← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

١٩٢ - الظلم * قال في تهذيب اللغة: "وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "وقال كثير من أهل السنة والحديث والنظار بل الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه" (٢). قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. عن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: "ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] (٣). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وكذا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه فسره بالشرك، فيكون الأمن من تأبيد العذاب. وعن عمر ﵁ أنه فسره بالذنب، فيكون الأمن من كل عذاب. وقال الحسن والكلبي: أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم

стр. 1297

مهتدون في الدنيا" (١). وقال ابن القيم: "ولما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ قال الصحابة: وأينا يا رسول الله لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال: ذلك الشرك، ألم تسمعوا قول العبد الصالح ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فلما أشكل عليهم المراد بالظلم وظنوا أن ظلم النفس داخل فيه، وأن من ظلم نفسه أي ظلم كان لا يكون آمنا أجابهم بأن الظلم الرافع للأمن والهداية على الإطلاق هو الشرك، وهذا والله الجواب الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فإن الظلم المطلق التام هو الشرك الذي هو وضع العبادة في غير موضعها والأمن والهدى المطلق هو الأمن في الدنيا والآخرة والهدى إلى الصراط المستقيم، فالظلم المطلق التام مانع من الأمن والهدى المطلق، ولا يمنع ذلك أن يكون مطلق الظلم مانعا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله فالمطلق للمطلق والحصة للحصة" (٢). قال الإمام ابن رجب معلقًا على حديث ابن مسعود: "معنى هذا: أن الظلم يختلف: فيه ظلم ينقل عن الملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم ذلك أن يوضع المخلوق في مقام الخالق، ويُجعل شريكًا له في الربوبية وفي الإلهية، سبحانه وتعالى عما يشركون. وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين، يراد به الكفار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ

стр. 1298

اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ الآيات [الشورى: ٤٤] ومثل هذا كثير. ويراد بالظلم ما لا ينقل عن الملة، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وحديث ابن مسعود هذا: صريح في أن المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: أن الظلم هو الشرك. وجاء في بعض رواياته: زيادةٌ. قال: "إنما هو الشرك"" (١). وقال ﵀ في موضع آخر: "وهو نوعان: أحدهما: ظلم النفس، وأعظمه الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فإن المشرك جعل المخلوقَ في منزلة الخالق فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذُكِر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أُريد به المشركون، كما قال : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر. والثاني: ظلمُ العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث (٢)، وقد قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة

стр. 1299

يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا"، وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق، وفي رواية: ثم قال: "اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه". وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "الظلم ظلمات يوم القيامة"" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الظلم كله حرام مذموم، فأعلاه الشرك، فإن الشرك لظلم عظيم، والله لا يغفر أن يشرك به، وأوسطه ظلم العباد بالبغي والعدوان، وأدناه ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله، فإذا كان الرجل مشركًا كافرًا فأسلم باطنًا وظاهرًا، بحيث صار مؤمنًا وهو مع إسلامه يظلم الناس ويظلم نفسه، فهو خير من أن يبقى على كفره ولو كان تاركًا لذلك الظلم. وأما إذا أسلم ظاهرًا فقط، وهو منافق في الباطن، فهذا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وأما في الدنيا فقد يكون أضر على المسلمين منه لو بقي على كفره، وقد لا يكون كذلك، فإن إضرار المنافقين بالمؤمنين يختلف باختلاف الأحوال. لكن إذا أسلم نفاقًا فقد يرجى له حسن الإسلام فيصير مؤمنًا، كمن أسلم تحت السيف، وكذلك من أسلم لرغبة أو لرهبة أو نحو ذلك. فالإسلام والإيمان أصل كل خير وجِماعُه. وكذلك من كان ظالمًا للناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، فانتقل عن ذلك إلى ما يظلم به نفسه خاصة: من خمر وزنا، فهذا أخف لإثمه وأقل لعذابه.

стр. 1300

وهكذا النِحَل التي فيها بدعة، وقد يكون الرجل رافضيًا زيديًا، فذلك خير له. وقد يكون جهميًا قدريًا فيصير جهميًا غير قدري، أو قدريًا غير جهمي. أو يكون من الجهمية الكبار، فيتجهم في بعض الصفات دون بعض، ونحو ذلك .. فهذه الذنوب مع صحة التوحيد خير من فساد التوحيد مع عدم هذه الذنوب. ولهذا نجد الناس يفضِّلون من كان من الملوك ونحوهم إنما نفسه بشرب الخمر والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية، ويتحرى العدل فيهم، على من كان يتجنب الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم" (١).

стр. 1301

١٩٣ - الظن بالله حسن الظن بالله تعالى من أعلى المقامات الإيمانية، أما إساءة الظن به فقد ذمه الله وذكر أنه من صفات المشركين والمنافقين قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] وتقدم أن التسخط من أقدار الله يتنافى مع كمال التوحيد. وكثير من الناس قصروا مقام الظن بالله تعالى، بل إن أغلبهم وقع في ضده من إساءة الظن بربهم . فيجب حسن الظن بالله قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به، لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه وحسن اختياره وقوة المتوكل عليه، فإذا تم العلم بذلك أثمر له حسن الظن بالله. وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته، قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة، لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن خاص" (١). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ

стр. 1302

فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَقُولُ الله : أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأنا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي في نَفسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (١). وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الأنصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بثَلاثَةِ أيَّامٍ يَقُولُ: "لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُم إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بالله " (٢). وفي قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ قال ابن القيم: "فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمر سيضمحل، وأنه يسلِمه للقتال وقد فُسِّر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمه له فيه ففُسِّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أنُ يُتِمَّ أمرَ رسوله ﷺ ويظهره على الدين كله وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون والمشركات به في (سورة الفتح) حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ

стр. 1303

وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦] ... فمن ظن به أنه لا ينصر رسوله ولا يُتمَّ أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته ... وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم ولا يسلم عن ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءَه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملًا كالأنعام فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب بها دار يجازي المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صِدْقَه وصِدقَ رسله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه ولا اختيار له ولا قُدرةَ ولا إرادةَ في حصوله بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به فقد ظن به ظن السوء ... ومن ظن به أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يوالي ولا يعادي ولا يقرب من أحد من خلقه ولا يقرب منه أحد، وأن ذوات الشياطين بها القرب من ذاته كذوات الملائكة المقربين وأوليائه

стр. 1304

المفلحين فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين أو يفرق بين المتساويين من كل وجه أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة ويحبط بها جميع طاعاته ويخلده في العذاب كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين وقد استنفد ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه فقد ظن به ظن السوء. وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسلُه أو عطَّل حقائقَ ما وصف به نفسه ووصفته به رسله فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أن له ولدا أو شريكًا أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه ويتوسلون بهم إليه ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيدعونهم ويحبونهم كحبه ويخافونهم ويرجونهم فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب إليه فقد ظن به خلاف حكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته وهو مِن ظن السوء، ومن ظن به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه أو من فعل لأجله شيئًا لم يعطه أفضل منه فقد ظن بن ظن السوء، ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جرم ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به وتوكل عليه أنه يخيبه ولا يعطيه ما سأله فقد ظن به ظن السوء وظن به خلاف ما هو أهله، ومن ظن أنه يثيبه إذا عصاه بما يثيبه به إذا أطاعه وسأله ذلك في دعائه فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله، ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأوضع في معاصيه ثم اتخذ من دونه وليًا ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا حيًا أو ميتًا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلصه من عذابه فقد ظن به ظن السوء وذلك

стр. 1305

زيادة في بعده من الند وفي عذابه، ومن ظن به أنه يسلط على رسوله محمد ﷺ أعداءه تسليطًا مستقرًا دائما في حياته وفي مماته وابتلاه بهم لا يفارقونه فلما مات استبدوا بالأمر دون وصية وظلموا أهل بيته وسلبوهم حقهم وأذلوهم، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائما من غير جرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق وهو يرى قهرهم لهم وغصبهم إياهم حقهم وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده ولا ينصرهم ولا يديلهم بل يديل أعداءهم عليهم أبدًا، أو أنه لا يقدر على ذلك بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم في ذلك: فإن تنجُ منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إِخالك ناجيا فليعتنِ اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه وصفاته كذلك وأفعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل وأسماؤه كلها حسنى. فلا تظنُنَّ بربكَ ظنَّ سَوْء ... فإن الله أولى بالجميلِ ولا تظنُنَّ بنفسكَ قطَّ خيرًا ... وكيف بظالمِ جان جهولِ وقُلْ يا نفس مأوى كلِّ سوءٍ ... أيُرجى الخيرَ من مَيْتٍ بخيلِ

стр. 1306

وظُنَّ بنفسكَ السُّوآى تجدها ... كذاكَ وخيرها كالمستحيلِ وما بك من تُقىً فيها وخيرٍ ... فتلكَ مواهبُ الربِّ الجليلِ وليس بها ولا منها ولكِن ... من الرحمنِ فاشكُر للدليلِ" (١) وكلامه المنقول قد ذكر بعضه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد. قال الشيخ ابن عثيمين معلقا على ذلك: "وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور: الأول: أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح ١٢]. الثاني: أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره، لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته. الثالث: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق الحمد، لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافًا كبيرًا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله، . ورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله، لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيهًا؛ فما بالك بالخالق الحكيم؟. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا

стр. 1307

السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧] فالظنُّ بأنها خلقت باطلا لا لحكمة عظيمة ظن الذين كفروا ... " (١). * أمثلة لسوء الظن بالله تعالى: نقل الشيخ سليمان بن عبد الله أقوال العلماء في ذلك فقال: "قال ابن عقيل في الفنون: "الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب والفضة، ودارا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة؛ قال: انظر إلى إعطائهم مع سوء أفعالهم، ولا يزال يلعنهم، ويذم معطيهم حتى يقول: فلان يصلي الجماعات والجمع، ولا يؤذي الذر، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال، ويحج ويجاهد، ولا ينال خلة بقلبه، ويظهر الإعجاب كأنه ينطق إنه لو كانت الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما ترى، وكان الصالح غنيا، والفاسق فقيرًا". قال أبو الفرج بن الجوزي: وهذه حالة قد شملت خلقا كثيرا من العلماء والجهال، أولهم إبليس فإنه نظر بعقله، فقال: كيف يفضل الطين على جوهر النار؟! وفي ضمن اعتراضه: إن حكمتك قاصرة وأنا أجود. واتبع إبليس في تفضيله واعتراضه خلق كثير، مثل الراوندي والمعري، ومن قوله: إذا كان لا يحظى برزقك عاقل ... وترزق مجنونا وترزق أحمقا ولا ذنب يا رب السماء على امرئ ... رأى منك ما لا ينتهي فتزندقا قال ابن الجوزي: وكان رجل يصحبني قد قارب ثمانين سنة، كثير الصلاة والصوم فمرض واشتد به المرض، فقال: إن كان يريد أن أموت فيميتني، وأما هذا التعذيب، فما له معنى، والله لو أعطاني الفردوس كان مكفورًا. ورأيت آخر تزيّا بالعلم إذا ضاق عليه رزقه يقول: إيش هذا التدبير؟ وعلى هذا كثير من العوام إذا

стр. 1308

ضاقت أرزاقهم اعترضوا، وربما قالوا: ما يريد يصلي. وإذا رأوا رجلا صالحا مؤذيا قالوا ما يستحق قدحا في القدر، وكان قد جرى في زماننا تسلط من الظلمة، وقال بعض من تزيا بالدين: هذا حكم بارد. وما فهم ذلك الأحمق، فإن لله على الظالم [أن يسلط عليه أظلم منه]، وفي الحمقى من يقول: أي فائدة في خلق الحيات والعقارب، وما علم أن ذلك أنموذج لعقوبة المخالف، وهذا أمر قد شاع، ولهذا مددت النفس فيه. واعلم أن المعترض قد ارتفع أن يكون شريكا وعلا الخالق بالحكم عليه، وهؤلاء كلهم كفرة، لأنهم رأوا حكمة الخالق قاصرة، وإذا كان قد توقف القلب عن الرضى بحكم الرسول ﷺ ، يخرج عن الإيمان قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله" (١).

стр. 1309

١٩٤ - عارض الجهل وأثره على التكفير * الجهل مانع من موانع التكفير المعتبرة، لكن ليس كل جهل يصلح عذرًا ومانعًا، ويتضح ذلك بفهم الضوابط والأصول التي بيناها في أثناء هذا الباب. قال الراغب: "الجهل على ثلاثة أضرب: ١ - وهو خلو النفس من العلم. ٢ - اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. ٣ - فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا كمن ترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]. فجعل فعل الهزو جهلا قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات:٦]. قال ابن تيمية: "لفظ الجهل يُعبَّر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم" (١). والذي يعنينا من معاني الجهل: الجهل بمعنى عدم العلم وهو بهذا الاعتبار على قسمين:

стр. 1310

١ - الجهل الذي لا يصلح عذرًا. ٢ - الجهل الذي يصلح عذرا. والمقصود الذي نحن بصدده هل يعذر المعين بالجهل إذا ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام أم لا؟ * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء. ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك. ٨ - ٩] وقال : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٦]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذا أنا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّوني فِي الرِّيحِ، فَوَالله لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عذَّبهُ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْه، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَر له". وفي رواية قال: "مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ"" (١). قال الإمام الخطابي ﵀: "قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل ذلك لا يعاد فلا

стр. 1311

يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه فعل ذلك من خشية الله" (١). وقال الحافظ ابن عبد البر رحمة الله: " ... وأما جهل الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ... " (٢)، ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة ﵃ عن القدر ثم قال: " ... ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين ... ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه" (٣). وقال ابن حزم ﵀ بعد ذكر الحديث: " ... فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد كفر له لإقراره وخوفه وجهله" (٤). وقال ابن الوزير ﵀ في تعليقه على الحديث: " ... وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدا منهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء. ١٥] (٥). يقول ابن قتيبة عن هذا الحديث: "وهذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري في الريح أن يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته" (٦).

стр. 1312

وقد علق شيخ الإسلام على هذا الحديث فقال: "فهذا رجل شك في قدرة الله تعالى، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا، لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا أيضًا على هذا الحديث: "فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك، ضالا في هذا الظن مخطأ، فغفر الله له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره ... " (٢). وقال في موضع آخر: "فهذا الرجل كان قد وقع له الشك، والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك .. " (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀ في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضا من فرائض الإسلام: " ... وأما من جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا" (٤).

стр. 1313

وقال الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره: "فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا كافرًا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانًا واضحًا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعًا جَليًا قطعيًا يعرفه كل من المسلمين من غير نظير ولا تأمل" (١). ومن الأدلة أيضا حديث ذات أنواط وفيه أن بعض المسلمين ممن كانوا حديثي عهد بجاهلية (٢) طلبوا من النبي ﷺ ، أن يجعل لهم ذات أنواط مشابهة للمشركين الذين كانوا يعلقون سيوفهم بشجرة يتبركون بها فقال لهم النبي ﷺ الله أكبر!! إنها السنن قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (٣). * تنبيه: سبق الكلام عن أهل الفترة في باب (أهل الفترة) وهل هم معذورون بالجهل أم غير معذورين، وكلامنا الآن لا يتعلق بهم بل يتعلق بمن يعذر بجهله ممن دان بدين الإسلام وثبت له حكمه ثم وقع في شيء من هذه النواقض جهلًا بها. والعذر بالجهل فيه كلام لأهل العلم كثير، ولن نستطيع أن نوفيه حقه في هذا المعجم ولكن نضع ضوابط لذلك مع الأدلة، نسأل الله الإعانة والتوفيق، ومن أراد الاستفصال فليراجع ما أحلنا إليه من المراجع، وتحتاج إلى تدقيق ورسوخ في

стр. 1314

العلم وورع في الدين وخوف من الله وتجرد من العواطف والأهواء، وألا يحكم بشيء إلا بعد معرفة الشروط والضوابط كلها مجتمعة وتحققها وهذه المسألة من أكثر المسائل التي تشتبه فيها الأدلة على الجماعات والأفراد والفرق حتى على بعض أهل العلم. وعلى ذلك فإنه يجب إحكام أصول هذه المسألة وفروعها على منهج أهل السنة والجماعة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم" (١). * ضوابط العذر بالجهل في التكفير: * أولا: مجرد النطق بالشهادتين يثبت به إسلام الشخص حكما ولا يزول عنه إسلامه إلا بمقتضى الدليل الشرعي وفي ذلك من الأحاديث ما رواه جَابِر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا الله، فَإِذا قَالُوا لا إِلَىَ إِلا الله عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال شيخ الإسلام ﵀: وقد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًا، والمباح دمه وماله: معصوم الدم والمال ... " (٣).

стр. 1315

وروى مسلم عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : "لا تقتله" قال: فقلت: يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال رسول الله ﷺ : "لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"" (١). وقد ذكر الإمام ابن منده هذا الحديث وبوب عليه في كتابه الإيمان بقوله: "ذكر ما يدل على أن قول لا إله إلا الله يوجب اسم الإسلام ويحرم مالك قائلها ودمه" (٢). وقال الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀: "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما" (٣). ويقول أيضًا: "ومن أقر صار مسلمًا حكمًا" (٤). ويقول الحافظ ابن حجر ﵀: " ... وفي حديث ابن عباس من الفوائد [حديث بعث معاذ إلى اليمن] الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين" (٥). * ثانيًا: عدم قيام الحجة مانع من تكفير المعين: وقد تقدم في أول الباب ذكر الأدلة من القرآن على أن قيام الحجة شرط في تكفير المعين.

стр. 1316

قال شيخ الإسلام ﵀: "إذا عرف هذا فتكفير "المعين" من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار لا يجوز الأقدام إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية، التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر. وهكذا الكلام في تكفير جميع المعينين مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذللى بالشك، بل لا يزال إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" (١). وقال شيخ الإسلام ﵀: "هذا مع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مني: أني من أعظم الناس نهيا عن أن يُنسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية؛ إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى ... الخ" (٢). ويقول ابن حزم: " ... ولا خلاف في أن امرءا لو أسلم ولم يعلم شرائع الإسلام فاعتقد أن الخمر حلال، وأن ليس على الإنسان صلاة، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافرا بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر" (٣). وقال ابن تيمية: "إن الكتاب والسنة قد دلت على أن الله لا يعذب أحدًا، إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة، لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل،

стр. 1317

لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية وذلك مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء. ١٦٥]، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] (١). وقال ﵀: "فمعلوم أن الحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه، كقوله تعالى: ﴿الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض، قامت الحجة عليه بما بلغه دون ما لم يبلغه" (٢). وقال ﵀: "لكن من الناس من يكون جاهلًا ببعض هذه الأحكام جهلًا يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء. ١٦٥]، ولهذا لو أسلم رجل، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر حرام، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا، وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية" (٣). ويقول ابن حزم ﵀: "وكل ما قلنا فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه معذور مأجور وإن كان مخطئًا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق" (٤). وقال ابن القيم ﵀: "أن العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.

стр. 1318

فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل" (١). وقال أيضًا ﵀: " ... حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقدمت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بقيام الحجة عليه" (٢). وعلى ذلك أدلة منها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: ٥٩]. وقال الإمام الذهبي ﵀: "فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رءوف بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقد كان سادة الصحابة بالحبشة ينزل الواجب والتحريم على النبي ﷺ فلا يبلغهم النص إلا بعد أشهر فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص والله أعلم" (٣). وقال ابن العربي المالكي: "فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركًا أو كافرًا فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى يتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعًا قطعيًا يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل" (٤).

стр. 1319

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه: "إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من يفهمهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالكد إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم" (١). وحكى الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن عن الإمام المجدد أنه قرر أن: "من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور ... " (٢). ويقول العلامة سليمان بن سحمان: "الذي يظهر لي - والله أعلم - أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة" (٣). وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسؤال الآتي: * هل يمكن للرجل أن يقول لصاحبه أنت كافر قبل أن يعلمه بعمله ؟ فأجابت: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على وسوله وآله وصحبه .. وبعد: إذا كان صاحبه كافرًا فالمشروع أن يعلمه أن عمله كفر وينصحه بتركه بالأسلوب الحسن، فإذا لم يترك عمله الذي أوجب كفره أجريت عليه أحكام الكفار، وهو متوعد بما توعد الله به من مات على كفره من الكفار بالخلود في النار، والواجب التثبت في هذه الأمور وعدم التعجل بالتكفير حتى يتضح الدليل" (٤).

стр. 1320

وينبغي أن يُعلم أن هناك فرقًا بين صفة القيام في المسائل الظاهرة والمسائل الخفية، فإن صفة قيام الحجة في المسائل الظاهرة هي: بلوغ الدليل من القرآن والسنة، فمن بلغه الدليل أوسمع به فقد قامت عليه الحجة، ولا يُشترط التعريف من عالم أو غيره، فالحجة التي يرتفع بها الجهل ينقطع العذر بها في المسائل الظاهرة هي كتاب الله وسنة رسوله، والعبرة ببلوغ الحجة والسماع بها، وليست بفهم الحجة. أما المسائل التي تخفى فيها طرق الأدلة، ويقع فيها التأويل بحيث يصعب على المكلف تحصيلها بنفسه؛ فصفة قيام الحجة فيها هي: بلوغ الدليل وشرحه، وتفهيم المراد منه، ورد الشبهات التي تعلق به ممن يحسن أن يفعل ذلك من أهل العلم (١). وبهذا يتبين صفة قيام الحجة. يقول الإمام البخاري: "كل من يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق، فإنه يعلم ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] " (٢). قال ابن حزم ﵀: "وكل ما قلنا فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه معذور مأجور وإن كان مخطأ، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق" (٣). ويقول العلامة سليمان بن سحمان: "الذي يظهر لي - والله أعلم - أنها لا تقوم

стр. 1321

الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة" (١). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في أقسام الردة: "قسم يجحد ما علم بالضرورة فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام" (٢). * وعلى هذا فيجب التفريق بين بلوغ الحجة وفهم الحجة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ما ذكرتم من كلام الشيخ (ابن تيمية) كل من جحد كذا وكذا، وإنكم تسألون عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم؛ هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب!! كيف تشُكُّون في هذا وقد أوضحت لكم مرارًا أن الذي لم تقم عليه الحجة هو حديث عهد بالإسلام، أو الذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون في مسائل خفية مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يُعرَّف، وأما أصول الدين التي وضَّحها الله في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كماقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر، فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم". وقوله: "شر قتلة تحت أديم السماء" مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس: أن الذي أخرجهم من الدين، هو

стр. 1322

التشدد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها. وكذلك قتلى علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم حق. وكذلك إجماع السلف: على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا" (١). ومن المسائل التي قد تخفى بعض مسائل الصفات قال الإمام الشافعي ﵀ حين سئل عن صفات الله وما يؤمن به: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، ولا يسع أحد من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يقدر بالعقل، ولا بالرؤية والقلب والفكر، ولا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهاء الخبر إليه به" (٢). أما الكافر فإن قيام الحجة عليه يوضحها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "والحجة قامت بوجود الرسول المبلغ وتمكنهم من الاستماع والتدبر. لا بنفس الاستماع. ففي الكفار من تجنب سماع القرآن، واختار غيره، كما يتجنب كثير من المسلمين سماع أقوال أهل الكتاب وغيرهم، وإنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا، كما قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ " (٣).

стр. 1323

* ثالثًا: الجاهل المتمكن من العلم وتركه تساهلا وإعراضًا لا يعذر (١): قال ابن تيمية: "والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلا، وهذه أوقات الفترات" (٢). وقال ابن القيم ﵀: " ... حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وبلوغ ذلك إليه، وتمكنه من العلم به، سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بقيام الحجة عليه" (٣). قال الشيخ علاء الدين البعلي الحنبلي المعروف بابن اللحام في كتابه القواعد: "إذا تقرر هذا، فهاهنا مسائل تتعلق بجاهل الحكم، هل هو معذور أم لا؟ ترتبت على هذه القاعدة، فإذا قلنا يُعذر فإنما محله إذا لم يقصِّر ويفرِّط في تعلم الحكم، أما إذا قصّر أو فرّط فلا يعذر جزمًا" (٤). ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "واجتهِدْ في معرفة دين الإسلام ومعرفة ما أرسل الله به رسوله، والبحث عما قاله العلماء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، واجتهِد في تعلُّم ما علّمه الله لرسوله، وما علمه الرسول أمته من التوحيد، ومن أعرض عن

стр. 1324

هذا فطبع الله على قلبه، وآثر الدنيا على الدين لم يعذره الله بالجهالة" (١). * وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يعذر المسلم إذا فعل شيئا من الشرك كالذبح والنذر لغير الله جاهلا؟ فأجاب بقوله: "الأمور قسمان: * قسم يعذر فيه بالجهل، وقسم لا يعذر فيه بالجهل. فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين، وأتى الشرك بالله، وعبد غير الله، فإنه لا يعذر لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام، لإعراضه وغفلته عن دينه، كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]، ولأن النبي ﷺ لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية لم يؤذن له ليستغفر لها؛ لأنها ماتت على دين قومها عباد الأوثان، ولأنه ﷺ قال لشخص سأله عن أبيه، قال: "هو في النار" فلما رأى ما وجهه قال: "إن أبي وأباك في النار"؛ لأنه مات على الشرك بالله، وعلى عبادة غيره ، فكيف بالذي بين المسلمين وهو يعبد البدوي، أو يعبد الحسين، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو يعبد الرسول محمد ﷺ ، أو يعبد عليًا، أو يعبد غيرهم؟!. فهؤلاء وأشباههم لا يعذرون من باب أولى؛ لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين، والقرآن بين أيديهم، وهكذا سنة رسول الله ﷺ موجودة بينهم، ولكنهم عن ذلك معرضون" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "هذه المسألة" تحتاج إلى تفصيل: فنقول: الجهل نوعان:

стр. 1325

جهل يعذر فيه الإنسان، وجهل لا يعذر فيه، فما كان ناشئًا عن تفريط وإهمال مع قيام المقتضي للتعلم، فإنه لا يعذر فيه، سواء في الكفر أو المعاصي، وما كان ناشئًا عن خلاف ذلك، أي أنه لم يهمل ولم يفرط، ولم يقم المتقضي للتعلم بأن كان لم يطرأ على باله أن هذا الشيء حرام، فإنه يعذر فيه" (١). * رابعًا: قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص: ويدل على ذلك حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَدْرُسُ الإِسْلامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثوْبِ حَتَّى لا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلا صَلاةٌ وَلا نُسُكٌ وَلا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله في لَيْلَةٍ فَلا يَبْقَى في الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذه الْكَلِمَةِ لا إِلَهَ إِلا الله، فَنَحْنُ نَقُولُهَا. فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لا إِلَهَ إِلا الله وَهُمْ لا يَدْرُونَ مَا صَلاةٌ وَلا صِيَامٌ وَلا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ تُنْجِيِهمْ مِنْ النَّارِ ثَلاثًا" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة" ثم

стр. 1326

ذكر بقية الحديث" (١). وقال ﵀ في معرض كلامه عن التكفير: "فيختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرًا بل ولا فاسقًا بل ولا عاصيًا" (٢). وقال ﵀: "وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك. فهذا أولى بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا وقد لا يكون ناجيًا كما يقال: من صمت نجا" (٣). وقال ابن القيم: "إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له" (٤). وقد بين ابن قدامة في المغني: "أن من كان جاحدًا لوجوب الصلاة، نظر فيه، فإن كان جاهلًا به، وهو ممن يجهل ذلك، كالحديث الإسلام، والناشئ ببادية، عرف وجوبها، وعلم ذلك، ولم يحكم بكفره، لأنه معذور" (٥).

стр. 1327

وقال شيخ الإسلام ﵀: "لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا" (١). وقال أيضًا -: "لا يكفر العلماء من استحل شيئا من المحرمات لقرب عهده بالإسلام، أو لنشأته ببادية بعيدة، فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير من هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك" (٢). ويقول السيوطي: "كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك" (٣). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة" (٤). أما اختلاف حال الأشخاص واختلاف مداركهم فقد قال ابن تيمية: "والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه: كان ذلك في حق

стр. 1328

العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا، وهذه أوقات الفترات" (١). وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "يختلف الحكم على الإنسان بأنه يعذر بالجهل في المسائل الدينية أو لا يعذر، باختلاف البلاغ وعدمه، وباختلاف المسألة نفسها وضوحا وخفاء، وتفاوت مدارك الناس قوة وضعفًا" (٢). * خامسًا: ينبغي التفريق بين المسائل الظاهرة والمسائل الخفية: يقول محمد بن جرير في كتابه الدين بعد أن ذكر بعض نصوص الصفات: "فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله بها نفسه، ورسوله مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية، ولا يكفر بالجهل أحد إلا بعد انتهائها إليه" (٣). وقال شيخ الإسلام: "ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذه بما أخطأ، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة. ٢٨٦] (٤). وقال أيضًا ﵀: " ... وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف

стр. 1329

منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون: أن محمدًا ﷺ بعث بها، وكفر مخالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبدة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، مثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك ... " (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "إن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة" (٢). وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: "وقولك إن الشيخ يقول: إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه إنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية كما قدمنا من قوله، وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، فلم يجزم بعدم كفره، وإنما قال: قد يقال" (٣). فيشترط فهم الحجة في الأمور التي يلحق صاحبه فيها شبهة قوية ومثل ذلك التأويل في بعض الأسماء والصفات أو إنكار شيء منها عن شبهة لأن الشبه في

стр. 1330

بعض الأسماء والصفات قوية لا يحتاج فيها إلى بلاغ الحجة فقط بل لا بد من فهم الحجة فلا بد أن تزال الشبهة مع اختلاف المسائل والعناية بفهم الحجة في إنكار الصفة واجب لا سيما وقد تقدم حديث الرجل الذي أسرف على نفسه وقيدها الحافظ ابن عبد البر (١) بجهل صفة من صفاته الله وكذلك قال ابن قتيبة (٢). وقال أيضًا: "وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له، مع شكه في صفة من صفات الرب سبحانه: فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له. كذا قال غير واحد من العلماء. ولهذا قال الشيخ تقي الدين ﵀: "من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها: كفر، وإن كان مثله يجهلها: لم يكفر. قال ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة الله؛ لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة" (٣). وكذا قال ابن عقيل، وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة. واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات: أنه لا يكفر الجاهل وأما في الشرك ونحوه فلا" (٤). ويقول ﵀ في معرِض توضيحه لموقف شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة تكفير المعين: "بل آخر كلامه ﵀ (يعني ابن تيمية) يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات، وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح ﵀ في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق

стр. 1331

أن سببب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ ﵀ كثير" (١). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "مسألة تكفير المعين: من الناس من يقول: لا يكفر المعين أبدًا، ويستدل هؤلاء بأشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها وأظنهم لا يكفِّرون إلا من نص القرآن على كفره كفرعون، والنصوص لا تجيء بتعيين كل أحد، يدرس باب (حكم المرتد) ولا يطبق على أحد، هذه ضلالة عمياء وجهالة كبرى، بل يطبق بشرط. ثم الذين توقفوا في تكفير المعين في الأشياء التي قد يخفى دليلها فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أُوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أو قال: ما فهمت، أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد. وأما ما علم بالضرورة أن الرسول جاء به وخالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام. والقسم الثالث أشياء تكون غامضة فهذه لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أُقيمت عليه الأدلة وسواء كانت في الفروع أو الأصول، ومن أمثلة ذلك الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه إذا مات" (٢). وقد نبَّه العلماء على أن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين (٣) بالضرورة وهذه القاعدة أراد بها العلماء من لا يسعه الجهل قال الإمام الشافعي: "العلم

стр. 1332

علمان: علمٌ عامة لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كُلِّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويُعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفُّوا عنه ما حرّم عليهم منهم .. " (١). وقال ابن قدامة: "فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، ولم يعذر ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وحكم بكفره؛ لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة، والمسلمون يفعلونها على الدوام، فلا يخفى وجوبها على من هذا حاله، ولا يجحدها إلا تكذيبا لله تعالى، ورسوله وإجماع الأمة، وهو يصير مرتدًا عن الإسلام، ولا أعلم في هذا خلافًا" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة: الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضح المحجة" (٣). وقال الشيخ ابن باز ﵀ بعد ذكر الاستهزاء بالله ورسوله وأن فاعله مرتد قال: "وكذلك من جحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان، أو وجوب الحج في حق من استطاع السبيل إليه، أو جحد وجوب بر الوالدين أو نحو

стр. 1333

ذلك، ومثل ذلك من استحل شرب الخمر أو عقوق الوالدين، أو استحل أموال الناس ودماءهم بغير حق، أو استحل الربا أو نحو ذلك من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة وبإجماع سلف الأمة، فإنه كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بإجماع أهل العلم ... ، ولا يجوز أن يعذر أحد بدعوى الجهل في ذلك؛ لأن هذه الأمور من المسائل المعلومة بين المسلمين وحكمها ظاهر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والله ولي التوفيق" (١). وقال ﵀ أيضًا: "الأمور التي جاء بها الإسلام وبيَّنها الرسول ﷺ للناس وأوضحها في كتاب الله، وانتشرت بين المسلمين، فإن دعوى الجهل بها لا تُقبَل، ولا سيما ما يتعلَّق بالعقيدة وأصل الدين، فإن الله بعث نبيه ﷺ ليوضِّح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلَّغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينه وشرح لها كل شيء، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادَّعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله ، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب، هذا كله لا يقبل لأن هذا أمرٌ معلوم بين المسلمين، وقد عُلِم بالضرورة من دين الإسلام، وقد انتشر بين المسلمين، فلا تقبل الدعوى في ذلك، وهكذا إذا ادَّعى أنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات، والاستعانة بهم، والذبح لهم، والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات، أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء، فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة،

стр. 1334

وأنه شرك الأكبر قد أوضح الله ذلك في كتابه، وأوضحه رسوله ﷺ " (١). * تنبيه: ظهور المسألة وخفاؤها وكونها معلومة من الدين بالضرورة أو غير معلومة من الأمور النسبية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فيكون الشيء معلومًا من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا هذا بالكلية، فضلًا عن كونه يعلمه بالضرورة، وكثير من العلماء يعلم أن النبي ﷺ سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة" (٢). وقال ﵀: "كون العلم بديهية أو نظرية هو من الأمور النسبية الإضافية وإن كان كثير من الناس يحسب أن كون العلم المعين ضروريًا أو كسبيًا أو بديهيًا أو نظريًا هو من الأمور اللازمة بحيث يشترك في ذلك جميع الناس وهو مخالف للواقع" (٣). * تنبيه: معرفة فقه العذر بالجهل يوجب بيان الحكم وبث العلم . قال ابن تيمية ﵀: "إن بيان الحكم سبب لزوال الشبهة لمانعة من لحوق العقاب، فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه، المطلوب زواله حسب الإمكان، ولولا هذا لما وجب بيان العلم، ولكان ترك الناس على جهلهم خيرا لهم، ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيرًا من بيانها" (٤).

стр. 1335

١٩٥ - العبادة * قال الرازي: "أصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل يقال: طريق مُعبَّد، والتعبيد أيضًا لاستعباد وهو اتخاذ الشخص عبدًا" (١). وقال ابن سيده: "والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلان لفلان، أي: تذلل له. وكل خضوع ليس فوقه خضوع: فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل فهي عبادة. والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر" (٢). وفي الشرع قال ابن تيمية: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق
следующие страницы →