وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢].
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن: "من أحب قومًا فهو منهم، وأن المرء مع من أحب" (١).
ومحبة أعداء الله من أعظم ما يكون خطرًا على المسلم؛ لأن محبتهم تستلزم موافقتهم واتباعهم، أو على الأقل عدم الإنكار عليهم ولذلك قال النبي ﷺ : "من أحب قومًا فهو منهم".
الشرط الثاني: أن يتمكن من إظهار دينه بحيث يقوم بشعائر الإسلام بدون ممانع، فلا يمنع من إقامة الصلاة والجمعة والجماعات إن كان معه من يصلي جماعة ومن يقيم الجمعة، ولا يمنع من الزكاة والصيام والحج وغيرها من شعائر الدين، فإن كان لا يتمكن من ذلك لم تجز الإقامة لوجوب الهجرة حينئذ.
وبعد تمام هذين الشرطين الأساسين تنقسم الإقامة في دار الكفر إلى أقسام:
القسم الأول: أن يقيم للدعوة إلى الإسلام والترغيب فيه، فهذا نوع من الجهاد فهي فرض كفاية على من قدر عليها، بشرط أن تتحقق الدعوة وأن لا يوجد من يمنع منها أو من الاستجابة إليها، لأن الدعوة إلى الإسلام من واجبات الدين وهي طريقة المرسلين وقد أمر النبي ﷺ ، بالتبليغ عنه في كل زمان ومكان فقال ﷺ "بلغوا عني ولو آية".
القسم الثاني: أن يقيم لدراسة أحوال الكافرين والتعرف على ما هم عليه من فساد العقيدة، وبطلان التعبد، وانحلال الأخلاق، وفوضوية السلوك؛ ليحذّر
стр. 177
الناس من الاغترار بهم، ويبين للمعجبين بهم حقيقة حالهم، وهذه الإقامة نوع من الجهاد أيضا لما يترتب عليها من التحذير من الكفر وأهله المتضمن للترغيب في الإسلام وهديه، لأن فساد الكفر دليل على صلاح الإسلام، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. لكن لا بد من شرط أن يتحقق مراده بدون مفسدة أعظم منه، فإن لم يتحقق مراده بأن منع من نشر ما هم عليه والتحذير منه فلا فائدة من إقامته، وإن تحقق مراده مع مفسدة أعظم مثل أن يقابلوا فعله بسب الإسلام ورسول الإسلام وأئمة الإسلام وجب الكف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
ويشبه هذا أن يقيم في بلاد الكفر ليكون عينًا للمسلمين؛ ليعرف ما يدبرونه للمسلمين من المكايد فيحذرهم المسلمون، كما أرسل النبي ﷺ حذيفة بن اليمان إلى المشركين في غزوة الخندق ليعرف خبرهم.
القسم الثالث: أن يقيم لحاجة الدولة المسلمة وتنظيم علاقاتها مع دولة الكفر كموظفي السفارات فحكمها حكم ما أقام من أجله. فالملحق الثقافي مثلا يقيم ليرعى شؤون الطلبة ويراقبهم ويحملهم على التزام دين الإسلام وأخلاقه وآدابه، فيحصل بإقامته مصلحة كبيرة ويندرئ بها شر كبير.
القسم الرابع: أن يقيم لحاجة خاصة مباحة كالتجارة والعلاج فتباح الإقامة بقدر الحاجة، وقد نص أهل العلم ﵏ على جواز دخول بلاد الكفار للتجارة وأثروا ذلك عن بعض الصحابة ﵃.
القسم الخامس: أن يقيم للدراسة وهي من جنس ما قبلها إقامة لحاجة لكنها أخطر منها وأشد فتكًا بدين المقيم وأخلاقه، فإن الطالب يشعر بدنو مرتبته وعلو
стр. 178
مرتبة معلميه، فيحصل من ذلك تعظيمهم والاقتناع بآرائهم وأفكارهم وسلوكهم فيقلدهم إلا من شاء الله عصمته وهم قليل، ثم إن الطالب يشعر بحاجة إلى معلمه فيؤدي ذلك إلى التودد إليه ومداهنته فيما هو عليه من الانحراف والضلال.
والطالب في مقر تعلمه له زملاء يتخذ منهم أصدقاء يحبهم ويتولاهم ويكتسف منهم، ومن أجل خطر هذا القسم وجب التحفظ فيه أكثر مما قبله فيشترط فيه بالإضافة إلى الشرطين الأساسيين شروط:
الشرط الأول: أن يكون الطالب على مستوى كبير من النضج العقلي الذي يميز به بين النافع والضار وينظر به إلى المستقبل البعيد فأما بعث الأحداث - صغار السن - وذوي العقول الصغيرة فهو خطر عظيم على دينهم، وخلقهم، وسلوكهم، ثم هو خطر على أمتهم التي سيرجعون إليها وينفثون فيها السموم التي نهلوها من أولئك الكفار كما شهد ويشهد به الواقع، فإن كثيرا من أولئكم المبعوثين رجعوا بغير ما ذهبوا به، رجعوا منحرفين في دياناتهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحصل عليهم وعلى مجتمعهم من الضرر في هذه الأمور ما هو معلوم ومشاهد، وما مثل بعث هؤلاء إلا كمثل تقديم النعاج للكلاب الضارية.
الشرط الثاني: أن يكون عند الطالب من علم الشريعة ما يتمكن به من التمييز بين الحق والباطل، ومقارعة الباطل بالحق لئلا ينخدع بما هم عليه من الباطل فيظنه حقا أو يلتبس عليه أو يعجز عن دفعه فيبقى حيرانًا أو يتبع الباطل.
وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا عليّ فأضل".
الشرط الثالث: أن يكون عند الطالب دين يحميه ويتحصن به من الكفر والفسوق، فضعيف الدين لا يسلم مع الإقامة هناك إلا أن يشاء الله وذلك لقوة المهاجم وضعف المقاوم، فأسباب الكفر والفسوق هناك قوية وكثيرة متنوعة فإذا
стр. 179
صادفت محلا ضعيف المقاومة عملت عملها.
الشرط الرابع: أن تدعو الحاجة إلى العلم الذي أقام من أجله بأن يكون في تعلمه مصلحة للمسلمين ولا يوجد له نظير في المدراس في بلادهم، فإن كان من فضول العلم الذي لا مصلحة فيه للمسلمين أو كان في البلاد الإسلامية من المدارس نظيره لم يجز أن يقيم في بلاد الكفر من أجله لما في الإقامة من الخطر على الدين والأخلاق، وإضاعة الأموال الكثيرة بدون فائدة.
القسم السادس: أن يقيم للسكن وهذا أخطر مما قبله وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد بالاختلاط التام بأهل الكفر وشعوره بأنه مواطن ملتزم بما تقتضيه الوطنية من مودة، وموالاة، وتكثير لسواد الكفار، ويتربى أهله بين أهل الكفر فيأخذون من أخلاقهم وكاداتهم، وربما قلدوهم في العقيدة والتعبد ولذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله". وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له وجهة من النظر فإن المساكنة تدعوا إلى المشاكلة، وعن قيس بن أبي حازم عن جرير ابن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: "لا تراءى نارهما" (١).
وكيف تطيب نفس مؤمن أن يسكن في بلاد كفار تعلن فيها شعائر الكفر ويكون الحكم فيها لغير الله ورسوله وهو يشاهد ذلك بعينه ويسمعه بأذنيه ويرضى به، بل ينتسب إلى تلك البلاد ويسكن فيها بأهله وأولاده ويطمئن إليها كما يطمئن إلى بلاد المسلمين مع ما في ذلك من الخطر العظيم عليه وعلى أهله وأولاده في دينهم وأخلاقهم.
стр. 180
هذا ما توصلنا إليه في حكم الإقامة في بلاد الكفر نسأل الله أن يكون موافقا للحق والصواب" (١).
ولبيان معنى إظهار الدين قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "الإظهار ضد الإخفاء فالمظهر لدينه هو الذي يتمكن من إعلانه ولا يضطهد على ذلك ولا يخفيه والعاجز عن الإظهار هو الذي لا يقدر على إظهار إيمانه وتوحيده وعقائد دينه وشرائعه والدين لا يحد ولا يفسر بتفسير أحسن ولا أوضح من تفسير النبي ﷺ ولا أجمع فإنه فسره بمجموع عقائد الدين وشرائعه وحقائقه، فجعل ذلك كله هو الدين فمتى قدر الإنسان على إظهار هذه الأمور وعدم إخفاء شيء منها فهو المظهر لدينه، ومتى عجز عن إظهارها أو إظهار شيء منها فهو عاجز عن إظهار دينه".
* حكم السفر إلى بلاد الكفار:
سئل الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية، لأجل التجارة أم لا؟
فأجاب: "الحمد لله إن كان يقدر على إظهار دينه، ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك، فقد سافر بعض الصحابة ﵃ كأبي بكر ﵁ وغيره من الصحابة، إلى بلدان المشركين، لأجل التجارة، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ، كما رواه أحمد في مسنده وغيره.
وإن كان لا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لم يجز له السفر إلى ديارهم، كما نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث، التي تدل على النهي عن ذلك، ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجز.
стр. 181
وأيضًا: فقد يجره ذلك إلى موافقتهم، وإرضائهم، كما هو الواقع كثيرًا، ممن يسافر إلى بلدان المشركين، من فساق المسلمين، نعوذ بالله من ذلك" (١).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "وأما السفر إلى هذه الأقطار للاتجار مع حفظ العبد لدينه وقدرته على إظهاره فما المانع من ذلك والمسلمون ما زالوا يسافرون للتجارة لبلاد الكفر في وقت الصحابة ﵃ وقد ذكر ذلك أهل العلم وذكروا ما يدل عليه، ثم قال: وكل هذا دليل على جواز الاتجار إلى بلدانهم بشرط أن يتمكن الإنسان من إقامة دينه وحفظه ... " (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك.
فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة، وفيه إضاعة المال؛ لأن الإنسان ينفق أموالًا كثيرة في هذه الأسفار.
أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج أو تلقي علم لا يوجد في بلده وكان عنده علم ودين على ما وصفنا فهذا لا بأس به.
وأما السفر للسياحة في بلاد الكفار فهذا ليس بحاجة وبإمكانه أن يذهب إلى بلاد إسلامية يحافظ أهلها على شعائر الإسلام، وبلادنا الآن - والحمد لله - أصبحت بلاد سياحية في بعض المناطق فبإمكانه أن يذهب إليها ويقضي زمن إجازته فيها" (٣).
стр. 182
* حكم التجنس بجنسية بلاد كافرة:
سئلت اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز ﵀ عن المسلمين الذين يقدمون إلى هذه الديار ينوون الإقامة وكذلك يحصلون على الجنسية الأمريكية فهل يجوز لهم ذلك علما بأنها ديار كفر وشرك وانحلال فأجابت بما يأتي:
"لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم والموافقة على ما هم عليه من الباطل أما الإقامة بدون أخذ الجنسية فالأصل فيها المنع لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٧، ٩٨]، ولقول النبي ﷺ : "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين". ولأحاديث أخرى في ذلك ولإجماع المسلمين على وجوب الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام مع الاستطاعة لكن من أقام من أهل العلم والبصيرة في الدين بين المشركين لإبلاغهم دين الإسلام ودعوتهم إليه فلا حرج عليه إذا لم يخش الفتنة في دينه وكان يرجو التأثير فيهم وهدايتهم" (١).
وهناك أقوال أخرى وأحكام ذكرها العلماء وأجابوا عنها حسب ورود السؤال إليهم، ينظر إليها في مظانها (٢).
стр. 183
٣٧ - الإقسام على الله *
[التألِّي على الله]
يراد به هنا الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر على الله والقطع بحصول المقسم على حصوله وهو التألي (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "والإقسام على الله أن تحلف على الله أن يفعل، أو تحلف عليه أن لا يفعل، مثل والله ليفعلن الله كذا، أو والله لا يفعل الله كذا" (٢).
قال السعدي: "الإقسام على الله سوء أدب في حق الله وهو مناف للتوحيد وهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله" (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين: "والقَسَم على الله ينقسم إلى أقسام:
الأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به رسوله مثل: والله ليُشفِّعن الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله لا يغفر الله لمن أشرك به.
الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي ﷺ ذلك في قصة الربيّع بنت النضر عمة أنس بن مالك ﵁ حينما كسرت ثنية جارية من
стр. 184
الأنصار فاحتكموا إلى النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح فأبوا، فقام أنس بن النضر فقال: أتكسر ثنية الربيّع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيّع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي. فقال الرسول ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص" يعني السن بالسن، قال: والله لا تكسر ثنية الربيّع، وغرضه بذلك أنه لقوة ما عِنْدَه من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك.
فلما عرفوا أنه مصمم ألقى الله في قلوب الأنصار العفو فعفوا، فقال النبي ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (١) فهو لقوة رجائه بالله وحسن ظنه أقسم على الله أن لا تكسر ثنية الربيع فألقى الله العفو في قلوب هؤلاء الذين صمموا أمام الرسول ﷺ على القصاص فعفوا وأخذوا الأرش.
فثناء الرسول ﷺ عليه شهادة بأن الرجل من عباد الله، وأن الله أبر قسمه، ولين له هذه القلوب، وكيف لا وهو الذي قال: بأنه يجد ريح الجنة دون أحد ولما استشهد وجد به بضعة وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة رمح، ولم يعرفه إلا أخته ببنانه (٢) وهي الربيّع هذه رضي الله عن الجميع وعنا معهم.
ويدل أيضا لهذا القسم قوله ﷺ : "رُبَّ أشعثَ أغْبَرَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" (٣).
القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس وتحجُّر فضل الله ، وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك بأن يحبط الله عمل هذا المقسم" (٤).
стр. 185
٣٨ - الاكتواء
انظر: (باب الكي).
٣٩ - الإكراه
من موانع التكفير. انظر باب: (التكفير).
٤٠ - الإلحاد في أسماء الله *
[الأسماء والصفات]
الإلحاد لغة: مأخوذ من اللحد وهو الميل، لحد وألحد بمعنى مال حاد عنه وعدل (١)، ومنه سمي الحفر بالقبر لحدًا، لأنه مائل إلى جهة القبلة وهو ما يضاد توحيد الأسماء والصفات.
وشرعًا: وقال ابن القيم في تعريف الإلحاد في أسماء الله: "هو الميل بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها" (٢).
стр. 186
وحقيقته الميل بها عما جعلت له وعما يجب فيها إلى ضد التوحيد من الشرك والتعطيل والكفر.
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
قال ابن كثير: "وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله.
وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، وقال قتادة يلحدون يشركون في أسمائه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد التكذيب: وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر" (١).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى الميل بالإشراك والتعطيل والنكران. وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف تعرف بها تعالى إلى عباده، ودلت على كماله فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات، وإما أن يجعلها أسماء لهذه المخلوقات، كإلحاد أهل الاتحاد، فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها ومذمومها، حتى قال زعيمهم: هو المسمى بمعنى كل اسم ممدوح عقلًا وشرعًا وعرفًا، وبكل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا" (٢).
стр. 187
وقال ﵀: "والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:
أحدها: أن يسمي الأصنام بها، كتسميتهم اللات: من الإله، والعزى: من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا عن أسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته، أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك.
الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود إنه فقير، وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه.
الرابع: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني ...
الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقولون المشبهون علوًا كبيرًا" (١).
والإلحاد يضاد توحيد الأسماء والصفات. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "الشرك في توحيد الأسماء والصفات نوعان:
أحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، واستواء كاستوائي، وهو شرك المشبهة.
الثاني: اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
قال ابن عَبَّاسٍ: يلحدون في أسمائه: يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز" (٣).
стр. 188
قال الشيخ السعدي: "فحقيقة الإلحاد في أسماء الله هو الميل بها عن مقصودها لفظا أو معنى، تصريحًا، أو تأويلًا، أو تحريفًا، وكل ذلك مناف للتوحيد والإيمان" (١).
وقال ابن عثيمين: "والإلحاد في أسماء الله الميل بها عما يجب فيها وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات أو الأحكام، ووجه كونه إلحادًا أنه مال بها عما يجب لها إذ الواجب إثباتها وإثبات ما تتضمنه من الصفات والأحكام.
الثاني: أن يثبت لله أسماء لم يسم الله بها نفسه؛ كقول الفلاسفة في الله: أنه علة فاعلة في هذا الكون تفعل، وهذا الكون معلول لها، وليس هناك إله. وبعضهم يسميه العقل الفعّال، فالذي يدير هذا الكون هو العقل الفعال، وكذلك النصارى يسمون الله أبا وهذا إلحاد.
الثالث: أن يجعلها دالة على التشبيه، فيقول: الله سميع بصير قدير، والإنسان سميع بصير قدير، اتفقت هذه الأسماء فيلزم أن تتفق المسميات، ويكون الله مماثلا للخلق، فيتدرج بتوافق الأسماء إلى التوافق بالصفات.
ووجه الإلحاد: أن أسماءه دالة على معان لائقة بالله لا يمكن أن تكون مشابهة لما تدل عليه من المعاني في المخلوق.
الرابع: أن يشتق من هذه الأسماء للأصنام كتسمية اللات من الإله أو من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان حتى يلقوا عليها شيئا من الألوهية ليبرروا هم عليه" (٢).
أما من جحد شيئًا من الأسماء والصفات فسوف نتكلم عنها في باب (توحيد الأسماء والصفات).
стр. 189
٤١ - اللهم اغفر لي إن شئت *
لما كان العبد لا غناء له عن رحمة الله ومغفرته طرفة عين؛ نهى ﷺ عن تعليق حصول المغفرة والرحمة من الله على المشيئة وأمر بعزم الطلب دون تعليق وعلل ذلك بأن تعليق الطلب من الله على المشيئة يشعر بأن الله يثقله شيء من حوائج خلقه أو يضطره شيء إلى قضائها وهذا خلاف الحق فإنه هو الغني الحميد الفعال لما يريد.
كما يشعر ذلك بفتور العبد في الطلب واستغنائه عن ربه وهو لا غنى له عن ربه .
* الدليل من السنة: في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له". ولمسلم: "وليعظم الرّغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه" (١).
* أقوال العلماء في الحكمة من النهي عن تعليق الدعاء بالمشيئة:
قال في التيسير: "قال القرطبي: إنما نهى الرسول ﷺ عن هذا القول لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلا على قلة معرفته بذنوبه، وبرحمة ربه. وأيضا فإنه لا يكون موقنا بالإجابة. وقد قال ﵇: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل" (٢) " (٣).
стр. 190
وقال السعدي ﵀: "الأمور كلها وإن كانت بمشيئة الله وإرادته، فالمطالب الدينية كسؤال الرحمة والمغفرة، والمطالب الدنيوية المعينة على الدّين كسؤال العافية والرزق وتوابع ذلك قد أمر العبد أن يسألها من ربه طالبًا ملحًا جازمًا، وهذا الطلب عين العبودية ومخها، ولا يتم ذلك إلا بالطلب الجازم الذي ليس فيه تعليق بالمشيئة، لأنه مأمور به وهو خير محض لا ضرر فيه، والله تعالى لا يتعاظمه شيء.
وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين سؤال بعض المطالب المعينة التي لا يتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أن حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين كالدعاء المأثور: "اللهم أحيني ... " وكدعاء الاستخارة.
فافهم هذا الفرق البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها وأن الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبد عن عواقبها، ولا رجحان نفعها على ضررها فالداعي يعلقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا" (١).
وقال ابن عثيمين ﵀: "والمحظور في هذا التعليق من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول: أنا لا أكرهك، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر.
الثاني: أن قول القائل: "إن شئت" كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيمًا عنده، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس - والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة -: أعطني مليون ريال إن شئت، فإنك إذا قلت له ذلك؛ ربما يكون الشيء عظيمًا يتثاقله، فقولك: إن شئت؛ لأجل أن تُهوِّن عليه المسألة، فالله لا يحتاج أن تقول له: إن شئت؛ لأنه لا يتعاظمه شيء أعطاه، ولهذا قال ﵊: "وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا
стр. 191
يتعاظمه شيء أعطاه" ..
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغنٍ عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، فأنا لا يهمني، ولهذا قال: "وليعظم الرغبة"؛ أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك؛ لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بأنه مستغن عنه، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أن مفتقر إليه غاية الافتقار، وأن الله قادر على أن يعطيه ما سأل، وأن الله ليس يعظم عليه شيء، بل هو هَيِّن عليه، إذًا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة، بل يجزم فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم وفقني، وما أشبه ذلك" (١).
* أحكام وفوائد:
* حكم قول اللهم اغفر لي إن شئت:
تعليق إجابة الدعاء بالمشيئة ينافي كمال التوحيد.
فإذا كان قوله هذا على وجه الاستغناء أو يقولها مشعرًا أن هذا المطلوب عظيم على الله فهذا حرام ولا يجوز، بل الواجب أن يعزم المسألة ويعظم الرغبة ويتيقن الإجابة فإن الله لا مكره له ولا يتعاظمه شيء أعطاه، وممن قال بالتحريم الحافظ ابن عبد البر حيث قال: "لا يجوز لأحد أن يقول: اللهم اعطني إن شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا؛ لأنه كلام مستحيل لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاءه" (٢).
وذهب بعض العلماء كالنووي وابن حجر إلى حمل النهي على كراهة التنزيه (٣)، وكلامنا هذا إذا كان قوله على وجه الدعاء، وأما إذا كان على وجه الإخبار لا على وجه الدعاء فحكمه الجواز لاختلاف المسألة فباب الإخبار غير باب الدعاء
стр. 192
لانتفاء المحاذير السابقة وعليه يحمل حديث "لا بأس طهور إن شاء الله" (١) وحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا أفطر وهو صائم قال: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" (٢) وحديث زيارة المقبرة وفيه: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (٣).
* مسألة: سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن قول "إن شاء الله" على عمل قد تم فقال:
" هذا فيه تفصيل، أما في العبادات فلا مانع أن يقول إن شاء الله صليت إن شاء الله صمت؛ لأنه لا يدري هل كملها وقبلت منه أم لا وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم؛ لأنهم لا يدرون هل أكملوا أم لا، فيقول الواحد منهم: صمت إن شاء الله، ويقول أنا مؤمن إن شاء الله.
أما الشيء الذي لا يحتاج إلى ذكر المشيئة مثل أن يقول: بعت إن شاء الله، فهذا لا يحتاج إلى ذلك أو يقول: تغذيت أو تعشيت إن شاء الله، فهذا لا يحتاج أن يقول كلمة إن شاء الله؛ لأن هذه الأمور لا تحتاج إلى المشيئة في الخبر عنها لأنها أمور عادية قد فعلها وانتهى منها، بخلاف أمور العبادات التي لا يدري هل وفاها أم بخسها حقها، فإذا قال إن شاء الله فهو للتبرك باسمه سبحانه والحذر من دعوى شيء لم يكن قد أكمله ولا أداه حقه" (٤).
وبه تعلم أن قول: (إن شاء الله) لا يكون في العمل الذي علم انقضاؤه في الزمن الماضي كقول خلق الله السموات والأرض إن شاء الله لكنه يصح في العبادات رجاء قبولها عِنْدَ الله ويقال أيضًا حال الشك وعدم القطع بالأمر فتقول: ذهب
стр. 193
فلان إن شاء اللهُ لأنك غير مستيقن. ومما يلزم الاستثناء فيه ما يتعلق بالمستقبل كأن تقول سأفعل كذا إن شاء الله كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
* حكم قول: والله على ما يشاء قدير
قال الشيخ ابن عثيمين: "فإذا تبين أن وصف الله تعالى بالقدرة لا يقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله تعالى لنفسه فإن ذلك لا يعارضه قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] فإن المقيد هنا بالمشيئة هو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أن الله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره ويقيده بالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٥، ٢٦] فلما طلبوا الإتيان بآبائهم تحديا وإنكارًا لما يجب الإيمان به من البعث، بين الله تعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحدي هؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٧ - ٩] والحاصل أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ لا يعارض ما قررناه من قبل لأن القيد بالمشيئة ليس عائدًا إلى القدرة وإنما يعود إلى الجمع.
وكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب "الإيمان" في: باب "آخر أهل النار خروجًا" من حديث ابن مسعود ﵁، قال: قال: رسول الله ﷺ : "آخر من
стр. 194
يدخل الجنة رجل ... " فذكر الحديث وفيه أن الله تعالى قال للرجل: "إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر" (١) وذلك لأن القدر في هذا الحديث ذكرت لتقرير أمر واقع والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكر الصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلًا وأبدًا، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل ﴿قادر﴾ دون الصفة المشبهة ﴿قَدِيرٌ﴾ وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغربه المرء أو يستبعده فقيل له في تقريره إن الله على ما يشاء قادر فلا حرج في ذلك، وما زال الناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك، فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا قادر على ما يشاء، فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلا تقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقرير أمر واقع مانع من تقييدها بالمشيئة لأن الواقع لا يقع إلا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه، والله سبحانه أعلم" (٢).
ويقول الشيخ بكر أبو زيد: "لكن هذا الإطلاق مقيد بأفعال معينة كهذا الحديث وكذلك في الآية ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ معلقة بالجمع وعليه فإن إطلاق هذا اللفظ له حالتان الأولى على وجه العموم فهذا ممتنع لثلاثة وجوه:
١ - لأن فيها تقييدا لما أطلقه الله.
٢ - لأنه موهم بأن ما لا يشاؤه لا يقدر عليه.
٣ - لأنه موح بمذهب القدرية.
والحالة الثانية على وجه التقييد كما ذكر" (٣).
стр. 195
٤٢ - الأمن من مكر الله *
[اليأس - القنوط]
المكر في اللغة: الاحتيال والخديعة (١).
وشرعًا: هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر (٢).
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وعن ابن عَبَّاسٍ ﵄ في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لقوله الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، واليأس من روح الله قال الله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] والأمن من مكر الله لقول الله : ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (٣).
* الدليل من السنة: وعن ابن مسعود قال: "الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله". وفي رواية: "أكبر الكبائر" (٤).
стр. 196
وفي الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج" ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ﴾. إلى قوله: ﴿مُبْلِسُونَ﴾ (١)(٢).
* أقوال العلماء:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "ويخشى على العبد من خُلُقَيْنِ رذيلين: أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله وروحه، وأن يتجارى به الرجاء حتى يأمن مكر الله وعقوبته فمتى بلغت به الحال إلى هذا فقد ضيع واجب الخوف والرجاء اللذين هما من أكبر أصول التوحيد وواجبات الإيمان" (٣).
فوائد:
أسباب الأمن من مكر الله:
قال الشيخ السعدي ﵀: "وللأمن من مكر الله سببان مهلكان:
أحدهما: إعراض العبد عن الدين وغفلته عن معرفة ربه وماله من الحقوق وتهاونه بذلك فلا يزال معرضًا غافلًا مقصرًا عن الواجبات منهمكًا في المحرمات حتى يضمحل خوف الله من قلبه ولا يبقى في قلبه من الإيمان شيء لأن الإيمان يحمله على خوف الله وخوف عقابه الدنيوي والأخروي.
والثاني: أن يكون العبد عابدًا جاهلًا معجبًا بنفسه مغرورًا بعمله فلا يزال به جهله حتى يدل بعمله ويزول الخوف عنه، ويرى أن له عِنْدَ الله المقامات العالية فيصير آمنًا من مكر الله متكلًا على نفسه الضعيفة ومن هنا يخذل ويحال بينه وبين
стр. 197
التوفيق إذ هو الذي جنى على نفسه.
فبهذا التفصيل تعرف منافاة هذه الأمور للتوحيد" (١).
فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره مذموم؟
فالجواب: إن المكر إذا كان في محله فهو ممدوح، وإن كان في غير محله فهو مذموم.
ومكر الله استدراجه العبد بالنعم إذا عصى وإملاؤه له حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر، وهو مكر يحُمد عليه سبحانه؛ لأنه واقع في محله وبمن يستحقه، ومعلوم أن أهل السنة لا يطلقون صفة المكر على الله إلَّا مقيدة فيقولون (يمكر بمن يمكر به) " (٢).
стр. 198
٤٣ - الإنابة *
[التوبة]
الإنابة في اللغة: قال الراغب: "النَّوب: رجوع الشيء مرةً بعد أخرى .. والإنابة إلى الله تعالى الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل" (١).
وفي الشرع: يقول السعدي: "هي انجذاب القلب في محبة الله وعبوديته والرجوع إليه في كل حالة" (٢).
وقال ابن القيم: "وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه" (٣).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، وقوله حكاية عن شعيب أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، وقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]، وقوله: ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ٤]، وقوله عن نبيه داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤].
стр. 199
أقوال العلماء:
قال الإمام ابن القيم: "والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيته:
وهي إنابة المخلوقات كلها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام، بل تجامع الشرك والكفر، كما قال تعالى في حق هؤلاء: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ فهذا حالهم بعد إنابتهم.
والإنابة الثانية: إنابة أوليائه، وهي إنابة لإلهيته، إنابة عبودية ومحبة.
وهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه. فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع، وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك.
وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم، و "المنيب" إلى الله المسرع إلى مرضاته، الراجع إليه كل وقت، المتقدم إلى محابه" (١).
والناس في إنابتهم على درجاتٍ متفاوتة، فمنهم المنيب إلى الله بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرُها مطالعةُ الوعيد، والحاملُ عليها العلم والخشية والحذر.
ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقُربات، فهو ساع فيها بجهده وقد حُبِّبَ إليه فعلُ الطاعات وأنواع القربات، وهذه الإنابة مصدرها الرجاءُ ومطالعة الوعد والثواب، ومحبة الكرامة من الله .. ومنهم المنيبُ إلى الله بالتضرُّع والدعاء، والافتقار إليه، والرغبة وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدرُ هذه الإنابة
стр. 200
شهودُ الفضل والمنة والعنى والكرم والقدرة، فأنزلوا به حوائجهم، وعلّقوا به آمالهم، فإنابتُهم إليه من هذه الجهة مع قيامهم بالأمر والنهي ... " (١).
الفرق بينها وبين التوبة: قال ابن عثيمين: "الإنابة الرجوع إلى الله تعالى بالقيام بطاعته واجتناب معصيته وهي قريبة من معنى التوبة إلا أنها أرق منها لما تشعر به من الاعتماد على الله واللجوء إليه ولا تكون إلا الله تعالى ودليلها قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] " (٢).
стр. 201
٤٤ - الانحناء *
قال ابن عثيمين: "ولما سئل ﷺ عن الرجل يلقى أخاه فيسلم عليه أينحني له؟ فقال: لا، فمنع ﷺ من الانحناء عِنْدَ التسليم لأن ذلك خضوع لا ينبغي إلا لله رب العالمين فهو سبحانه وحده الذي يركع له ويسجد وكان السجود عِنْدَ التحية جائزًا في بعض الشرائع السابقة ولكن هذه الشريعة الكاملة شريعة محمد ﷺ منعت منه وحرمته إلا لله وحده" (١).
قال ابن جماعة: "قال بعض العلماء: إنه من البدع، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض للقبر، وهذا لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعه، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم. قال: وليس عجبي ممن جهل ذلك وارتكبه بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه، ومخالفته لعمل السلف، واستشهد لذلك بالشعر" (٢).
وقال الشيخ عبد الله بن جبرين: "فمن دعا ميتًا أو رجاه أو علق قلبه به أو أحبه كحب الله أو انحنى له أو خشع وخضع عِنْدَ القبر ونحوه، أو طاف به أو ذبح له أو نحو ذلك من أنواع العبادة فقد أبطل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (٣).
стр. 202
وقال ابن عثيمين: "الشرك قسمان خفي وجلي:
* فالجلي: ما كان بالقول مثل الحلف بغير الله أو قول ما شاء الله وشئت.
أو بالفعل: مثل الانحناء لغير الله تعظيمًا ... " (١).
وقال ابن القيم ذاكرًا أنواع الشرك: "ومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عِنْدَ الملاقاة. وهذا سجود في اللغة. وبه فسر قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء:١٥٤] أي: منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض. ومنه قول العرب: سجدت الأشجار، إذا أمالتها الريح" (٢).
والانحناء إذا كان على غير وجه التعظيم كما يُعظم الله فإنه لا يصل إلى حد الكفر ولكن يُنهى عنه.
٤٥ - الأنداد
انظر: باب (الند).
٤٦ - الأنصاب
انظر: باب (الصنم).
٤٧ - الانقياد المنافي للترك
من شروط (لا إله إلا الله) انظر: باب لا إله إلا الله.
стр. 203
٤٨ - إنكار النعم *
النعم كلها من عِنْدَ الله تعالى ويجب القيام بحقوقها وإضافتها إلى الله قولا واعترافا حتى يسلم للمرء دينه ويتم توحيده. قال الإمام السعدي ﵀: "فمن أنكر نعم الله بقلبه ولسانه فذلك كافر ليس معه من الدين شيء" (١). وسوف يأتي مزيد بحث في (كفر النعمة).
٤٩ - أهل الأهواء
انظر باب (الهوى).
٥٠ - أهل السنة والجماعة *
قال ابن عثيمين ﵀: "أهل السنة والجماعة هم الذين تمسكوا بالسنة، واجتمعوا عليها، ولم يلتفتوا إلى سواها، لا في الأمور العلميّة العقدية، ولا في الأمور العملية الحكمية، ولهذا سموا أهل السنة لأنهم متمسكون بها، وسمُّوا أهل
стр. 204
الجماعة، لأنهم مجتمعون عليها.
وإذا تأملت أحوال أهل البدعة وجدتهم مختلفين فيما هم عليه من المنهاج العقدي أو العملي، مما يدل على أنهم بعيدون عن السنة بقدر ما أحدثوا من البدعة" (١).
ومصطلح (أهل السنة والجماعة) يتكون من شقين هما "السنة" و"الجماعة" وسوف نعرِّف كل واحدٍ منهما ونبيِّن معناه ثم نذكر ألقابًا أخرى يُعرف بها أهل السنة والجماعة.
السنّة: عرَّفها ابن الأثير في اللغة بأنها: "الطريقة والسيرة" (٢) وهذا عام في السنة الحسنة والسيئة ومن ذلك قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (٣).
وخصها الأزهري بالطريقة المحمودة فقال: "السنة: الطريقة المستقيمة المحمودة ... وسن فلان طريقًا من الخير يسنه: إذا ابتدأ أمرًا من البر لم يعرفه قومه فاستنوا به وسلكوه" (٤).
وقولهم: "هي السنة أي الطريقة التي سنها النبي ﷺ وأمر (٥)، ولذلك صار لفظ السنة يطلق على ما كان محمودًا فيقال: فلان من أهل السنة أي من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة" (٦).
стр. 205
وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت التعريفات وتنوعت بحسب العلم الذي يبحث عنه فتطلق السنة ويراد بها المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي فهي عِنْدَ الأصوليين: تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز (١).
ويراد بها في اصطلاح الفقهاء: مرادفة المندوب، وهو ما ثبت عن النبي ﷺ ، ولم يكن واجبًا (٢).
وفي اصطلاح المحدثين: قال النووي: "وتطلق سنته ﵊ على الأحاديث المروية عنه ﷺ " (٣).
وقال ابن حجر في "الفتح": "هي ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله" (٤).
وعرفها البعض بأنها: "كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها" (٥).
وهذه هي أهم إطلاقات السنة عِنْدَ العلماء، والذي يهمنا هنا تعريفها في اصطلاح أئمة السنة المشتغلين بتقرير مذهب السلف الصالح في الاعتقاد حيث تطلق السنة عِنْدَهم في مقابل البدعة (٦)، فيقال: فلان على السنة إذا عمل على وفق ما
стр. 206
عمل ﵊ سواء كان ذلك مما نص عليه الكتاب أو لا (١).
قال الإمام البربهاري: "اعلم أن الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر" (٢).
وقال أبو نصر السجزي الوائلي: "أهل السنة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح ﵏ عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه ﵃ فيما لم يثبت فيه نص في الكتاب ولا عن الرسول ﷺ لأنهم ﵃ أئمة وقد أمرنا باقتفاء آثارهم واتباع سنتهم، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى إقامة برهان" (٣).
فإذا قيل عن رجل أنه صاحب سنة، فالمقصود به: أنه على ما كان عليه النبي ﷺ ، وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من أمور الدين قولًا وعملًا واعتقادًا (٤).
كما يطلق لفظ أهل السنة في مقابل الرافضة، كما أن الرافضة يعنون به من عداهم.
وعليه فإن مصطلح أهل السنة له إطلاقان: عام، وخاص:
أما الإطلاق العام: فالمراد به ما يكون في مقابل الشيعة، فتدخل جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام - عدا الشيعة - في مفهوم أهل السنة، وعليه يصح تقسيم المسلمين إلى سنة وشيعة.
وأما الإطلاق الخاص: فالمراد به ما يكون في مقابل أهل البدع، والمقالات المحدثة كالشيعة، والخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والمرجئة، والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع، يقول ابنُ تَيمِيَّةَ: "فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافه الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة وقد يراد به أهل
стр. 207
الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى" (١).
ويدل على ذلك بعض الآثار الواردة عن أئمة السنة فقد كان أئمة السلف يسمون، الاعتقاد الصحيح سنة (٢)، كما قال سفيان بن عيينة: "السنة عشرة، فمتى كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة. ثم ذكر جملة من عقائد السلف" (٣).
وقال الإمام أبو بكر بن عياش ﵀، عِنْدَما سئل: من السني؟ فقال: "الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها" (٤).
ومنها قول الإمام مالك بن أنس ﵀، عِنْدَما سئل: من أهل السنة؟ فقال: "أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به: لا جهمي ولا قدري ولا رافضي" (٥).
وقال الإمام الشافعي: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم، مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إلى إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء" (٦).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: "أصول السنة عِنْدَنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم ... ثم ذكر جملة عقائد السلف" (٧).
وقال ابنُ تَيمِيَّةَ: "وأهل السنة نقاوة المسلمين" (٨).
стр. 208
وقال الإمام علي بن المديني ﵀: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها ثم ذكر مجمل اعتقاد السلف" (١).
وصنف الأئمة على هذا المعنى فصار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم أن: "السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيها على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات، والشهوات" (٢).
وحين صنف الأئمة كتبًا باسم السنة فإنهم يريدون بها الكلام في الأسماء والصفات، وأن القرآن كلام الله، والقضاء والقدر، ومسائل الإيمان والكفر، والمسائل المتعلقة بالبرزخ والآخرة، والموقف من الصحابة وولاة الأمور وما شابه ذلك من أبواب العقيدة.
والكتب التي سميت بالسنة كثيرة ألفها الأئمة في بيان عقائد السلف، منها كتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الاعتصام بالسنة للبخاري، والسنة لعبد الله ابن إمام أحمد بن حنبل، والسنة للخلال، والسنة لأبي بكر بن أبي عاصم، والسنة لأبي داود، وابن أبي حاتم، والطبراني، والطلمنكي، والبربهاري، وابن أبي زمنين، وغيرهم.
وبعدما عرفنا مصطلح "السنة" نأتي على أقوال أهل العلم في تعريف "الجماعة".
الجماعة في اللغة: من جمع، يقال: جمع المتفرق، والجماعة ضد الفرقة (٣).
стр. 209
وفي الاصطلاح: ورد لفظ الجماعة في حديث: "يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار" (١)، وحديث: "من أحب منكم أن ينزل بحبوحة (٢) الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ... " (٣).
وحديث: "فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية" (٤)، وحديث: "كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" (٥)، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة في هذه الأحاديث ونحوها على أقوال (٦):
الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، ويدخل فيهم مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها ومن سواهم داخلون في حكمهم.
الثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، وهو اختيار البخاري ﵀ حيث قال: "هم أهل العلم" (٧)، واختاره الترمذي ﵀ حيث قال: "هم أهل الفقه والعلم والحديث" (٨).
الثالث: أنها جماعة الصحابة على وجه الخصوص. فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا (٩).
стр. 210
الرابع: أنها جماعة المسلمين إذا أجمعوا على أمر ما، وهو الإجماع. فإذا اجتمع العلماء على أمر من أمور الشرع سواءً الأحكام أو المعتقدات فيلزم متابعة حكمهم والاعتصام به، وهذا يرجع إلى القول الأول والثاني.
الخامس: أنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، فلا يجوز الخروج عليهم فيه. وهو اختيار أبي جعفر الطبري، حيث قال: "والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة" (١).
السادس: أنها جماعة الحق، قال الإمام البربهاري في شرح السنة: "وهم جماعة الحق وأهله" (٢).
وقال ابن كثير: "فأهل الحق هم أكثر الأمة ولا سيما في الصدر الأول ولا يكاد يوجد فيهم من هو على بدعة، وأما في الأعصار المتأخرة فلا يعدم الحق عصابة يقومون به" (٣).
وهذه الأقوال حاصلها واحد وهو لزوم المنهج الحق الواضح الذي سنّه رسول الله ﷺ وأصحابه ويلزم من ذلك تقديم أهل العلم والاجتهاد الذين التزموا بالاتباع وترك الابتداع إذ المُعَوَّلُ عليه اتباع الحق ولزومه وخير من يتّبع الحق ويلزمه العلماء أتباع السنة ولو كانوا قلّة المقتدون بالصحابة رضوان الله عليهم فإذا ظفر العبد بهم وجب عليه طاعتهم ولزوم ما التزموا، فالعلماء هم السواد الأعظم والعوام تبع لهم.
ومن صفاتهم أنهم يلزمون إمام المسلمين، إلا إذا رأوا كفرًا بواحًا، فيكون مدار
стр. 211
تعريف الجماعة على أنها الحق وأهله.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة اللهُ وإن كنت وحدك".
وقال عبد الله بن المبارك ﵀ وقد سئل عن الجماعة فقال: "أبو بكر وعمر. قيل له: وقد مات أبو بكر وعمر. قال: فلان. قيل له: قد مات فلان وفلان. فقال: عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة" (١).
وقال أبو شامة ﵀: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا، والمخالف كثيرًا؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا ينظر إلى كرة أهل الباطل بعدهم" (٢).
وقال ابن القيم: "وقد شذّ الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة، وكان القضاة حينئذٍ، والمفتون، والخليفة، وأتباعه كلهم شاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة" (٣).
وبعد أن ذكرنا معنى (السنة) ومعنى (الجماعة) يتبين بوضوح أن أهل السنة والجماعة هم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها الذين يلزمون جماعة المسلمين وإمامهم. قال شيخ الإسلام: "فإن السنة تتضمن النص، والجماعة تتضمن الإجماع فأهل السنة والجماعة هم المتبعون للنص والإجماع" (٤).
* صفات وخصائص منهج أهل السنة والجماعة:
قال الشيخ ابن عثيمين: "أبرز الخصائص للفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي ﷺ ، في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملة، هذه الأمور الأربعة
стр. 212
تجد الفرقة الناجية بارزة فيها" (١).
ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵂ قال: قال رسول ﷺ : "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ " (٢).
ويلزم من ذلك ألا يقدم رأي أحد على سنة المصطفى ﷺ بل يقدم النقل والنص الصحيح على العقل والرأي فلا يسلك مسلك أهل الكلام في تقديم العقل على النقل بل إذا لم يوجد للمسألة نص صحيح فيُرجع إلى أقوال السلف ويستنار بفهمهم للكتاب والسنة ويُلتزم ما لزموا ولا يخوض فيما نهوا عنه ولا يجالس أهل الأهواء ولا يجادل أهل البدع بل يأتمر بما أمر الله من هجرهم وعدم مجالستهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
قال الشوكاني ﵀: "وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتمسح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويريدون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة فإذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزيهه عما يلتبسون به، شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر" (٣).
وقال الحسن ﵀: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم" (٤).
стр. 213
* نشأة مصطلح أهل السنة والجماعة:
عُرف هذا اللقب أيام الصحابة حيث ظهر في تلك الأثناء الحثّ على الطاعة والجماعة.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ في إحدى خطبه: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل في الأصل إلى حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة" (١).
وأخرج اللالكائي عن ابن عباس ﵄ في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] قال: "فأما الذين ابيضّت وجوههم: فأهل السنة والجماعة وأولوا العلم، وأما الذين اسودّت وجوههم: فأهل البدع والضلالة" (٢).
قال محمد بن سيرين ﵀: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (٣).
ويظهر بهذا أنه عُرِف آخر عهد الصحابة لا سيما بعد ظهور الفرق وأهل الأهواء من الخوارج والشيعة والقدرية.
* أسماء يعرف بها أهل السنة والجماعة:
هناك ألقاب يعرف بها أصحاب السنة وإن اختلفت الأسماء فالمعنى واحد فأهل السنة هم أهل الحديث وهم السلف الصالح الطائفة المنصورة وهم الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة وهم الغرباء وهم وإن اختلفت أسمؤهم
стр. 214
فخصائصهم واحدة وأصولهم معروفة ثابتة ومن ألقابهم التي عرفوا بها:
١ - السلف: قال ابن فارس: "سلف: السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، ومن ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون" (١)
وقال في لسان العرب: "سَلَفَ يَسْلُفُ سُلُفًا وسُلُوفًا ... والسلف أيضا من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل ... ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصلح" (٢).
ومعاني السلف تدور حول التقدم والسبق، فالسلف هم الجماعة المتقدمون من الأئمة أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ والتابعين لهم بإحسان وتابع التابعين الذين ساروا على نهجهم واقتفوا أثرهم.
ويطلق السلف أيضًا على: "كل شيء قدمه العبد من عمل صالح أو ولد فرط يقدمه فهو له سلف، وقد سلف له عمل صالح، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس:٣٠] أي جزاء ما عملت" (٣).
وكل من كان على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ فهو منسوب إلى السلف أهل السنة والجماعة؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف، ومذهب السلف هو: ما كانوا عليه من الاعتقاد المنسوب إليهم (٤).
ومن خالف ذلك كان مبتدعا عِنْدَ أهل السنة والجماعة؛ لأنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة (٥).
стр. 215
* إطلاق السلفية والمراد بها:
السلفية تطلق ويراد بها أحد معنيين:
الأول: حقبة تاريخية معينة تختص بأهل القرون الثلاثة المتقدمة، كما في حديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" (١).
قال القلشاني: "السلف الصالح وهو الصدر الأول الراسخون في العلم المهتدون بهدي النبي ﷺ الحافظون لسنته اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه وانتخبهم لإقامة دينه" (٢).
وقالت اللجنة الدائمة: "السلفية نسبة إلى السلف وهم صحابة رسول الله ﷺ وأئمة الهدى من أهل القرون الثلاثة ﵃" (٣).
وفائدة هذا التحديد الرجوع إلى أقوال رجال هذا الزمن وإلى فهمهم عِنْدَ الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم.
الثاني: الطريقة التي كان عليها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم بإحسان، من التمسك بالكتاب والسنة وتقديمهما على ما سواهما، والعمل بهما. فمن سار على ذلك وتمسك به فهو من السلف ويطلق عليه سلفي (٤).
فالسلفية بالإطلاق الأول: مرحلة تاريخية انتهت بموت رجالها. من أصحاب القرون الثلاثة الأولى المباركة من الصحابة والتابعين وتابعي تابعيهم المذكورين في حديث رسول الله ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... " (٥).