قال: سمعت أحمد يقول في حديث: "أقروا الطير على مكناتها" (١) أي أنها لا تضركم. قال: كان أحدهم - يعني في الجاهلية - يريد الأمر فيثير الطير. يعني فيقال: إن جاء عن يمينه كان كذا وإن جاء عن يساره كان كذا. فقال النبي ﷺ : "أقروا الطير على مَكِناتها فإنها لا تضركم" (٢).
وقال ابن الأثير: "المكنات في الأصل: بيض الضِّباب (٣)، واحدتها: مكنة بكسر الكاف وقد تفتح. يقال: مكنت الضبة وأمكنت، قال أبو عبيدة جائز في الكلام أن يستعار مكن الضباب فيجعل للطير كما قيل مشافر الحبش وإنما المشافر للإبل. وقيل المكنات: بمعنى الأمكنة، يقال الناس على مكناتهم وسكناتهم أي: على أمكنتهم ومساكنهم. وقيل المكنة: من التمكن، كالطلبة والتبعة، من التطلب والتتبع. يقال: إن فلانا لذو مكنة من السلطان أي: ذو تمكن. يعني: أقروها على كل مكنة ترونها عليها ودعوا التطير بها" (٤).
قال شمس الدين محمد الصالحي: "وقد رأيت من يكره أخذ أفراخ الطيور من مناطها، وغالبُ الناس يتشاءم من ذلك خوفًا على النفس والأولاد، حتى إن بعضهم يقول: إنها ما تعانى (٥) بها أحد وأفلح.
стр. 1293
ولكن قال الإمام أحمد بن حنبل واختاره أكثر أصحابه وقطع به أبو العباس ابن تيمية أنه لا بأس بصيد الليل. فقيل له: قول النبي ﷺ : "أقرُّوا الطير على مكاناتها". فقال: هذا كان أحدهم يريد الأمر فيُثير الطير، يتفاءل إن كان عن يمينه قال كذا، وإن كان عن يساره قال كذا، فقال النبي ﷺ : "أقرُّوا الطيرَ على مكاناتها" يشير إلى أن الحديث ... وروده في التفاؤل؛ لأنَّ العربَ كان من عادتها التفاؤل بطيران الطير، إن طار على اليمين فهو خير، وإن طار على اليسار فهو شر" (١).
٥ - كيف يدفع الإنسان الطيرة:
يكون ذلك بالأسباب التالية:
١ - الاعتماد على الله والإخلاص له في العبادة والعلم الجازم أن كل شيء بتقدير الله فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
٢ - ذكر الأدعية الواردة لدفع الطيرة إذا خطرت في نفس المسلم وهي: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك.
٣ - المضي فيما قصد إليه، وعدم التأثر بما تطير به، بل يرفض الطيرة رفضا تاما ويتوكل على الله، ولا يفتح على نفسه باب الخوف.
يوضح ذلك ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: ومنا رجال يتطيرون قال رسول الله ﷺ : "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم" (٢) قال النووي: "وفي رواية: "فلا يصدنكم" قال العلماء معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة ولا عتب عليكم في ذلك فإنه غير مكتسب لكم فلا تكليف به ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم فهذا هو الذي تقدرون عليه وهو مكتسب
стр. 1294
لكم فيقع به التكليف فنهاهم ﷺ عن العمل بالطيرة والامتناع من تصرفاتهم بسببها وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التطير، والطيرة وهي محمولة على العمل بها لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على مقتضاه عندهم" (١).
قال ابن القيم: "فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده، لا ما رآه وسمعه. فأوضح ﷺ . لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة، ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى" (٢).
وما يقع في القلب حال المضي والتوكل لا يكاد يسلم منه أحد كما جاء في قول ابن مسعود: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" (٣). قال الإمام البغوي: "فأما ما يقع في قلبه من محبوب ذلك ومكروهه فليس بطيرة، إذا مضى لحاجته وتوكل على ربه. قال ابن عباس: إن مضيت فمتوكل، وإن نكصت فمتطير" (٤).
٦ - فائدة: أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه: "لا طيرة، والطيرة على من تطير".
وقال إبراهيم: قال عبد الله: "لا تضر الطيرة إلا من تطير" (٥).
قال ابن تيمية: "وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه أضر بنفسه فأما المتوكل على الله فلا" (٦).
стр. 1295
وقال ابن القيم: "اعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به شيئًا لم يضره البتة" (١).
وقال ابن عثيمين: "والإنسان إذا فتح على نفسه باب التشاؤم، ضاقت عليه الدنيا، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم، حتى أنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته، ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة تشاءم وقال: اليوم يوم سوء وأغلق دكانه، ولم يبع ولم يشتر - والعياذ بالله - وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء ويقول: إنه يوم نحس وشؤم، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال، ولا سيما في النكاح، وقد نقضت عائشة ﵂ هذا التشاؤم، بأنه ﷺ عقد عليها في شوال، وبنى بها في شوال، فكانت تقول: "أيكن كان أحظى عنده مني؟ " والجواب: لا أحد" (٢).
وقال ابن القيم: "واعلم أن من كان معتنيًا بالطيرة قائلا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه" (٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "فالواجب على العبد التوكل على الله ومتابعة رسول الله ﷺ ، وأن يمضي لشأنه لا يرده شيء من الطيرة عن حاجته فيدخل في الشرك" (٤).
وقال ﵀: "فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها" (٥).
стр. 1296
١٩٢ - الظلم *
قال في تهذيب اللغة: "وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه" (١).
وقال ابن تيمية ﵀: "وقال كثير من أهل السنة والحديث والنظار بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه" (٢).
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
عن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: "ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] (٣).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وكذا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه فسره بالشرك، فيكون الأمن من تأبيد العذاب. وعن عمر ﵁ أنه فسره بالذنب، فيكون الأمن من كل عذاب. وقال الحسن والكلبي: أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم
стр. 1297
مهتدون في الدنيا" (١).
وقال ابن القيم: "ولما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ قال الصحابة: وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فلما أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنا أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله فالمطلق للمطلق والحصة للحصة" (٢).
قال الإمام ابن رجب معلقًا على حديث ابن مسعود: "معنى هذا: أن الظلم يختلف: فيه ظلم ينقل عن الملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم ذلك أن يوضع المخلوق في مقام الخالق، ويُجعل شريكًا له في الربوبية وفي الإلهية، سبحانه وتعالى عما يشركون.
وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين، يراد به الكفار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
стр. 1298
اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ الآيات [الشورى: ٤٤] ومثل هذا كثير.
ويراد بالظلم ما لا ينقل عن الملة، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وحديث ابن مسعود هذا: صريح في أن المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أن الظلم هو الشرك.
وجاء في بعض رواياته: زيادةٌ. قال: "إنما هو الشرك"" (١).
وقال ﵀ في موضع آخر: "وهو نوعان:
أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فإن المشرك جعل المخلوقَ في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذُكِر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أُريد به المشركون، كما قال : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر.
والثاني: ظلمُ العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث (٢)، وقد قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة
стр. 1299
يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا"، وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي رواية: ثم قال: "اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه".
وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الظلم ظلمات يوم القيامة"" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الظلم كله حرام مذموم، فأعلاه الشرك، فإن الشرك لظلم عظيم، والله لا يغفر أن يشرك به، وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان، وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله، فإذا كان الرجل مشركًا كافرًا فأسلم باطنًا وظاهرًا، بحيث صار مؤمنًا وهو مع إسلامه يظلم الناس ويظلم نفسه، فهو خير من أن يبقى على كفره ولو كان تاركًا لذلك الظلم.
وأما إذا أسلم ظاهرًا فقط، وهو منافق في الباطن، فهذا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وأما في الدنيا فقد يكون أضر على المسلمين منه لو بقي على كفره، وقد لا يكون كذلك، فإن إضرار المنافقين بالمؤمنين يختلف باختلاف الأحوال.
لكن إذا أسلم نفاقًا فقد يرجى له حسن الإسلام فيصير مؤمنًا، كمن أسلم تحت السيف، وكذلك من أسلم لرغبة أو لرهبة أو نحو ذلك. فالإسلام والإيمان أصل كل خير وجِماعُه.
وكذلك من كان ظالمًا للناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، فانتقل عن ذلك إلى ما يظلم به نفسه خاصة: من خمر وزنا، فهذا أخف لإثمه وأقل لعذابه.
стр. 1300
وهكذا النِحَل التي فيها بدعة، وقد يكون الرجل رافضيًا زيديًا، فذلك خير له. وقد يكون جهميًا قدريًا فيصير جهميًا غير قدري، أو قدريًا غير جهمي. أو يكون من الجهمية الكبار، فيتجهم في بعض الصفات دون بعض، ونحو ذلك ..
فهذه الذنوب مع صحة التوحيد خير من فساد التوحيد مع عدم هذه الذنوب. ولهذا نجد الناس يفضِّلون من كان من الملوك ونحوهم إنما نفسه بشرب الخمر والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية، ويتحرى العدل فيهم، على من كان يتجنب الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم" (١).