← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أن سببب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها، فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ ﵀ كثير" (١). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "مسألة تكفير المعين: من الناس من يقول: لا يكفر المعين أبدًا، ويستدل هؤلاء بأشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها وأظنهم لا يكفِّرون إلا من نص القرآن على كفره كفرعون، والنصوص لا تجيء بتعيين كل أحد، يدرس باب (حكم المرتد) ولا يطبق على أحد، هذه ضلالة عمياء وجهالة كبرى، بل يطبق بشرط. ثم الذين توقفوا في تكفير المعين في الأشياء التي قد يخفى دليلها فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أُوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أو قال: ما فهمت، أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد. وأما ما علم بالضرورة أن الرسول جاء به وخالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام. والقسم الثالث أشياء تكون غامضة فهذه لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أُقيمت عليه الأدلة وسواء كانت في الفروع أو الأصول، ومن أمثلة ذلك الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه إذا مات" (٢). وقد نبَّه العلماء على أن الجهل لا يكون فيما هو معلوم من الدين (٣) بالضرورة وهذه القاعدة أراد بها العلماء من لا يسعه الجهل قال الإمام الشافعي: "العلم

стр. 1332

علمان: علمٌ عامة لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل، والسرقة والخمر، وما كان في معنى هذا مما كُلِّف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويُعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفُّوا عنه ما حرّم عليهم منهم .. " (١). وقال ابن قدامة: "فإن لم يكن ممن يجهل ذلك كالناشئ من المسلمين في الأمصار والقرى، ولم يعذر ولم يقبل منه ادعاء الجهل، وحكم بكفره؛ لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة، والمسلمون يفعلونها على الدوام، فلا يخفى وجوبها على من هذا حاله، ولا يجحدها إلا تكذيبا لله تعالى، ورسوله وإجماع الأمة، وهو يصير مرتدًا عن الإسلام، ولا أعلم في هذا خلافًا" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله، ولا تجعل هذه الكلمة عكازة تدفع بها في نحر من كفر البلدة: الممتنعة عن توحيد العبادة والصفات بعد بلوغ الحجة ووضح المحجة" (٣). وقال الشيخ ابن باز ﵀ بعد ذكر الاستهزاء بالله ورسوله وأن فاعله مرتد قال: "وكذلك من جحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان، أو وجوب الحج في حق من استطاع السبيل إليه، أو جحد وجوب بر الوالدين أو نحو

стр. 1333

ذلك، ومثل ذلك من استحل شرب الخمر أو عقوق الوالدين، أو استحل أموال الناس ودماءهم بغير حق، أو استحل الربا أو نحو ذلك من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة وبإجماع سلف الأمة، فإنه كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بإجماع أهل العلم ... ، ولا يجوز أن يعذر أحد بدعوى الجهل في ذلك؛ لأن هذه الأمور من المسائل المعلومة بين المسلمين وحكمها ظاهر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والله ولي التوفيق" (١). وقال ﵀ أيضًا: "الأمور التي جاء بها الإسلام وبيَّنها الرسول ﷺ للناس وأوضحها في كتاب الله، وانتشرت بين المسلمين، فإن دعوى الجهل بها لا تُقبَل، ولا سيما ما يتعلَّق بالعقيدة وأصل الدين، فإن الله بعث نبيه ﷺ ليوضِّح للناس دينهم ويشرحه لهم وقد بلَّغ البلاغ المبين وأوضح للأمة حقيقة دينه وشرح لها كل شيء، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها، وفي كتاب الله الهدى والنور فإذا ادَّعى بعض الناس الجهل فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد انتشر بين المسلمين، كدعوى الجهل بالشرك وعبادة غير الله ، أو دعوى أن الصلاة غير واجبة، أو أن صيام رمضان غير واجب أو الزكاة غير واجبة، أو أن الحج مع الاستطاعة غير واجب، هذا كله لا يقبل لأن هذا أمرٌ معلوم بين المسلمين، وقد عُلِم بالضرورة من دين الإسلام، وقد انتشر بين المسلمين، فلا تقبل الدعوى في ذلك، وهكذا إذا ادَّعى أنه يجهل ما يفعله المشركون عند القبور أو عند الأصنام من دعوة الأموات، والاستعانة بهم، والذبح لهم، والنذر لهم، أو الذبح للأصنام أو الكواكب أو الأشجار أو الأحجار أو طلب الشفاء أو النصر على الأعداء من الأموات، أو الأصنام أو الجن أو الملائكة أو الأنبياء، فكل هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة،

стр. 1334

وأنه شرك الأكبر قد أوضح الله ذلك في كتابه، وأوضحه رسوله ﷺ " (١). * تنبيه: ظهور المسألة وخفاؤها وكونها معلومة من الدين بالضرورة أو غير معلومة من الأمور النسبية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فيكون الشيء معلومًا من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا هذا بالكلية، فضلًا عن كونه يعلمه بالضرورة، وكثير من العلماء يعلم أن النبي ﷺ سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة" (٢). وقال ﵀: "كون العلم بديهية أو نظرية هو من الأمور النسبية الإضافية وإن كان كثير من الناس يحسب أن كون العلم المعين ضروريًا أو كسبيًا أو بديهيًا أو نظريًا هو من الأمور اللازمة بحيث يشترك في ذلك جميع الناس وهو مخالف للواقع" (٣). * تنبيه: معرفة فقه العذر بالجهل يوجب بيان الحكم وبث العلم . قال ابن تيمية ﵀: "إن بيان الحكم سبب لزوال الشبهة لمانعة من لحوق العقاب، فإن العذر الحاصل بالاعتقاد ليس المقصود بقاءه، المطلوب زواله حسب الإمكان، ولولا هذا لما وجب بيان العلم، ولكان ترك الناس على جهلهم خيرا لهم، ولكان ترك دلائل المسائل المشتبهة خيرًا من بيانها" (٤).

стр. 1335

١٩٥ - العبادة * قال الرازي: "أصل العبودية الخضوع والذل، والتعبيد: التذليل يقال: طريق مُعبَّد، والتعبيد أيضًا لاستعباد وهو اتخاذ الشخص عبدًا" (١). وقال ابن سيده: "والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني، يقال: تعبد فلان لفلان، أي: تذلل له. وكل خضوع ليس فوقه خضوع: فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على وجه الخضوع والتذلل فهي عبادة. والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر" (٢). وفي الشرع قال ابن تيمية: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق

стр. 1336

الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة. وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادات لله" (١). وقال ﵀: "والعبادة أصل معناها الذل أيضا، يقال طريق معبد إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب اللازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم يقال "تيم الله" أي عبد الله، فالمتيم المعبد لمحبوبه، ومن خضع لإنسان مع بغضه له فلا يكون عابدا، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه. ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله. بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا لله. فكل ما أُحِبَّ لغير الله فمحبته فاسدة وما عُظِّمَ بغير أمر الله كان تعظيمه باطلا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤] فجنس المحبة يكون لله ورسوله، كالطاعة تكون

стр. 1337

لله ورسوله، والإرضاء لله ورسوله قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. والإيتاء لله ورسوله قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] " (١). فحقيقة العبودية تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فلا يكتفي بالحب وحده بل يقرن بحبه غاية الذل له. وفي التيسير: "قال القرطبي: "أصل العبادة: التذلل والخضوع، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات، لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى". قال ابن كثير هي: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف" (٢). وقال الشيخ ابن سعدي ﵀: "العبادة روحها وحقيقتها تحقيق الحب والخضوع لله فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما فليست عبادة، فإن حقيقتها الذل والانكسار لله ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها" (٣). وقال: "العبادة والعبودية لله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من العقائد وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، فكل ما يقرب إلى الله من الأفعال والتروك فهو عبادة: ولهذا كان تارك المعصية لله متعبدا متقربا إلى ربه بذلك" (٤). وقال ابن عثيمين: "العبادة: بمفهومها العام هي التذلل لله محبة وتعظيما بفعل

стр. 1338

أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه أما المفهوم الخاص للعبادة يعني تفصيلها فهو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية" (١). وقال مبينًا الأشياء التي تعرف أنها عبادة: "وكل محبوب لله من الأعمال فإنه عبادة" (٢). ويدخل في المحبوب الفعل كالصلاة والزكاة كما يدخل فيه الترك كترك الكذب والغيبة والنميمة. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩] وكذلك قال هود ﵇ لقومه كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾ [الأعراف: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]، وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال

стр. 1339

تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء. ١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. * أقوال السلف: قال ابن تيمية: "فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد افى العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل فهو من أجهل الخلق وأضلهم" (١). * أحكام وفوائد: ١ - شروط قبول العبادة: نص علماء أهل السنة على شرطين لقبول العبادة هما: ١ - الإخلاص بها لله تعالى. ٢ - متابعة هدي النبي ﷺ فيها، بأن تكون موافقة لسنته. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: "إذا عملت هذه الأعمال يعني الإتيان بالأوامر وترك النواهي لا تقبل منك إلا بالإخلاص فلا يقبل قول بلا عمل ولا عمل بلا إخلاص وإصابة السنة" (٢). قال ابن تيمية ﵀: "والعبادة والطاعة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد ولها أصلان:

стр. 1340

أحدهما: أن لا يعبد إلا الله .. الثاني: أن يعبده بما أمر وشرع لا بغير ذلك من الأهواء والبدع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف ١١٠]، وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] (١). وقال ابن رجب ﵀: "وليست الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله صوابًا على متابعة السنة، وبكثرة معارف القلوب وأعمالها فمن كان بالله أعلم، وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى، فهو أفضل ممن ليس كذلك، وإن كان أكثر منه عملا بالجوارح وإلى هذا المعنى، الإشارة في حديث عائشة ﵄ بقول النبي ﷺ : "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدا منكم بعمله الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، فأمر بالاقتصاد في العمل، وأن يضم إلى ذلك العلم بأحب الأعمال إلى الله، وبأن العمل وحده لا يدخل الجنة .. " (٢). وهذان الأصلان عبر عنهما ابن القيم بقوله في النونية (٣): وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان

стр. 1341

٢ - أنواع العبادة: العبادة لها أنواع كثيرة. فهي تشمل كل أنواع الطاعات الظاهرة على اللسان والجوارح كما تشمل الطاعات الباطنة في القلب ومن أنواعها الذكر والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن، والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، واخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والرضى بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، فهي شاملة لكل تصرفات المؤمن إذا نوى القربة أو ما يعين عليها حتى العادات إذا قصد بها التقوي على الطاعات، كالنوم والأكل، والشرب والبيع والشراء وطلب الرزق والنكاح فإن هذه العادات مع النية الصالحة تصير عبادات يثاب عليها. قال ابن القيم ﵀: "ورَحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب اللسان والجوارح وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح" (١). وقال أيضًا: "وبنى إياك نعبد على أربع قواعد التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب الجوارح فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع فأصحاب إياك نعبد حقا هم أصحابها. فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.

стр. 1342

وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له والقيام بذكره وتبليغ أوامره. وعمل القلب كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له وإخلاص الدين له والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به وعنه والموالاة فيه والمعاداة فيه والذل له والخضوع والإخبات إليه الطمأنينة به وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة. وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك "فإياك نعبد" التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها وإياك نستعين طلب للإعانة عليها والتوفيق لها ... " (١). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وأنواع العبادة التي أمر الله بها: مثل الإسلام والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى. والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨] فمن صرف منها شيئا لغير الله فهو مشرك كافر والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧] " (٢).

стр. 1343

* ومن كلام العلماء عن العبادة نجدها على خمسة أقسام: ١ - عبادة القلب: وذلك كالإخلاص والتوكل والمحبة والصبر والإنابة والخوف والرجاء والتصديق الجازم والنية في العبادة (١). ٢ - عبادة للسان: وذلك كالتلفظ بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وكتلاوة القرآن والدعاء، والأذكار النبوية ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل وإرشاد الضال وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث والمذاكرة في العلم النافع إلى غير ذلك من أنواع العبادات اللفظية (٢). ٣ - عبادة بدنية: وذلك كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، وكالصوم وأعمال الحج والهجرة والجهاد إلى غير ذلك من العبادات البدنية (٣). ٤ - عبادة مالية: كالزكاة والصدقة ونحو ذلك (٤). ٥ - عبادة تركية: هي أن يترك المسلم جميع المحرمات والشركيات والبدع امتثالا لشرع الله، فهذه منه عبادة تركية، ويؤجر المسلم على تركه ابتغاء وجه الله. ومن ذلك ترك الرقية والكي فإنه من تحقيق التوحيد (٥) قال الشيخ ابن عثيمين: "الطاعة ترك المنهي عنه، هذا معنى الطاعة إذا جاءت مفردة" (٦). وقد تجتمع عبادتان بدنية ومالية كالنحر مثلا قال شيخ الإسلام: "وعيد النحر أفضل من عيد الفطر؛ ولهذا كانت العبادة فيه النحر مع الصلاة والعبادة في ذاك الصدقة مع الصلاة والنحر أفضل من الصدقة؛ لأنه يجتمع فيه العبادتان البدنية

стр. 1344

والمالية، فالذبح عبادة بدنية ومالية، والصدقة والهدية عبادة مالية" (١). وقد يقال هي منقسمة على القلب واللسان والجوارح (٢). ٣ - كما تنقسم إلى عبادة كونية وشرعية: قال الشيخ ابن عثيمين: "اعلم أن العبادة نوعان: الأول: كونية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاخر. والثاني: عبادة شرعية: وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى واتبع ما جاءت به الرسل مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣]. فالنوع الأول لا يحمد الإنسان لأنه بغير فعله لكن قد يحمد على ما يحصل منه من شكر عند الرخاء وصبر على البلاء بخلاف النوع الثاني فإنه يحمد عليه" (٣). وكذلك تنقسم إلى عبادة خاصة ومتعدية. قال الشيخ ابن عثيمين: "فالعبادات الخاصة مثل الصلاة، والصوم، والحج، والعبادات المتعدية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وما أشبه ذلك" (٤). * حكم من عبد الله عند القبر: انظر باب (القبور).

стр. 1345

١٩٦ - عبدي وأمتي * ورد النهى عن التلفظ بالألفاظ التي توهم الشرك أو فيها إساءة أدب مع الله كإطلاق ربوبية إنسان لإنسان أو عبودية إنسان لإنسان، لأن الله هو الرب المعبود وحده، وجاءت الشريعة بتوخي اللفظ السليم الذي لا إيهام فيه ليكون بديلًا من اللفظ الموهم وهذا منه ﷺ حماية للتوحيد وحفاظًا على العقيدة. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "لا يقول عبدي وأمتي لما في ذلك من الإيهمام في المشاركة في الربوبية، فنهى عن ذلك أدبًا مع جناب الربوبية وحماية لجناب التوحيد" (١). * الدليل من السنة: عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلايَ وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي" (٢). والمراد بالسيد هنا الرئيس على من تحت يده. * فوائد وأحكام: ١ - حكم التلفظ بعبدي وأمتي: قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة فالنبي ﷺ نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدًا لذرائع الشرك، لما فيها من التشريك في اللفظ، لأن الله تعالى هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره شاركه في الاسم،

стр. 1346

فنهى عنه لذلك وإن لم يقصد بذلك التشريك في الربوبية التي هي وصف الله تعالى وإنما المعنى أن هذا مالك له، فيطلق عليه هذا اللفظ بهذا الاعتبار فالنهي عنه حسما لمادة التشريك بين الخالق والمخلوق وتحقيقا للتوحيد وبعدا عن الشرك في اللفظ. وهذا من أحسن مقاصد الشريعة، لما فيه من تعظيم الرب تعالى وبعده عن مشابهة المخلوقين، فأرشدهم ﷺ إلى ما يقوم مقام هذه الألفاظ هو قوله: سيدي ومولاي. وكذا قوله: لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، لأن العبيد عبيد الله والإماء إماء الله، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] ففي إطلاق هاتين الكلمتين على غير الله تشريك في اللفظ فنهاهم عن ذلك تعظيما لله تعالى وأدبًا وبعدًا عن الشرك وتحقيقًا للتوحيد، وأرشد إلى أن يقول: "فتاي وفتاتي وغلامي". وهذا من باب حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد" (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن قول عبدي وأمتي: "والحكم في ذلك ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يضيفه إلى غيره مثل أن يقول عبد فلان أو أمة فلان فهذا جائز. قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور. ٣٢]. وقال النبي ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة" (٢). الثاني: أن يضيفه إلى نفسه، وله صورتان: الأولى: أن يكون بصيغة الخبر مثل: أطعمت عبدي، كسوت عبدي، أعتقت عبدي، فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة فلا بأس فيه، وإن قاله حضرة العبد أو الأمة فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع، وإلا فلا، لأن القائل بذلك

стр. 1347

لا يقصد العبودية التي هي الذل وإنما يقصد أنه مملوك. الثانية: أن يكون بصيغة النداء فيقول السيد مثل يا عبدي هات كذا، فهذا منهي عنه وقد اختلف العلماء في النهي هل هو للكراهة أو التحريم والراجح التفصيل في ذلك وأقل أحواله الكراهة" (١). ٢ - حكم إطلاق الرب على المخلوق أو إضافته إليه: إطلاق كلمة الرب على سيد العبد بلا إضافة حرام لا يجوز لأن الألف واللام في اسم (الرب) يدل على معنى العموم فيدخل فيه عموم المخلوقات فـ (الرب) من أسماء الله تعالى اتفاقًا لا يطلق إلا عليه كما ثبت في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب " (٢). وقال ﷺ : "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن" (٣). وغير ذلك من الأحاديث. قال ابن بطال: "لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب كما لا يجوز أن يقال له إله. قال الحافظ والذي يختص بالله إطلاق الرب بلا إضافة" (٤). * أما إضافة الرب فهي أقسام: قال الشيخ ابن عثيمين: "إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل: أطعم ربك، وضيء ربك، فيكره ذلك للنهي عنه، لأن فيه محذورين: من جهة الصيغة، لأنه يوهم معنى فاسدًا بالنسبة لكلمة رب، لأن الرب من

стр. 1348

أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يطعم ولا يطعم، وإن كان بلا شك إن الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم، ولكن من باب الأدب في اللفظ. من جهة المعني أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل، لأنه إذا كان السيد ربًا كان العبد أو الأمة مربوبًا. القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، فهذا لا بأس به، كقوله به، كقوله ﷺ في حديث أشراط الساعة، "أن تلد الأمة ربها"، وأما لفظ "ربتها"، فلا إشكال فيه لوجود تاء التأنيث، فلا اشتراك مع الله في اللفظ، لأن الله لا يقاله إلا رب، وفي حديث الضالة وهو متفق عليه: "حتى يجدها ربها". وقال بعض أهل العلم أن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح عدم الفارق، لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾، وقال في الناس: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، وعلى هذا، فيجوز أن تقول: أطعم الرقيق ربه، ونحوه .. القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟ قد يقول قائل: إن هذا جائز، لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] أي: سيدي، ولأن المحذور من قول ﴿رَبِّي﴾ هو إذلال العبد، وهذا منتف، لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي. القسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع، كما لو ظن السامع أن

стр. 1349

السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك ... " (١). ٣ - هل النهي للتحريم أم للتنزيه ؟ قال البخاري في الصحيح: "باب كراهية التطاول على الرقيق. وقوله: عبدي أو أمتي، وقال الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢)، [النور. ٣٢]. قال الحافظ: "واتفق العلماء على أن النهي في ذلك للتنزيه حتى أهل الظاهر إلا ما سنذكره عن ابن بطال في لفظ "الرب"" (٣). وقال ابن مفلح في الفروع: "وظاهر النهي التحريم وقد يحتمل أنه للكراهة وجزم به غير واحد" (٤). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "وهذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي تحفظا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد وليس حرامًا وإنما الأدب كمال التحفظ بالألفاظ الطيبة التي لا توهم محذورا بوجه فإن الأدب في الألفاظ دليل على كمال الإخلاص خصوصا هذه الألفاظ التي هي أمس بهذا المقام" (٥). ٤ - الفرق بين الرب والسيد: انظر باب (السيد).

стр. 1350

١٩٧ - العدوى * قال في النهاية: "العدوى اسم من الإعداء، كالرعوى والبقوى من الإرعاء والإبقاء، يقال أعداه الداء يعديه أعداء، وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء" (١). والمراد بالعدوى: انتقال الداء من شخص إلى آخر بسبب اختلاطهما. وقد أبطل الإسلام العدوى المعروفة في الجاهلية لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى. قال الإمام البغوي ﵀: "العدوى أن يكون ببعير جرب، أو بإنسان برص، أو جذام، فتتقي مخالطته حذرًا أن يعدو ما به إليك، ويصيبك ما أصابه. فقوله: لا عدوى يريد أن شيئًا لا يعدي شيئًا بطبعه، إنما هو بتقدير الله ، وسابق قضائه، بدليل قوله للأعرابي: "فمن أعدى الأول". يريد أن أو بعير جرب منها، كان جربه بقضاء الله وقدره. لا بالعدوى، فكذلك ما ظهر بسائر الإبل من بعد" (٢). * الدليل من السنة: عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ. فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا بَالُ إِبلِي تَكُونُ فِي الرَّمْل كَأَنَّهَا الظِّبَاء، فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ: فَمَنْ أَعدَى الأَوَّلَ" (٣).

стр. 1351

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "لا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا" فَقَامَ أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، النُّقْبَةُ مِنْ الْجَرَبِ تَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ أَوْ بذَنَبِهِ فِي الإبلِ الْعَظِيمَةِ فَتَجْرَبُ كُلُّهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَمَا أَجْرَبَ الأَوَّلَ لا عَدْوَى وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ خَلَقَ الله كُلَّ نَفْسٍ فَكَتَبَ حَيَاتَهَا وَمُصِيبَاتِهَا وَرِزْقَهَا" (١). قال الإمام البغوي: "والنقبة، أول الجرب حين يبدو، وجمعها نقب" (٢). وأخرج البخاري ﵀ عن سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد" (٣). * الجمع بين حديث (لا عدوى) وحديث (فر من المجذوم): هناك أحاديث يظن أنها عارضت حديث "لا عدوى" وحديث "ثقة بالله وتوكلًا عليه" (٤). وهي ما جاء في بعض روايات الأحاديث "وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد" (٥) وحديث: "لا يورد ممرض على مصحّ" (٦) وأرسل ﷺ إلى المجذوم: "إنا قد بايعناك، فارجع" (٧). قال عياض: "اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء عن جابر: أن النبي ﷺ أكل مع المجذوم، وقال: "ثقة بالله وتوكلًا عليه". قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من

стр. 1352

المالكية، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز" (١). وقال الإمام البغوي: "قوله "فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد". قال الإمام: لعله على معنى قوله ﵇: "لا يوردن ممرض على مصح". وقيل هو رخصة لمن أراد أن يجتنب عنه، كقوله ﵇ في الطاعون: "إذا وقع بأرض فلا تقدموا عليه". فمن لم يحترز عنه متوكلا، فحسن، بدليل أنه ﵇: "أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة". وقيل: إن الجذام علّة لها رائحة تسقم من أطال مجالسة صاحبها، ومؤاكلته لاشتمام تلك الرائحة، وكذلك المرأة تضاجع المجذوم في شعار واحد، فربما تجذم من الأذى الذي يصيبها، وقد يظهر ذلك في النسل، وكذلك البعير الجرب يخالط الإبل ويحاكّها، فيصل إليها بعض ما يسيل من جربه فيظهر عليها أثر، وليس هذا من باب العدوى، بل هذا من باب الطب، كما أن أكل ما يعافه الإنسان، واشتمام ما يكره ريحه، والمقام في بلد لا يوافق هواه طبعه يضره، وما يوافقه ينفعه بإذن الله. قال الإمام: ويروى أن أبا بكر كان يأكل مع الأجذم" (٢). وأحسن ما يقال في هذا ويوجه إليه: ما قاله البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم ونصره الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "عندي في الحديثين مسلك يتضمن إثبات الأسباب والحكم ونفي ما كانوا عليه من الشرك واعتقاد الباطل ووقوع النفي والإثبات على وجهه، فإن العوام كانوا يثبتون العدوى على مذهبهم من

стр. 1353

الشرك الباطل كما يقوله المنجّمون من تأثير الكواكب في هذا العالم وسعودها ونحوسها كما تقدم الكلام عليهم، ولو قالوا إنها أسباب أو أجزاء أسباب إذا شاء الله صرف مقتضياتها بمشيئته وإرادته وحكمته، وإنها مسخرة بأمره لما خلقت له، وإنها في ذلك بمنزلة سائر الأسباب التي ربط بها مسبباتها، وجعل لها أسبابًا أخر تعارضها وتمانعها، وتمنع اقتضاءها لما جعلت أسبابًا له، وإنها لا تقضى مسبباتها إلا بإذنه ومشيئته وإرادته، ليس لها من ذاتها ضر ولا نفع، ولا تأثير البتة، إن هي إلا خلق مسخر مصرف مربوب لا تتحرك إلا بإذن خالقها ومشيئته، وغايتها أنها جزء سبب ليست سببًا تامًا، فسببيتها من جنس سببية وطء الوالد في حصول الولد، فإنه جزء واحد من أجزاء كثيرة من الأسباب التي خلق الله بها الجنين، وكسببية شق الأرض، وإلقاء البذر فإنه جزء يسير من جملة الأسباب التي يكوِّن الله بها النبات، وهكذا جملة أسباب العالم من الغذاء، والرواء، والعافية، والسقم، وغير ذلك، وأن الله سبحانه جعل من ذلك سببًا ما يشاء ويبطل السببية عما يشاء، ويخلق من الأسباب المعارضة له ما يحول بينه وبين مقتضاه، فهم لو أثبتوا العدوى على هذا الوجه لما أنكر عليهم، وأما قضية المجذوم فلا ريب أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد". وأرسل إلى ذلك المجذوم: "إنا قد بايعناك فارجع". وأخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال: "كل ثقة بالله وتوكلًا عليه" ولا تنافي بين هذه الآثار، ومن أحاط علمًا بما قدمناه تبين له وجهها، وأن غاية ذلك أن مخالطة المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السبب يعارضه أسباب أخر تمنع اقتضاءه، فمن أقواها التوكل على الله والثقة به، فإنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدر كل واحد من الأمة على هذا، فأرشدهم إلى مجانبة سبب المكروه، والفرار والبعد منه، ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة تشريعا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه، وأن لا يتعرض العبد لأسباب البلاء، ثم وضع يده معه في القصعة فإنما هو سبب التوكل على الله والثقة

стр. 1354

به الذي هو من أعظم الأسباب التي يدفع بها المكروه والمحذور تعليمًا منه للأمة دفع الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها، وإعلامًا بأن الضرر والنفع بيد الله فإن شاء أن يضر عبده ضرّه، وإن شاء أن يصرف عنه الضرّ صرفه، بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر ويضره بما هو من أسباب النفع فعل، ليتبيّن العباد أنه وحده الضار النافع، وأن أسباب الضر والنفع بيديه، وهو الذي جعلها أسبابًا، وإن شاء خلع منها سببيتها، وإن شاء جعل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها، ليعلم أنه الفاعل المختار، وانه لا يضر شيء ولا ينفع شيء إلا بإذنه، وأن التوكل عليه والثقة به تحيل الأسباب المكروهة إلى خلاف موجباتها وتبين مراتبها وأنها محال (١) لمجاري مشيئة الله وحكمته وأنه سبحانه هو الذي يضر بها وينفع ليس إليها ولا لها من الأمر شيء، وأن الأمر كله لله، وأنها إنما ينال ضررها من علّق قلبه بها ووقف عندها، وتطير بما يتطير به منها، فذلك الذي يصيبه مكروه الطيرة والطيرة سبب للمكروه على المتطير، فإذا توكل على الله ووثق به واستعان به لم يصده التطير عن حاجته" (٢). وقال الإمام ابن رجب ﵀: "فأما نهيه ﷺ عن إيراد الممرض، وأمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون؛ فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان في عافية منها، فكما أنه يُؤمر أن لا يُلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم ونحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذي فكذلك اجتناب مقاربة المريض، كالمجذوم أو القدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره ولا مقدر غيره .. وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضائه وقدره فقويت

стр. 1355

النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك، لا سيما إذا كان فيه مصلحة عامة أو خاصة، وعلى مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود والترمذي - رحمهما الله تعالى - أن النبي ﷺ : أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة، ثم قال: "كل باسم الله، ثقة بالله وتوكلا عليه". وقد أخذ به الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وروى ذلك عن عمر وابنه وسلمان ﵃ ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد ﵁ من كل السم ومنه مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر، فهذا كله لا يصح إلا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله وقضائه وقدره وتوكلهم عليه وثقتهم وبه" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قوله: "لا عدوى". أي على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى وأن هذه الأمراض تُعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببًا لحدوث ذلك، ولهذا قال: "فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد". وقال: "لا يورد ممرض على صحيح"، وقال في الطاعون: "من سمع به في أرض فلا يقدم عليه". وكل ذلك بتقدير الله" (٢). ١٩٨ - العذر بالجهل انظر باب عارض الجهل.

стр. 1356

١٩٩ - العراف * [الكاهن، المنجم، السحر] العراف في أصل اللغة فعّال صيغة مبالغة من المعرفة وهو الذي يدَّعي معرفة الأمور الغيبية سواء ما استقبل منها أو ما مضى فهو مدع معرفة الغيب الماضي والحاضر. قال البغوي: "العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "هذا تفسير حسن وظاهره يقتضي أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة" (٢). وقال شيخ الإسلام: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي الغيب أو يدعي الكشف" (٣).

стр. 1357

وفي المغني: "قال أحمد في رواية حنبل: والعرافة طرف من السحر والساحر أخبث لأن السحر شعبة من الكفر" (١). وقال أبو السعادات: "العراف: المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالى به" (٢). وهناك من يجعل الكاهن اسما للعراف، وهناك من يفرق بينهما وسوف يأتي الكلام في ذلك آخر هذا الباب إن شاء الله (٣). * الدليل من السنة: عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" (٤). وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن بعض أزواج النبي ﷺ : "من أتى عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (٥). وأخرج أهل السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى كاهنا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد" (٦). * أحكام وفوائد: ١ - قال الحافظ بعد أن خرج الحديث: "اتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة إلا حديث مسلم فقال فيه: "لم يقبل له صلاة أربعين ليلة". ووقع

стр. 1358

عند الطبراني من حديث أنس بسند ليّن مرفوعا بلفظ: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد بريء مما أنزل على محمد ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" والأحاديث الأول مع صحتها وكثرتها أولى من هذا" (١). ٢ - الفرق بين الكاهن والعراف: قال ابن عثيمين: "في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم: القول الأول: أن العراف هو الكاهن فهما مترادفان، فلا فرق بينهما (٢). والقول الثاني: أن العراف هو الذي يستدل على معرفة الأمر بمقدمات يستدل بها، فهو أعم من الكاهن، لأنه يشمل الكاهن وغيره فهما من باب العام والخاص. والقول الثالث: أن العراف يخبر عن أمور بمقدمات يستدل، والكاهن هو الذي يخبر عما في الضمير، أو عن المغيبات في المستقبل. فالعراف أعم، أو أن العراف يختص بالماضي والكاهن بالمستقبل فهما متباينان فالظاهر أنهما متباينان، فالكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل والعراف من يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك" (٣). قال البغوي: "فالكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب، والعراف: هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها" (٤).

стр. 1359

وسواء قلنا إن العراف هو الكاهن أو غيره فإنه يجمع بينهما أنهم يستخدمون الشياطين ويستعينون بهم في ادعاء علم الغيب (١). ٣ - حكم الذهاب للكهان والعرافين: انظر باب الكهانة. ٤ - واجب ولاة الأمر نحو العرافين والكهان: يجب على ولاة الأمر السعي في إزالة العرافين والكهان والسحرة والمشعوذين وأمثالهم من الرمالين والمنجمين، وذلك أن يقيموا من يردعهم ويتتبع أماكنهم للقضاء عليهم وينكر على من يأتي إليهم. قال ابن تيمية ﵀: "والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله" (٢). وقال شارح الطحاوية: "الواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين ... فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك" (٣). ونقل الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن القرطبي قوله: "يجب على من يقدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئا من ذلك في الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم فإنهم غير راسخين في العلم، بل هم من الجهال بما في إتيانهم من المحظور" (٤).

стр. 1360

وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "فالواجب على ولاة الأمور وأهل الحسبة وغيرهم ممن لهم قدرة وسلطان إنكار إتيان الكهان والعرافين ونحوهم، ومنع من يتعاطى شيئًا من ذلك في الأسواق وغيرها، والإنكار عليهم أشد الإنكار" (١). وقال الشيخ صالح الفوزان: "ويجب على ولاة الأمور استتابة هؤلاء فإن تابوا وإلا قتلوا لإراحة المسلمين من شرهم وفسادهم وتنفيذا لحكم الله فيهم" (٢). ٢٠٠ - العروة الوثقى انظر: باب (لا إله إلا الله) في أول باب من الكتاب. ٢٠١ - العزائم انظر: باب (الرقى). ٢٠٢ - العزى العزى صنم في الجاهلية اشتُق اسمه من العزيز وكانت العزى شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف وقيل ببطن نخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم وبعث إليها رسول الله ﷺ خالدَ بن الوليد فهدمها وكانت قريش ومن أقام بها من العرب يعظمونها وقد مضى الكلام عليها في باب (صنم).

стр. 1361

٢٠٣ - العَضْه فسرها الرسول ﷺ بقوله: "هي النميمة، القالة بين الناس" (١). قال ابن مسعود ﵁: "كنا نسمي السحر في الجاهلية العِضَه" (٢). قال ابن الأثير: "ومنه الحديث: "أنه لعن العاضِهة، والمسْتَعضِهة" قيل: هي الساحرة والمستسحرة، وسمي السحر عضها لأنه كذب وتخييل لا حقيقة له" (٣). وقال القرطبي: "العِضَهُ عند العرب: شدة البَهْت وتمويه الكذب، قال الشاعر: أعوذ بربِّي من النافثات ... ت في عِضَهِ العاضِه المُعضِه" (٤) وقد تقدم الكلام عنه في باب السحر.

стр. 1362

٢٠٤ - العقيدة * على وزن فعيلة، جمعها: فعائل كصحيفة وصحائف، مأخوذة من العقد وهو ربط الشيء. قال ابن منظور: "العقد: نقيض الحل" (١) وأصل استعمالها من الاعتقاد. وقال البعلي ﵀: "الاعتقاد من أفعال القلوب، وافتعال من عقد القلب على الشيء إذا لم يزل عنه وأصله العقد ربط الشيء بالشيء، فالاعتقاد ارتباط القلب بما انطوى عليه ولزمه" (٢). والعقيدة: ما يدين به الإنسان، يقال: له عقيدة حسنة أي سالمة من الشك. والعقيدة: إيمان القلب بالشيء وتصديقه به. والعقيدة والمعتقد: "الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده" (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: "الاعتقاد هو: الإقرار بالتصديق والالتزام" (٤). * والعقيدة شرعًا: هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، وتسمى هذه أركان الإيمان. قال ابن تيمية ﵀: "إذ الاعتقاد في أصول الدين للأمور الخبرية الثابتة التي لا تتجدد أحكامها مثل: أسماء الله وصفاته نفيًا وإثباتًا ليست مما يحدث سبب العلم

стр. 1363

به، أو سبب وجوبه، بل العلم بها ووجوب ذلك مما يشترك فيه الأولون والآخرون، والأولون أحق بذلك من الآخرين، لقربهم من ينبوع الهدى ومشكاة النور الإلهي، فإن أحق الناس بالهدى هم الذين باشرهم الرسول بالخطاب من خواص أصحابه وعامتهم، وهذه العقائد الأصولية من أعظم الهدى، فهم بها أحق" (١). ولفظة العقيدة تستعمل عند الإطلاق لتدل على ما يعقد عليه الإنسان قلبه من حق أو باطل. أما عند التقييد، فقد عرف بعض الباحثين المعاصرين العقيدة الإسلامية بقوله: الإيمان الجازم بالله، وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح. والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله ﷺ ، بالطاعة والتحكيم والاتباع (٢). * فائدة: العقيدة: كلمة مولَّدة ظهرت بعد القرن الرابع وقد استعمل لفظة "الاعتقاد " كثير من الأئمة كالطبري (٣) واللالكائي (٤) والبيهقي (٥) وغيرهم. وكان الأئمة السابقون يستعملون ما يدل على هذه اللفظة: كالسنة (٦)، والإيمان،

стр. 1364

والشريعة. ومِن أوائل مَنْ استعمل لفظة العقيدة لكتابه هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي المتوفى سنة ٣٧١ هـ، والإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني المتوفى سنة ٤٤٩ هـ في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث (١). ٢٠٥ - العكوف عند القبر والمجاورة عنده انظر باب: "الاعتكاف عِنْدَ القبور والمشاهد". ٢٠٦ - العلم المنافي للجهل من شروط لا إله إلا الله. انظر باب: (لا إله إلا الله). ٢٠٧ - عمل القلب انظر: باب (أعمال القلوب).

стр. 1365

٢٠٨ - العيافة * قال في النهاية: "العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها" (١). وزجر الطير: أن يتيمّن أو يتشاءم بطيرانه فإن طار جهة اليمين تيمّن وإن طار إلى جهة اليسار تشاءم. قال ابن عثيمين ﵀: "زجر الطير له أقسام: * فتارة يزجرها للصيد كما قال أهل العلم في باب الصيد: إن تعليم الطير بأن ينزجر إذا زجر، فهذا ليس من هذا الباب. * وتارة يزجر الطير للتشاؤم أو للتفاؤل ... وهذا من الجبت" (٢). * الدليل من السنة: عن قَطَن بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الْعِيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنْ الْجبْتِ. الطَّرْقُ: الزَّجْر، وَالْعِيَافَةُ: الْخَطُّ" (٣). قال ابن الأثير في النهاية: "العيافة زجر الطير ... وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال عاف يعيف عيفًا إذا زجر وحدس وظن، وبنو أسد يُذْكَرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل عنهم إن قومًا من الجن تذاكروا عيافتهم،

стр. 1366

فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف؟ فقالوا لغُلَيِّم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحًا، ورفعت جناحًا، وحلفت بالله صُرَاحًا، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحًا" (١). قال القرطبي ﵀ بعد أن عرَّف العراف والمنجم: "وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة، وكلها يطلق عليها اسم الكهانة" (٢). وقال ابن عثيمين ﵀: "وجه كون العيافة من السحر: أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له، فماذا يعني كون الطائر يذهب يمينا أو شمالا أو أمامًا أو خلفا؟ فهذا لا أصل له، وليس بسبب شرعي ولا حسي، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك، فقد اعتمد على أمر خفي لا حقيقة له، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة. وكذلك الطرق من السحر، لأنهم يستعملونه في السحر، ويتوصلون به إليه، والطيرة كذلك، لأنها مثل العيافة تماما تستند إلى أمر خفي لا يصح الاعتماد عليه وسيأتي في باب الطيرة ما يستثنى منه" (٣). * فائدة: يطلق على من يصيب بظنِّه "عائفًا" ولا يدخل في النهي ومن ذلك قول ابن سيرين: "إن شُريحًا كان عائفًا ". قال ابن الأثير معلقًا على ذلك: "أراد أنه كان صادق الحدس والظن كما يقال

стр. 1367

للذي يصيب بظنه: ما هو إلا كاهن، وللبليغ في قوله: ما هو إلا ساحر، لا أنه كان يفعل فعل الجاهلية في العيافة" (١). * الفرق بين العيافة والتطير: في الحديث عطف الطيرة على العيافة، والعيافة خاصة بالطير فقط، أما الطيرة فتكون بالطير والوحش والزمان والمكان والأشخاص والأرقام، وتكون بالمسموعات والمعلومات والمرئيات.

стр. 1368

٢٠٩ - العيد * قال الليث: "العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه ... واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه" (١). وقال شيخُ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "إن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد" (٢). وفي فتاوى اللجنة: "العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم يعود ويتكرر يعظمه الكفار أو مكان للكفار لهم فيه اجتماع ديني، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة فهو من أعيادهم، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك وكذلك ما قبله وما بعده من الأيام التي هي كالحريم له

стр. 1369

كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀" (٢). وقد تقدم تفصيل الكلام عن معنى العيد في باب اتخاذ القبور عيدًا. والكلام هنا يتعلق بالأعياد الزمانية كما يتعلق بمشابهة الكفار في أعيادهم وأثر ذلك في الولاء والبراء فمعلوم أن أعياد المسلمين هي عيد الفطر، وعيد الأضحى فهذان عيدا السنة أما عيد الأسبوع فيوم الجمعة ولا يشرع مشابهة الكفار في أعيادهم أو ابتداع أعياد أخرى للمسلمين غير ما شرعه الله لهم قال ابن رجب ﵀: "وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة" (٣). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى في ذكر صفات عباد الله المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢]. فقد فسرها جماعة من السلف كابن سيرين ومجاهد والربيع بن أنس ﵁: بأن الزور هو أعياد الكفار (٤). * الدليل من السنة: ثبت عَنْ أَنَس بن مالك ﵁ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ " قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى

стр. 1370

وَيَوْمَ الْفِطْرِ" (١). وصح عن ثَابِتِ بْنُ الضَّحَّاكِ أنه قَالَ نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسولِ الله ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبلًا بِبُوَانَةَ فَأَتى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أنحَرَ إِبلًا ببُوَانَةَ فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قَالُوا: لا. قَالَ: "هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالُوا: لا. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ الله وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (٢). * قول السلف: وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم" (٣). وقال ﵁ أيضًا: "اجتنبوا أعداء الله في عيدهم" (٤). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" (٥). وقد تقدم في باب التشبه بعض الأدلة في ذلك. * أحكام وفوائد: ١ - سبب المنع من إقامة غير هذه الأعياد الشرعية حديث أنس السابق . قال شيخ الإسلام بعد إيراد هذا الحديث: "فوجه الدلالة أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال: "إن الله قد أبدلكم بهما بيومين آخرين" والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا
следующие страницы →