← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الخلق لم يهتد ولم يوفق للتوبة ولم يتبصر في الحق، لأنه قد أوضح الحجة والدليل وبين السبيل وشرع أسباب التوبة وبينها ولكنه لم يشأ لبعض الناس أن يهتدي أو يتوب أو يتبصر فذلك لم يقع منه ما أراده الله شرعا، لما قد سبق في علم الله وإرادته الكونية من أن هذا الشخص المعين لا يكون من المهتدين ولا ممن يوفق للتوبة. وهذا بحث عظيم ينبغي تفهمه وتعقله والتبصر في أدلته، ليسلم المؤمن من إشكالات كثيرة وشبهات مضلة حار فيها الكثير من الناس لعدم تحقيقهم للفرق بين الإرادتين. ومما يزيد المقام بيانًا أن الإرادتين تجتمعان في حق المؤمن فهو إنما آمن بمشيئة الله وإرادته الكونية، وهو في نفس الوقت قد وافق بإيمانه وعمله الإرادة الشرعية وفعل ما أراده الله منه شرعا وأحبه منه، وتنفرد الإرادة الكونية في حق الكافر والعاصي فهو إنما كفر وعصى بمشيئة الله وإرادته الكونية، وقد تخلفت عنه الإرادة الشرعية لكونه لم يأت بمرادها وهو الإسلام والطاعة فتنبه وتأمل، والله الموفق" (١). ويقول شارح الطحاوية: "ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضى، فسوى بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبًا مرضيًا. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة. أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة" (٢).

стр. 1472

ومع إيماننا بقدرة الله ومشيئته فإننا نؤمن أيضًا أن للعبد قدرة ومشيئة واختيارا بها تتحقق أفعاله وبمقتضاها يكون الثواب والعقاب كما أن قدرة العبد ومشيئته التي بها تحصل أعماله غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح الإنسان ذلك وجعله قادرا على التمييز والاختيار فأي الفعلين اختار لم يخرج عن كونه داخلا تحت مشيئة الله وقدرته وخلقه. وقال الشيخ ابن عثيمين: "وقد ضل في القدر طائفتان: إحداهما: الجبرية الذين قالوا إن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة. الثانية: القدرية الذين قالوا إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر. والرد على الطائفة الأولى "الجبرية" بالشرع والواقع: أما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة ومشيئة، وأضاف العمل إليه قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. الآية. وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل، والشرب، والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه. والرد على الطائفة الثانية "القدرية" بالشرع والعقل:

стр. 1473

أما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته فقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. وأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لكل تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيئته" (١). المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء لا خالق غيره ولا رب سواه ومما يدل على هذا ما يلي: قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. ومن السنة قول الرسول ﷺ : "إن الله خالق كل صانع وصنعته" (٢). ودلت هذه النصوص على أن الله ﵎ هو الذي قدر كل شيء وخلقه وهو الذي أحاط الأشياء بعنايته ورعايته وقد قدر الكائنات وأوجدها لا على مثال سابق ووهب بعض خلقه القدرة والفعل، والله سبحانه هو الخالق للفاعل وفعله وهو الخلاق العليم.

стр. 1474

وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع وقد جُمعت في بيت: علم كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين ومنهم من يجعلها مرتبتين وكل مرتبة تتضمن مرتبتين فتكون أربعًا. قال شيخ الإسلام: "والإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين فالدرجة الأولى الإيمان بأن الله تعالى عليم بما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق "فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف". وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه لا يكون في ملكه ما لا يريد وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد والعبادُ فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد القدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ

стр. 1475

يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها" (١). وقال ابن رجب: "والإيمان بالقدر على درجتين: أحدهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق علمه ما يعلمه العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم. وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، وشاءها منهم. فهذه الدرجة التي يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره. . ." (٢). ٢ - مسألة: فإن قلت: كيف؟ قال: "وتؤمن بالقدر خيره وشره " وقد قال في الحديث: "والشر ليس إليك"؟ فالجواب عن هذا أن إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعولُ إن كان مقدرًا عليه فهو بسبب جهله وظلمه وذنوبه لا إلى الخالق فله في ذلك من الحكم ما تقصر عنه أفهام البشر لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب

стр. 1476

فكله خير وحكمة فإنه صادر عن حكمه وعلمه وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب، إذ هو موجب أسمائه وصفاته (١). ٣ - أقسام التقديرات وأنواعها: أولًا: التقدير العام لجميع الأشياء قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة عندما خلق الله القلم وأمره بالكتابة لما هو كائن إلى يوم القيامة وهو التقدير الأزلي. ويدل على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (٢). وقد ذكر ابن القيم هذا التقدير في كتابه "شفاء العليل" ثم ذكر في الباب الثاني تقدير الرب ﵎ شقاوة العباد وسعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خلقهم، قال: "وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنا في جنازة في بقيع الغرقد فقعد وقعدنا حوله. . . . ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة، ثم قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (٣). وذكر أحاديث منها ما رواه هشام بن حكيم بن

стр. 1477

حزام أن رجلا قال: يا رسول الله أتبتدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: "إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بكفيه فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار"" (١). فهناك تقديرات أخرى نسبية وكلها ترجع إلى علم الله تعالى الشامل لكل شيء. ثانيًا: لتقدير العمري: كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيد، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوح، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَل أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلا ذِرَاعٌ فَيَسْبقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين: "منها: تقدير عمري: حين يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد" (٣). ثالثًا: التقدير الحولي: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾ [الدخان: ٣ - ٦]. قال ابن القيم: "وهذه ليلة القدر قطعًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾

стр. 1478

[القدر: ١] عن ابن عباس قال: "يكتب من أم الكتاب ليلة القدر يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج يقال: حج فلان ويحج فلان"" (١). قال ابن عثيمين: "ومنها: التقدير الحولي وهو الذي يكون في ليلة القدر يكتب فيها ما يقدر في السنة" (٢). رابعًا: التقدير اليومي: قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. قال ابن القيم في شفاء العليل: "وقال مجاهد والكلبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر، ويعز، ويذل، ويفك عانيا، ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، ويضع قوما ويرفع آخرين دخل كلام بعضهم في بعض" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين: "ومنها: التقدير اليومي كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. فهو كل يوم يغني فقيرًا، ويفقر غنيًا، ويوجد معدومًا، ويعدم موجودًا، ويبسط الرزق ويقدره، وينشئ السحاب والمطر وغير ذلك" (٤). وهذا التقدير وما سبقه من التقدير السنوي والعمري هو تفصيل من القدر الأزلي. ٤ - القدر سر من أسرار الله: ومما سبق يتبين لنا حرص السلف على ترك التعمق في القدر والاعتماد في معرفته على الكتاب والسنة وكل من خاض في هذه المسألة بعقله ضل وتاه، وما

стр. 1479

ضلت القدرية والجبرية إلا بسبب اعتمادها المحض على العقل وعدم الاعتماد على الكتاب والسنة وقول سلف الأمة، ومعلوم أن بعض جوانب القدر لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها. قال إبراهيم القرشي: "كنت جالسًا عند ابن عمر ﵄ فسئل عن القدر؟ فقال: شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم" (١). وفي شرح النووي قال: "قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار، واختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما علمه من الحكمة. وواجبنا أن نقف حيث حدَّ لنا، ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم، فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها. والله أعلم" (٢). وقال الآجري: "لا يحسن بالمسلمين التنقير والبحث في القدر؛ لأن القدر سر من أسرار الله ، بل الإيمان بما جرت به المقادير من خير أو شر واجب على العباد أن يؤمنوا به، ثم لا يأمن العبد أن يبحث عن القدر فيكذب بمقادير الله الجارية على العباد، فيضل عن طريق الحق قال النبي ﷺ : "ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله ، وما أشركت أمة حتى يكون بدوُّ شركها التكذيب بالقدر"" (٣). ويقول الطحاوي - رحمه الله تعالى -: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم

стр. 1480

يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] " (١). وقال ابن عثيمين: "وهذا القدر قال بعض العلماء إنه سر من أسرار الله، وهو كذلك لم يُطلع الله عليه أحدا، لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، إلا ما أوحاه الله إلى رسله، وإلا فإنه سر مكتوم. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. أو وقع فعلم به الناس. وإلا فإنه سر مكتوم، وإذا قلنا إنه سر مكتوم فإن هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته. . ." (٢). ٥ - ثمرات الإيمان بالقدر: قال الشيخ ابن عثيمين: "وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها: الأولى: الاعتماد على الله تعالى، عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى. الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة. الثالثة: الطمأنينة والراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو كائن لا محالة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي

стр. 1481

فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. ويقول النبي ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" (١) " (٢). ٦ - مسألة: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي: قال الشيخ ابن عثيمين: "والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي، وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه. الثاني: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. ولو كان القدر حجة للمخالفين لم تنتف بإرسال الرسل، لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى. الثالث: ما رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده. . ." الحديث (٣). وفي لفظ لمسلم: "فكل ميسر لما خلق له" فأمر النبي ﷺ بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.

стр. 1482

الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولو كان العبد مجبرا على الفعل لكان مكلفا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أو نسيان أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور. الخامس: أن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله وحينئذ تنتفي حجته بالقدر إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه. السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟! أفليس شأن الأمرين واحدًا؟! وإليك مثالًا يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان أحدهما ينتهي يه إلى بلد كلها فوضى، وقتل، ونهب، وانتهاك للأعراض، وخوف، وجوع، والثاني ينتهي به إلى بلد كلها نظام، وأمن مستتب، وعيش رغيد، واحترام للنفوس والأعراض والأموال، فأي الطريقين يسلك؟ إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبدا أن يسلك طريق بلد الفوضى، والخوف، ويحتج بالقدر فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟! مثال آخر: نرى المريض يؤمر بالدواء فيشربه ونفسه لا تشتهيه، وينهى عن الطعام الذي يضره فيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلبا للشفاء والسلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدواء أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقدر فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله ورسوله، أو يفعل ما نهى الله ورسوله ثم يحتج بالقدر؟!

стр. 1483

السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يقبل حجته. فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟! ويذكر أن - أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله. فقال عمر: ونحن إنما نقطع بقدر الله" (١). ٧ - حكم الاحتجاج بالقدر عند المصائب: روى مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" (٢). فالاحتجاج بالقدر على المصيبة جائز فإن آدم ﵇ احتج بالقدر على المصيبة وهي الخروج من الجنة، وقد حاجه موسى ﵇ بذلك حيث قال: "لماذا أخرجتنا من الجنة"؟ فكانت الحجة لآدم على موسى. والله قد كتب أن آدم وذريته يعيشون في الأرض وقد خلقهم لذلك كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فكانت الحجة لآدم على موسى ولم تكن محاجة موسى لآدم ﵉ على

стр. 1484

المعصية وهي الأكل من الشجرة حيث لم يَلُم على ذلك وموسى ﵇ أعلم من أن يلومه على ذنب تاب منه وتاب الله عليه، وآدم التي أعلم من أن يحتج بالقدر على أن المذنب لا ملام عليه والله أعلم. قال الحافظ ابن رجب: "لمَّا التقى آدم وموسى ﵉ عاتبه موسى على إخراجه نفسه وذريته من الجنة، فاحتج آدم بالقدر السابق. والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال النبي ﷺ : "إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل" كما قيل: والله لولا سابق الأقدار ... لم تبعد قط داركم عن داري من قبل النأي جرية المقدار ... هل يمحو العبد ما قضاه الباري" (١) ٨ - مسألة في بعض النصوص التي يتوهم الناظر معارضتها للقدر: وردت بعض النصوص ظاهرها التعارض مع القدر ومن ذلك: - قول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. - وعَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ له في أثَرِهِ (٢) فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٣). - وعَنْ سَلمَان قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَرُدُّ القَضَاءَ إلَا الدُّعاءُ ولا يَزِيدُ في العُمْرِ إلا البِرُّ" (٤).

стр. 1485

- وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلا البِرُّ ولا يَرُدُّ القَدَرَ إِلا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا" (١). - وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ" (٢). - وَلأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيث أَنَس رَفَعَهُ "إِنَّ الصَّدَقَة وَصِلَة الرَّحِم يَزِيد الله بِهِمَا فِي العُمُر، وَيَدْفَع بِهِمَا مِيتَة السُّوء" (٣). فهذه النصوص قد يوهم ظاهرها أنها تعارض الآيات والأحاديث السابقة، كما أن ظاهرها يعارض الحديث الذي في مسلم وفيه قَالَتْ أُمّ حَبِيبَة: اللهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُول الله ﷺ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَان، وَبِأَخِي مُعَاوِية فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "قَدْ سَأَلت الله لِآجَالٍ مَضْرُوبَة، وَأَيَّام مَعْدُودَة، وَأَرْزَاق مَقْسُومَة، وَلَنْ يُعَجِّل شَيْئًا قَبْل حِلّه، أَوْ يُؤَخِّر شَيْئًا عَنْ حِلّه، وَلَوْ كُنْت سَأَلت الله أَنْ يُعِيذك مِنْ عَذَاب فِي النَّار، أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْر، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَل" (٤). * وللجمع بين هذه النصوص نورد ما ذكره العلماء في ذلك: قال ابن كثير: "قال عكرمة عن ابن عباس الكتاب كتابان فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" (٥). قال النووي: "وَأَمَّا التَّأْخِير فِي الأَجَل فَفِيهِ سُؤَال مَشْهُور، وَهُوَ أَنَّ الآجَال

стр. 1486

وَالأَرْزَاق مُقَدَّرَة لا تَزِيد وَلا تَنْقُص ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَأَجَابَ العُلَمَاء بِأَجْوِبَةٍ: الصَّحِيح مِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة بِالبَرَكَةِ فِي عُمْره، وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ، وَعِمَارَة أَوْقَاته بِمَا يَنْفَعهُ فِي الآخِرَة، وَصِيَانَتهَا عَنْ الضَّيَاع فِي غَيْر ذَلِكَ. وَالثانِي: أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَر لِلمَلائِكَةِ وَفِي اللوْح المَحْفُوظ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَيَظْهَر لَهُمْ فِي اللوْح أَنَّ عُمْره سِتُّونَ سَنَة إِلا أَنْ يَصِل رَحِمه فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ أَرْبَعُونَ، وَقَدْ عَلِمَ الله مَا سَيقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ فَبِالنِّسْبةِ إِلَى عِلم الله تَعَالَى، وَمَا سَبَقَ بِهِ قَدَره وَلا زِيَادَة بَل هِيَ مُسْتَحِيلَة، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّر الزِّيَادَة، وَهُوَ مُرَاد الحَدِيث. وَالثَّالِث: أَنَّ المُرَاد بَقَاء ذِكْره الجَمِيل بَعْده، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. حَكَاهُ القَاضِي، وَهُوَ ضَعِيف أَوْ بَاطِل وَاللهُ أَعْلَم" (١). وقال في تحفة الأحوذي: "وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ: وَالمُرَادُ بِتَأْخِيرِ الأَجَلِ بِالصِّلَةِ إِمَّا حُصُولُ البَرَكَةِ وَالتَّوْفِيقُ فِي العَمَل وَعَدَم ضَيَاع العُمُر فَكَأَنَّهُ زَادَ، أَوْ بمَعْنى أَنَّهُ سَبَبٌ لِبَقَاءِ ذِكْرِهِ الجَمِيلِ بَعْدَه، أَو وُجُودَ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةِ. وَالتَّحْقيقُ أَنَّهَا سَبَبٌ لِزِيَادَةِ العُمُرِ كَسَائِرِ أَسْبَابِ العَالَمِ. فَمَنْ أَرَادَ اللهُ تَعَالَى زِيادَةَ عُمُرِهِ وَفَّقَهُ لِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَالزِّيَادَةُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الخَلقِ، وَأَمَّا فِي عِلمِ الله فَلا زِيادَةَ وَلا نُقْصَانَ، وَهُوَ وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : "جَفَّ القَلَمْ بِمَا هُوَ كَائِنٌ"، وَقَولهُ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ " (٢). وفي قول النبي ﷺ : "قَدْ سَأَلت الله لآجَالٍ مَضْرُوبَة، وَأيَّام مَعْدُودَة، وَأَرْزَاق

стр. 1487

مَقْسُومَة، وَلَنْ يُعَجِّل شَيْئًا قَبْل حِلّه، أَوْ يُؤَخِّر شَيْئًا عَنْ حِلّه". قال النووي ﵀: "وَهَذَا الحَدِيث صَرِيح فِي أَنَّ الآجَال وَالأَرْزَاق مُقَدَّرَة لا تتغَيَّر عَمَّا قَدَّرَهُ الله تَعَالَى وَعَلِمَهُ فِي الأَزَل، فَيَسْتَحِيل زِيادَتهَا وَنَقْصهَا حَقِيقَة عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي حَدِيث صِلَة الرَّحِم تَزِيد فِي العُمْر وَنَظَائِره فَقَدْ سَبَقَ تَأْوِيله فِي بَاب صِلَة الأَرْحَام وَاضِحًا. قَالَ المَازِرِيُّ هُنَا: قَدْ تَقَرَّرَ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّة أَنَّ الله تَعَالَى أَعْلَم بِالآجَالِ وَالأَرْزَاق وَغَيْرهَا، وَحَقِيقَة العِلم مَعْرِفَة المَعْلُوم عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ الله تَعَالَى أَنَّ زَيْدًا يَمُوت سِنّه خَمْسمِائَةٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوت قَبْلهَا أَوْ بَعْدهَا لِئَلا يَنْقَلِب العِلم جَهْلًا، فَاسْتَحَالَ أَنَّ الآجَال الَّتِي عَلِمَهَا الله تَعَالَى تَزِيد وَتَنْقُص، فَيَتَعَيَّن تَأْوِيل الزِّيَادَة أَنهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَلَك المَوْت أَوْ غَيْره مِمَّنْ وَكَّلَهُ الله بِقَبْضِ الأَرْوَاح، وَأَمَرَهُ فِيهَا بِآجَالٍ مَمْدُودَة فَإِنَّهُ بَعْد أَنْ يَأْمُرهُ بذَلِكَ أَوْ يُثْبِتهُ فِي اللوْح المَحْفُوظ يَنْقُص مِنْهُ وَيزِيد عَلَى حَسَب مَا سَبَقَ بِهِ عِلمه فِي الأَزَل، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يُحْمَل قَوْله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ " (١). وقال ابن حجر: "قَالَ ابْن التِّين: ظَاهِر الحَدِيث يُعَارِض قَوْله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَالجَمْع بَيْنهمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة كِنَايَة عَنْ البَرَكَة فِي العُمُر بِسَبَبِ التَّوْفِيق إِلَى الطَّاعَة، وَعُمَارَة وَقَتَهُ بِمَا يَنْفَعهُ فِي الآخِرَة، وَصِيَانَته عَنْ تَضْيِيعه فِي غَيْره ذَلِكَ. وَمِثْل هَذَا مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ تَقَاصَرَ أَعْمَار أُمَّته بِالنِّسْبَةِ لِأَعْمَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الأُمَم فَأَعْطَاهُ الله لَيْلَة القَدْر. وَحَاصِله أَنَّ صِلَة الرَّحِم تَكُون سَبَبًا لِلتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَةِ وَالصِّيَانَة عَنْ المَعْصِيَة فَيَبْقَى بَعْده الذِّكْر الجَمِيل، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ جُمْلَة مَا يَحْصل لَهُ مِنْ

стр. 1488

التَّوْفِيق العِلم الَّذِي يَنتفِع بِهِ مَنْ بَعْده، وَالصَّدَقَة الجَارِية عَلَيْهِ، وَالخَلَف الصَّالِح. ثَانِيهمَا: أَنَّ الزِّيَادَة عَلَى حَقِيقَتهَا، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلم المَلَك المُوَكَّل بِالعُمُرِ، وَأَمَّا الأَوَّل الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَة فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلم الله تَعَالَى، كَأَنْ يُقَال لِلمَلَكِ مَثَلًا: إِنَّ عُمْر فُلان مِائَة مَثَلًا إِنْ وَصَلَ رَحِمه، وَسِتُّونَ إِنْ قَطَعَهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلم الله أَنَّهُ يَصِل أَوْ يَقْطَع، فَالَّذِي فِي عِلم الله لا يَتَقَدَّم وَلا يَتَأَخَّر، وَالَّذِي فِي عِلم المَلَك هُوَ الَّذِي يُمْكِن فِيهِ الزِّيَادَة وَالنَّقْص وَإِلَيْهِ الإشَارَة بِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ المَحْو وَالإثْبَات بِالنِّسْبَةِ عِلم المَلَك، وَمَا فِي أُمّ الكِتَاب هُوَ الَّذِي فِي عِلم اللهِ تَعَالَى فَلا مَحْو فِيهِ البَتَّة. ويُقَال لَهُ القَضَاء المُبْرَم، ويُقَال لِلأَوَّلِ القَضَاء المُعَلَّق. وَالوَجْه الأَوَّل أَليَق بِلَفْظِ حَدِيث البَاب، فَإِنَّ الأَثَر مَا يَتْبَع الشَّيْء، فَإِذا أُخِّرَ حَسُنَ أَنْ يُحْمَل عَلَى الذِّكْر الحَسَن بَعْد فَقْد المَذْكُور. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَفْسِيره وَجْه ثَالِث، فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الصَّغير" بِسَنَدٍ ضَعِيف عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ: ذُكِرَ عِنْد رَسُول الله ﷺ مَنْ وَصَلَ رَحِمه أُنْسئَ لَهُ فِي أَجَله، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ زِيادَة فِي عُمُره، قَالَ الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآيَة؛ وَلَكِنَّ الرَّجُل تَكُون لَهُ الذُّرِّيَّة الصَّالِحَة يَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْده". وَلَهُ فِي "الكَبِير" مِنْ حَدِيث أَبِي مُشَجِّعَة الجُهَنِيّ رَفَعَهُ "إِنَّ الله لا يُؤَخِّر نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلهَا، وَإِنَّمَا زِيَادَة العُمُر ذُرِّيَّة صَالِحَة" الحَدِيث. وَجَزَمَ ابْن فَوْرَك بِأَنَّ المُرَاد بِزِيَادَةِ العُمُر نَفْي الآفَات عَنْ صَاحِب البِرّ فِي فَهْمه وَعَقْله. وَقَالَ غَيْره فِي أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي وُجُود البَرَكَة فِي رِزْقه وَعِلمه وَنَحْو ذَلِكَ" (١). وفي قول النبي ﷺ : "من سره أن يبسط له في رزقه. . . " الحديث، قال شيخ الإسلام: "وقد قال بعض الناس إن المراد به البركة في العمر بأن يعمل في الزمن

стр. 1489

القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير. قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان. فيقال لهؤلاء: تلك البركة وهي الزيادة في العمل والنفع هي أيضًا مقدرة مكتوبة وتتناول لجميع الأشياء. والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب. ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي ﷺ : "إن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم فرأى فيهم رجلًا له بصيص فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود. قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة. قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنة قالوا: وهبتَها لابنك داود. فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب". قال النبي ﷺ : "فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته". وروي "أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره، فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، والله سبحانه عالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله - والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها؛ فلهذا قال العلماء إن المحو والإثبات في صحف الملائكة - وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به فلا محو فيه ولا إثبات - وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين، والله أعلم" (١).

стр. 1490

وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال السعدي ﵀: "وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير؛ لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص، أو خلل، ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشُعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة، التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ كما جحل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر، وسعة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب، سببًا للسلامة، وجعل التعرض لذلك سببًا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه، في اللوح المحفوظ" (١). وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ عن الدعاء والصدقة هل يردان القضاء والقدر، فذكر الآيات والأحاديث الدالة على أن قدر الله ماضٍ في عباده، ثم قال: "وقد ثبت عنه ﷺ ما يدل على أن الحوادث معلقة بأسبابها، كما في قوله ﷺ : "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وإن البر يزيد في العمر، ولا يرد القدر إلا الدعاء" ومراده ﷺ أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء، وهكذا قوله ﷺ : "من أحب أن يُبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه". فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في

стр. 1491

قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقوله ﷺ : "وتؤمن بالقدر خيره وشره"، ومن هذا قوله ﷺ : "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار". وروي عنه ﷺ أنه قال: "إن صدقة السر تطفئ غضب الله وتدفع ميتة السوء" ... " (١). وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل للدعاء تأثير في تغيير ما كتب للإنسان قبل خلقه؟ فأجاب بقوله: "لا شك أن للدعاء تأثيرًا في تغيير ما كتب، لكن هذا التغيير قد كتب أيضًا بسبب الدعاء، فلا تظن أنك إذا دعوت الله فإنك تدعو بشيء غير مكتوب، بل الدعاء مكتوب وما يحصل به مكتوب، ولهذا نجد القارئ يقرأ على المريض فيشفى، وقصة السرية التي بعثها النبي ﷺ فنزلوا ضيوفًا على قوم ولكنهم لم يضيفوهم، وقدر أن لدغت حية سيدهم فطلبوا من يقرأ عليه، فاشترط الصحابة أجرة على ذلك، فأعطوهم قطيعًا من الغنم، فذهب أحدهم فقرأ عليه الفاتحة، فقام اللديغ كأنما نشط من عقال، أي كأنه بعير فك عقاله، فقد أثرت القراءة في شفاء المريض. فللدعاء تأثير لكنه ليس تغييرًا للقدر، بل هو مكتوب بسببه المكتوب، وكل شيء عند الله بقدر، وكذلك جميع الأسباب لها تأثير في مسبباتها بإذن الله، فالأسباب مكتوبة والمسببات مكتوبة" (٢). ٩ - حكم سب القدر: لا يجوز سب القدر أو الاستهزاء به بل ذلك كفر بالله وقد سئل الشيخ ابن باز عن كلام ورد في صحيفة محلية وفيه: "منصور البالغ من العمر ١٣ ربيعًا مزدهرًا برحيق الصبا، كان على موعد مع الحزن والأسى ولعبة القدر العمياء. ثم:

стр. 1492

ولكن القدر المترصد لمنصور لم يحكم لعبته الأزلية ... "إلخ. فقال الشيخ ابن باز ﵀: "هذا الكلام وأشباهه من المنكرات العظيمة بل من الكفر البواح اعتراضًا على الله سبحانه وسبًا لما سبق به علمه واستهزاء بذلك، فعك من قال ذلك أن يتوب إلى الله سبحانه توبة صادقة" (١). ٢٢٣ - قراءة الفنجان والكف انظر: باب (الكهانة) (العراف).

стр. 1493

٢٢٤ - القضاء * القضاء: الفصل والحكم. وهو في اللغة يرد لمعان تختلف باختلاف التركيب فمنها: ١ - الحكم يقال يقضي قضاء بمعنى حكم. ٢ - ومنها الأمر كما قال الله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. أي أمر بعبادته وحده دون سواه. ٣ - ومنها الخبر كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. قال الجوهري: "أي أنهيناه وأبلغناه" (١). قال ابن الأثير: "قال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله، أو أتم، أو ختم، أو أدي، أو أوجب، أو أعلم، أو أُنفذ، أو أُمضي، فقد قُضي، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الأحاديث" (٢). والمقصود هنا القضاء بمعنى: الفصل والحكم. قال الراغب: "القضاء فصل الأمر قولا كان ذلك أو فعلًا" (٣).

стр. 1494

قال ابن الأثير: "وقد تكرر في الحديث ذكر "القضاء" وأصله القطع والفصل. يقال قَضَى يَقْضِي قضاءً فهو قاض: إذا حكم وفصل. وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق" (١). * الفرق بين القضاء والقدر: قال الراغب: "والقضاء من الله تعالى أخص من القَدَر لأنه الفصل بين التقدير، فالقَدَر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعَدِّ للكيل والقضاء بمنزلة الكيل .. ويشهد لذلك قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾، وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي فُصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه" (٢). وقال ابن الأثير: "ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي خلقهن. فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القَدَر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه" (٣). وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني بقوله: "قال العلماء القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله" (٤). وقال في موضع آخر: (القضاء الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل،

стр. 1495

والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل" (١). وقال في التعريفات: ""القَدر" تعلق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة. فتعليق كل حال من أحوال الأعيان بزمان معين وسبب معين عبارة عن القدر. وخروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدًا بعد واحد، مطابقا للقضاء، والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال، والفرق بين القدر والقضاء، هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها" (٢). وقال ابن بطال: "القضاء هو المقضي" (٣). وقال الخطابي في معالم السنن: "القدر اسم لما صار مقدرًا عن فعل القادر، كالهدم والنشر والقبض: أسماء لما صدر من فعل الهادم والناشر والقابض، والقضاء في هذا معناه الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أي خلقهن" (٤). وقال السفاريني ﵀: "القضاء إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال والقدر تقدير الله تعالى لذلك" (٥).

стр. 1496

وقال عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵏: "القدر في الأصل، مصدر قدر، ثم استعمل في التقدير، الذي هو التفصيل والتبيين، واستعمل أيضًا بعد الغلبة في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها، وأما القضاء فقد استعمل في الحكم الكوني، بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى، وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز، ويطلق القدر أيضًا على القضاء الذي هو الحكم الكوني بوقوع المقدرات" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "القضاء إذا أطلق شمل القدر، والقدر إذا أطلق شمل القضاء، ولكن إذا قيل القضاء والقدر صار بينهما فرق، وهذا كثير في اللغة العربية تكون الكلمة لها معنى شامل عند الانفراد، ومعنى خاص عند الاجتماع ويقال في مثال ذلك: "إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا" فالقضاء والقدر الصحيح أنهما من هذا النوع يعني أن القضاء إذا أفرد شمل القدر، والقدر إذا أفرد شمل القضاء، لكن إذا اجتمعا فالقضاء ما يقضيه الله في خلقه من إيجاد، أو إعدام، أو تغيير، والقدر ما قدره الله تعالى في الأزل، هذا هو الفرق بينهما فيكون القدر سابقًا والقضاء لاحقًا" (٢). وهذا أحسن فارق أن القضاء اسم لما وقع، وما لم يقع بعد فهو قدر.

стр. 1497

٢٢٥ - القنوط من ﵀ * قال ابن الأثير: "قد تكرر ذكر القنوط في الحديث، وهو أشد اليأس من الشيء" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله "فعلى هذا يكون الفرق بينه وبين اليأس كالفرق بين الاستغاثة والدعاء، فيكون القنوط من اليأس، وظاهر القرآن أن اليأس أشد لأنه حكم لأهله بالكفر، ولأهل القنوط بالضلال" (٢). والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه. وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم. قال شيخ الإسلام ﵀: "والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنبه، وإما بأن يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه، فهو ييأس من توبه نفسه ... ". (٣) * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. * الدليل من السنة: عن فَضَالَة بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَعَصَى إِمَامَهُ وَمَاتَ عَاصِيًا، وَأَمَة أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ

стр. 1498

فَمَاتَ، وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبرَّجَتْ بَعْدَهُ فَلا تَسْأَلْ عَنْهُمْ، وَثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ الله رِدَاءَه فَإنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَإِزَارَهُ الْعِزَّة، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ الله، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله (١) * وعن ابن عَبَّاسٍ ﵁ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ﴾ [المائدة: ٧٢] واليأس من روح الله لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] والأمن من مكر الله لأن الله يقول: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] " (٢). وعن ابن مسعود قال: "الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله". وفي رواية: "أكبر الكبائر". (٣) وينبغي للعبد أن يوفق بين الرجاء والخوف فلا يقنط من رحمة الله ولا يأمن من مكر الله بل تكون حاله وسط بين الرجاء والخوف. أحكام وفوائد: ١ - وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران: أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصير عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله لأجل أنه مقيم على الأسباب

стр. 1499

التي تمنع الرحمة فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفا وخلقا لازما وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد. ومتى وصل إلى هذا الحد لم يُرْج له خير إلا بتوبة نصوح وإقلاع قوي. الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم ويضعف علمه بما عند الله من واسع الرحمة والمغفرة ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب وتضعف إرادته فييأس من الرحمة. وهذا من المعاذير الضارة الناشئة من ضعف علم العبد بربه، وماله من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها (١). ٢ - مسألة: القنوط على قسمين باعتبار محله: ١ - ما يتعلق بالأشياء الأخروية كأن يستبعد أن يغفر الله له. أو أن يستبعد أن يتوب هو أو يتوب الله عليه. ٢ - ما يتعلق بالأشياء الدنيوية كأن يستبعد الغنى، أو الشفاء من المرض وكلاهما محرم. والنوع الأول أشد. ٣ - حكم القنوط: قال الشيخ ابن عثيمين: "القنوط من رحمة الله لا يجوز؛ لأنه سوء ظن بالله وذلك من وجهين: الأول: أنه طعن في قدرته سبحانه؛ لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئا على قدرة الله. الثاني: أنه طعن في رحمته سبحانه؛ لأن من علم أن الله رحيم لا يستبعد أن يرحمه الله سبحانه ولهذا كان القانط من رحمة الله ضالًا" (٢).

стр. 1500

٢٢٦ - الْقِيَامُ تَعْظِيمًا * التعريف: قام قياما أي انتصب واقفًا (١). والمراد بيان القيام النهى عنه وهو ما كان على سبيل التعظيم لأنه نوع عبادة يجب ألا تُصرف إلا لله. *الأدلة من السنة: عن أنس قال: "ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" (٢). وعن أبي الزبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يُسمِعُ الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال: "إنْ كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" (٣).

стр. 1501

وأخرج الطبراني عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: "إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وقعدوا" (١). وروى البخاري في الأدب المفرد أن معاوية ﵁ خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قعود فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير وكان أوزنهما فقال معاوية قال النبي ﷺ : "من سره أن يمثُل له عباد الله قيامًا فليتبوأ بيتًا من النار" (٢). وعن ابن بريدة أن معاوية خرج من حمام حمص فذكر الحديث وفيه: وإني سأحدثكم بخصلتين حفظتهما من رسول الله ﷺ : "ما من رجل يكون على الناس فيقوم على رأسه الرجال يحب أن تكثر الخصوم عنده فيدخل الجنة ... " (٣). عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد - هو ابن معاذ - بعث رسول الله ﷺ إليه وكان قريبًا منه فجاء على حمار فلما دنا قال رسول الله ﷺ : "قوموا إلى سيدكم" فجاء فجلس إلى رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث (٤). وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا ودلًا وهديًا وقال الحسن: حديثًا وكلامًا، ولم يذكر الحسن السمت والهدي والدل برسول الله ﷺ من فاطمة ﵂ كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها" (٥). وفي حديث كعب بن مالك حين تخلف في قصة تبوك قال: "فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ

стр. 1502

رَسُولَ الله ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ ويقُولُون: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي وَالله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ قَالَ: فكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ ... وذكر الحديث" (١). قال الحافظ ابن حجر في فوائد حديث توبة كعب: "تهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل واجتماع الناس عند الإمام في الأمور المهمة وسروره بما يسر أتباعه، ومشروعية العارية، ومصافحة القادم والقيام له" (٢). * ومن فعل السلف وأقوالهم: ذكر رجاء بن حيوة عن رجل قال: كنا جلوسًا بباب معاوية، فخرج علينا معاوية بن أبي سفيان ﵁ فقمنا له فقال: "لا تقوموا لحيٍّ ولا لميت" (٣). وقال الأوزاعي ﵀: حدثني بعض حرس عمر بن عبد العزيز. قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة فلما رأيناه قمنا فقال: "إذا رأيتموني فلا تقوموا ولكن توسعوا" (٤). قال الخطيب البغدادي: "لما حج المهدي دخل مسجد النبي ﷺ فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير المؤمنين! فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي" (٥).

стр. 1503

وكان أحمد بن المعذل وغيره بدار المتوكل فخرج عليهم المتوكل فلم يقم له أحمد خاصة فسأل عن ذلك وزيره فاعتذر عنه بسوء بصره فرد عليه أحمد ذلك وقال للمتوكل: إنما نزهتك من عذاب النار، وساق له حديث: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" فجاء المتوكل فجلس إلى جانبه" (١). وخرج المأمون يومًا من عند أبيه فقام له العلماء ما خلا وكيع بن الجراح قال: فالتفت إليه بعض القواد فقال له: ما هذه الجفوة؟ يمر بك ابن الخليفة ولا تقوم له فقال له: يا هذا إذا طلبنا العلم ولم نعمل به فما نرجوا منه، قال النبي ﷺ : "من أحب أن يتمثل له الناس قيامًا فليتبوأ مقعده من النار". وهؤلاء أحق الناس بالشدة في الدين وترك الالتفات فإن الإعراض عنهم موعظة (٢). أحكام وفوائد: ١ - حكم القيام للقادم: قال ابن رشد: "إن القيام يقع على أربعة أوجه: الأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه. الثاني: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ولما فيه من التشبيه بالجبابرة. الثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة. الرابع: مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة يعزيه فيها" (٣).

стр. 1504

* ومن القيام ما هو جائز، كالقيام على رأس بعض الأمراء خوفًا عليه، فهذا جائز لذلك السبب؛ وقد ورد مثل ذلك من بعض الصحابة مع النبي ﷺ ، وذلك في صلح الحديبية، ففي الحديث الصحيح قال: "والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ، ومعه السيف وعليه المغفر ... " (١). قال ابن القيم: "وفي قيام المغيرة بن شعبة على رأس رسول الله بالسيف ولم يكن عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد سنة يقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين وليس هذا من هذا النوع الذي ذمه النبي ﷺ بقوله: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" كما أن الفخر والخيلاء في الحرب من هذا النوع المذموم في غيره" (٢). * ومن القيام الجائز القيام إليه للتلقي إذا قدم. قال ابن القيم: "فالمذموم القيام للرجل وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به" (٣). * ويجوز القيام إذا ترتب على تركه مفسدة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والذي ينبغي للناس أن يعتادوا السنة في ترك القيام المتكرر للقاء، ولكن إذا اعتاد الناس القيام وقدم من لا يرى كرامته إلا بالقيام له وإذا ترك توهَّم بغضه وإهانته، وتولد من ذلك عداوة وشر، فالقيام له على هذا الوجه لا بأس به و"إنما الأعمال بالنيات"" (٤).

стр. 1505

وقال ابن حجر: "وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع، وإلى ذلك أشار ابن عبد السلام" (١). أما أن تقيم الرجل ثم يُجلَسُ مكانه فمنهي عنه ففي حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه" (٢). * حكم القيام لأهل العلم والفضل: قال ابن مفلح: قال حنبل: "قلت لعمي: ترى للرجل أن يقوم للرجل إذا رآه؟ قال: لا يقوم أحد لأحد إلا الولد لوالده أو لأمه فأما لغير الوالدين فلا" (٣). وللإمام النووي ﵀ رسالة أسماها الترخيص في القيام، وقد تعقبه ابن الحاج ﵀ ورد عليه كل ما استدل به، وقد ذكر ابن حجر شيئًا من أقوالهم في الفتح (٤). وقال الإمام أبو بكر بن العربي: "يجوز القيام للرجل الكبير بداءة إذا لم يؤثر ذلك في نفسه كما قال النبي ﷺ لجلسائه حين جاء سعد: "قوموا إلى سيدكم" فإن أثر فيه لم يجز عونه على ذلك، لما روى: "من سره أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار"" (٥). ولكن أخرج الإمام أحمد الحديث وفيه: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" وزيادة (فأنزلوه) حسّنها الحافظ ابن حجر حيث قال: "وسنده حسن، وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه" (٦). وقال ابن مفلح: "روى ابن القاسم في المدونة: قيل لمالك: فالرجل يقوم

стр. 1506

للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك" (١). وفي حديث: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا ... " قال ابن قتيبة: "معناه من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين يدي ملوك الأعاجم وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه" (٢). وقال ابن كثير: "فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار الأعاجم" (٣). وقال ابن حجر: "وأما القيام حتى يجلس فلا. فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز" (٤). * وقد سئل الشيخ حسين، وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ عن القيام في وجوه الأمراء والعلماء، وأهل الفضل .. إلخ؟ فأجابا: "لا يجوز القيام للعلماء، ولا الأمراء، بحيث يتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من فعل أهل الجاهلية والجبابرة، كملوك فارس والروم وغيرهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك مع عظمائهم" (٥). وقد تقدم حديث النبي ﷺ : "من سره أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ بيتا من النار" (٦). قال الإمام البغوي: "هذا فيمن سلك فيه طريق التكبر" (٧). وقال ابن قدامه: "ومن خصال المتكبر أنه يحب قيام الناس" (٨).

стр. 1507

وقال المناوي: "وذلك لأن ذلك إنما ينشأ عن تعظيم المرء نفسه واعتقاد الكمال وذلك عجب وتكبر وجهل وغرور ولا يناقضه خبر: "قوموا لسيدكم" لأن سعدًا لم يحب ذلك والوعيد إنما هو لمن أحب" (١). وجاء في روضة الطالبين: "وأما الداخل فيحرم عليه أن يحب قيامهم له" (٢). وقال ابن مفلح: "والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال، فإذا لم يسر بالقيام إليه وقاموا له فغير ممنوع منه" (٣). ٢ - أثر القيام على التوحيد: القيام المنهي عنه قد يكون فيه تعظيم غير الله أو تشبه بالأعاجم. وقد تقدم أن اتخاذه عادة من شعار الأعاجم، وقد نهينا عن التشبه بهم، أما التعظيم فهو حق الله وحده. قال فضل الله الجيلاني: "ومن العجب استدلالهم على جواز القيام للناس بحديث "قوموا إلى سيدكم" ومن المستدلين من يسهو فيذكره بلفظ: "قوموا لسيدكم"، كأنهم لم يعرفوا الفرق بين القيام للرجل والقيام إليه وهو أن القيام له معناه القيام تعظيما له، قال الله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. هذا أصل معناه عند الإطلاق وأما القيام إليه فمعناه أن تقوم عامدا إليه، ولا يفهم منه التعظيم والإكرام إلا بقرينة كما في حديث: "قوموا إلى سيدكم"" (٤). وقال شيخ الإسلام ﵀: "وبالجملة فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب" (٥).

стр. 1508

* ولشيخ الإسلام تفصيل في مسألة القيام يحسن بنا أن نذكره في خاتمة هذا البحث: سئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام عند قوم شخص معين معتبر هل يجوز أو لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطنًا، وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت، وأيضًا المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض، هل يجوز ذلك أم يحرم؟ فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعًا ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنًا بذلك دائمًا هل يأثم على ذلك أم لا؟ وإذا قال: سجدت لله هل يصح ذلك أم لا؟ فأجاب: "الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه ﵇ كما يفعله كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له، كما روى عن النبي ﷺ أنه قام لعكرمة، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: "قوموا إلى سيدكم" وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه. والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ ، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى، وهدى خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد. وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن.

стр. 1509

وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله ﷺ : "من سرَّه أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما صلى بهم قاعدًا في مرضه صلوا قيامًا أمرهم بالقعود وقال: "لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا"، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود. وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما" (١). ٣ - حكم القيام للكافر: قال العز بن عبد السلام: "ولا يفعل - القيام - للكافر لأنا مأمورون بإهانته، وإظهار صغاره، فإن خيف من شره ضرر عظيم جاز؛ لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز للإكراه فهذا أولى" (٢). وجاء في حاشية ابن عابدين عن الذخيرة: "لو دخل ذمي على مسلم فقام له ليميل قلبه إلى الإسلام فلا بأس، وإن لم ينوِ شيئًا، أو عظمه لغناه كره. اهـ. قال

стр. 1510

الطرسوسي: وإن قام تعظيمًا لذاته وما هو عليه كفر؛ لأن الرضى بالكفر كفر، فكيف بتعظيم الكفر. اهـ. قلت: وبه علم أنه لو قام له خوفًا من شره فلا بأس أيضًا إذا تحقق الضرر، فقد يجب وقد يستحب على حسب حال ما يتوقعه" (١). وجاء في الفتوحات الربانية: "ويحرم لنحو كافر لا يخشى من ترك القيام له محذورًا" (٢). وقال القرافي ﵀: "فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام .. " (٣).
следующие страницы →