فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة فلو أرسلتم معنا من يعيف؟ فقالوا لغُلَيِّم منهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا، فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: ما لك؟ فقال: كسرت جناحًا، ورفعت جناحًا، وحلفت بالله صُرَاحًا، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحًا" (١).
قال القرطبي ﵀ بعد أن عرَّف العراف والمنجم: "وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة، وكلها يطلق عليها اسم الكهانة" (٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: "وجه كون العيافة من السحر: أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له، فماذا يعني كون الطائر يذهب يمينا أو شمالا أو أمامًا أو خلفا؟ فهذا لا أصل له، وليس بسبب شرعي ولا حسي، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك، فقد اعتمد على أمر خفي لا حقيقة له، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة.
وكذلك الطرق من السحر، لأنهم يستعملونه في السحر، ويتوصلون به إليه، والطيرة كذلك، لأنها مثل العيافة تماما تستند إلى أمر خفي لا يصح الاعتماد عليه وسيأتي في باب الطيرة ما يستثنى منه" (٣).
* فائدة:
يطلق على من يصيب بظنِّه "عائفًا" ولا يدخل في النهي ومن ذلك قول ابن سيرين: "إن شُريحًا كان عائفًا ".
قال ابن الأثير معلقًا على ذلك: "أراد أنه كان صادق الحدس والظن كما يقال
стр. 1367
للذي يصيب بظنه: ما هو إلا كاهن، وللبليغ في قوله: ما هو إلا ساحر، لا أنه كان يفعل فعل الجاهلية في العيافة" (١).
* الفرق بين العيافة والتطير:
في الحديث عطف الطيرة على العيافة، والعيافة خاصة بالطير فقط، أما الطيرة فتكون بالطير والوحش والزمان والمكان والأشخاص والأرقام، وتكون بالمسموعات والمعلومات والمرئيات.
стр. 1368
٢٠٩ - العيد *
قال الليث: "العيد: كلُّ يومِ مَجمع؛ وسُميَ عيدا لأنهم قد اعتادوه ... واشتقاقه من عاد يعود كأنهم عادوا إليه" (١).
وقال شيخُ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ: "إن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد" (٢).
وفي فتاوى اللجنة: "العيد اسم جنس يدخل فيه كل يوم يعود ويتكرر يعظمه الكفار أو مكان للكفار لهم فيه اجتماع ديني، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة فهو من أعيادهم، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك وكذلك ما قبله وما بعده من الأيام التي هي كالحريم له
стр. 1369
كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀" (٢).
وقد تقدم تفصيل الكلام عن معنى العيد في باب اتخاذ القبور عيدًا. والكلام هنا يتعلق بالأعياد الزمانية كما يتعلق بمشابهة الكفار في أعيادهم وأثر ذلك في الولاء والبراء فمعلوم أن أعياد المسلمين هي عيد الفطر، وعيد الأضحى فهذان عيدا السنة أما عيد الأسبوع فيوم الجمعة ولا يشرع مشابهة الكفار في أعيادهم أو ابتداع أعياد أخرى للمسلمين غير ما شرعه الله لهم قال ابن رجب ﵀: "وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة" (٣).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى في ذكر صفات عباد الله المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢]. فقد فسرها جماعة من السلف كابن سيرين ومجاهد والربيع بن أنس ﵁: بأن الزور هو أعياد الكفار (٤).
* الدليل من السنة: ثبت عَنْ أَنَس بن مالك ﵁ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: "مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ " قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى
стр. 1370
وَيَوْمَ الْفِطْرِ" (١).
وصح عن ثَابِتِ بْنُ الضَّحَّاكِ أنه قَالَ نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسولِ الله ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبلًا بِبُوَانَةَ فَأَتى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أنحَرَ إِبلًا ببُوَانَةَ فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ كَانَ فِيهَا وَثنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قَالُوا: لا. قَالَ: "هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالُوا: لا. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ الله وَلا فِيمَا لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (٢).
* قول السلف: وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم" (٣).
وقال ﵁ أيضًا: "اجتنبوا أعداء الله في عيدهم" (٤).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة" (٥). وقد تقدم في باب التشبه بعض الأدلة في ذلك.
* أحكام وفوائد:
١ - سبب المنع من إقامة غير هذه الأعياد الشرعية حديث أنس السابق .
قال شيخ الإسلام بعد إيراد هذا الحديث: "فوجه الدلالة أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال: "إن الله قد أبدلكم بهما بيومين آخرين" والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا
стр. 1371
يجمع بين البدل والمبدل منه؛ ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما كقوله سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (١).
ومن الأسباب أيضًا أن إقامة أعياد أخرى والفرح بها يضعف الفرح والسرور بالأعياد الشرعية. قال ابن تيمية: "ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم وربما ضرَّه أكله أو لم ينتفع به ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلَّت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ونظير هذا كثير" (٢).
وهناك أسباب كثيرة غير ما ذكرنا بسط الكلام عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاقتضاء واختصرها الشيخ ابن عثيمين في كتابه مختارات من اقتضاء الصراط المستقيم (٣).
стр. 1372
٢ - والأعيادٌ قسمان: زمانية ومكانية:
قال ابن القيم ﵀: "والعيد ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان.
فأما الزمان، فكقوله ﷺ : "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى: عيدنا أهل الإسلام" (١).
وأما المكان، فكما روى أبو داود في سننه أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة، فقال: "أبها وثن من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟ " قالا: لا. قال: "فأوف بنذرك" (٢). وكقوله: لا تجعلوا قبري عيدًا" (٣) " (٤).
* والأعيادُ المكانية التي ينهى عنها لها صور منها:
اتخاذ القبور عيدًا. انظر هذه المسألة في باب: (اتخاذ القبور عيدًا).
اتخاذ الآثار عيدًا. انظر هذه المسألة في باب: (تتبع آثار الصالحين المكانية).
اتخاذ الأحجار والأشجار ونحوها أعيادًا. انظر هذه المسألة في باب: (التبرك).
* والأعيادُ الزمانية المبتدعة كثيرة وهي التي سأبينها في بقية بحثنا هذا، وهي قسمان:
القسم الأول: أعياد مبتدعة ليس فيها تشبُّه كاتخاذ يوم عاشوراء عيدًا، ومولد النبي ﷺ ، والإسراء والمعراج، والنصف من شعبان، هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وهذه الأعياد المبتدعة لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا إظهار الفرح بها ولا الإعانة
стр. 1373
عليها بشيء، وقد بيَّن ذلك أهل العلم وحذروا منها.
قال الحافظ أبو شامة: "قال أهل التعديل والتجريح: ليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح، فتحفظوا عباد الله من مفترٍ يروي لكم حديثًا [موضوعًا] يسوقه في معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من الرسول ﷺ ، فإذا صح أنه كذب خرج من المشروعية وكان مستعمله من خدم الشيطان، لاستعماله حديثًا على رسول ﷺ لم ينزل الله به من سلطان. ثم قال: ومما أحدثه المبتدعون، وخرجوا به عما وسمه المتشرعون، وجروا فيه على سنن المجوس، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا: الوقيد ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ ولا نطق بالصلاة فيها" (١).
وقال الشيخ علي محفوظ في معرض كلامه عما يقع من الناس في يوم عاشوراء: "فمن ذلك اعتبارهم له عيدًا كالأعياد المرسومة للمسلمين بالتوسعة واتخاذ الأطعمة الخاصة به: وهذا من تلبيس الشيطان على العامة، فقد ثبت أن يهود خيبر هم الذين اتخذوه عيدًا وكانت تصومه" (٢).
وقال ﵀ أيضًا في المواسم التي نسبوها للشرع وليست منه: "منها: ليلة الثاني عشر من ربيع الأول يجتمع لها الناس في المساجد وغيرها فيهتكون حرمة بيوت الله تعالى، وشرفون في الوقود فيها، ويرفع القرّاء أصواتهم بقصائد الغناء التي تثير شهوة الشبان إلى الفسق والفجور، فتراهم عند ذلك يصيحون بأصوات منكرة ويحدثون في المساجد ضجة فظيعة ... ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد،
стр. 1374
وإيقاد الشموع والمصابيح فيها، وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك" (١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "فلو كانت ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب، أو ليلة الإسراء والمعراج، يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي ﷺ الأمة إليه، أو فعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة ﵃ إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم، وقد عرفت آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة، وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة كما لا يجوز الاحتفال بها للأدلة السابقة، هذا لو عُلمت فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف، وقول من قال أنها ليلة سبع وعشرون من رجب قولٌ باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "أما إظهار الفرح في ليلة السابع والسابع والعشرون من رجب، أو ليلة النصف من شعبان، أو في يوم عاشوراء، فإنه لا أصل له وينهى عنه ولا يحضر الإنسان إذا دعي إليه لقول النبي ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة"، فأما ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الناس يدعون أنها ليلة المعراج التي عرج بالرسول ﷺ فيها إلى الله ، وهذا لم يثبت من الناحية التاريخية، وكل شيء لم يثبت فهو باطل، والمبني على الباطل باطل، ثم على تقدير
стр. 1375
ثبوت أن ليلة المعراج ليلة السابع والعشرين من رجب، فإنه لا يجوز لنا أن نحدِث فيها شيئًا من شعائر الأعياد أو شيئًا من العبادات" (١).
أما بدعة المولد فيجمل فيها الكلام الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ بقوله: "وقد رددنا هذه المسألة - وهي الاحتفال بالموالد - إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه، وقد رددنا ذلك أيضًا على سنة الرسول ﷺ فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم، وبذلك يتضح لكل من له أدني بصيرة ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام بل هو من البدع المحدثات، التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار، فإن الحق لا يُعرف بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف بالأدلة الشرعية كما قال تعالى عن اليهود والنصارى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام:١١٦]، ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد - مع كونها بدعة - لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من
стр. 1376
ذلك وهو الشرك الأكبر وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستعاثة به وطلبه المدد، واعتقاد أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء" (١).
القسم الثاني: ما فيه تشبه بالكفرة في جعله عيدًا .
جاء فتاوى اللجنة الدائمة: "إن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وما عداهما من الأعياد سواءً كانت متعلقة بشخص أو جماعة أو حدث أو أي معنى من المعاني فهي أعياد مبتدعة، لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها، ولا إظهار الفرح بها، ولا الإعانة عليها بشيء؛ لأذلك من تعدي حدود الله ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١]، وإذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من أعياد الكفار فهذا إثم إلى إثم؛ لأن في ذلك تشبهًا بهم، ونوع موالاةٍ لهم ... " (٢).
ويدخل في هذا القسم أعياد الكفار من يهود ونصارى ومجوس وهندوس وغيرها من الديانات كعيد السبت وعيد رأس السنة، وعيد الفصح وعيد الغفران، واليوبيل بأنواعه الذهبي والفضي والماسي (٣)، وعيد الحب، وعيد الخميس، وعيد الأحد، وعيد ميلاد المسيح، وعيد الشعانين، وعيد الأم وعيد الميلاد وعيد النيروز، وعيد المهرجان، وهذان الأخيران قيل: إنهما اليومان اللذان كانت
стр. 1377
الجاهلية تلعب فيهما فأبدلهم الله بهما بالأضحى والفطر (١).
وقد سبق بيان أحكام التشبه بالكفار عمومًا وأدلة ذلك من الكتاب والسنة وأقوال العلماء (٢).
٣ - صور للاحتفال بهذه الأعياد:
١ - حضور أعياد المشركين ومشاركتهم في احتفالاتهم بها.
٢ - نقل احتفالاتهم إلى بلاد المسلمين.
٣ - موافقتهم في أفعالهم الخاصة بأعيادهم.
قال ابن التركماني في اللمع: "وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيرًا" (٣).
٤ - إهداؤهم وإعانتهم على عيدهم ببيع أو شراء أو نحوه.
٥ - إعانة المسلم المتشبه بهم في عيدهم على تشبهه.
٦ - تهنئتهم بالعيد.
٧ - استعمال تسمياتهم ومصطلحاتهم التعبدية.
وقد كره علي ﵁ أن يقول: (نيروزًا) وسماه (فيروزًا) (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما علي ﵁ فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به فكيف بموافقتهم في العمل؟! " (٥).
وفيما يلي أذكر أقوال العلماء ﵏ في تبيين هذه الصور وتوضيحها:
стр. 1378
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهدء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا عيدهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وأما إذا أصابه المسلمون، قصدا فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء، بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها تعظيم شعائر الكفر، وقال طائفة منهم: من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرًا" (١).
وقال ﵀: "إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]، كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه، أما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية" (٢).
وقال أيضًا: "إنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيدًا، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزاد عليه حتى يكاد أن يفضى إلى موت الإسلام
стр. 1379
وحياة الكفر، كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، فيما يفعلونه في أواخر صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات وكسوة الأولاد، وغير ذلك مما يصير به مثل عيد المسلمين" (١).
وقال - رحمه الله تعالى -: "إذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم في نفس العيد ... وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالًا له فيما أُهلَّ به لغير الله وما ذبح على النصب، وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئًا من مصلحة عيدهم لا لحمًا ولا دمًا ولا ثوبًا، ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ثم إن المسلم لا يحل له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك، فكيف على ما هو من شعائر الكفر؟، وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك والله أعلم" (٢).
وقال أبو الحسن الآمدي: "لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نص عليه أحمد في رواية مهنا، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: الشعانين وأعيادهم" (٣).
وقال ابن القيم ﵀: "فصل: حكم حضور أعياد أهل الكتاب، وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور
стр. 1380
معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم، فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الفقه الشافعي: ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم؛ لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له، فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه، ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم حدثنا الأشج ثنا عبد الله بن أبي بكر عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم ونحوه عن الضحاك ... " (١).
٤ - ومن فتاوى اللجنة نعرض بعض ما بينوه في حكم لاحتفال بحلول عام ٢٠٠٠ م (الإفرنجي) وما يتعلق به من أمور:
فأجابت بما يلي: "لا تخلو هذه المناسبة وأشباهها من لبس الحق بالباطل، والدعوة إلى الكفر والضلال، والإباحية والإلحاد، وظهور ما هو منكر شرعا ومن ذلك:
- الدعوة إلى وحدة الأديان، وتسوية الإسلام بغيره من الملل والنحل الباطلة، والتبرك بالصليب، وإظهار شعائر الكفر النصرانية واليهودية ونحو ذلك من الأفعال والأقوال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية واليهودية المبدلتين المنسوختين موصولة إلى الله وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الإسلام أو غير ذلك مما هو كفر بالله وبرسوله وبالإسلام بإجماع الأمة، هذا فضلًا عن كونه وسيلة من وسائل تغريب المسلمين عن دينهم، وقد استفاضت الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة والآثار في النهي عن مشابهة الكفار فيما هو من خصائصهم ومن ذلك مشابهتهم في أعيادهم واحتفالاتهم بها ... وينهى أيضا عن
стр. 1381
أعياد الكفار لاعتبارات كثيرة منها:
- أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم وانشرح صدورهم بما هم عليه من الباطل.
- والمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة من العقائد الفاسدة على وجه المسارقة والتدرج الخفي.
- ومن أعظم المفاسد أيضا الحاصلة من ذلك: أن مشابهة الكفار في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]. وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].
بناءً على ما تقدم فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا أن يقيم احتفالات لأعياد لا أصل لها في دين الإسلام ومنها الألفية المزعومة، ولا يجوز أيضا حضورها ولا المشاركة فيها ولا الإعانة عليها بأي شيء كان، لأنها إثم ومجاوزة لحدود الله والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
стр. 1382
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
ولا يجوز لمسلم التعاون مع الكفار بأي وجه من وجوه التعاون في أعيادهم ومن ذلك: إشهار أعيادهم وإعلانها، ومنها الألفية المذكورة ولا الدعوة إليها بأية وسيلة سواء كانت الدعوة عن طريق وسائل الإعلام، أو نصب الساعات واللوحات الرقمية، أو صناعة الملابس والأغراض التذكارية، أو طبع البطاقات أو الكراسات المدرسية، أو عمل التخفيضات التجارية والجوائز المادية من أجلها أو الأنشطة الرياضية أو نشر شعار خاص بها.
ولا يجوز لمسلم اعتبار أعياد الكفار ومنها الألفية المذكورة ونحوها مناسبات سعيدة وأوقات مباركة فتعطل فيها الأعمال وتجري فيها عقود الزواج أو ابتداء الأعمال التجارية أو افتتاح المشاريع وغيرها، ولا يجوز أن يعتقد في هذه الأيام ميزة على غيرها، لأن هذه الأيام كغيرها من الأيام؛ ولأن هذا من الاعتقاد الفاسد الذي لا يغير من حقيقتها شيئا، بل إن هذا الاعتقاد فيها هو إثم على إثم، نسأل الله العافية والسلامة" (١).
ثم بيَّنت أخيرًا أنه "شرف للمسلمين التزامهم بتاريخ هجر نبيهم محمد ﷺ الذي أجمع الصحابة ﵄ وأرّخوا به بدون احتفال وتوارثه المسلمون من بعدهم منذ أربعة عشر قرنا إلى يومنا هذا. لذا فلا يجوز لمسلم التولي عن التاريخ الهجري والأخذ بغيره من تواريخ أمم الأرض كالتاريخ الميلادي فإنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير هذا ونوصي جميع إخواننا المسلمين بتقوا الله حق التقوى وبالعمل بطاعته والبعد عن معاصيه، والتواصي بذلك والصبر عليه اهـ" (٢).
стр. 1383
٥ - حكم عيد الميلاد وعيد الأم:
سئل الشيخ ابن عثيمين عن عيد الميلاد للطفل هل يعتبر تشبهًا بالغربيين الكفار، أم أنه ترويح عن النفس وإدخال السرور في قلب الطفل وأهله؟
فأجاب ﵀ بقوله: "الاحتفال بميلاد الطفل لا يخلو من حالين:
فإما أن يكون عبادة، وإما أن يكون عادة، فإن كان عبادة فهو من البدع في دين الله، وقد ثبت عن النبي ﷺ التحذير من البدع، وأنها من الضلال، قال ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
وإما أن يكون من العادة، وإذا كان من العادة ففيه محذوران:
أحدهما: اعتبار ما ليس بعيدٍ عيدًا، وهذا من التقدم بين يدي الله ورسوله ﷺ ، حيث أثبتنا عيدًا في الإسلام لم يجعله الله ورسوله عيدًا، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد للأنصار يومين يلعبون فيهما ويعتبرونهما عيدًا، فقال ﷺ : "إن الله أبدلكم بخير منهما: عيد الفطر وعيد الأضحى".
وأما المحذور الثاني: فإن فيه تشبهًا بأعداء الله، فإن هذه العادة ليست من عادات المسلمين، وإنما ورثت من غيرهم، وقد ثبت عنه ﷺ أن من تشبه بقوم فهو منهم، ثم إن كرة السنين للمرء ليست محمودة إلا في مرضاة الله وطاعته، فخير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله"" (١).
* وسئل الشيخ ابن عثيمين أيضًا عن حكم الاحتفال بما يسمى عيد الأم ؟
فأجاب قائلًا: "إن كل الأعياد التي تخالف الأعياد الشرعية كلها أعياد بدع حادثة لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وربما يكون منشؤها من غير المسلمين أيضا، فيكون فيها مع البدعة مشابهة أعداء الله ، والأعياد الشرعية
стр. 1384
معروفة عند الإسلام؛ وهي عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع يوم الجمعة وليس في الإسلام أعياد سوى هذه الأعياد الثلاثة، كل أعياد أحدثت سوى ذلك فإنها مردودة على محدثيها وباطلة في شريعة الله لقول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" أي مردود عليه غير مقبول عند الله وفي لفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". وإذا تبين ذلك فإنه لا يجوز في العيد الذي ذكر في السؤال والمسمى عيد الأم، لا يجوز فيه إحداث شيء من شعائر العيد، كإظهار الفرح والسرور، وتقديم الهدايا وما أشبه ذلك، والواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به وأن يقتصر على ما حده الله تعالى ورسوله ﷺ في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباد فلا يزيد فيه ولا ينقص منه، والذي ينبغي للمسلم أيضًا ألا يكون إمّعة يتبع كل ناعق بل ينبغي أن يكون شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعا لا تابعا، وحتى يكون أسوة لا متأسيا، لأن شريعة الله تعالى والحمد لله كاملة من جميع الوجوه كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] والأم أحق من أن يحتفى بها يوما واحدا في السنة، بل الأم لها الحق على أولادها أن يرعوها، وأن يعتنوا بها، وأن يقوموا بطاعتها في غير معصية الله في كل زمان ومكان" (١).
وفي فتاوى اللجنة التي يرئسها الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ نصه: "لا تجوز إقامة الحفلات وتوزيع الهدايا وغيرها بمناسبة مرور سنين على ولادة الشخص أو فتح محل من المحلات أو مدرسة من المدارس أو أي مشروع؛ لأن هذا من إحداث الأعياد البدعية في الإسلام، ولأن فيه تشبهًا بالكفار في عمل مثل هذه
стр. 1385
الأشياء، فالواجب ترك ذلك والتحذير منه" (١).
* وسئل ابن عثيمين ﵀ عن حكم إقامة الأسابيع كأسبوع المساجد وأسبوع الشجرة؟.
فأجاب بقوله: "هذه الأسابيع لا أعلم لها أصلًا من الشرع وإذا اتخذت على سبيل التعبد وخصصت بأيام معلومة تصير كالأعياد، فإنها تلتحق بالبدعة؛ لأن كل شيء يتعبد به الإنسان لله وهو غير وارد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ فإنه من البدع، لكن الذين نظموها يقولون إن المقصود بذلك هو تنشيط الناس على هذه الأعمال التي جعلوا لها هذه الأسابيع وتذكيرهم بأهميتها، ويجب أن ينظر في هذا الأمر، وهل هذا مسوغ لهذه الأسابيع أو ليس بمسوغ؟ " (٢).
٦ - وسئل ﵀ عن حكم الاحتفال عند تخريج دفعة من حفظة كتاب الله؟ وهل ذلك من اتخاذ الأعياد ؟
فأجاب ﵀ بقوله: "لا بأس بذلك، ولا تدخل في اتخاذها عيدًا؛ لأنها لا تتكرر بالنسبة لهؤلاء الذين احتُفِل بهم، ولأن لها مناسبة حاضرة" (٣).
وسئل ﵀ عن رجل يوجد عنده مؤسسة وسيمر عليه فترة من الزمن بعد أيام سيحتفل بها لإظهار الأعمال التي قام بها، فما توجيه فضيلتكم له في ذلك، هل يفعل أم لا؟ ولماذا؟ وما حكم تهنئته بذلك؟.
فأجاب فضيلته بقوله: "أرى أن لا يفعل؛ لأني أخشى أن يتخذ ذلك عيدًا، كلما حال الحول أقام احتفالًا، ولم يجعل الله لهذه الأمة عيدًا يحتفل فيه إلا الفطر، والأضحى، والجمعة عيد الأسبوع، ولها خصائصها، لكن العيدان الأضحى
стр. 1386
والفطر يجوز فيهما اللعب والدف ما لا يجوز في غيرهما، فهذه الأعياد الثلاثة الإسلامية، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذ عيدًا سواها، ولكنه لا بأس أن الإنسان إذا تم الحول على تجارته وهي مستقيمة، أن يشكر الله تعالى ويحمده عليها، بل هذا من الأمور المطلوبة، أما اتخاذ احتفال، أو عيد، أو عزائم فلا" (١).
٧ - حكم التهنئة بأعياد الكفار:
قال الإمام ابن القيم ﵀: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنّأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه" (٢).
وقد ورد في فتاوى اللجنة الدائمة أنه: "لا يجوز لمسلم التهنئة بأعياد الكفار، لأن ذلك نوع رضى بما هم عليه من الباطل وإدخال للسرور عليهم" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "تهنئة الكفار بعيد الكريسمس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق، كما نقل ذلك ابن القيم ﵀ .. وإنما كانت تهنئة الكفار بإعيادهم الدينية حرامًا، وبهذا المثابة التي ذكرها ابن القيم لأن فيها إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر، ورضى به لهم، وإن كان هو لا يرضى بهذا الكفر نفسه، لكن يحرم
стр. 1387
على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنيء بها غيره لأن الله تعالى لا يرضى بذلك كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٢] وتهنئتهم بذلك حرام سواء كانوا مشاركين للشخص في العمل أم لا .. وإجابة المسلم دعوتهم بهذه المناسبة حرام؛ لأن هذا أعظم من تهنئتهم بها لما في ذلك من مشاركتهم فيها" (١).
وقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر أقوال الإمام أحمد في حكم عيادة أهل الكتاب: "فهذه ثلاث روايات منصوصات عن أحمد: المنع، والإذن، والتفصيل. فإن أمكنه أن يدعوه إلى الإسلام ويرجو ذلك منه عاده" (٢).
وذكر دليلًا على ذلك عيادة النبي ﷺ للغلام اليهودي الذي كان يخدمه ومجيئه ﵊ لعمِّه أبي طالب لما حضرته الوفاة ودعوته إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وعيادته لعبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، ثم عقد ﵀ فصلًا في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، فقال: "وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه كما يقول أحدهم: متَّعك الله بدينك أو نيّحك فيه، أو يقول له: أعزَّك الله وأكرمك ... " (٣).
стр. 1388
٢١٠ - الغرباء *
[أهل السنة والجماعة]
قال الرازي: "الغربة الاغتراب تقول: تغرب واغترب بمعنى فهو غريب ... والجمع الغرباء والغرباء أيضا الأباعد" (١).
جاء وصف الغرباء في حديث عَبْد الله بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: "طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ الله قَالَ: "أَناسٌ صَالِحُونَ فِي أَنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيِهمْ أَكْثر مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ" (٢).
قال ابن الأثير: "كان في أول أمره - يعني الإسلام - كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده، لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبا كما كان: أي يقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيروا كالغرباء" (٣).
فالغرباء هم أهل الأثر المستمسكون بالسنة يوم ينفض الناس عنها وهم المصلحون وهم الموحدون وهم أهل السنة والجماعة.
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ [هود: ١١٦].
стр. 1389
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" (١).
وفي رواية: قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس" (٢). وفي رواية: "قيل من الغرباء قال: النزّاع من القبائل" (٣). ورواه أحمد من حديث سعد بن أبي وقّاص وفيه: "فطوبى يومئذ للغرباء إذا فسد الناس" (٤).
وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنْ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، الَّذِينَ يُصلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي" (٥).
قال ابن الأثير: ""فطوبى للغرباء" أي: الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره، وإنما خصَّهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولًا وآخرًا، ولزومهم دين الإسلام" (٦).
وقال الذهبي: "قال حزم بن أبي حزم: مر بنا يونس بن عبيد على حمار ونحن قعود، على باب ابن لاحق. فوقف. فقال: أصبح من إذا عرف السنة عرفها غريبا، وأغرب منه الذي يُعَرِّفُها" (٧).
стр. 1390
وقال أيضًا: "قال ابن المبارك، عن سفيان: استوصوا بأهل السنة خيرا، فإنهم غرباء" (١).
وقال الآجري ﵀ في تفسير قوله ﷺ : "وسيعود غريبًا" معناه الله أعلم أن الأهواء المضلة تكثر فيضل بها كثير من الناس ويبقى أهل الحق الذين هم على شريعة الإسلام غرباء في الناس (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقوله ﷺ "ثم يعود غريبا كما بدأ" يحتمل شيئين:
أحدهما: أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريبًا بينهم ثم يظهر، كما كان في أول الأمر غريبًا ثم ظهر، ولهذا قال: "سيعود غريبًا كما بدأ" وهو لما بدأ كان غريبًا لا يعرف ثم ظهر وعرف، فكذلك يعود حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف. فيقل من يعرفه في أثناء الأمر كما كان من يعرفه أولًا.
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلمًا إلا قليل. وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة" (٣).
وقال ابن القيم ﵀: "ومعنى قول النبي: "هم النزاع القبائل" أن الله سبحانه بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة فهم بين عباد أوثان ونيران وعباد صور وصلبان ويهود وصابئة وفلاسفة - وكان الإسلام في أول ظهوره غريبًا وكان من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبًا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته، فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعًا من القبائل بل آحادًا منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقًّا حتى ظهر الإسلام
стр. 1391
وانتشرت دعوته، ودخل الناس فيه أفواجًا فزالت تلك الغربة عنهم، ثم أخذ في الاغتراب والترحل حتى عاد غريبا كما بدأ؛ بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدًّا وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس" (١).
ومع ابتعاد الناس عن آثار هذه النبوة، وانتشار البدع وفشوها وظهور الجهل، وموت السنن واندثارها يصبح أهل السنة والجماعة هم الغرباء، يقول ابن رجب ﵀ بعد كلام له عن تفرق أهل القبلة بسبب فتنة الشبهات والأهواء المضلة: "فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (٢)، وهم في آخر الزمان الغرباء المذكورون في هذه الأحاديث، الذين يصلحون إذا فسد الناس، وهم الذين يُصلِحون ما أفسد الناس من السنة" (٣).
ويقول ابن القيم ﵀ في بيان ذلك: "وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدا غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات. ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفة ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فإن نفس ما جاء به: يضاد أهواءهم ولذاتهم، وما هم عليه من الشبهات، والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإرادتهم" (٤)، وقال قبل ذلك: "فهؤلاء هم
стр. 1392
الغرباء الممدوحون المغبوطون ولقلتهم في الناس جدًّا سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم الغرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين: هم أشد هؤلاء غربة" (١).
ثم ذكر صفات هؤلاء الغرباء فقال: "ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي ﷺ التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم. وتجريد التوحيد، وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم" (٢).
ثم ذكر صفات الواحد منهم فقال: "فهو غريب في دينه لفساد عقائدهم، غريب في في تمسكه بالسنة، لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا فهو عالم بين جهّال، صاحب سنة بين أهل بدع، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكر والمنكر معروف" (٣).
стр. 1393
وقريبا من كلام ابن القيم: ما ذكره الآجري ﵀ في كتابه الغرباء حيث قال: "فإذا أراد المؤمن العاقل الذي قد فقهه الله في الدين وبصره عيوب نفسه، وفتح له ما الناس عليه، ورزقه معرفة بالتمييز بين الحق والباطل وبين الحسن والقبيح وبين الضار والنافع، وعلم ماله مما عليه، إذ ألزم نفسه العمل بالحق بين ظهراني من قد جهل الحق بل الغالب عليهم اتباع الهوى، لا يبالون ما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، فإذا نظروا إلى من يخالفهم على طريقتهم ثقل ذلك عليهم فمقتوه وخالفوه، وطلبوا له العيوب، فأهله به متضجرون، وإخوانه به مثقلون، ومعاملوه به غير راغبين في معاملته، وأهل الأهواء على غير مذهب الحق مخالفون. فصار غريبا في دينه لفساد دين أكثر الخلق، غريبا في معاملته لكثرة فساد معايش أكثر الخلق، غريبًا في مؤاخاته وصحبته لكثرة فساد صحبة الناس ومؤاخاتهم، غريبا في جميع أمور الدنيا والآخرة" (١).
стр. 1394
٢١١ - الغلو *
[الإطراء - التنطع - حماية التوحيد - التعظيم]
هو مجاوزة الحد والإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد (١).
قال ابن تيمية الغلو: "مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في مدحه أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك" (٢).
وقيل: "يزاد في حبه أو بغضه أو عيبه أو مدحه أو قبوله أو رفضه أو فعله أو تركه بغير حق أو دليل مأثور" (٣).
وعلى هذا فيدخل فيه الترك أيضا فترك الحلال وتحريمه على سبيل التدين ضرب من الغلو (٤).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وضابطه تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان
стр. 1395
الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١] " (١). والإسلام دين العدل والوسطية فهو وسط بين الغلو والتقصير والإفراط والتفريط.
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
* الدليل من السنة: وفي الصحيح عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵂ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح: ٢٣]. قال: "صَارَتْ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَإ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لآلِ ذِي الْكَلاع أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ" (٢).
قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم" (٣).
وقال الشيخ سليمان: "فإنه أصل الشرك قديمًا وحديثًا لقرب الشرك بالصالحين من النفوس فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم" (٤).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ ﵁ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لا
стр. 1396
تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ" (١).
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : " .. وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ" (٢).
قال شيخنا عبد العزيز بن باز: "وغالب الأمم كفروا بسبب الغلو".
* ومن الأحاديث المتعلقة بالغلو ما جاء في تعظيم القبور والصالحين والغلو فيها:
روى مالك في الموطأ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللهَ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٣).
وفي رواية: "لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٤).
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]. قال: "كان يلتّ السّويق فمات فعكفوا على قبره" (٥). وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: "كان اللات رجلًا يلت سويق الحاج" (٦).
стр. 1397
وعن ابن عباس ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" (١).
وقال ﷺ : "إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، ويسروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (٢).
أحكام وفوائد:
١ - أقسام الغلو:
١ - ما يكون شركًا أكبر: وهو أن يجعل للمخلوق شيئًا من حقوق الله تعالى مثل الذبح والدعاء ونحو ذلك.
٢ - ما يكون شركًا أصغر: كأن يحلف بالنبي ﷺ معظمًا له لا كتعظيم الله.
٣ - ما يكون بدعة شنيعة: وقد يجر ذلك إلى الشرك - والعياذ بالله -، مثل الصلاة عند القبر، والذبح لله عند القبر، والنذر لله عند القبر.
٢ - مظاهر الغلو:
مظاهر الغلو كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:
١ - الغلو في العقيدة: كغلو أهل الكلام في إثبات الصفات ونفيها حتى أدى بهم إما إلى التمثيل أو التعطيل، والوسط مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
٢ - الغلو في العبادات: وذلك بالزيادة على المأمور به كمجاوزة حصى الخذف في الرمي.
стр. 1398
٣ - الغلو في المعاملات: وهو التشدد بتحريم كل شيء، وقابل هذا التشدد تساهل من قال بحل كل شيء ينمي المال والاقتصاد حتى الربا والغش وغير ذلك.
والوسط أن يقال تحل المعاملات المبنية على العدل وهي ما وافق ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة.
٤ - الغلو في العادات: وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة وعدم التحول إلى ما هو خير منها.
أما إن كانت العادات متساوية في المصالح فإن كون الإنسان يبقى على ما هو عليه خير من تلقِّي العادات الوافدة (١).
٥ - التعصب للأشخاص سواء علماء أو صالحين، أو تعصب لمذاهب فقهية مع ظهور الدليل بخلافه.
والناس في معاملة الصالحين على ثلاثة أقسام:
أ - أهل جفاء: وهم الذين يهضمون حقوق الصالحين وموالاتهم.
ب - أهل غلو: وهم الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.
ج - أهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الصحيحة، ولكنهم يبرأون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم.
٦ - الغلو في القبور، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك.
٧ - الغلو في التكفير والتفسيق، كغلو الخوارج الذين يرون كفر فاعل الكبيرة، وغلو المعتزلة حيث قالوا: إن فاعل الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، وهذا التشدد قابله تساهلٌ من المرجئة حيث قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب.
والوسط مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل المعصية مؤمن ناقص الإيمان بقدر المعصية.
стр. 1399
قال ابن رجب ﵀: "وقوله ﷺ : "القصدَ القصدَ تبلغوا" (١) حث على الاقتصاد في العبادة، والتوسط فيها بين الغلو والتقصير، ولذلك كرره مرة بعد مرة. وفي مسند البزار من حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: "ما أحسن القصد في الفقر، وما أحسن القصد في الغنى، وما أحسن القصد في العبادة" وكان لمطرف بن عبد الله بن الشخير ابنًا قد اجتهد في العبادة، فقال له أبوه: خير الأمور أوسطها، الحسنة بين السيئتين، وشر السير الحقحقة. قال أبو عبيدة: يعني أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة. قال: والحقحقة أن يلح في شدة السير حتى تقوم عليه راحلته وتعطب فيبقى منقطعًا به سفره .. ويشهد لهذا المعنى الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق" (٢)، ولا تبغض إلى نفسك عبادة اللهَ، فإن المنبت لا سفرًا قطع ولا ظهرًا أبقى. فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت إلا هرمًا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدًا" أخرجه حميد بن زنجويه وغيره (٣).
وفي تكريره أمره بالقصد إشارة إلى المداومة عليه، فإن شدة السير والاجتهاد مظنة السآمة والانقطاع والقصد أقرب إلى الدوام ولهذا جعل عاقبة القصد البلوغ كما قال: "من أدلج بلغ المنزل" (٤) " (٥).
فالأصل في العبادة الإخلاص والمتابعة، قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف:
стр. 1400
"لأن كل عبادة حدها الشرعي ما أمر به الرسول ﷺ من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي ... وما خرج أحد عن شريعته وطريقته إلا سلك إحدى الطريقين:
أ - إما جفاء وإعراض.
ب - وإما غلو وإفراط.
وهذه مصائد الشيطان التي يصطاد بها بني آدم، ولهذا حذر سبحانه عن الغلو قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧] " (١).
стр. 1401
٢١٢ - الغول *
الغُول - بفتح الغين المعجمة - مصدر معناه: البعد والهلاك. وبضم الغين المعجمة اسم، وجمعه أغوال وغيلان، وهو المراد هنا.
قال ابن دريد: "الغيلان عند العرب سحرة الشياطين. وهذا قول الأصمعي. الواحد غول من الجن" (١).
وقال ابن منظور: "الغول ساحرة الجن والجمع غيلان. وقال أبو الوفاء الأعرابي: الغول: الذكر من الجن. فسئل عن الأنثى فقال: هي السعلاة" (٢).
وقال شمر: "قال ابن شميل: الغول شيطان يأكل الناس" (٣).
والغول: جنس من الجن والشياطين، تزعم العرب أنها تضلهم عن الطريق وتهلكم فجاء الحديث بإبطال ذلك كله.
* الدليل من السنة: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: "لا عدوى ولا صفر ولا غول" وسمعت أبا الزبير يذكر أن جابرًا فسر لهم قوله: "ولا صفر" فقال أبو الزبير: الصفر: البطن. فقيل لجابر: كيف؟
стр. 1402
قال: كان يقال إنها دواب البطن. قال: ولم يفسر الغول. قال أبو الزبير: هذه الغول التي تغوَّل" (١).
وقد اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : "لا غول" على أربعة أقوال:
الأول: أن الغول شيء يخوف به، ولا وجود له (٢).
كما قال الشاعر:
أيقنتُ أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخل الوفي
وقال آخر:
الغول والخل والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم توجد ولم تكن
قال أبو السعادات: "الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي: تتلون تلونا في صور شتى وتغوُلهم، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله" (٣).
الثاني: أن الغول كان موجودًا، ثم رفعه الله - سحانه تعالى -، وإلى هذا ذهب الطحاوي فقال بعد أن أورد حديث أبي أيوب (٤): "يحتمل أن يكون الغول كان على ما في حديث أبي أيوب. ثم رفعه الله تعالى عن عباده، على ما في حديث جابر، وذلك أولى ما حملت عليه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ في هذا، أو فيما أشبهه، ما وجد
стр. 1403
السبيل إلى ذلك، والله تعالى نسأله التوفيق" (١).
الثالث: ما ذهب إليه جمهور العلماء أن قوله ﷺ : "لا غول" ليس معناه نفي الغول عينا، وإبطالها كونًا، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من تغولها، واختلاف تلونها في الصور المختلفة، وإضلالها الناس عن الطريق، وسائر ما يحكون عنها. ودليل ما ذهب إليه الجمهور أنه لم يثبت شرعًا ولا عقلًا ولا اختبارًا أن الغيلان تأكل الناس، ولا أنها تظهر لهم في الفيافي والقفار كما كانت تزعم العرب وغير العرب في طور الجهل والخرافات" (٢) وهو المختار.
قال الإمام البغوي ﵀: "قوله: "ولا غول" ليس معناه نفي الغول كونًا، وإنما أراد أن العرب كانت تقول: إن الغيلان تظهر للناس في الفلوات في الصور المختلفة، فتضلهم وتهلكهم، ويقال تغول تغولًا. أي: تلون. فأخبر الشرع أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن الله ، وقد جاء في الحديث: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان"" (٣).
وقال النووي ﵀: "قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي من جنس الشياطين، فتتراءى للناس وتتغول تغولا، أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فأبطل النبي ﷺ ذاك. وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلون الغول بالصور المختلفة واغتيالها، وقالوا: ومعنى "لا غول" أي لا تستطيع أن تضل أحدًا. ويشهد له حديث آخر: "لا غول ولكن السَّعال". قال العلماء: السعالي بالسين المفتوحة والعين المهملتين، وهم سحرة الجن، أي ولكن في الجن سحرة
стр. 1404
لهم تلبيس وتخييل" (١).
وقال ابن حجر: "أما الغول فقال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي: تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم: غالته الغول أي: أهلكته وأضلته فأبطل ﷺ ذلك.
وقيل ليس المراد إبطال وجود الغيلان، وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة. قالوا: والمعنى، لا يستطيع الغول أن يضل أحدًا، ويؤيده حديث: "إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان" (٢). أي: ادفعوا شرها بذكر الله" (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "المعنى بقوله: "لا غول" أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا ذكرى الله والتوكل عليه. ويشهد له الحديث الآخر "لا غول ولكن السعالي" سحرة الجن. أي: ولكن في الجن سحرةً لهم تلبيس وتخييل. ومنه الحديث: "إذا تغولت الغيلان، فبادروا بالأذان" أي: ادفعوا شرها بذكر الله. وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها" (٤).
стр. 1405
٢١٣ - الغيب *
الغيب مصدر يستعمل في كل غائب عن الحواس، علم أو لم يعلم.
والإيمان بالغيب من صفات المؤمن كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة:١ - ٣].
قال ابن الأثير: "قد تكرر ذكر علم الغيب، والإيمان بالغيب، وهو كل ما غاب عن العيون، وسواءً كان محصَّلًا في القلوب أو غير مُحصَّل. تقول: غاب عنه غيبًا وغيبةً" (١).
يقول الراغب الأصفهاني: "والغيب في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بدائه العقول وإنما يعرف بخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد" (٢).
ويقول ابن تيمية: "وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه