٢١٢ - الغول *
الغُول - بفتح الغين المعجمة - مصدر معناه: البعد والهلاك. وبضم الغين المعجمة اسم، وجمعه أغوال وغيلان، وهو المراد هنا.
قال ابن دريد: "الغيلان عند العرب سحرة الشياطين. وهذا قول الأصمعي. الواحد غول من الجن" (١).
وقال ابن منظور: "الغول ساحرة الجن والجمع غيلان. وقال أبو الوفاء الأعرابي: الغول: الذكر من الجن. فسئل عن الأنثى فقال: هي السعلاة" (٢).
وقال شمر: "قال ابن شميل: الغول شيطان يأكل الناس" (٣).
والغول: جنس من الجن والشياطين، تزعم العرب أنها تضلهم عن الطريق وتهلكم فجاء الحديث بإبطال ذلك كله.
* الدليل من السنة: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول سمعت النبي ﷺ يقول: "لا عدوى ولا صفر ولا غول" وسمعت أبا الزبير يذكر أن جابرًا فسر لهم قوله: "ولا صفر" فقال أبو الزبير: الصفر: البطن. فقيل لجابر: كيف؟
стр. 1402
قال: كان يقال إنها دواب البطن. قال: ولم يفسر الغول. قال أبو الزبير: هذه الغول التي تغوَّل" (١).
وقد اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ : "لا غول" على أربعة أقوال:
الأول: أن الغول شيء يخوف به، ولا وجود له (٢).
كما قال الشاعر:
أيقنتُ أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخل الوفي
وقال آخر:
الغول والخل والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم توجد ولم تكن
قال أبو السعادات: "الغول أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى للناس فتتغول تغولا، أي: تتلون تلونا في صور شتى وتغوُلهم، أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي ﷺ وأبطله" (٣).
الثاني: أن الغول كان موجودًا، ثم رفعه الله - سحانه تعالى -، وإلى هذا ذهب الطحاوي فقال بعد أن أورد حديث أبي أيوب (٤): "يحتمل أن يكون الغول كان على ما في حديث أبي أيوب. ثم رفعه الله تعالى عن عباده، على ما في حديث جابر، وذلك أولى ما حملت عليه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ في هذا، أو فيما أشبهه، ما وجد
стр. 1403
السبيل إلى ذلك، والله تعالى نسأله التوفيق" (١).
الثالث: ما ذهب إليه جمهور العلماء أن قوله ﷺ : "لا غول" ليس معناه نفي الغول عينا، وإبطالها كونًا، وإنما فيه إبطال ما يتحدثون عنها من تغولها، واختلاف تلونها في الصور المختلفة، وإضلالها الناس عن الطريق، وسائر ما يحكون عنها. ودليل ما ذهب إليه الجمهور أنه لم يثبت شرعًا ولا عقلًا ولا اختبارًا أن الغيلان تأكل الناس، ولا أنها تظهر لهم في الفيافي والقفار كما كانت تزعم العرب وغير العرب في طور الجهل والخرافات" (٢) وهو المختار.
قال الإمام البغوي ﵀: "قوله: "ولا غول" ليس معناه نفي الغول كونًا، وإنما أراد أن العرب كانت تقول: إن الغيلان تظهر للناس في الفلوات في الصور المختلفة، فتضلهم وتهلكهم، ويقال تغول تغولًا. أي: تلون. فأخبر الشرع أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن الله ، وقد جاء في الحديث: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان"" (٣).
وقال النووي ﵀: "قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي من جنس الشياطين، فتتراءى للناس وتتغول تغولا، أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، فأبطل النبي ﷺ ذاك. وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلون الغول بالصور المختلفة واغتيالها، وقالوا: ومعنى "لا غول" أي لا تستطيع أن تضل أحدًا. ويشهد له حديث آخر: "لا غول ولكن السَّعال". قال العلماء: السعالي بالسين المفتوحة والعين المهملتين، وهم سحرة الجن، أي ولكن في الجن سحرة
стр. 1404
لهم تلبيس وتخييل" (١).
وقال ابن حجر: "أما الغول فقال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي: تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم: غالته الغول أي: أهلكته وأضلته فأبطل ﷺ ذلك.
وقيل ليس المراد إبطال وجود الغيلان، وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة. قالوا: والمعنى، لا يستطيع الغول أن يضل أحدًا، ويؤيده حديث: "إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان" (٢). أي: ادفعوا شرها بذكر الله" (٣).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "المعنى بقوله: "لا غول" أنها لا تستطيع أن تضل أحدًا ذكرى الله والتوكل عليه. ويشهد له الحديث الآخر "لا غول ولكن السعالي" سحرة الجن. أي: ولكن في الجن سحرةً لهم تلبيس وتخييل. ومنه الحديث: "إذا تغولت الغيلان، فبادروا بالأذان" أي: ادفعوا شرها بذكر الله. وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها" (٤).
стр. 1405
٢١٣ - الغيب *
الغيب مصدر يستعمل في كل غائب عن الحواس، علم أو لم يعلم.
والإيمان بالغيب من صفات المؤمن كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة:١ - ٣].
قال ابن الأثير: "قد تكرر ذكر علم الغيب، والإيمان بالغيب، وهو كل ما غاب عن العيون، وسواءً كان محصَّلًا في القلوب أو غير مُحصَّل. تقول: غاب عنه غيبًا وغيبةً" (١).
يقول الراغب الأصفهاني: "والغيب في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بدائه العقول وإنما يعرف بخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد" (٢).
ويقول ابن تيمية: "وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه
стр. 1406
وصفاته، وملائكته، والجنة والنار، فالإيمان بالله ورسوله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب ... " (١).
ويقول السعدي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: "حقيقة الإيمان هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر إنما الشأن في الإيمان بالغيب الذي لم نره ولم نشاهده وإنما نؤمن لخبر الله وخبر رسوله فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر؛ لأنه تصديق مجرد لله ورسوله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله سواء شاهد أو لم يشاهده، وسواء فهمه وعقله أو لم يهتد إليه عقله وفهمه بخلاف الزنادقة المكذبين بالأمور الغيبية؛ لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا. لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم" (٢).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
* الدليل من السنة: عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلمُ ما في غدٍ إلا الله،
стр. 1407
ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (١).
ومن هذه الآيات الكريمات والحديث النبوي الشريف يتبين بطلان ما عليه الكهان والعرافون والمنجمون من الدجل والتضليل.
أحكام وفوائد:
١ - كفر من ادعى الغيب:
قال ابن السماك: "خرجت إلى مكة، فلقيني زرارة بن أعين (٢) بالقادسية فقال: لي إليك حاجة وأرجو أن أبلغها بك وعظمها. فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمد فاقرئه مني السلام، وسله أن يخبرني من أهل الجنة أنا أم من أهل النار؟ فأنكرت عليه. فقال لي: إنه يعلم ذلك. فلم يزل بي حتى أجبته. فلما لقيت جعفر بن محمد أخبرته بالذي كان منه فقال: هو من أهل النار. فوقع في نفسي شيء مما قال. فقلت: ومن أين علمت ذلك. فقال: مَنْ ادَّعى عليَّ أني أعلم هذا، فهو من أهل النار. فلما رجعت لقيني زرارة فأعلمته بقوله فقال: كالَ لك يا أبا عبد الله من جراب النورة. قلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية" (٣).
وقال القرطبي ﵀: "من قال: إنه ينزل الغيث غدًا وجزم فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادَّعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم (٤) فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن
стр. 1408
المجملة أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون، فلا ريب في كفره أيضًا" (١).
قال المناوي في من صدق الكاهن: "إن اعتقد أنه يعلم الغيب كفر" (٢).
وقال صديق حسن خان ﵀: "فمن اعتقد في نبي أو ولي أو جن أو مَلك أو إمام أو ولد إمام أو شيخ أو شهيد أو منجم أو رمال أو جفار أو فاتح قال أو برهمن أو راهب أو جنية أو خبيث أن له مثل هذا العلم، وهو يعلم الغيب بعلمه ذلك فهو مشرك بالله، وعقيدته هذه من أبطل الباطلات وأكذب المكذوبات وهو منكر لهذه الآية القرآنية وجاحد لها" (٣).
وسئل الشيخ ابن باز ﵀ عن رجل يدَّعي مشاهدة اللوح المحفوظ فقال: "اللوح المحفوظ لا يطلع عليه إلا الله ، هو الذي جعله والذي يطلع عليه، ومن زعم أنه يعلم ما فيه فهو كافر يُستتاب من ولاة الأمر فإن تاب وإلا وجب قتله حماية للمسلمين من شره وفتنته" (٤).
وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: كيف نوفق بين علم الاطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ وما جاء في تفسير ابن جرير عن مجاهد أن رجلًا سأل النبي ﷺ عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية وما جاء عن قتادة ﵀؟ وما المخصص لعموم قوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؟
فأجاب بقوله: "قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبدًا، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة، فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن
стр. 1409
الكريم غير صريح في معارضته، لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبدًا.
فإذا تبين ذلك فقد قيل: إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكرًا فإن كان ما قيل باطلًا فلا كلام، وإن كان صدقًا فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي: مقدار مدته في بطن أمه، وحياته، وعمله، ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكرًا أم أنثى، قبل أن يخلَّق، أما بعد أن يخلق، فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب، لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاثة، التي لو أزيلت لتبين أمره، ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكرًا أم أنثى. وليس في الآية تصريح بذكر العلم بالذكورة والأنوثة، وكذلك لم تأت السنة بذلك.
وأما ما نقله السائل عن ابن جرير عن مجاهد أن رجلًا سأل النبي، ﷺ عما تلد امرأته، فأنزل الله الآية. فالمنقول هذا منقطع لأن مجاهدًا ﵀ من التابعين.
وأما تفسير قتادة ﵀ فيمكن أن يحمل على أن اختصاص الله تعالى بعلمه ذلك إذا كان لم يخلق، أما بعد أن يخلَّق فقد يعلمه غيره.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية لقمان: وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى أو شقيًا أو سعيدًا علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه. أ. هـ.
وأما سؤالكم عن المخصص لعموم قوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ فنقول: إن كانت الآية تتناول الذكورة والأنوثة بعد التخليق فالمخصص الحس والواقع، وقد ذكر علماء الأصول أن المخصصات لعموم الكتاب والسنة إما النص، أو الإجماع،
стр. 1410
أو القياس، أو الحس، أو العقل وكلامهم في ذلك معروف.
وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق وإنما يراد بها ما قبله فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته" (١).
٢ - أقسام الغيب:
الغيب قسمان:
* غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الخمس المذكورة في آخر سورة لقمان.
* وغيب إضافي نسبي يعلمه قوم ويجهله قوم.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الغيب ما غاب عن الإنسان وهو نوعان: واقع، ومستقبل.
فغيب الواقع نسبي يكون لشخص معلومًا ولآخر مجهولًا.
وغيب المستقبل حقيقي لا يكون معلومًا لأحد إلا الله وحده أو من اطلعه الله عليه من الرسل فمن ادعى علمه فهو كافر لأنه مكذب لله ولرسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، وإذا كان الله أمر نبيه محمد ﷺ أن يعلن للملأ أنه لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، فإن من ادعى علم الغيب فقد كذب الله ورسوله في هذا الخبر.
ونقول لهؤلاء كيف يمكن أن تعلموا الغيب والنبي ﷺ لا يعلم الغيب؟ هل أنتم أشرف أم الرسول ﷺ ؟ فإن قالوا: نحن أشرف من الرسول كفروا بهذا القول، وإن قالوا: هو أشرف. فنقول: لماذا يحجب عنه الغيب وأنتم تعلمونه؟ وقد قال الله عن نفسه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ
стр. 1411
رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، وهذه آية ثانية تدل على كفر من ادعى علم الغيب، وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ ، أن يعلن للملأ بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] " (١).
وقال الشيخ الغنيمان: "وأما ما جاء عن الأنبياء من الأخبار ببعض المغيبات، كإخبار الرسول ﷺ بما يقع بعده من الفتن؛ والفتوح على أمته، وبعض أشراط الساعة، وكإخبار عيسى ﵇ بما يأكله بنو إسرائيل، وما يدخرونه في بيوتهم، ونحو ذلك، فإن هذا مما استثناه الله تعالى بقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وهو من معجزاتهم التي تدل على صدقهم" (٢).
وفي الفتح: "قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة، لهذا الحديث (٣)، وقد فسر النبي ﷺ قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ بهذه الخمس وهو في الصحيح قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسنده إلى رسول الله ﷺ كان كاذبًا في دعواه" (٤).
وفي شرح حديث ابن عباس ﵄ في قصة موسى مع الخضر ﵉
стр. 1412
قال الحافظ: "وفيه دليل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله إذ لو كان الخضر يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله" (١).
٣ - مسألة:
علمُ نزول الغيث خاص بالله فهل ينافيه ما نسمع في الإذاعات عن أحوال الطقس وأنه سينزل غدًا مطر في جهات معينة؟
والجواب: أنه لا تعارض بينهم لأنه علمهم مستند إلى مستند إلى محسوس لا إلى غيب وسيأتي مزيد تفصيل عنه في باب (الكهانة).
стр. 1413
٢١٤ - الفأل *
الفأل: جمع فُؤول وأفؤل: ضد الشؤم. يقال: تفأل وتفاءل وافتأل به.
قال الفيروزآبادي: "الفأل ضد الطيرة" (١).
قال ابن الأثير: "الفأل مهموز وهو فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر. يقال: تفاءلت بكذا وتفألت على التخفيف والقلب، وقد أولع الناس بترك همزه تخفيفًا .. ومعنى التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفاءل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طالب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته".
ومنه الحديث: قيل يا رسول الله ما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة" وقد جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع ومنه الحديث: "أصدق الطيرة الفأل"" (٢).
فالفأل إنما هو مبني على حسن الظن بالله.
стр. 1414
* في الدليل من السنة: عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة" (١) وفي رواية قال: "الكلمة الطيبة" (٢).
وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يتفاءل، ولا يتطير ويعجبه الاسم الحسن" (٣).
وأخرج البخاري ﵀ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا طيرة، وخيرها الفأل. قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (٤).
وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: "أحسنها الفأل ولا تردُّ مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول وقوة إلا بك" (٥).
أحكام وفوائد:
١ - الفأل الذي يحبه الرسول ﷺ وسبب ذلك:
قال ابن تيمية ﵀: "الفأل الذي يحبه ﷺ هو أن يفعل أمرًا أو يعزم عليه متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الحسنة التي تسره مثل أن يسمع: يا نجيح، يا مفلح، يا سعيد، يا منصور، ونحو ذلك. كما لقي في سفر الهجرة رجلًا فقال: "ما اسمك" قال: يزيد. قال: "يا أبا بكر، يزيدُ أمرُنا" .. وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمرًا متوكلًا على الله أو يعزم عليه فيسمع كلمة مكروهة مثل: ما يتم أو ما يفلح ونحو ذلك؛ فيتطير ويترك الأمر فهذا منهي عنه" (٦).
стр. 1415
قال ابن الأثير: "وإنما أحب الفأل لأن الناس إذا أملوا فائدة الله تعالى ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر، وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن بالله وتوقع البلاء" (١).
قال الحليمي: "إنما كان ﷺ يعجبه الفأل لأن التشاؤم سوء الظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن الظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال" (٢).
٢ - الفرق بين الفأل والطيرة:
يقول ابن القيم ﵀: "وفي الفرقان بينهما فائدة كبيرة وهي: أن التطير هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرئ من التوكل على الله وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله والتطير مما يراه ويسمعه وذلك قاطع له من مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] و ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، و ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨] فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادة وتوكلًا فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله ويبقى هدفًا لسهام الطيرة ويُساق إليه من كل أوب ويقيّض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه - وكم أهلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة - فأين هذا من الفأل الصالح السار للقلوب المؤيد للآمال الفاتح باب الرجاء المسكن للخوف، الرابط للجأش، الباعث على الاستعانة بالله والتوكل عليه، والاستبشار المقوي لأمله، السار لنفسه. فهذا ضد
стр. 1416
الطيرة. فالفأل يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك، فلهذا استحب ﷺ الفأل وأبطل الطيرة" (١).
وقال ﵀: "الفأل والطيرة - وإن كان مأخذهما سواء ومجتناهما واحدًا - فإنهما يختلفان بالمقاصد ويفترقان بالمذاهب، فما كان محبوبًا مستحسنًا تفاءلوا به وسموه الفأل وأحبوه ورضوه، وما كان مكروهًا قبيحًا منفرًا تشاءموا به وكرهوه وتطيروا منه وسموه طيرة؛ تفرقةً (٢) بين الأمرين، وتفصيلًا بين الوجهين.
وسئل بعض الحكماء فقيل له: ما بالكم تكرهون الطيرة تحبون الفأل؟! فقال: لنا في الفأل عاجل البشرى وإن قصر عن الأمل، ونكره الطيرة لما يلزم قلوبنا من الوجل.
قال ابن القيم ﵀: وهذا الفرقان حسن جدًّا وأحسن منه ما قاله ابن الرومي في ذلك: الفأل لسان الزمان والطيرة عنوان الحدثان" (٣).
* فضابط الفرق بينهما:
أن الطيرة عامل في عقد العزم على المضي أو الترك.
أما الفأل فإن العزم موجود ولكن التفاؤل زاده سرورًا وحسن ظن، ولذلك قال الرسول ﷺ : "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" ولم يقل يمضي لأجلها أحدكم - والله أعلم -.
قال ابن تيمية ﵀: "فكل ما يحدثه الإنسان بحركته تغيير شيء من الأجسام ليستخرج به علم ما يستقبله فهو من هذا الجنس - يعني التطير وما يشابهه
стр. 1417
- قال: بخلاف الفأل الشرعي وهو الذي كان يعجبه ﷺ وهو أن يخرج متوكلًا على الله فيسمع الكلمة الطيبة. وكان يعجبه الفأل ويكره الطيرة لأن الفأل تقوية لما فعله بإذن الله والتوكل عليه، والطيرة معارضة لذلك، فيكره للإنسان أن يتطير، وإنما تضر الطيرة من تطير لأنه أضر بنفسه، فأما المتوكل على الله فلا" (١).
وقال أيضًا: "فهو في كل واحد من محبته للفأل وكراهته للطيرة إنما يسلك مسلك الاستخارة لله والتوكل عليه والعمل بما شرع له من أسباب، لم يجعل الفأل آمرًا له وباعثًا له على الفعل، ولا الطيرة ناهية له عن الفعل، وإنما يأتمر وينتهي عن مثل ذلك أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام .. " (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وأما الفأل فيسر به العبد ولا يعتمد عليه بخلاف ما يمضيه أو يرده فإن للقلب عليه نوع اعتماد" (٣).
وقال الشيخ السعدي ﵀: "والفرق بينهما أن الفأل الحسن لا يخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله وليس فيه تعليق القلب بغير الله بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة" (٤).
٣ - هل الفأل من الطيرة ؟:
جاء في حديث عروة السابق قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: "خيرها الفأل". وليس المراد بأن الفأل من الطيرة المحرمة قال الحافظ: "وقوله: "وخيرها الفأل" قال الكرماني تبعًا لغيره: هذه الإضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة، وليس كذلك، بل هي إضافة توضيح" (٥).
стр. 1418
وقال ابن القيم ﵀: "أخبر ﷺ أن الفأل من الطيرة وهو خيرها فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخرة ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك وإذنه في الرقية إن لم يكن فيها شرك لما فيها من المنفعة الخالية من المفسدة" (١).
٤ - أخذ الفأل من المصحف:
قال الدميري: "جزم الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي في الأحكام في سورة المائدة بتحريم أخذ الفأل من المصحف ونقله القرافي عن العلامة أبي الوليد الطرطوشي وأقره وأباحه ابن بطة من الحنابلة قال ومقتضى مذهبنا - يقصد مذهب الشافعي - كراهته" (٢).
وقال ابن تيمية ﵀: "وأما استفتاح الفأل في المصحف فلم ينقل عن السلف فيه شيء، وقد تنازع فيه المتأخرون وذكر القاضي أبو يعلى فيه نزاعًا، وذكر عن ابن بطة أنه فعله، وذكر عن غيره أنه كرهه، فإن هذا ليس الفأل الذي يحبه رسول الله ﷺ فإنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة" (٣).
قال الشيخ سليمان بن حمدان: "وأما التشاؤم بقراءة سورة أو آية من كتاب الله فحرام أيضًا لما تقدم، وهكذا التشاؤم بالأذكار والأدعية المأثور" (٤)
وقد ذكر الشيخ سيدي عبد الله الشنقيطي الفألَ ضمن أنواع علوم الشر، وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي معقبًا على ذلك: "ومراده بالفأل: الفأل المكتسب، كأن يريد إنسان التزوج أو السفر مثلًا فيخرج ليسمع ما يفهم منه الإقدام أو
стр. 1419
الإحجام، ويدخل فيه النظر في المصحف لذلك ولا يخفى أن ذلك من أنواع الاستقسام بالأزلام. أما ما يعرض من غير اكتساب كأن يسمع قائلًا يقول: يا مفلح؛ فليس من هذا القبيل كما جاءت به الأحاديث الصحيحة" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وبعض الناس قد يفتح المصحف لطلب التفاؤل، فإذا نظر ذكر النار تشاءم، وإذا نظر ذكر الجنة قال: هذا فأل طيب فهذا مثل عمل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام" (٢).
٥ - مسألة:
حديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورُئِيَ بِشرُ ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورُئِيَ بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رُئي كراهية ذلك في وجهه" (٣).
هذا الحديث يدل على الفأل الحسن ولا يدل على التشاؤم ولابد أن يعلم أن هناك ارتباطًا بين الاسم والمسمى كما قال ابن القيم: "اعلم أن بين الأسماء ومسمياتها ارتباط قدره العزيز القادر وألهمه نفوس العباد، وجعله في قلوبهم بحيث لا تنصرف عنهم وليس هذا الارتباط هو ارتباط العلة بمعلولها، ولا ارتباط المقتضى الموجب لمقتضاه وموجبه، بل ارتباط تناسب وتشاكل اقتضته حكمة الحكيم، فقل أن ترى اسمًا قبيحًا إلا وبين مسماه وبينه رابط من القبح، وكذلك إذا تأملت الاسم الثقيل الذي تنفر عنه الأسماع وتنبو عنه الطباع، فإنك تجد مسماه يقارب أو يُلم أن يطابق ولهذا من المشهور على ألسنة الناس أن الألقاب تنزل من
стр. 1420
السماء فلا تكاد تجد الاسم الشنيع القبيح إلا على مسمى يناسبه .. والمقصود أن هذه المناسبة تنضم إلى ما جعل الله في طبائع الناس وغرائزهم من النفرة من الاسم القبيح المكروه وكراهته وتطير أكثرهم به، وذلك يوجب عدم ملابسته ومجاوزته إلى غيره، فهذا أصل هذا الباب" (١).
وأما قول النبي ﷺ : "إذا بعثتم إليَّ بريدًا فابعثوه حسن الوجه حسن الاسم" (٢).
وما روي عن يحيى بن سعيد أن رسول الله ﷺ قال للِقحةٍ تُحلب: "من يحلب هذه؟ " فقام رجل: فقال النبي ﷺ : "ما اسمك؟ " فقال: مرة. فقال ﷺ : "اجلس" ثم قال: من يحلب هذه؟ فقام رجل فقال: ما اسمك؟ فقال الرجل: حرب. فقال له النبي ﷺ : اجلس. ثم قال: "من يحلب هذه؟ " فقام رجل فقال له: "ما اسمك؟ " قال: يعيش. فقال النبي ﷺ : "يعيش يحلب الناقة" (٣). زاد ابن وهب في جامعه في هذا الحديث: "فقام عمر بن الخطاب فقال: أتكلم يا رسول الله أم أصمت؟ قال: بل اصمت. وأخبرك بما أردت، ظننت يا عمر أنها طيرة، ولا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولكن أحب الفأل" (٤).
فزيادة ابن وهب في جامعه دلت على أن هذا ليس من التطير وإنما تفاؤلًا وسبب ذلك - والله أعلم - أنه يمكن أن يكون هذا منه ﷺ على سبيل التأديب لأمته، لئلا يتسموا بالأسماء القبيحة، وليبادر من أسلم منهم وله اسم قبيح إلى إبداله بغيره من غير إيجاب له ولا إلزام والنفوس السليمة والفطر السليمة تنفر من الاسم القبيح (٥).
стр. 1421
٢١٥ - الفترة
انظر: باب (أهل الفترة).
٢١٦ - الفرقه الناجية
انظر: باب (أهل السنة والجماعة).
فضل التوحيد
انظر: باب (التوحيد وأقسامه).
стр. 1422
٢١٧ - الفسق *
الفسق في اللغة: الخروج. قال الفيروزابادي: ""الفسق": بالكسر الترك لأمر الله تعالى والعصيان والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق فسق وضرب وكرم فسقًا وفسوقًا ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ خروج عن الحق، وفسق جار وعن أمر ربه خرج، والرطبة عن قشرها خرجت كانفسقت قيل ومنه الفاسق لانسلاخه الخير" (١).
وقال ابن الأثير: "أصل الفُسق: الخُروج عن الاسْتِقامة، الجَوْر، وبه سُمِّى العاصِي فاسِقًا، وإنَّما سُمِّيت هذه الحيواناتُ فَواسِقَ، على اسْتِعارة لخُبْثِهنّ. وقيل لخُروجِهنّ من الحُرْمة في الحِلّ والحرَم: أي لا حُرْمةَ لهنّ بحال. ومنه الحديث أنه سَمَّى الفأرةَ "فُوَيْسِقَة" تصغير فاسِقة؛ لخروحها من جُحْرها على الناس وإفسادِها" (٢).
وقال الرازي: "الفسِّيق: دائم الفسق" (٣).
وشرعًا: يقول ابن عطية: "الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان" (٤).
وقال ابن حجر: "الفسق في الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان" (٥).
стр. 1423
أحكام وفوائد:
١ - أقسام الفسق وأنواعه:
الفسق قسمان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة:
جاء عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغيرهم من أهل العلم أنه "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (١).
وجاء عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] قال: العاصون (٢).
وذكر القسمين الإمام المروزي فقال: "وكذلك الفسق فاحتطنا فسقٌ ينقل عن الملة وفسقٌ لا ينقل عن الملة فيسمى الكافر فاسقًا والفاسق من المسلمين فاسقًا ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرًا وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار دل على ذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]، وسمي القاذف من المسلمين فاسقا ولم يخرجه من الإسلام قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فقال العلماء في تفسير الفسوق ههنا هي المعاصي فكما كان الظلم ظلمين والفسوق فسقين كذلك الكفر كفران، أحدهما ينقل عن الملة، والآخر لا ينقل عنها" (٣).
стр. 1424
وقال الشيخ صالح الفوزان: "الفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة وهو الكفر، فيسمى الكافر فاسقًا فقد ذكر الله إبليس فقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وكان ذلك الفسق منه كفرًا. وقال الله تعالى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ يريد الكفار. دل على ذلك قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠]، ويسمي العاصي من المسلمين فاسقًا ولم يخرجه فسقه من الإسلام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقال العلماء في تفسير الفسوق هنا: هو المعاصي (١) " (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] قال الشيخ صالح الفوزان: "ذكر في هذه الآية الكريمة أنواع المعاصي الثلاثة: المعاصي التي تُخرِجُ من الملَّة؛ كالكفر والشِّرك بالله ، والمعاصي الكبائر التي هي دون الشِّرك والكفر؛ فلا تخرج من الملَّة، ولكنها تُنقِصُ الإيمانْ نقصًا ظاهرًا؛ كالزِّنى والسَّرقة وشرب الخمر وغير ذلك من الكبائر، وسُمِّيت فسوقًا، وصاحبُها فاسقًا، لأنَّ الفسق معناه الخروج عن طاعة الله ، وذكر المعاصي التي هي دون الكبائر، ولا تقتضي الفِسقَ، وهي صغائرُ الذُّنوب.
فأخبر سبحانه أنه كرَّهَ هذه الأنواع الثلاثة إلى أهل الإيمان، وحبَّبَ إليهم أنواع الطاعات والقُرُبات" (٣).
стр. 1425
٢ - تنبيه:
ارتبط الفسق الذي لا ينقل عن الملة بالكبائر كما جاء في التعريفات السابقة وقال النووي ﵀: "وأما الفسق فيحصل بارتكاب الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة" (١).
* وضابط الكبيرة عند العلماء:
قال ابن عباس ﵄: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" (٢).
وتقدم في باب التكفير تعريف الكبيرة وأقوال العلماء في ذلك والأشهر في تعريفها ما ذكره السفاريني ﵀ أن: "الكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما (٣)، وقيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة" (٤).
تعريف الكبيرة (٥):
عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]. قال: الكبائر كل ذنب
стр. 1426
ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" (١).
وقال القاضي أبو يعلى: "وقد حدّ أحمد ﵀ الكبائر: بما يوجب حدا في الدنيا أو وعيدًا في الآخرة" (٢).
وقال الماوردي من الشافعية: "الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد" (٣).
وقال السفاريني: "والكبيرة كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وزاد شيخ الإسلام: أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما، وقيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة" (٤).
وقال القرطبي في المفهم: "كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة عقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه من القرآن والأحاديث الصحيحة والحسنة، ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والأحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة، فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عدها" (٥)، وسوف يأتي فريد بحث عن الكبيرة في باب (الفسق).
وقد تبين أن مرتكب الكبيرة لا يكفر بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
قال أبو عثمان الصابوني ﵀ مقررا عقيدة السلف في هذه المسألة: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله
стр. 1427
- إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما، غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الاثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده في النار، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (١).
وفي لوامع الأنوار قال: "قال الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي الحنبلي من بني قدامة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: "أول خلاف حدث في الملة في الفاسق الملي هل هو كافر أو مؤمن؟
فقالت الخوارج: إنه كافر.
وقالت جماعة: إنه مؤمن.
وقالت طائفة المعتزلة: هو لا مؤمن ولا كافر منزلة بين منزلتين وخلدوه في النار.
واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه فسموا معتزلة.
وأما أهل السنة فلم يخرجوه من الإسلام ولم يحكموا عليه بخلود في النار وإنما هو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، وهو تحت مشيئة الله تعالى ولهذا قال:
ويفسق المذنب بالكبيرة ... كذا إذا أصر بالصغيرة
لا يخرج المرء من الإيمان ... بموبقات الذنب والعصيان" (٢)
وقال الإمام ابن باز ﵀: "ولهذا شرع الله في حق الزاني الحد بالجلد إذا كان بكرًا يجلد مائة جلدة ويغرّب عامًا، وهكذا شارب السكر يجلد ولا يقتل، وهكذا السارق تقطع يده ولا يقتل. فلو كان الزنا وشرب السكر والسرقة توجب الكفر الأكبر لقُتلوا لقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣) " (٤).
стр. 1428
٣ - التحذير من التفسيق بغير دليل شرعي ولا علم:
قال شيخ الإسلام ﵀: "إن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل. فالكافر من جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن من جعله الله ورسوله مؤمنًا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلًا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها ... والحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع. وأما الأمور التي يستقل بها العقل فمثل الأمور الطبيعية، مثل كون هذا المرض ينفع فيه الدواء الفلاني، فإن مثل هذا يعلم بالتجربة والقياس وتقليد الأطباء الذين علموا ذلك بقياس أو تجربة" (١).
وقال أيضًا ﵀: "هذا مع أني دائمًا، ومن جالسني يعلم ذلك مني، أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى. وأني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، ذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العملية، ما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية" (٢).
وقد تقدم تفصيل ذلك في باب (التكفير).
стр. 1429
٢١٨ - الفطرة
قال الراغب: "أصل الفطر: الشق طولا ويطلق على الوهي وعلى الاختراع وعلى الإيجاد" (١).
قال أبو شامة: "أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة" (٢) ومنه قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١]. أي المبتدئ خلقهن وقال: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]. قال ابن كثير: "أي خلقكم ولم تكونوا شيئا" (٣). قال ابن الأثير: "الفطرة: أي الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجِلسة والرِّكْبة" (٤).
* وفي الاصطلاح الشرعي: المراد بالفطرة الإسلام وهو قول السلف.
قال ابن حجر: "وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة: الإسلام، قال ابن عبد البر (٥): هو المعروف عند عامة السلف. وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر الباب (٦): اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وبحديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: "إني خلقت
стр. 1430
عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" (١) وقد رواه غيره فزاد فيه "حنفاء مسلمين" ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإسلام" (٢) ولما سئل الإمام أحمد عن الفطرة قال: "هي الدين" (٣).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
* الدليل من السنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَل الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ" (٤).
وفي رواية أبي داود: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"" (٥).
وقيل في معنى الفطرة أقوالًا أخرى منها:
العهد والميثاق الذي أخذه الله على بني آدم وهم في ظهور أبيهم (٦).
وقال ابن المبارك وهو مروي عن الإمام أحمد أن المراد: "ما يصير إليه من شقاوة أو سعادة" (٧).
стр. 1431
وقال في هذا شيخ الإسلام: "هذا القول لا ينافي الأول "الإسلام" فإن الطفل يولد سليمًا وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع ... الخ" (١).
وقيل المراد بالفطرة: "الخلقة: أي يولد سالمًا لا يعرف كفرًا ولا إيمانا ثم يعتقد إذا بلغ التكليف" (٢).
وقد رد هذا القول شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: "وقولكم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا مثهما بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان والكفر وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر فهذا القول فاسد جدًّا وأيضًا فالنبي ﷺ شبهها بالبهيمة المجتمعة الخلق وشبه ما يطرأ عليها من الكفر بجدعة الأنف ومعلوم أن كمالها محمود ونقصها مذموم فكيف تكون قبل النقص لا محمودة ولا مذمومة والله أعلم" (٣).
وقيل المراد به: "البداءة التي ابتدأهم عليها" (٤).
وقيل أن المراد: "تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو ترك المرء عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن حسن هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد" (٥).
* والصواب أن المراد بالفطرة الإسلام، كما تقدم في نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنها فطرة الله التي فطر الناس عليها وهي فطرة الإسلام، وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
стр. 1432
[الأعراف. ١٧٢]، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "وهكذا شأن الشرائع التي جاءت بها الرسل فإنها أمر بمعروف ونهي عن منكر وإباحة طيب وتحريم خبيث وأمر بعدل ونهي عن ظلم وهذا كله مركوز في الفطرة وكمال تفصيله وتبيينه موقوف على الرسل وهكذا باب التوحيد وإثبات الصفات فإن في الفطرة الإقرار بالكمال المطلق الذي لا نقص فيه للخالق سبحانه ولكن معرفة هذا الكمال على التفصيل مما يتوقف على الرسل وكذلك تنزيهه عن النقائص والعيوب هو أمر مستقر في فطر الخلائق" (٢).
وقال أيضًا: "سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله بل مما ابتدأ الناس إحداثه فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة الله معنى الإسلام ولا حاجة لذلك لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية لأن قوله "فأبواه يهودانه .. " إلخ محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث "الله أعلم بما كانوا عاملين"" (٣).
стр. 1433
٢١٩ - قاضي القضاة ونحوه *
[احترام أسماء الله]
لله وحده من الأسماء أحسنها ومن الصفات أكملها ومن تسمى باسم يحمل معنى العظمة والكبرياء التي لا تليق إلا به فإنه عند الله من أوضع الناس كقاضي القضاة وشاهان شاه (١) وكملك الملوك، لأن هذا فيه مضاهاة لله، فلذلك صار المتسمي بهذا الاسم من أبغض الناس إلى الله، وأوضعهم عنده. فالتسمي بقاضي القضاة وشاهان شاه ونحوها منافِ لكمال التوحيد.
* الدليل من السنة: وفي الصحيح عَنْ أَبي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: "أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ الله" وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: "أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلاكِ" قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ (٢).
وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ "أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَلِكَ إِلا اللهُ" (٣).
قوله أخنع يعني: أوضع.
عَن أَبي هرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ
стр. 1434
قَتَلَهُ نبيُّهُ وَقَالَ رَوْحٌ: قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ لا مُلْكَ إِلا لِلَّهِ " (١).
قال ابن رجب في ذيل الطبقات في آخر ترجمة رزق الله التميمي:
"وذكر ابن الجوزي في تاريخه: أن جلال الدولة أمره أمره يكتب شاهنشاه الأعظم ملك الملوك وخطب له بذلك فنفر العامة، ورحموا الخطباء، ووقعت فتنة وذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة فاستفتى الفقهاء، فكتب الصميري:
أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية.
وكتب أبو الطيب الطبري: أن إطلاق ملك الملوك جائز، لكون معناه ملك ملوك الأرض. وإذا جاز أن يقال قاضي القضاة، وكافي الكفاة، جاز أن يقال ملك الملوك. وكتب التميمي نحو ذلك. وذكر محمد بن عبد الملك الهمذاني. أن القاضي الماوردي منع من جواز ذلك.
قال ابن الجوزي: والذي ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا أني لا أرى إلا ما رآه الماوردي (٢)؛ لأنه قد صح في الحديث ما يدل على المنع، لكنهم عن النقل بمعزل. ثم ساق حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين.
وابن الجوزي وافق على جواز التسمية بقاضي القضاة ونحوه.
وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم وفي معنى ذلك - يعني: ملك الملوك - كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام، فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله تعالى.
وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضي
стр. 1435
القضاة، وحاكم الحكام قياسًا على ما يبغض الله ورسوله من التسمية بملك الملوك. وهذا محض قياس.
قلت: وكان شيخنا أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي قاضي الديار المصرية وابن قاضيها، يمنع الناس أن يخاطبوا بقاضي القضاة أو يكتبوا له ذلك وأمرهم أن يبدلوا بقاضي المسلمين. وقال: إن هذا اللفظ مأثور عن علي ﵁.
يوضح ذلك: أن التلقيب بملك الملوك إنما كان من شعائر ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم. وكذلك كان المجوس يسمون قاضيهم "موبذ موبذان" يعنون بذلك: قاضي القضاة. فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغي التسمية بها والله أعلم" (١).
أحكام وفوائد:
١ - الصحيح تحريم إطلاق ملك الأملاك أو قاضي القضاة:
والسبب في ذلك أن من تسمى بهذا الاسم فقد جعل نفسه شريكًا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم أو ملك الأملاك إلا الله سبحانه (٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقد ألحق أهل العلم بهذا قاضي القضاة وقالوا: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، ويلي هذا الاسم في القبح والكراهة والكذب سيد الناس وسيد الكل، وليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ خاصة كما قال: "أنا سيد ولد آدم" (٣)
стр. 1436
فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: هو سيد الناس. كما لا يجوز له أن يقول: أنا سيد ولد آدم ﵇.
وقال ابن أبي حمزة: يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان قد اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل المغرب من هذا فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.
وقد زعم بعض المتأخرين أن التسمي بقاضي القضاة ونحو جائز واستدل له بحديث: "أقضاكم علي". قال: فيستفاد منه أن لا حرج على من أطلق على قاض أن يكون أعدل القضاة، وأعلمهم في زمانه أقضى القضاة، أو يريد إقليمه، أو بلده. وتعقبه العالم العراقي، فصوب المنع، ورد ما احتج به بأن التفصيل في ذلك وقع في حق من خوطب به، ومن يلتحق بهم، فليس مساويًا لإطلاق التفضيل بالألف واللام. قال: ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة وسوء الأدب، ولا عبرة بقول من وُلِّي القضاة فنعت بذلك، فلذ في سمعه واحتال في الجواز، فإن الحق أحق أن يتبع" (١).
٢ - مسألة: إذا أضيفت إلى طائفة معينة، أو بلد معين، أو فن معين ولم نُطلق مثل قاض قضاة المغرب فهذا جائز لأنه ليس فيه مشاركة لله تعالى وقد جاء في المعجم الأوسط للطبراني أن عمر بن الخطاب قال: "أقضانا علي" (٢). فإن كان يُخشى على النفس من العجب ترك ذلك.
٣ - النهي لا ينحصر في التسمي بملك الأملاك:
قال ابن حجر: "وقد تعجب بعض الشراح من تفسير ابن عيينة اللفظة العربية باللفظة الأعجمية وأنكر ذلك آخرون وهو غفلة منهم عن مرده وذلك أن لفظة
стр. 1437
"شاهان شاه" كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدّى معناه بأي لسان كان فهو مراد بالذم" (١).
٤ - مسألة: حكم التسمي بأسماء الله .
انظر باب (احترام أسماء الله) في باب (توحيد الأسماء والصفات).
٥ - التسمي بشيخ الإسلام:
قال شمس الدين محمد السخاوي ﵀: "أما شيخ الإسلام: فهو يطلق على ما استقرئ من صنيع المعتبرين على المتبع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مع المعرفة بقواعد العلم والتبحُّر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتمكُّن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المعقول والمنقول على الوضع المرضي .. ".
ثم قال: "ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين: الصديق والفاروق ﵄، الوارد وصفهما بذلك عن علي ﵁ فيما ذكره المحب الطبري في "الرياض النضرة" (٢) له بلا إسناد، عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، سمعتك آنفًا تقول على المنبر: اللهم أصلحني بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر ﵄، إماما الهدى وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ ، من اقتدى بهما عُصِم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم، مَن تمسك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون" (٣).
стр. 1438
ثم ذكر من اشتهر بلقب شيخ الإسلام فقال: "واشتهر بها أبو إسماعيل الهروي، واسمه عبد الله بن محمد الأنصاري صاحب كتاب "منازل السائرين" و"ذم الكلام"، وكان حنبليًا، وأبو علي حسان بن سعيد المنيعي الشافعي وأبو الحسن علي الهكّاري، قال ابن السمعاني: كان يقال له: شيخ الإسلام، وكان شافعيًا أيضًا.
وكذا لُقِّب بها من الحنفية: أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السجزي، المتوفى بعد السبعين والثلاثمائة، وأبو القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس البصري، ذكره ابن منده، ومات سنة إحدى عشرة وأبعمائة، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السعدي المتوفى في سنه إحدى وستين وأربعمائة، وربما لُقِّب ركن الإسلام أيضًا، وأبو نصر أحمد بن محمد بن صاعد الصاعدي، قال فيه الذهبي: أحد من يقال له: شيخ الإسلام، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وعلي بن محمد بن إسماعيل بن علي الإسبيجابي، مات سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وتلميذه صاحب "الهداية" برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني مات في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومحمد بن محمد بن محمد الحُلمي، والعماد مسعود بن شيبة بن الحسين السِّندي، وأبو سعد المطهر بن سليمان الزنجاني، وسديد بن محمد الحنّاطي.
واشتهر بها الأستاذ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني الشافعي، لقبه بها ابن السمعاني في "الذيل"، وتاج الدين ابن الفركاح وهو شافعي، ووصف بها ابن دقيق العيد شيخَه ابن عبد السلام، فقال: هو شيخ الإسلام، وأبو الفرج بن أبي عمر، وهو حنبلي، أول مَنْ ولي قضاء الحنابلة، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.
ولم يكن أبو الحجاج المِزِّي يثبتها في عصره لغير ابن تيمية، وابن أبي عمر، والتقيُّ السبكي، وتزايد ظهورها في أيامه وأيام بنيه، خصوصًا بالشام، ثم لقب
стр. 1439
السراج البلقيني بها" (١).
وقد أطلق الذهبي في السير على ابن عمر ﵁ شيخ الإسلام (٢).
كما لقب بهذا اللقب جماعات من أهل العلم منهم ابن المبارك (٣).
ومنهم أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، قال الإمام أحمد بن حنبل لرجل سأله: عمَّن أكتب؟ قال: اخرج إلى أحمد بن يونس اليربوعي فإنه شيخ الإسلام (٤).
ولكن هذا اللقب حصل له من الابتذال ما جعل الجهلة يتلقبون به ويوضح لنا شمس الدين السخاوي ذلك بقوله: "وابتُذلت هذه اللفظة، فوصف بها على رأس المائة الثامنة، وما بعد ذلك من لا يُحصى كثرة، حتى صار لقبًا لكل من ولي القضاء الأكبر، ولو كان عاريًا عن العلم والسن، وغيرهما، بل صار جهلة الموقعين وغيرهم يجمعون جُلَّ الأوصاف التي لا توجد الآن متفرقة في سائر الناس للشخص الواحد، والعجب ممن يُقرُّهم على ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٥).
وقال الشيخ بكر أبو زيد: "وتكره التسمية بكل اسم، أو مصدر، أو صفة مشبهة مضافة إلى لفظ "الدين" أو لفظ "الإسلام" مثل نور الدين، ضياء الدين، سيف الإسلام، نور الإسلام، وذلك لعظيم منزلة هذين اللفظين: "الدين" و"الإسلام" فالإضافة إليهما على وجه التسمية فيها دعوى فجة تطل على الكذب، ولهذا نص بعض العلماء على التحريم، والأكثر على الكراهة، لأن منها ما يوهم معاني غير
стр. 1440
صحيحة مما لا يجوز إطلاقه، وكانت في أول حدوثها ألقابا زائدة عن الاسم، ثم استعملت أسماء، وقد يكون الاسم من هذه الأسماء منهيًا عنه من جهتين، مثل شهاب الدين، فإن الشهاب الشعلة من النار، ثم إضافةُ ذلك إلى الدين، وقد بلغ الحال في أندنوسيا التسمية بنحو: ذهب الدين، ماس الدين، وكان النووي ﵀ يكره تلقيبه بمحيي الدين، وشيخ الإسلام ابن تيمية يكره تلقيبه بتقي الدين، ويقول: "لكن أهلي لقبوني بذلك فاشتهر"" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما التسمي بشيخ الإسلام مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام فهذا لا يصح إذ أن أبا بكر ﵁ أحق بهذا الوصف لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه فلا بأس بإطلاقه.
وأما بالنسبة للتسمي بـ "الإمام" فهو أهون بكثير من التسمي بـ "شيخ الإسلام" لأن النبي ﷺ سمى إمام المسجد إمامًا ولو لم يكن عنده إلا اثنان. لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام إلا على من كان قدوة وله أتباع كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام؛ لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة؛ لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام هان الإمام الحق في عينه. قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضي من العصا
ومن ذلك أيضًا "آية الله، حجة الله، حجة الإسلام" فإنها ألقاب حادثة لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.