فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره: هو سيد الناس. كما لا يجوز له أن يقول: أنا سيد ولد آدم ﵇.
وقال ابن أبي حمزة: يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان قد اشتهر في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة، وقد سلم أهل المغرب من هذا فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة.
وقد زعم بعض المتأخرين أن التسمي بقاضي القضاة ونحو جائز واستدل له بحديث: "أقضاكم علي". قال: فيستفاد منه أن لا حرج على من أطلق على قاض أن يكون أعدل القضاة، وأعلمهم في زمانه أقضى القضاة، أو يريد إقليمه، أو بلده. وتعقبه العالم العراقي، فصوب المنع، ورد ما احتج به بأن التفصيل في ذلك وقع في حق من خوطب به، ومن يلتحق بهم، فليس مساويًا لإطلاق التفضيل بالألف واللام. قال: ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة وسوء الأدب، ولا عبرة بقول من وُلِّي القضاة فنعت بذلك، فلذ في سمعه واحتال في الجواز، فإن الحق أحق أن يتبع" (١).
٢ - مسألة: إذا أضيفت إلى طائفة معينة، أو بلد معين، أو فن معين ولم نُطلق مثل قاض قضاة المغرب فهذا جائز لأنه ليس فيه مشاركة لله تعالى وقد جاء في المعجم الأوسط للطبراني أن عمر بن الخطاب قال: "أقضانا علي" (٢). فإن كان يُخشى على النفس من العجب ترك ذلك.
٣ - النهي لا ينحصر في التسمي بملك الأملاك:
قال ابن حجر: "وقد تعجب بعض الشراح من تفسير ابن عيينة اللفظة العربية باللفظة الأعجمية وأنكر ذلك آخرون وهو غفلة منهم عن مرده وذلك أن لفظة
стр. 1437
"شاهان شاه" كان قد كثر التسمية به في ذلك العصر فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك بل كل ما أدّى معناه بأي لسان كان فهو مراد بالذم" (١).
٤ - مسألة: حكم التسمي بأسماء الله .
انظر باب (احترام أسماء الله) في باب (توحيد الأسماء والصفات).
٥ - التسمي بشيخ الإسلام:
قال شمس الدين محمد السخاوي ﵀: "أما شيخ الإسلام: فهو يطلق على ما استقرئ من صنيع المعتبرين على المتبع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ مع المعرفة بقواعد العلم والتبحُّر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتمكُّن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المعقول والمنقول على الوضع المرضي .. ".
ثم قال: "ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين: الصديق والفاروق ﵄، الوارد وصفهما بذلك عن علي ﵁ فيما ذكره المحب الطبري في "الرياض النضرة" (٢) له بلا إسناد، عن أنس ﵁ قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، سمعتك آنفًا تقول على المنبر: اللهم أصلحني بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم؟ قال: فاغرورقت عيناه وأهملهما، ثم قال: أبو بكر وعمر ﵄، إماما الهدى وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ ، من اقتدى بهما عُصِم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم، مَن تمسك بهما فهو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون" (٣).
стр. 1438
ثم ذكر من اشتهر بلقب شيخ الإسلام فقال: "واشتهر بها أبو إسماعيل الهروي، واسمه عبد الله بن محمد الأنصاري صاحب كتاب "منازل السائرين" و"ذم الكلام"، وكان حنبليًا، وأبو علي حسان بن سعيد المنيعي الشافعي وأبو الحسن علي الهكّاري، قال ابن السمعاني: كان يقال له: شيخ الإسلام، وكان شافعيًا أيضًا.
وكذا لُقِّب بها من الحنفية: أبو سعيد الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل السجزي، المتوفى بعد السبعين والثلاثمائة، وأبو القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس البصري، ذكره ابن منده، ومات سنة إحدى عشرة وأبعمائة، والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السعدي المتوفى في سنه إحدى وستين وأربعمائة، وربما لُقِّب ركن الإسلام أيضًا، وأبو نصر أحمد بن محمد بن صاعد الصاعدي، قال فيه الذهبي: أحد من يقال له: شيخ الإسلام، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وعلي بن محمد بن إسماعيل بن علي الإسبيجابي، مات سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وتلميذه صاحب "الهداية" برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني مات في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ومحمد بن محمد بن محمد الحُلمي، والعماد مسعود بن شيبة بن الحسين السِّندي، وأبو سعد المطهر بن سليمان الزنجاني، وسديد بن محمد الحنّاطي.
واشتهر بها الأستاذ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني الشافعي، لقبه بها ابن السمعاني في "الذيل"، وتاج الدين ابن الفركاح وهو شافعي، ووصف بها ابن دقيق العيد شيخَه ابن عبد السلام، فقال: هو شيخ الإسلام، وأبو الفرج بن أبي عمر، وهو حنبلي، أول مَنْ ولي قضاء الحنابلة، وابن دقيق العيد، وابن تيمية.
ولم يكن أبو الحجاج المِزِّي يثبتها في عصره لغير ابن تيمية، وابن أبي عمر، والتقيُّ السبكي، وتزايد ظهورها في أيامه وأيام بنيه، خصوصًا بالشام، ثم لقب
стр. 1439
السراج البلقيني بها" (١).
وقد أطلق الذهبي في السير على ابن عمر ﵁ شيخ الإسلام (٢).
كما لقب بهذا اللقب جماعات من أهل العلم منهم ابن المبارك (٣).
ومنهم أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، قال الإمام أحمد بن حنبل لرجل سأله: عمَّن أكتب؟ قال: اخرج إلى أحمد بن يونس اليربوعي فإنه شيخ الإسلام (٤).
ولكن هذا اللقب حصل له من الابتذال ما جعل الجهلة يتلقبون به ويوضح لنا شمس الدين السخاوي ذلك بقوله: "وابتُذلت هذه اللفظة، فوصف بها على رأس المائة الثامنة، وما بعد ذلك من لا يُحصى كثرة، حتى صار لقبًا لكل من ولي القضاء الأكبر، ولو كان عاريًا عن العلم والسن، وغيرهما، بل صار جهلة الموقعين وغيرهم يجمعون جُلَّ الأوصاف التي لا توجد الآن متفرقة في سائر الناس للشخص الواحد، والعجب ممن يُقرُّهم على ذلك، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٥).
وقال الشيخ بكر أبو زيد: "وتكره التسمية بكل اسم، أو مصدر، أو صفة مشبهة مضافة إلى لفظ "الدين" أو لفظ "الإسلام" مثل نور الدين، ضياء الدين، سيف الإسلام، نور الإسلام، وذلك لعظيم منزلة هذين اللفظين: "الدين" و"الإسلام" فالإضافة إليهما على وجه التسمية فيها دعوى فجة تطل على الكذب، ولهذا نص بعض العلماء على التحريم، والأكثر على الكراهة، لأن منها ما يوهم معاني غير
стр. 1440
صحيحة مما لا يجوز إطلاقه، وكانت في أول حدوثها ألقابا زائدة عن الاسم، ثم استعملت أسماء، وقد يكون الاسم من هذه الأسماء منهيًا عنه من جهتين، مثل شهاب الدين، فإن الشهاب الشعلة من النار، ثم إضافةُ ذلك إلى الدين، وقد بلغ الحال في أندنوسيا التسمية بنحو: ذهب الدين، ماس الدين، وكان النووي ﵀ يكره تلقيبه بمحيي الدين، وشيخ الإسلام ابن تيمية يكره تلقيبه بتقي الدين، ويقول: "لكن أهلي لقبوني بذلك فاشتهر"" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما التسمي بشيخ الإسلام مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام فهذا لا يصح إذ أن أبا بكر ﵁ أحق بهذا الوصف لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه فلا بأس بإطلاقه.
وأما بالنسبة للتسمي بـ "الإمام" فهو أهون بكثير من التسمي بـ "شيخ الإسلام" لأن النبي ﷺ سمى إمام المسجد إمامًا ولو لم يكن عنده إلا اثنان. لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام إلا على من كان قدوة وله أتباع كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام؛ لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة؛ لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام وهذا إمام هان الإمام الحق في عينه. قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضي من العصا
ومن ذلك أيضًا "آية الله، حجة الله، حجة الإسلام" فإنها ألقاب حادثة لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.
стр. 1441
وأما آية الله فإن أريد المعنى الأعم فلا مدح فيه، لأن كل شيء آية لله كما قيل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وإن أريد المعنى الأخص أي أن هذا الرجل آية خارقة فهذا في الغالب يكون مبالغًا فيه، والعبارة السليمة أن يقال: عالم، مفتٍ، قاض، حاكم، إمام لمن كان مستحقا لذلك" (١).
قال الجنيد: "علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به" (٢).
стр. 1442
٢٢٠ - القبور *
[المشاهد - زيارة القبور]
المقبرة: تُضم باؤها وتفتح. قال ابن الأثير: "هي موضع دفن الموتى. تقول: أقبرته إذا جعلت له قبرًا، وقبرته إذا دفنته" (١).
ويرتبط بباب "القبور" مسائل في الشرك الأكبر والشرك الأصغر كما يرتبط أيضًا ببعض البدع والمحرمات وسوف نتكلم عن أهم الأمور المرتبطة به.
١ - احترام المقابر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" (٢).
قال الشيخ مرعي الحنبلي: "واعلم أن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يجلس أو يتكأ عليه عند الجمهورمن العلماء ولا يفعل عنده ما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة" (٣).
وقال ابن باز ﵀: "قد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي على وجوب احترام الموتى من المسلمين وعدم إيذائهم، ولا شك أن المرور عليها بالسيارات
стр. 1443
والمواشي وإلقاء القمامات عليها كل ذلك من الاستهانة بها وعدم احترامها، وكل ذلك منكر ومعصية لله ولرسوله وظلم للأموات واعتداء عليهم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ النهي والتحذير عما هو أقل من هذا كالجلوس على القبر أو الاتكاء عليه ونحوه، فقال ﵊: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم في صحيحه. وقال النبي ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" خرّجه مسلم أيضًا.
وعن عمرو بن حزم قال: رأَني رسول الله متكئًا على قبر فقال: "لا تؤذوا صاحب هذا القبر أو لا تؤذه". رواه أحمد.
فالواجب على جميع المسلمين احترام قبور موتاهم وعدم التعرض لها بشيء من الأذى كالجلوس عليها والمرور عليها بالسيارات ونحوها وإلقاء القمامات عليها وأشباه ذلك من الأذى" (١).
* ومن أعظم ما يحترم به أصحاب القبور ترك الغلو فيهم:
قال ابن القيم: "ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط الله المستقيم، صراط أهل نعمته ورحمته وكرامته أن النهي عن اتخاذ القبور أوثانا وأعيادا وأنصابا، والنهي عن اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها، والنذر لها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الجباه في عرصاتها غضٌّ من أصحابها، ولا تنقيص لهم، ولا تنقص. كما يحسبه أهل الإشراك والضلال بل ذلك من إكرامهم، وتعظيمهم، واحترامهم، ومتابعتهم فيما يحبونه وتجنب ما يكرهونه، فأنت والله وليهم ومحبهم وناصر طريقتهم وسنتهم وعلى هديهم ومناهجهم، وهؤلاء المشركون أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم ومتابعتهم كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى ﵉، والرافضة
стр. 1444
مع علي ﵁، فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل. فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع، والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم، دون عبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أعيادًا" (١).
* وينبغي التزام السكينة حال السير مع الجنازة:
قال النووي ﵀: "واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال، فهذا هو الحق، ولا تغتر بكثرة من يخالفه، فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: "الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين".
وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته - يشير إلى قول قيس بن عباد - وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة. والله المستعان" (٢).
وقال الألباني: "ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص منها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور، وذلك في قوله ﷺ : "لا
стр. 1445
تتبع الجنازة بصوت ولا نار" (١). . . ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة، لأنه بدعة، ولقول قيس بن عباد: "كان أصحاب النبي ﷺ ، يكرهون رفع الصوت عند الجنائز". أخرجه البيهقي ٤/ ٧٤ بسند رجاله ثقات.
ولأن فيه تشبهًا بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك تشييعا بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدًا للكفار. والله المستعان" (٢).
٢ - زيارة القبور: وتنقسم إلى زيارة بدعية، وزيارة شركية وزيارة شرعية وقد تقدم الكلام عنها وعن حكم زيارة قبر المشرك في باب (زيارة القبور).
٣ - زيارة النساء للقبور: تقدم الكلام عن منع ذلك وذكرنا أقوال العلماء في باب (زيارة النساء للقبور).
٤ - منشأ وبداية عبادة القبور (٣):
قال ابن القيم: "ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا
стр. 1446
من لم يرد الله تعالى فتنته ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانًا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى. وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤].
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن ابن جريج قال: قال عطاء عن ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
وقال غير واحد من السلف: "كان هؤلاء قومًا صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التمائيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂ منها أن أم سلمة ولكنها ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها مارية، فذكرت له
стр. 1447
ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى". وفي لفظ آخر في الصحيحين: "أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها".
فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات.
فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره"، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄: "كان يلت السويق للحجاج".
فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي ﷺ .
قال شيخنا: "وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المسجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس، فنهى أمته عن
стр. 1448
الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدًا للذريعة"" (١).
* استمرار عمل المشركين مع قبورهم في أمة محمد ﷺ -:
بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد لهذه المسألة وقررها بالأدلة وتولاها شُراح الكتاب بالتوضيح والتبيين فقال الإمام - رحمه الله تعالى -:
"باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان" ثم ذكر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].
وفي حديث أبي سَعيدٍ الْخُدري عن النبي ﷺ قال: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا يا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ " (٢).
وروى الإمام أحمد عن شدَّاد بن أوْسٍ أن رَسُول الله ﷺ قال: "ليَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ على سَنَنِ الَّذين خَلَوْا مِن قَبْلِهمْ أهْلِ الْكِتابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بالْقُذَّةِ" (٣).
وفي حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللَّهَ زوى لِي الأَرْضَ أَوْ قَالَ: إنَّ ربِّي زَوَى لي الأَرْضَ فرأيتُ مَشَارِقَها ومغاربَها، وَإنَّ مُلكَ أمَّتي سيبلغُ ما زُويَ لِي
стр. 1449
مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلا يُسَلِّطَ عَلَيهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضيْتُ قَضاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ وَلا أُهْلِكُهُمْ بسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلا أُسَلِّطُ عَلَيهمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيهمْ مِنْ بَيْنِ أَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ بِأَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا، وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاثُونَ كُلّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ قَالَ ابْنُ عِيسَى ظَاهِرِينَ ثُمَّ اتَّفَقَا لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ" (١).
وإذا نظرت إلى مبدأ عبادة الأوثان في الخلق وقارنتها بهذه النصوص ثم نظرت إلى حال عباد القبور اليوم تبين لك الخطر العظيم والشرك الوخيم الذي يتقطع له قلوب المؤمنين حسرة وألمًا، وأقل ما في هذه النصوص بيان أن الشرك كائن في هذه الأمة فقد أخبر ﷺ أن جماعات من أمته ستعبد الأوثان فالحذر الحذر يا أمة محمد ﷺ .
٥ - حكم عبادة الله عند القبور:
أفرد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لذلك بابًا خصّه بما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده.
قال في التيسير: "أي: عبد القبر أو الرجل الصالح" (٢). وقد تقدم ذكر الأحاديث في النهي عن ذلك (٣).
стр. 1450
ومن أنواع العبادات التي يكثر الوقوع فيها هناك:
الصلاة عند القبر والذبح عنده والطواف به أو التمسح أو التوسل إلى الله بأهلها، أو الغلو في أهلها وتعظيمهم، أو ما يكون من العبادات المالية كالصدقة عند وضعه في القبر، أو تحري الدعاء عندها.
وقد يصل بهم الحال إلى الشرك بالميت كالذبح للقبر (١)، أو النذر له (٢)، أو دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم.
قال ابن القيم ﵀: "ومنها أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور: إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين على أنفسهم وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له" (٣).
وحكم الدعاء عند القبر على قسمين:
الأول: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها فهذا لا بأس به.
الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره فهذا النوع منهي عنه. كما قرر ذلك ابن تيمية (٤).
стр. 1451
ومن العبادات كذلك عبادة القلب التي تصحب القبوريين حال الزيارة من خوف وخشية ورغبة ورهبة وإذعان وخشوع حتى إن أحدهم ليوجل هناك ويخشع أشد من خشوعه أمام ربه، ومما يصاحب ذلك من اعتقادات فاسدة: اعتقادهم في كثير من أضرحة الأولياء اختصاصات كاختصاصات الأطباء، فمنهم من ينفع في مرض العيون، ومنهم من يشفي من مرض الحمى (١). حتى قال بعضهم: قبر معروف الترياق المجرب.
ومن المظاهر الشركية اعتقاد بعضهم أن القبر الصالح إذا كان في قرية: أنهم ببركته يرزقون وينصرون، ويقولون: أنه حضر البلد، كما يقولون: السيدة نفيسة خفيرة القاهرة، والشيخ رسلان خفير دمشق، وفلان وفلان خفراء بغداد وغيرها (٢).
وكذلك تقديس ما حول القبر من شجر وحجر، واعتقاد أن من قطع شيئًا من ذلك يصاب بأذى (٣)، فهذه كلها داخلة في أعمال القلوب التي يجب صرفها لله وحده ولا يشرك معه غيره لا يشرك معه قبر أو صنم أو وثن كما يجب الاعتقاد الجازم بأن البركة من الله وحده والنماء والزيادة والعافية منه سبحانه، لا يدفع الضر والبلاء إلا هو، ولم يشرع اتخاذ القبور أسبابًا لعبادته بل حذر منها ولعن فاعليها، نعوذ بالله من الشرك كله دقه وجله، وصغيره وكبيره. وهذه أمثلة فقط في أنواع العبادات التي يجب على العبد صرفها لله وحده رزقنا الله الإخلاص في التوحيد والديمومة عليه والثبات على ذلك حتى نلقاه غير مبدلين ولا مبتدعين.
стр. 1452
مسألة: الدعاء عند قبر النبي ﷺ -:
سبق الكلام عنها في باب الدعاء كما تكلمنا هناك عن هيئة الداعي عند قبر النبي ﷺ .
٦ - البدع عند القبور:
أما البدع فكثيرة متنوعة ومنها ما هو بدعة كفرية كفر أكبر ومنها ما هو دون ذلك. قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس، قال: وهؤلاء من جنس عبّاد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت أو الغائب كما يتمثل لعبّاد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدني رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه لما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
ورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلًا حسنًا، فذكرته بلفظه، قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها
стр. 1453
وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرِّقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يُقبِّل مشهد الكف، ولم يتمسَّح بأَجُرَّة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته الصديق أبو بكر، أو محمد وعلي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والأَجر، ولم يُخرّق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى" (١).
* ومن البدع المتعلقة بالقبور:
١ - اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم في باب (اتخاذ القبور مساجد).
٢ - اتخاذ القبور عيدا وقد تقدم في باب (اتخاذ القبور عيدًا).
٣ - إيقاد السرج على القبور وقد تقدم في باب (إيقاد السرج على القبور).
٤ - البناء على القبور وقد تقدم في باب (البناء على القبور).
٥ - شد الرحال إلى القبور وقد تقدم في باب (شد الرحال إلى القبور).
٦ - الكتابة على القبر: انظر باب (الكتابة على القبر).
٧ - وضع الغرس على القبر (٢):
قال الألباني ﵀: "ولا يشرع وضع الآس ونحوها من الرياحين والورود على القبور؛ لأنه لم يكن من فعل السلف ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وقد قال ابن عمر ﵄: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (٣).
стр. 1454
وقال معلقا على ذلك: "ولا يعارض ما ذكرنا حديث ابن عباس في وضع النبي ﷺ شقي جريدة النخل على القبرين وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". متفق عليه. وقد خرجته في صحيح أبي داود (١٥). فإنه خاص به ﷺ بدليل أنه لم يجر العمل به عند السلف وأمور أخرى يأتي بيانها. قال الخطابي - رحمه الله تعالى - في معالم السنن" (١/ ٢٧) - تعليقًا على الحديث: "إنه من التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه".
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ١٠٣) عقب هذا: "وصدق الخطابي، وقد ازداد العامة إصرارًا على هذا العمل الذي لا أصل له، وغلوا فيه، خصوصا في بلاد مصر تقليدًا للنصارى حتى صاروا يضعون الزهور على القبور، ويتهادونها بينهم، فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم، ومجاملة للأحياء، وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية في المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوربا ذهبوا إلى قبور عظمائهم أو إلى قبر من يسمونه "الجندي المجهول" ووضعوا عليها الزهور، وبعضهم يضع الزهور الصناعية التي لا نداوة فيها تقليدا للإفرنج، واتباعًا لسنن من قبلهم، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء أشباه العامة، بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك في قبور موتاهم، ولقد علمت أن أكثر الأوقاف التي تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذي يوضع على القبور وكل هذا بدع ومنكرات لا أصل لها في الدين، ولا سند لها من الكتاب والسنة، ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا".
стр. 1455
ثم أورد الألباني الأدلة على اختصاص وضع الجريدة بالرسول ﷺ ودلل عليه بحديث جابر ﵁ الطويل في صحيح مسلم (٨/ ٢٣١ - ٢٣٦) وفيه قال ﷺ : "إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين".
ودلل عليه أيضًا بأن السلف الصالح لم يفعلوه ولم يشتهر عنهم فعله. فوضع الجريد على القبر خاص به ﷺ ، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب بل في شفاعته ﷺ ودعائه لهما وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى ولا لغيره من بعده ﷺ لأن الاطلاع على عذاب القبر من خصوصياته ﷺ ، وهو من الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الرسول كما جاء في نص القرآن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. . . وأما وصية بريدة فهي ثابتة عنه، قال ابن سعد في الطبقات (ج ٧ ق ١ ص ٤): أخبرنا عفان بن مسلم قال: ثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم الأحول قال: قال مورق: أوصى بريدة الأسلمي أن توضع في قبره جريدتان فكان أن مات بأدنى خراسان فلم توجد إلا في جوالق حمار. وهذا سند صحيح وعلقه البخاري ٣/ ١٧٣ مجزوما. قال الحافظ في شرحه: "وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين".
قال ابن رشيد: "ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر: إنما يظله عمله".
قلت (١): ولا شك أن ما ذهب إليه البخاري هو الصواب لما سبق بيانه، ورأي بريدة لا حجة فيه، لأنه رأي والحديث لا يدل عليه حتى لو كان عاما فإن النبي ﷺ لم يضع الجريدة في القبر، بل عليه كما سبق، وخير الهدي هدي محمد" (٢).
стр. 1456
قال ابن باز ﵀: "وأما تنبيت أو غرس الأشجار عليها فلا يجوز، لأن النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم لم يفعلوا ذلك، ولأن في ذلك نوعا من الغلو، ويخشى أن يفتن الناس بالأشجار المغروسة عليها، وأما غرس النبي ﷺ الجريدتين على القبرين المعذبين فالصحيح من أقوال العلماء أن هذا خاص به ﷺ وبالقبرين لكونه لم يفعل ذلك مع بقية القبور، وهكذا أصحابه ﵃ فعلم أن ذلك خاص به ﷺ وبأصحاب القبرين، والله أعلم" (١).
وقال ابن باز ﵀: "وهكذا لا يشرع غرس الشجر على القبور لا الصبار ولا غيره، ولا زرعها بشعير أو حنطة أو غير ذلك؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك في القبور، ولا الخلفاء الراشدون ﵃. أما ما فعله مع القبرين اللذين أطلعه الله على عذابهما من غرس الجريدة فهذا خاص به ﷺ وبالقبرين لأنه لم يفعل ذلك مع غيرهما" (٢).
٨ - قراءة القرآن عند القبر:
وينبغي التفريق بين قراءة القرآن حال الاحتضار وقبل خروج الروح وبين قراءته عند القبر بعد الموت.
قال شارح الطحاوية: "اختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال: هل تكره، أم لا بأس بها وقت الدفن، وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية - قالوا: لأنه محدث لم ترد السنة والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها فكذلك القراءة، ومن قال: لا بأس بها كمحمد بن الحسن وأحمد في رواية استدلوا بما نقل عن ابن عمر ﵄: أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها، ونقل أيضا عن بعض
стр. 1457
المهاجرين قراءة سورة البقرة، ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط وهو رواية عن أحمد أخذ بما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين، وأما بعد ذلك كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم تأت به السنة ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلًا. . ." (١).
وقال ابن تيمية: "فيها ثلاث روايات عن أحمد. . .
والثانية: أن ذلك مكروه وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما، وهي مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام لأن ذلك عنده بدعة. وقال مالك: "ما علمت أحدا يفعل ذلك" فعُلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه" (٢).
وقال الألباني ﵀: "وأما قراءة القرآن عند زيارتها، فمما لا أصل له في السنة، بل الأحاديث المذكورة في المسألة السابقة تشعر بعدم مشروعيتها، إذ لو كانت مشروعة، لفعلها رسول الله ﷺ وعلمها أصحابه، لا سيما وقد سألته عائشة ﵂ وهي من أحب الناس إليه ﷺ - عما تقول إذا زارت القبور؟ فعلمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن، فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه ﷺ علمهم شيئًا من ذلك لنقل إلينا، فإذا لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.
ومما يقوي عدم المشروعية قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر
стр. 1458
من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة" (١). فقد أشار ﷺ إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعا للصلاة أيضا، وهو قوله: "صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا" (٢) وهذا الحديث أخرجه البخاري بنحوه وترجم له بقوله: باب كراهية الصلاة في المقابر فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر، ولا فرق. ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة عند القبور. ثم قال الألباني ﵀ وقد استدل جماعة من العلماء بالحديث على ما استدل به البخاري، وأيده الحافظ في شرحه" (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بـ ياسين" (٤).
وقال الألباني - معلقًا على كلام ابن تيمية السابق -: "لكن حديث قراءة ياسين ضعيف والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته وغيرها" (٥).
وقال الإمام ابن باز ﵀: "لا تشرع قراءة سورة "يس" ولا غيرها من القرآن على القبر بعد الدفن ولا عند الدفن، ولا تشرع القراءة في القبور؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولا خلفاؤه الراشدون، كما لا يشرع الأذان ولا الإقامة في القبر، بل كل
стр. 1459
ذلك بدعة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" خرجه الإمام مسلم في صحيحه. . . وليس للمسلمين أن يحدثوا شيئًا من القربات لم يشرعه الله للحديث المذكور، ولقوله الله سبحانه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] " (١).
٩ - الأذان والإقامة حال وضعه في القبر (٢).
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن حكم الأذان والإقامة في قبر الميت عند وضعه فيه؟
فأجاب - قدس الله روحه -: "لا ريب أن ذلك بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن ذلك لم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ والخير كله في اتباعهم وسلوك سبيلهم" (٣).
ومن البدع أن يبخر القبر، أو أن يفرش فيه ريحان (٤).
١٠ - الطواف بالقبر وقد تقدم في باب (الطواف بغير الكعبة) .
٢٢١ - القبول المنافي للرد
من شروط (لا إله إلا الله) انظر: باب (لا إله إلا الله).
стр. 1460
٢٢٢ - القدر *
القدر في اللغة: القدر بفتح القاف والدال وسكونها مصدر قدر يقدّر تقديرًا، قال ابن سيده: "القَدْر والقَدَر: القضاء والحكم وهو ما يقدِّره الله من القضاء
стр. 1461
وبحكم به من الأمور" (١).
وقال ابن حجر في الفتح: "قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدِره بالكسر والفتح قَدْرًا و قَدَرًا إذا أحطت بمقداره" (٢).
والقدر في الشرع: "ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه قدّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها" (٣).
وقال ابن حجر في تعريفه: "المراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته" (٤).
وسئل الإمام أحمد عن القدر فقال: "القدر قدرة الله على العباد" (٥).
وقال النووي في معنى القدر: "أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة هي تقع على حسب ما قدرها " (٦).
وسئلت اللجنة عن معنئ القدر فأجابت: "معناه أن الله علم الأشياء كلها قبل وجودها وكتبها عنده وشاء ما وجد منها وخلق ما أراد خلقه" (٧).
стр. 1462
وقال ابن عثيمين: "الإيمان بالقدر: هو أن تؤمن بتقدير الله للأشياء كلها سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ومعلوم أنه لا كتابة إلا بعد علم، فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم الله مكتوب، لأن الذي كتب إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في الدنيا هي معلومة عند الله، ، ولكنه لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة" (١).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. وقوله جل ذكره: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. وقوله جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وقوله ﵎: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. وقد جاء في سبب نزولها ما رواه مسلم عن أبي هريرة عنه قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت
стр. 1463
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] " (١).
* الدليل من السنة: عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي القَدَرِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِمْيَرِيُّ حَتَّى أَتَيْنَا المَدِينَةَ فَقُلنَا: لَوْ لَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا أَحْدَثَ هَؤُلاءِ القَوْم، قَالَ: فَلَقِينَاهُ - يَعْنِي عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ - وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ المَسْجِدِ، قَالَ: فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبي سَيَكِلُ الكَلامَ إِلَيَّ. فَقُلتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ وَيتَقَفَّرُونَ العِلمَ وَيزْعُمُونَ أَنْ لا قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَءَاءُ وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ الله لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، ثم استدل بقول النبي ﷺ في تعريف الإيمان: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (٢).
وروى مسلم عن طاوس أنه قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر" (٣).
وفي رواية: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر" (٤). وقال طاوس: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز"" (٥).
стр. 1464
وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﷺ لابْنِهِ: "يَا بُنيَ إِنَكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطأَكَ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُب. قَالَ: رَبِّ وَمَاذا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" يَا بُنيَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي"" (١).
وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" (٢).
وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" (٣).
* أقوال السلف: عن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يذوق عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر كله، وبأنه مبعوث من بعد الموت" (٤).
وقال ﵁: "لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن" (٥).
وفي السنن عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْب فَقُلتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ القَدَرِ فَحَدِّثْنِي بشَيْءٍ لَعَل الله أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلبِي. قَالَ: لَوْ أَنَّ الله عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ
стр. 1465
خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهَبًا فِي سَبِيلِ الله مَا قَبلَهُ الله مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلتَ النَّارَ. قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذلِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذلِكَ" (١).
وعن أبي الحجاج الأزدي قال: قلت لسلمان (٢): "ما قول الناس حتى تؤمن بالقدر خيره وشره"؟ قال: "حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، ولا تقول: لو فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولو لم أفعل كذا وكذا لم يكن كذا وكذا" (٣).
قال أحمد بن جعفر الإصطخري: قال لي أحمد: "والقدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قضاءً قضاه وقدرًا قدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله ولا يجاوز قضاءه بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم لا محالة وهو عدل منه عز ربنا وجل" (٤).
والإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان التي لا يتحقق إيمان عبد إلا بها. ويجب الإيمان به إيمانا جازما ومن أنكره فإنه كافر مشرك بالربوبية. قال علي
стр. 1466
بن أبي طالب ﵁: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستقر يقينا غير ظن أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله" (١).
قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: "من السنة اللازمة: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها" (٢).
وقال ابن القيم ﵀: "وقال الإمام أحمد: القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق الأعمال وكتابها وتقديرها" (٣).
أحكام وفوائد:
١ - أركان الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر على أربع مراتب (٤):
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الذي هو صفته الأزلية فهو سبحانه عالم بكل شيء وهو بكل شيء محيط فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض فيعلم جميع خلقه قبل خلقهم ويعلم ما ستكون عليه أحوالهم كلها سرها وعلانيتها.
قال ابن عثيمين ﵀: "فعلم ما كان وما يكون. فكل شيء معلوم لله سواء كان دقيقا أم جليلا من أفعاله أو أفعال خلقه" (٥).
стр. 1467
والأدلة على هذا كثيرة منها:
قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقوله سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]. وقوله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ومن السنة حديث ابن عباس ﵁ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم"" (١). وهذا يدل على علم الله وإحاطته بكل شيء وأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
قال شارح الطحاوية: "وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر" (٢).
المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب مقادير خلقه في اللوح المحفوظ ولم يفرط في ذلك من شيء.
والأدلة على هذا كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠].
стр. 1468
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
ومن السنة حديث عُبَادَةَ ﵁ قال: يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎ القَلَم، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلتَ النَّارَ" (١).
وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة. فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] " (٢).
وكل هذا يدل على أن الله ﵎ كتب كل شيء قبل الخلق، ولم يفرط في الكتاب من شيء وذلك يسير على الله.
* فائدة:
قوله: "أول ما خلق الله القلم " يعني: بعد خلق العرش؛ لأن العرش هو أول المخلوقات على الصحيح من قولي العلماء لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "قدر الله - وفي رواية: كتب الله - مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (٣).
فالذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل القلم، قال ابن عباس: "إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن، وأن ما يجري على الناس على أمر قد فرغ منه" وعلى هذا فإن أول شيء
стр. 1469
خلق بعد العرش هو القلم وقد سئل ابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. على أي شيء؟ قال: على متن الريح (١).
وقد رواه البيهقي وروى حديث: "أول شيء خلقه الله القلم" ثم قال البيهقي ﵀: وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش" (٢).
المرتبة الثالثة: مرتبة الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته ولا بد وما لم يشأ لم يكن لعدم المشيئة لا لعدم القدرة لأن الله ﵎ لا يعجزه شيء كما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
* والأدلة على المشيئة الشاملة كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
ومن السنة قول الرسول ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم بسنديهما عن معاوية بن أبي سفيان: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (٣).
ودلالة هذه الأدلة على عموم مشيئة الله تعالى ظاهرة فكل ما يحصل في هذا الكون فهو مراد له سبحان وتعالى بالإرادة الكونية فهو الخالق وحده المالك المدبر فلا يجري في ملكه إلا ما يريد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا يعجزه شيء. ولا
стр. 1470
يعني هذا أن الله يرضى عن ما يقع من العباد من الكفر والمعاصي.
الفرق بين المشيئة والإرادة:
الإرادة أعم من المشيئة؛ لأن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. أما مشيئة الله فهي في النصوص واحدة فلا تكون إلا كونية ولا يوجد مشيئة شرعية.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم:". . . الإرادة إرادتان: كونية قدرية، وشرعية دينية، وأما المشيئة فلم ترد في النصوص إلا كونية قدرية فلا تنقسم" (١).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد: "والفرق بين المشيئة والإرادة: أن المشيئة لم تأت في الكتاب والسنة إلا لمعني كوني قدري، وأما الإرادة فإنها تأتي لمعني كوني ومعني ديني شرعي. . ." (٢).
وأما الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية:
قال شارح الطحاوية: "الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات" (٣).
وقال ابن باز ﵀: "والفرق بين الإرادتين: الأولى لا يتخلف مرادها أبدا بل ما أراده الله، كونا فلا بد من وقوعه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أما الإرادة الشرعية فقد يوجد مرادها من بعض الناس وقد يتخلف، وإيضاح ذلك أن الله سبحانه أخبر أنه يريد البيان للناس والهداية والتوبة، ومع ذلك أكثر
стр. 1471
الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق، لأنه قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبينها ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا، لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته، ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين.
ومما يزيد المقام بيانًا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية، وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية، وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل، والله الموفق" (١).
ويقول شارح الطحاوية: "ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضى، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبًا مرضيًا.
وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة.
أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة" (٢).
стр. 1472
ومع إيماننا بقدرة الله ومشيئته فإننا نؤمن أيضًا أن للعبد قدرة ومشيئة واختيارا بها تتحقق أفعاله وبمقتضاها يكون الثواب والعقاب كما أن قدرة العبد ومشيئته التي بها تحصل أعماله غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح الإنسان ذلك وجعله قادرا على التمييز والاختيار فأي الفعلين اختار لم يخرج عن كونه داخلا تحت مشيئة الله وقدرته وخلقه.
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وقد ضل في القدر طائفتان:
إحداهما: الجبرية الذين قالوا إن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة.
الثانية: القدرية الذين قالوا إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر.
والرد على الطائفة الأولى "الجبرية" بالشرع والواقع:
أما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. الآية. وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل، والشرب، والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه.
والرد على الطائفة الثانية "القدرية" بالشرع والعقل:
стр. 1473
أما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
وأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لكل تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيئته" (١).
المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء لا خالق غيره ولا رب سواه ومما يدل على هذا ما يلي:
قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
ومن السنة قول الرسول ﷺ : "إن الله خالق كل صانع وصنعته" (٢).
ودلت هذه النصوص على أن الله ﵎ هو الذي قدر كل شيء وخلقه وهو الذي أحاط الأشياء بعنايته ورعايته وقد قدر الكائنات وأوجدها لا على مثال سابق ووهب بعض خلقه القدرة والفعل، والله سبحانه هو الخالق للفاعل وفعله وهو الخلاق العليم.
стр. 1474
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع وقد جُمعت في بيت:
علم كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين
ومنهم من يجعلها مرتبتين وكل مرتبة تتضمن مرتبتين فتكون أربعًا.
قال شيخ الإسلام: "والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى عليم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق "فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف". وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعبادُ فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ
стр. 1475
يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها" (١).
وقال ابن رجب: "والإيمان بالقدر على درجتين:
أحدهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق علمه ما يعلمه العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم.
وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم.
فهذه الدرجة التي يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره. . ." (٢).
٢ - مسألة:
فإن قلت: كيف؟ قال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره " وقد قال في الحديث: "والشر ليس إليك"؟ فالجواب عن هذا أن إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعولُ إن كان مقدرًا عليه فهو بسبب جهله وظلمه وذنوبه لا إلى الخالق فله في ذلك من الحكم ما تقصر عنه أفهام البشر لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب