للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك" (١).
وفي حديث: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا ... " قال ابن قتيبة: "معناه من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين يدي ملوك الأعاجم وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لأخيه إذا سلم عليه" (٢).
وقال ابن كثير: "فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار الأعاجم" (٣).
وقال ابن حجر: "وأما القيام حتى يجلس فلا. فإن هذا فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز" (٤).
* وقد سئل الشيخ حسين، وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ عن القيام في وجوه الأمراء والعلماء، وأهل الفضل .. إلخ؟
فأجابا: "لا يجوز القيام للعلماء، ولا الأمراء، بحيث يتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من فعل أهل الجاهلية والجبابرة، كملوك فارس والروم وغيرهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك مع عظمائهم" (٥).
وقد تقدم حديث النبي ﷺ : "من سره أن يمثل له عباد الله قياما فليتبوأ بيتا من النار" (٦).
قال الإمام البغوي: "هذا فيمن سلك فيه طريق التكبر" (٧).
وقال ابن قدامه: "ومن خصال المتكبر أنه يحب قيام الناس" (٨).
стр. 1507
وقال المناوي: "وذلك لأن ذلك إنما ينشأ عن تعظيم المرء نفسه واعتقاد الكمال وذلك عجب وتكبر وجهل وغرور ولا يناقضه خبر: "قوموا لسيدكم" لأن سعدًا لم يحب ذلك والوعيد إنما هو لمن أحب" (١).
وجاء في روضة الطالبين: "وأما الداخل فيحرم عليه أن يحب قيامهم له" (٢).
وقال ابن مفلح: "والنهي قد وقع على السرور بذلك الحال، فإذا لم يسر بالقيام إليه وقاموا له فغير ممنوع منه" (٣).
٢ - أثر القيام على التوحيد:
القيام المنهي عنه قد يكون فيه تعظيم غير الله أو تشبه بالأعاجم. وقد تقدم أن اتخاذه عادة من شعار الأعاجم، وقد نهينا عن التشبه بهم، أما التعظيم فهو حق الله وحده.
قال فضل الله الجيلاني: "ومن العجب استدلالهم على جواز القيام للناس بحديث "قوموا إلى سيدكم" ومن المستدلين من يسهو فيذكره بلفظ: "قوموا لسيدكم"، كأنهم لم يعرفوا الفرق بين القيام للرجل والقيام إليه وهو أن القيام له معناه القيام تعظيما له، قال الله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. هذا أصل معناه عند الإطلاق وأما القيام إليه فمعناه أن تقوم عامدا إليه، ولا يفهم منه التعظيم والإكرام إلا بقرينة كما في حديث: "قوموا إلى سيدكم"" (٤).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "وبالجملة فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب" (٥).
стр. 1508
* ولشيخ الإسلام تفصيل في مسألة القيام يحسن بنا أن نذكره في خاتمة هذا البحث:
سئل الإمام العالم العامل الرباني والحبر النوراني أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام عند قوم شخص معين معتبر هل يجوز أو لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطنًا، وربما أدى ذلك إلى بغض وعداوة ومقت، وأيضًا المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض، هل يجوز ذلك أم يحرم؟
فإن فعل ذلك الرجل عادة وطبعًا ليس فيه له قصد هل يحرم عليه أم لا يجوز ذلك في حق الأشراف والعلماء وفيمن يرى مطمئنًا بذلك دائمًا هل يأثم على ذلك أم لا؟
وإذا قال: سجدت لله هل يصح ذلك أم لا؟
فأجاب: "الحمد لله رب العالمين لم تكن عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه ﵇ كما يفعله كثير من الناس بل قد قال أنس بن مالك لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له، كما روى عن النبي ﷺ أنه قام لعكرمة، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: "قوموا إلى سيدكم" وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه.
والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ ، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، فلا يعدل أحد عن هدى خير الورى، وهدى خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.
وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن.
стр. 1509
وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له وليس هذا القيام المذكور في قوله ﷺ : "من سرَّه أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما صلى بهم قاعدًا في مرضه صلوا قيامًا أمرهم بالقعود وقال: "لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا"، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.
وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما" (١).
٣ - حكم القيام للكافر:
قال العز بن عبد السلام: "ولا يفعل - القيام - للكافر لأنا مأمورون بإهانته، وإظهار صغاره، فإن خيف من شره ضرر عظيم جاز؛ لأن التلفظ بكلمة الكفر جائز للإكراه فهذا أولى" (٢).
وجاء في حاشية ابن عابدين عن الذخيرة: "لو دخل ذمي على مسلم فقام له ليميل قلبه إلى الإسلام فلا بأس، وإن لم ينوِ شيئًا، أو عظمه لغناه كره. اهـ. قال
стр. 1510
الطرسوسي: وإن قام تعظيمًا لذاته وما هو عليه كفر؛ لأن الرضى بالكفر كفر، فكيف بتعظيم الكفر. اهـ.
قلت: وبه علم أنه لو قام له خوفًا من شره فلا بأس أيضًا إذا تحقق الضرر، فقد يجب وقد يستحب على حسب حال ما يتوقعه" (١).
وجاء في الفتوحات الربانية: "ويحرم لنحو كافر لا يخشى من ترك القيام له محذورًا" (٢).
وقال القرافي ﵀: "فيتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب، ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى عنه في الآية، وغيرها. ويتضح ذلك بالمثل، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم حينئذ وبداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، هذا كله حرام .. " (٣).
стр. 1511
٢٢٧ - الكتابة على القبر *
الكتابة على القبور أمر نهى الشارع عنه. سواء نصب لوحًا على القبر وكتب فيه من آيات القرآن أو غير ذلك مما ورد النهي عنه والتحذير منه فقد ورد عن جابر بن عبد الله أنه قال: نهى رسول الله ﷺ : "أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه" (١). وفي بعض الروايات زاد: "أو يزاد عليه أو يكتب عليه" (٢).
قال ابن القيم في بيان مخالفة القبوريين لأوامر الشريعة: "ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره" (٣).
وقال ﵀: "ولم يكن من هديه ﷺ تعلية القبور ولا بناؤها بآجر، ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها، ولا تطيينها ... فسنته ﷺ تسوية هذه القبور المشرفة كلها، ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه (٤).
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن نقش حصاة (وَسْم) تُبين أن هذا قبر فلان فقال: "هو بمعنى الكتابة، وفيه مزيد الاعتناء الذي ليس شرعيًا، وليس عليه الصحابة، فهو ما ينبغي" (٥).
قال ابن باز ﵀: "لا يجوز أن يكتب على قبر الميت لا آيات قرآنية ولا غيرها،
стр. 1512
لا في حديدة ولا في لوح ولا في غيرها؛ لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث جابر ﵁: "نهى ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه". رواه الإمام مسلم في صحيحه. زاد الترمذي والنسائي بإسناد صحيح: وأن يكتب عليه" (١).
قال الشيخ ابن قاسم: "وظاهره تحريم الكتابة عليه ... ومن ظن أن الأصحاب أرادوا كراهة التنزيه فقد أبعد النجعة" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح الزاد: ""وتكره الكتابة" أي على القبر، سواء كتب على الحصى المنصوب عليه، أو كتب على نفس القبر، لأن ذلك يؤدي إلى تعظيمه، وتعظيم القبور يخشى أن يوصل صاحبه إلى الشرك، وظاهر كلام المؤلف ﵀ أن الكتابة مكروهة، ولو كانت بقدر الحاجة، أي حاجة بيان صاحب القبر درءًا للمفسدة" (٣).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "ويحرم البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها" (٤).
ووضع العلامة لمعرفة القبر جاء فيها ما رواه المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فأمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه قال كثير: قال المطلب، قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي (٥).
стр. 1513
فإذا علِّم القبر بعلامة غير الكتابة لكي يعرف للزيارة والسلام عليه كأن يخط خطًا أو يضع حجرًا على القبر ليس فيه كتابة، من أجل أن يزور القبر ويسلم عليه، لا بأس بذلك، أما الكتابة فلا يجوز، لأن الكتابة وسيلة من وسائل الشرك، فقد يأتي جيل من الناس فيما بعد ويقول: إن هذا القبر ما كتب عليه إلا لأن صاحبه فيه خير ونفع للناس، وبهذا حدثت عبادة القبور.
قال الشيخ السعدي فيما نقله الشيخ ابن عثيمين عنه موضحًا معنى الكتابة: "المراد بالكتابة ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من عبارات المدح والثناء لأن هذه هي التي يكون بها المحظور أما التي بقدر الإعلام فلا تكره" (١).
стр. 1514
٢٢٨ - الكرامة *
التعريف: "الكرامة ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما كان مقرونا بدعواها يكون معجزة" (١).
قال ابن عثيمين: "الكرامة أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي؛ تأييدًا له، أو إعانة، أو تثبيتًا، أو نصرًا للدين" (٢).
قال في الكواشف الجلية: "أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح، ملتزم المتابعة لنبي كلف بشريعته مصحوبا بصحة الاعتقاد والعمل الصالح علم بها أو لم يعلم" (٣).
стр. 1515
وقد بيَّن شيخ الإسلام أنه لا يكفي في المعجزة مجرد الدعوى، قال ﵀: "فقد تبين أنه ليس من شرط دلائل النبوة لا اقترانه بدعوى النبوة، ولا الاحتجاج به ولا التحدي بالمثل ولا تقريع من يخالفه، بل كل هذه الأمور قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أن ما لا يقع معه لا يكون آية بل هذا إبطال لأكثر آيات الأنبياء لخلوها عن هذا الشرط ... وهم - أي الأشاعرة - إنما شرطوا ذلك لأن كرامات الأولياء عندهم متى اقترن بها دعوى النبوة، كانت آية للنبوة، وجنس السحر والكهانة متى اقترن به دعوى النبوة كان دليلا على النبوة عندهم لكن قالوا: الساحر والكاهن لو ادعى النبوة لكان يمتنع من ذلك، أو يعارض بمثله، وأما الصالح فلا يدعى، فكان أصلهم أن ما يأتي به النبي والساحر والكاهن والولي من جنس واحد لا يتميز بعضه عن بعض بوصف، لكن خاصة النبي اقتران الدعوى والاستدلال والتحدي بالمثل بما يأتي به، فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصة تتميز بها عن السحر والكهانة وعما يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبي مزية على عموم المؤمنين، ولا على السحرة والكهان من جهة الآيات التي يدل الله بها العباد على صدقه.
وهذا افتراء عظيم على الأنبياء وعلى آياتهم، وتسوية بين أفضل الخلق وشرار الخلق، بل تسوية بين ما يدل على النبوة، وما يدل على نقيضها، فإن ما يأتي به السحرة والكهان لا يكون إلا لكذاب فاجر عدو لله، فهو مناقض للنبوة، فلم يفرقوا بين ما يدل على النبوة وعلى نقيضها، وبين ما لا يدل عليها، ولا على نقيضها، فإن آيات الأنبياء تدل على النبوة، وعجائب السحرة والكهان تدل على نقيض النبوة، وإن صاحبها ليس ببر ولا عدل، ولا ولي لله فضلًا عن أن يكون نبيًا، بل يمتنع أن يكون الساحر والكاهن نبيًا بل هو من أعداء الله" (١).
стр. 1516
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والله بعث الرسل بالآيات لا بالمعجزات، ولهذا كان التعبير بالآيات أحسن من التعبير بالمعجزات:
أولأ: لأن الآيات هي التي يُعبَّر في الكتاب والسنة.
ثانيًا: أن المعجزات قد تقع من ساحر ومشعوذ وما أشبه ذلك تُعجزُ غيره.
ثالثًا: أن كلمة (آيات) أدل على المعنى المقصود من كلمة (معجزات)؛ فآيات الله هي العلامات الدالة على الله ، وحينئذ تكون خاصةً به، ولولا أنها خاصة؛ ما صارت آية له" (١).
فوائد وأحكام:
١ - الفرق بين الكرامة والمعجزة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، ويسمونها الآيات، لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعهما الأمر الخارق للعادة" (٢).
وقال المازري: "إن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقام غالبا اتفاقا وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي" (٣).
стр. 1517
وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "كل ما لم تبلغه طاقة البشر ولم يقع في دائرة قدرتهم فهو معجزة، وقد تطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصة، كبعض المسائل العلمية واختراع بعض الآلات والأجهزة الحديثة وغيرها مما لا يقوى عليه إلا خواص الناس، وكالغوص والسباحة وحمل الأثقال وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر.
وأما المراد من المعجزة هنا - أي في علم التوحيد - فهي الأمر الخارق للعادة الخارج عن سنة الله في خلقه، الذي يظهره الله على يد مدّعي النبوة تصديقا له في دعواه، وتأييدا له في رسالته، مقرونا بالتحدي لأمته، ومطالبتهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله تعالى على اختياره إياه وإرساله إليهم بشريعته" (١).
٢ - أقسام الكرامة:
قال الشيخ ابن عثيمين: "الكرامة تنقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالعلوم والمكاشفات، وقسم يتعلق بالقدرة والتأثيرات.
* أما العلوم كأن يحصل للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره.
* وأما المكاشفات كأن يظهر له من الأشياء التي يكشف له عنها ما لا يحصل لغيره.
- مثال الأول العلوم: ما ذكر عن أبي بكر أن الله أطلعه على ما في بطن زوجته - الحمل - أعلمه الله أنه أنثى (٢).
- ومثال الثاني المكاشفات ما حصل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث كان يخطب الناس يوم الجمعة على المنبر، فسمعوه يقول: يا سارية! الجبل! فتعجبوا من هذا الكلام، ثم سألوه عن ذلك؟ فقال: إنه كشف له عن سارية بن
стр. 1518
زنيم وهو أحد قواده في العراق، وأنه محصور من عدوه، فوجهه إلى الجبل، وقال له: يا سارية! الجبل! فسمع سارية صوت عمر، وانحاز إلى الجبل، وتحصن به (١).
هذه من أمور المكاشفات؛ لأنه أمر واقع، لكنه بعيد.
أما القدرة والتأثيرات؛ فمثل ما وقع لمريم من هزها لجذع النخل وتساقط الرطب عليها. ومثل ما وقع للذي عنده علم من الكتاب؛ حيث قال لسليمان: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ... ثم ذكر قول شيخ الإسلام في كتاب الفرقان حين قال: "وهذا باب واسع، قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، وأما ما نعرفه نحن عيانا ونعرفه في هذا الزمان؛ فكثير"" (٢).
وهناك أنواع تتعلق بالكشف والكرامة أهمها:
١ - الإلهام وهو معنى يُلقى في القلب أو شيء يلقى في القلب تطمئن له النفس، وينشرح له الصدر (٣).
وهذا الشيء الذي يُلقى في القلب يحتاج أن يعرضه صاحبه على ما جاء به النبي ﷺ ، قال الإمام ابن تيمية: "ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيًا؛ بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقًا للشرع، وعلى ما يقع له مما يراه إلهامًا ومحادثة وخطابا من الحق؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد ﷺ فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن يعلم أموافق هو أم
стр. 1519
مخالف؟ توقف فيه" (١).
٢ - الهواتف جمع هاتف وهو الصوت المسموع لا يعلم من ألقاه (٢).
وهذا وإن كان يقع للعبد على سبيل الكرامة فإن هناك من استزله الشيطان وخدعه بما يظن أنه كرامة حتى أضله عن الطريق وسار به إلى الاستغاثة بالأموات والإشراك بالله ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثير من هؤلاء يتمثل له الشيطان، ويرى نورًا أو عرشًا أو نورًا على العرش، ويقول: أنا ربك. ومنهم من يقول: أنا نبيك، وهذا قد وقع لغير واحد، ومن هؤلاء من تخاطبه الهواتف بخطاب على لسان الإلهية أو غير ذلك، ويكون المخاطب له جنيًا، كما قد وقع لغير واحد، لكن بسط الكلام على ما يُرى ويُسمع وما هو في النفس والخارج، وتمييز حقه من باطله ليس هذا موضعه، وقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع" (٣).
٣ - أمثلة لكرامات الأولياء (٤):
الأولياء جمع ولي: وهو المؤمن المتقي كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. سمي وليًا اشتقاقا من الولاء وهو المحبة والقرب فولي الله من والى الله بموافقته في محبوباته والتقرب إليه بمرضاته (٥).
стр. 1520
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من كان مؤمنا تقيا؛ كان لله وليًّا" (١).
قال العلماء: كل كرامة لولي؛ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ لأن الكرامة شهادة من الله أن طريق هذا الولي طريق صحيح.
وعلى هذا ما جرى من الكرامات للأولياء من هذه الأمة فإنها آيات لرسول الله ﷺ (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسول الله ﷺ فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول ﷺ مثل انشقاق القمر وتسبيح الحصا في كفه، وإتيان الشجر إليه وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس وإخباره بما كان وما يكون وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أشبع في الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص، في حديث أم سليم المشهور وروّى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص وهم نحو ثلاثين ألفا، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذي كانوا معه، كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألفا وأربعمائة أو خمسمائة وردّه لعين أبي قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه.
وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا، مثل ما كان أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها السرج، وهي الملائكة نزلت لقراءته وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة، فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها. وعباد
стр. 1521
بن بشر وأسيد بن الحضير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط، فلما افترقا افترق الضوء معهما" (١).
٤ - بقاء الكرامات في أولياء الله إلى يوم القيامة:
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الدليل على أنها موجودة إلى يوم القيامة: سمعي، وعقلي.
أما السمعي فإن الرسول ﷺ أخبر في قصة الدجال أنه يدعو رجلا من الناس من الشباب يأتي، ويقول له: كذبت! إنما أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله ﷺ ، فيأتي الدجال، فيقتله قطعتين، فيجعل واحدة هنا وواحدة هنا رمية الغرض - يعني: بعيدا ما بينهما -، ويمشي بينهما، ثم يدعوه، فيقوم يتهلل، ثم يدعوه ليقر له بالعبودية، فيقول الرجل: ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم! فيريد الدجال أن يقتله؛ فلا يسلط عليه" (٢).
فهذه أي عدم تمكن الدجال من قتل ذلك الشاب من الكرامات بلا شك.
وأما العقلي فيقال: ما دام سبب الكرامة هي الولاية؛ فالولاية لا تزال موجودة إلى قيام الساعة" (٣).
٥ - حال العبد عند حصول الكرامة أو الخارق للعادة:
ينبغي للعبد أن لا يغتر بالكرامة ولا يشتد فرحه بها؛ لأنها قد تكون سببًا لهلاكه فيصيبه العُجْب والأمْن بل المطلوب أن يستعين بذلك على التقرب إلى الله والتواضع له وازدراء النفس لتصفو نفسه أما أن يعجب بها ويعظم نفسه بسببها فإن في هذا عطبه وهلاكه.
стр. 1522
وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: "قال أبو علي الجوزجاني: "كن طالبًا للاستقامة لا طالبًا للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة". قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير في الباب وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبدًا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ويحبون أن يرزقوا شيئًا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهمًا لنفسه في صحة عمله حيث لم يُكاشف بشيء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابًا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننًا فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغنى بذلك عن رؤية خرق العادات؛ لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين، فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينًا، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به وتقتضي الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة، ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا ينقص بذلك وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة، فتعلّم هذا لأنه أصل كبير للطالبين والعلماء الزاهدين ومشايخ الصوفية" (١).
стр. 1523
٦ - وجوب الإيمان بكرامات الأولياء وحكم إنكارها:
قرر هذه العقيدة الإمام الطحاوي حيث قال: "ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء، ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم" (١).
وقال شيخ الإسلام ﵀: "ومن أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات. والمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر فرق الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة" (٢).
جاء في لوامع الأنوار: "وكرامة الأولياء حق وأنكر الإمام أحمد ﵁ على من أنكرها وضلله" (٣).
وقال ابن عثيمين ﵀: "وهناك مذهب مخالف لمذهب أهل السنة، وهو مذهب المعتزلة ومن تبعهم؛ حيث إنهم ينكرون الكرامات ويقولون: إنك لو أثبت الكرامات لاشتبه الساحر بالولي والولي بالنبي؛ لأن كل واحد منهم يأتي بخارق.
فيقال: لا يمكن الالتباس؛ لأن الكرامة على يد ولي، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة، ولو ادَّعاها لم يكن وليا. آية النبي تكون على يد نبي، والشعوذة والسحر على يد عدو بعيد من ولاية الله، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين، فينالها بكسبه بخلاف الكرامة فهي من الله تعالى، لا يطلبها الولي بكسبه" (٤).
стр. 1524
٧ - الفرق بين كرامات الأولياء وخوارق الشياطين:
ينبغي للعبد أن يفرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ذلك أن لكل واحد منهما خصائص وسمات تدل عليه.
وقد نقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق (١).
وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن من مسائل أهل الجاهلية: "اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء، كما نسبوه إلى سليمان" (٢).
وقد بين ابن تيمية ﵀: أن ليس كل خارق يجري على يدي صاحبه يدل على أن ذلك كرامة له، أو أنه أكرم الخلق على الله، فلربما كان ذلك الخارق حالا شيطانية، وذكر أن المخاريق ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يكون آية لنبي، وهذه حق لا ريب فيها، ولا يمكن لأحد أن يعارضها بمثلها.
ثانيها: ما يكون كرامة لولي، وهذه حق عند أهل السنة والجماعة، وهذه تكون على يدي الصالحين، وتدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول لا تدل على أن الولي معصوم ولا تدل على وجوب طاعته في كل ما يقوله.
ثالثها: خوارق الكفار والفجار كالسحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة التي تعينهم خوارقهم على محرمات مثل الفواحش والظلم والشرك والقول الباطل (٣).
стр. 1525
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ فلا تكون سببًا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان، وبالأمور التي فيها، استغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية" (١).
وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على الأشاعرة ومن قال بقولهم في التفريق بين المعجزات وخوارق السحرة وبيَّن التحقيق في ذلك فقال: "وعندهم لا فرق بين جنس وجنس في اختصاصه بالأنبياء به، فليس في أجناس المعقولات ما يكون آية تختص بالأنبياء، فيستلزم نبوتهم بل ما كان لهم قد يكون عند غيرهم حتى للسحرة والكهان، وهم أعداؤهم، وفرقوا بعدم المعارضة، وهذا فرق غير معلوم وهو مجرد دعوى.
قالوا: لو ادعى الساحر والكاهن النبوة، لكان الله ينسيه الكهانة والسحر، ولكان له من يعارضه لأن السحر والكهانة هي معجزة عندهم، وفي هذه الأقوال من الفساد عقلًا وشرعًا ومن المناقضة لدين الإسلام وللحق ما يطول وصفه، ولا ريب أن قول من أنكر وجود هذه الخوارق أقل فسادًا من هذا، ولهذا يشنع عليهم
стр. 1526
ابن حزم وغيره بالشناعات العظيمة.
ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقًا إذْ لا فرق عندهم في نفس الأمر، والتحقيق أن آيات الأنبياء مستلزمة للنبوة ولصدق الخبر بالنبوة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنه رسول لا يوجد مع التكذيب بذلك، ولا مع عدم ذلك البتة، وليست من جنس ما يقدر عليه لا الإنس ولا الجن، فإن ما يقدر عليه الإنس والجن يفعلونه فلا يكون مختصا بالأنبياء.
ومعنى كونها خارقة للعادة: أنها لا توجد إلا للنبوة لا مرة ولا أقل، ولا أكثر، فالعادة هنا تثبت بمرة، والقاضي أبو بكر يقول: إن ما فعل مرات يسيرة لا يكون معتادًا، وفي كلامه في هذا الباب من الاضطراب ما يطول وصفه، وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه كالقاضي أبي يعلى وأبي المعالي والرازي والآمدي وغيرهم.
وما يأتي به السحرة والكهان يمتنع أن يكون آية لنبي بل بل هو آية على الكفر، فكيف يكون آية للنبوة، وهو مقدور للشياطين، وآيات الأنبياء لا يقدر عليها جن ولا إنس، وآيات الأنبياء آيات لجنسها فحيث كانت آية لله تدل على مثل ما أخبرت به الأنبياء، وإن شئت قلت: هي آيات لله يدل بها على صدق الأنبياء تارة، وعلى غير ذلك تارة، وما يكون للسحرة والكهان لا يكون من آيات الأنبياء، بل آيات الأنبياء مختصة بهم.
وأما كرامات الأولياء فهي أيضًا من آيات الأنبياء فإنها إنما تكون لمن تشهد لهم بالرسالة فهي دليل على صدق الشاهد لهم بالنبوة، وأيضًا فإن كرامات الأولياء معتادة من الصالحين ومعجزات الأنبياء فوق ذلك، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن، وانقلاب العصا حية، وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء، وكذلك خلق الطير من الطين، ولكن آياتهم صغار وكبار قال الله تعالى:
стр. 1527
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ [النازعات: ٢٠]، فلله تعالى آية كبيرة وصغيرة، وقال عن نبيه محمد: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] فالآيات الكبرى مختصة بهم، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام، فهذا قد وجد لغير واحد من الصالحين، لكن لم يوجد كما وجد للنبي ﷺ أنه أطعم الجيش من شيء يسير، فقد يوجد لغيرهم من جنس ما وجد لهم، لكن لا يماثلون في قدره، فهم مختصون إما بجنس الآيات فلا يكون لمثلهم كالإتيان بالقران وانشقاق القمر، وقلب العصا حية، وانفلاق البحر، وأن يخلق من الطين كهيئة الطير، وأما بقدرها وكيفيتها كنار الخليل، فإن أبا مسلم الخولاني وغيره وصارت النار عليهم بردًا وسلامًا، لكن لم تكن مثل نار إبراهيم في عظمتها كما وصفوها، فهو مشارك للخليل في جنس الآية، كما هو مشارك في جنس الإيمان محبة الله وتوحيده، ومعلوم أن الذي امتاز به الخليل من هذا لا يماثله فيه أبو مسلم وأمثاله" (١).
والأحوال الشيطانية تكون على يدي السحرة والكهان وأمثالهم من الفجرة (٢) فهم أولياء الشيطان وجنوده وأنصاره وينخدع بالأحوال الشيطانية كثير ممن يستغيث بغير الله فيستنجد بالمقبور ويستغيث بالقبور كما ينخدع بها من يصدق الكهان والسحرة والمشعوذين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية، مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ ، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدّجال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجّال، لكنه كان من جنس الكهان. قال له النبي ﷺ : قد خبأت لك خبءًا، قال
стр. 1528
الدخ الدّخ وقد كان خبّأ له سورة الدخان، فقال له النبي ﷺ : "اخسأ فلن تعدو قدرك" (١) يعني إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشيطان يخبره بكثير من المغيبات بما يسرقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم.
والأسود العنسي الذي ادّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبيّن لها كفره فقتلوه.
وكذلك مسيلمة الكذّاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيّبات ويعينه على بعض الأمور.
وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة، وكانت الشياطين تخرج رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرّخامة إذا مسحها بيده، وكان يرى الناس رجالا وركبانا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنّا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسمّ الله فطعنه فقتله" (٢).
وقال ﵀: "ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى، طرد شيطانه فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد.
стр. 1529
ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك المخلوق مسلمًا أو نصرانيًا أو مشركًا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه، كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى.
ومنهم من يرى عرشًا في الهواء، وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة، علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه، فيزول" (١).
وقال الشيخ العلامة محمد بن عبد العزيز المانع: "وبهذا يتبين أن من ظهر على يديه شيء من الخوارق التي يسمونها كرامات الأولياء، وهو مصر على دعوة غير الله تعالى من الأحياء والأموات، معتقدا أنهم ينفعونه أو يضرونه، فهو من الحيل والشعوذة لا من الكرامات، إذ من شروط حصولها صحة الاعتقاد، وأي اعتقاد أفسد من الإشراك بالله تعالى؟ وكذا يتبين كذب من ادعى الولاية وهو تارك للصلوات مع المسلمين في مساجدهم، ويزعم أنه يصلي بمكة جميع الصلوات ولو كان بينه وبينها مسافة أيام ... " (٢).
٨ - ما يطرد الأحوال الشيطانية:
سلاح العبد في ذلك كله تعلقه بالله وتوكله عليه وأن يصدق في توجهه إلى الله وقد جاءت الأحاديث مبينة لما يطرد الشيطان فمنها الاستعاذة بالله منه (٣) ومنها
стр. 1530
الآذان (١) ومنها المحافظة على الأذكار (٢) وقراءة القرآن، فقد ثبت في صحيح مسلم قوله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ سورة البقرة" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها، مثل آية الكرسي، فإنه ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ لما وكله النبي ﷺ بحفظ زكاة الفطر، فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: كذبك وأنه سيعود، فلما كان في المرة الثالثة، قال دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. إلى آخرها (٤)، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي ﷺ قال: صدقك وهو كذوب. وأخبره أنه شيطان" (٥).
ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها (٦).
٩ - فائدة في معجزات الأنبياء وآياتهم:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي: "إن آيات المعجزات التي أيد الله بها رسله قد اختلفت أنواعها، وتباينت مظاهرها وأشكالها، إلا أنها تجتمع في أن كلا منها قد عجز البشر عن أن يأتوا بمثله، منفردين أو مجتمعين، فكانت بذلك شاهد صدق على الرسالة، وحجة قاطعة تخرس الألسنة، وينقطع عندها الخصوم ويجب لها
стр. 1531
التسليم والقبول.
ويغلب أن تكون معجزة كل رسول مناسبة لما انتشر في عصره، وبرز فيه قومه، وعرفوا بالمهارة فيه، ليكون ذلك أدعى لفهمها، وأعظم لدلالتها على المطلوب، وأمكن في الالتزام بمقتضاها، ففي عهد موسى ﵇ انتشر السحر، ومهر فيه قومه، حتى أثروا به على النفوس، وسحروا به أعين الناظرين، وأوجس في نفسه خيفة منه من شهده، وإن كان عالي الهمة، قوي العزيمة، فكان ما آتاه الله نبيه موسى فوق ما تبلغه القوى والقدر، وما لا يدرك بالأسباب والوسائل، وقد أوضح الله ذلك في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢٠ - ١٢٢].
وفي عهد المسيح عيسى بن مريم ﵇ برع بنو إسرائيل في الطب فكان مما آتاه الله أن يصور من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وإحياء الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الآيات التي تثبت بها رسالته، وقامت الحجة على قومه.
وفي عهد محمد ﷺ كان العرب قد بلغوا الغاية في فصاحة اللسان، وقوة البيان، وجرت الحكمة على ألسنتهم حتى اتخذوا ذلك ميدانًا للسباق والمباراة، فأنزل الله القرآن على رسوله محمد ﷺ فكانت بلاغته وبيانه وما تضمنه من الحكم والأمثال جانبا من جوانب إعجازه، عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "وما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (١) " (٢).
стр. 1532
وقال ابن عثيمين: "قال بعض العلماء: ما من آية لنبي من الأنبياء السابقين إلا ولرسول الله ﷺ مثلها.
- فأورد عليهم أن الرسول ﷺ لم يلق في النار فيخرج حيًا كما حصل ذلك لإبراهيم.
- فأجيب بأنه جرى ذلك لأتباع الرسول ﵊ كما ذكره المؤرخون عن أبي مسلم الخولاني، وإذا أكرم أتباع الرسول ﵊ بجنس هذا الأمر الخارق للعادة دل ذلك على أن دين النبي ﷺ حق؛ لأنه مؤيد بجنس هذه الآية التي حصلت لإبراهيم.
- وأورد عليهم أن البحر لم يفلق للنبي ﷺ ، وقد فلق لموسى!
- فأجيب بأنه حصل لهذه الأمة فيما يتعلق في البحر شيء أعظم مما حصل لموسى، وهو المشي على الماء؛ كما في قصة العلاء بن الحضرمي حيث مشوا على ظهر الماء، وهذا أعظم مما حصل لموسى؛ لأن موسى مشى على أرض يابسة.
- وأورد عليهم أن من آيات عيسى إحياء الموتى، ولم يقع ذلك لرسول الله ﷺ .
- فأجيب بأنه حصل ووقع لأتباع الرسول ﵊ كما في قصة الرجل الذي مات حماره في أثناء الطريق، فدعا الله تعالى أن يحييه فأحياه الله تعالى.
- وأورد عليهم إبراء الأكمه والأبرص.
- فأجيب بأنه حصل من النبي ﷺ أن قتادة بن النعمان لما جرح في أحد ندرت عينه حتى صارت على خده، فجاء النبي ﷺ ، فأخذها بيده، ووضعها في مكانها، فصارت أحسن عينيه.
الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ -.
انظر باب: "النفاق".
стр. 1533
٢٢٩ - الكفر *
في اللغة: كفر بالفتح: الستر والتغطية وبالضم ضد الإيمان (١). ووصف الليل بالكافر لستره الأشخاص، والزراع لستره البذر في الأرض (٢).
وفي الشرع: قال الراغب: "والكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الواحدانية أو النبوة أو الشريعة أو ثلاثتهما، وقد يقال كفر لمن أخل بالشريعة وترك ما لزمه من شكر الله عليه" (٣).
وقال ابن حزم: "وهو في الدين صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه (٤) ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان" (٥).
ويقول السبكي: "التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية، أو
стр. 1534
الرسالة، أو قول، أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدا" (١).
ويقول ابن تيمية: "الكفر: عدم الإيمان، باتفاق المسلمين، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئًا ولم يتكلم" (٢).
ويقول: "الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله حسدًا أو كبرًا، أو اتباعا لبعض الأهواء الصارفة عن اتباع الرسالة" (٣).
ويعرِّف الشيخ عبد الرحمن السعدي الكفر قائلًا: "فالكافر هو ضد المسلم، والمرتد هو الذي كفر بعد إسلامه بقول أو فعل أو اعتقاد أو شك، وحد الكفر الجامع لجميع أجناسه، وأنواعه، وأفراده هو: جحد ما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، كما أن الإيمان اعتقاده ما جاء به الرسول والتزامه جملة تفصيلا، فالإيمان والكفر ضدان متى ثبت أحدهما ثبوتا كاملا، انتفى الآخر" (٤).
فالكفر اعتقادات أو أقوال أو أفعال حكم الشارع أنها تناقض الإيمان.
وقد ورد لفظ الكفر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية سوف نسوقها اختصارا ضمن تقسيم أنواع الكفر الأكبر والأصغر.
أحكام وفوائد:
١ - أنواع الكفر:
الكفر أنواع وشعب متعددة، فمن وقع في أصل الكفر، وهو ما يضاد أصل الإيمان وحقيقته، فلا نزاع في كفره. أما من وقع في بعض شعب الكفر التي لا تضاد
стр. 1535
أصل الإيمان وحقيقته، وكان معه أصل الإيمان الذي ثبت له به وصف الإسلام، فإنه لا يكفر بذلك.
* الكفر نوعان:
أولًا: كفر أكبر مخرج من الدين يكون صاحبه في الدنيا خارجًا عن الملة، وفي الآخرة من أهل النار الخالدين فيها. كالتكذيب بالله ورسوله والسجود للأصنام.
وسيأتي ذكر أنواعه في باب (الكفر الأكبر).
قال ابن القيم: "الكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار" (١).
وقد أطلق العلماء على هذا النوع اسم (الكفر الأكبر)، لأنه ينتفي عن صاحبه مطلق الإيمان، ووصف الإسلام، ويحصل بالقول وبالفعل والاعتقاد والشك مع ثبوت الشروط، وانتفاء الموانع. أما إطلاق القول بأن الكفر الاعتقادي هو الكفر الأكبر، وأنه يقابله الكفر العملي، وهو الأصغر فهو قول باطل، بل الكفر العملي قد يكون كفرا أكبر.
قال ابن القيم ﵀: "فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا، وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه، كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف" (٢).
ثانيًا: كفر أصغر: كالاقتتال بين المسلمين والنياحة والتبرؤ من النسب (٣). وهذا لا مناقضة فيه لأصل الإيمان، بل هو مما يتعلق بفروع الإيمان ودرجاته ومكملاته، فلا يخرج به الشخص عن دائرة الملة الإسلامية؛ لأن أصل الإيمان باق معه، طالما لم ينقضه بناقض من قول أو عمل. إنما الذي ينتفي في هذا النوع هو كمال الإيمان الواجب، وهو درجة زائدة على أصل الإيمان أو "مرتبة الإسلام"،
стр. 1536
وليس مطلق الإيمان.
والكفر الأصغر: كل ما ورد في النصوص تسميته كفرًا ولم يصل إلى درجة الكفر الأكبر وله ضوابط يعرف بها. كما أن لأئمة السلف عبارات تدل عليه، كقولهم: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه عن النفاق: "وبالجملة فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق" (٢).
الفرق بين الكفر والشرك:
انظر باب (الشرك).
٢ - الكفر هو الغاية الكبرى للشيطان:
قال ابن القيم ﵀: "فصلٌ: النظر الرابع نظره إلى الآمر له بالمعصية المزين له فعلها، الحاض له عليها وهو شيطانه الموكل به، فيفيده النظر إليه وملاحظته اتخاذه عدوا وكمال الاحتراز منه والتحفظ واليقظة والانتباه يريد منه عدوه وهو لا يشعر فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها، العقبة الأولى عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على العقبة الثانية وهي عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله أنزل به كتابه واما بالتعبد بما لم يأذن به الله ... العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر ... العقبة الرابعة وهي عقبة الصغائر ... العقبة الخامسة وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها
стр. 1537
فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات وعن الاجتهاد في التزود لمعاده ... العقبة السادسة وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات؛ ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبًا وربحًا ... ولكن أين أصحاب هذه العقبة فهم الأفراد في العالم والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول .. فإذا نجا منها لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لا بد منها، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه وأكرم الخلق عليه وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورجله وظاهر عليه بجنده وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط ... " (١).
٣ - ما معنى قول السلف: إن المعاصي تسمى كفرًا ؟:
قال ابن القيم ﵀: "والقصد: أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر. فإنها ضد الشكر، الذي هو العمل بالطاعة. فالسعي: إما شكر، وإما كفر، وإما ثالث، لا من هذا ولا من هذا. والله أعلم" (٢).
وقال ابن العربي ﵀: "الطاعات كما تسمى إيمانًا كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد عليه الكفر المخرج من الملة" (٣).
وإذا كانت الطاعات تسمى إيمانًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فكذلك المعاصي تسمى كفرًا، كما تقدم من كلام ابن القيم ﵀، لكن لا يراد به الكفر المخرج عن الملة بل يراد الاعتبار اللغوي.
وقد تنسب المعاصي إلى الجاهلية؛ لشناعتها، ولا يكفّر صاحبها بارتكابها إلا
стр. 1538
بالشرك، قال الإمام البخاري ﵀: "باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية"، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ثم أورد حديث أبي ذرّ عندما سابّ رجلًا فعيّره بأمه، فقال له النبي ﷺ تلك المقالة (١).
قال الإمام بدر الدين العيني: "أما وجه الاستدلال بما في الحديث، فهو أنه قال له: فيك جاهلية يعني أنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية، ولست جاهلًا محضًا ... وهو نوع من المعصية، ولو كان مرتكب المعصية يكفر، ليبين النبي ﷺ لأبي ذرّ، ولم يكتف بقوله في الإنكار عليه: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (٢).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأما قصة أبي ذر فإنما ذكرت ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك، لا يخرج عن الإيمان بها، سواء كانت من الصغائر أم الكبائر" (٣).
٤ - الفرق بين كفر الاعتقاد وكفر العمل:
قال ابن القيم ﵀: (الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه. وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه. وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر
стр. 1539
بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه: فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله ﷺ ، ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ويسمي رسول الله ﷺ تارك الصلاة كافرًا ولا يطلق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله ﷺ الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.
وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (١) فهذا كفر عمل، وكذلك قوله: "من أتى كاهنًا فصدقه أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد" (٢)، وقوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" (٣)، وقد سمى الله من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به وكافرًا بما ترك العمل به ... فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي ﷺ بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (٤) ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به والآخر كفرًا، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم. فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم
стр. 1540
فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان. فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل" (١).
وهذا المذكور من أنواع الكفر إنما هو لمعرفة الأحكام أما إطلاق ذلك على شخص بعينه فيتبع فيها استكمال الشروط وانتفاء الموانع حسب ما ذكرناه من ضوابط في باب التكفير.
وهناك مباحث تتعلق بالكافر، منها:
استقدام الكافر إلى جزيرة العرب. انظر باب (جزيرة العرب).
زيارة قبر الكافر. انظر باب (زيارة القبور).
الدعاء للكافر. انظر باب (الدعاء).
لعن الكافر المعين، وقد أفردت لذلك بابًا فليراجع.
السلام على الكافر والرد عليه إذا سلم.
معرفة أهل الكتاب.
٥ - حكم السلام على الكافر:
قال الشيخ ابن باز ﵀: "ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه". رواه مسلم في صحيحه.
وقال ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". متفق عليه. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وحكم بقية الكفار حكم اليهود النصارى في هذا الأمر؛ لعدم الدليل على الفرق فيما نعلم.
стр. 1541
فلا يبدأ الكافر بالسلام مطلقًا، ومتى بدأ هو بالسلام وجب الرد عليه بقولنا: وعليكم، امتثالًا لأمر الرسول ﷺ ، ولا مانع من أن يقال له بعد ذلك: كيف حالك؟ وكيف أولادك؟ كما أجاز ذلك بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا سيما إذا اقتضت المصلحة الإسلامية ذلك كترغيبه في الإسلام وإيناسه بذلك ليقبل الدعوة ويصغي لها" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لا يجوز أن يبدأ غير المسلمين بالسلام؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولأن في هذا إذلالًا للمسلم حيث يبدأ بتعظيم غير المسلم، والمسلم أعلى مرتبة عند الله ، فلا ينبغي أن يذل نفسه في هذا، أما إذا سلَّموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلموا.
وكذلك أيضًا لا يجوز أن نبدأهم بالتحية مثل أهلًا وسهلًا ومرحبًا وما أشبه ذلك لما في ذلك من تعظيمهم فهو كابتداء السلام عليهم" (٢).
وسُئل ﵀ عن الكافر إذا سلَّم على المسلم فهل يرد عليه؟ فأجاب بقوله: "إذا سلم الكافر على المسلم سلامًا بيِّنًا واضحًا فقال: السلام عليكم. فإنك تقول: عليك السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦].
أما إذا لم يكن بيِّنًا واضحًا فإنك تقول: وعليك. وكذلك لو كان سلامه واضحًا يقول فيه: السام عليكم، يعني الموت فإنه يقال: وعليك.
فالأقسام ثلاثة:
الأول: أن يقول بلفظ صريح "السام عليكم" فيجاب: "وعليكم".
الثاني: أن نشك هل قال: "السام" أو قال: "السلام"، فيجاب: "وعليكم".
الثالث: أن يقول بلفظ صريح "السلام عليكم". فيجاب: "عليكم السلام"
стр. 1542
لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم" (١).
٦ - معرفة أهل الكتاب:
قال الشيخ ابن باز ﵀: "أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، كما نص على ذلك علماء التفسير وغيرهم، أما المجوس فليسوا من أهل الكتاب عند الإطلاق ولكنهم يعاملون معاملتهم في أخذ الجزية منهم؛ لأن الرسول ﷺ أخذها منهم، أما نساؤهم وذبائحهم فحرام على المسلمين عند الأئمة الأربعة وغيرهم وهو كالإجماع من أهل العلم، وفي حِلِّهما قول شاذ لا يُعوَّل عليه عند أهل العلم، وممن نص على ما ذكرنا من العلماء أبو محمد بن قدامة ﵀ في كتابه "المغني" قال ما نصه:
فصل: وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام:١٥٦] فأهل التوراة اليهود والسامرة، وأهل الإنجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم" (٢).
стр. 1543
٢٣٠ - كفر الإباء والاستكبار *
قال الرازي: "الإباء: الامتناع" (١).
وقال الراغب: "الإباء: شدة الامتناع، فكل إباء امتناع وليس كل امتناع إباء.
قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]. وقال: ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَر﴾. وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ (٢). فمن أبى أن يعبد الله فهو مستكبر، ومن عبده وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن عبده وحده بغير ما شرع فهو مبتدع ومن عبده وحده بما شرع فهو المؤمن الموحد.
والإباء يقابله الانقياد والقبول قال الشيخ عبد الرحمن البراك: "وأما الانقياد: فإنه يتضمن الاستجابة والمحبة والرضا والقبول، وضد ذلك الإباء والاستكبار والكراهة لما جاء به الرسول ﷺ " (٣).
ومن الأمثلة على ذلك كفر إبليس فإن كفره من جهة الإباء والاستكبار كما أخبر الله عنه في أكثر من موضع قال شيخ الإسلام: "وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بإلإباء
стр. 1544
والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون قومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا ... " (١).
وقال ابن القيّم ﵀: "وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، إنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل ... " (٢).
وقال شيخ الإسلام: "ولو أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب وعملا في القلب فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته، وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به والتصديق هو من نوع العلم والقول وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا، فالكفر أعم من التكذيب يكون تكذيبًا وجهلًا ويكون استكبارًا وظلمًا، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالًا وهو الجهل ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاؤوا إلى النبي وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا نشهد أنك نبي ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم ... " (٣).
стр. 1545
وقال الشيخ حافظ حكمي ﵀ " ... وإن انتفى عمل القلب، وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس، وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب" (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: "من كفر الإباء والاستكبار الامتناع عن متابعة الرسول ﷺ والاستجابة لما يدعو إليه ولو مع التصديق بالقلب واللسان، وذلك ككفر أبي طالب، وكفر من أظهر الاعتراف بنبوة النبي ﷺ من اليهود وغيرهم" (٢).
فالإيمان هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد ليس مجرد التصديق كما زعمت المرجئة (٣).
قال إسحاق بن راهويه: "وقد أجمع العلماء على أن من دفع شيئًا أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر" (٤).
وقال الجصاص في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء. ٦٥] (وفي هذه الآية دلالة على أن من ردّ شيئًا من أوامر الله تعالى، أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج من الإسلام، سواءً ردّه من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في