فلا يبدأ الكافر بالسلام مطلقًا، ومتى بدأ هو بالسلام وجب الرد عليه بقولنا: وعليكم، امتثالًا لأمر الرسول ﷺ ، ولا مانع من أن يقال له بعد ذلك: كيف حالك؟ وكيف أولادك؟ كما أجاز ذلك بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولا سيما إذا اقتضت المصلحة الإسلامية ذلك كترغيبه في الإسلام وإيناسه بذلك ليقبل الدعوة ويصغي لها" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لا يجوز أن يبدأ غير المسلمين بالسلام؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، ولأن في هذا إذلالًا للمسلم حيث يبدأ بتعظيم غير المسلم، والمسلم أعلى مرتبة عند الله ، فلا ينبغي أن يذل نفسه في هذا، أما إذا سلَّموا علينا فإننا نرد عليهم مثل ما سلموا.
وكذلك أيضًا لا يجوز أن نبدأهم بالتحية مثل أهلًا وسهلًا ومرحبًا وما أشبه ذلك لما في ذلك من تعظيمهم فهو كابتداء السلام عليهم" (٢).
وسُئل ﵀ عن الكافر إذا سلَّم على المسلم فهل يرد عليه؟ فأجاب بقوله: "إذا سلم الكافر على المسلم سلامًا بيِّنًا واضحًا فقال: السلام عليكم. فإنك تقول: عليك السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦].
أما إذا لم يكن بيِّنًا واضحًا فإنك تقول: وعليك. وكذلك لو كان سلامه واضحًا يقول فيه: السام عليكم، يعني الموت فإنه يقال: وعليك.
فالأقسام ثلاثة:
الأول: أن يقول بلفظ صريح "السام عليكم" فيجاب: "وعليكم".
الثاني: أن نشك هل قال: "السام" أو قال: "السلام"، فيجاب: "وعليكم".
الثالث: أن يقول بلفظ صريح "السلام عليكم". فيجاب: "عليكم السلام"
стр. 1542
لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "فلو تحقق السامع أن الذي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم" (١).
٦ - معرفة أهل الكتاب:
قال الشيخ ابن باز ﵀: "أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، كما نص على ذلك علماء التفسير وغيرهم، أما المجوس فليسوا من أهل الكتاب عند الإطلاق ولكنهم يعاملون معاملتهم في أخذ الجزية منهم؛ لأن الرسول ﷺ أخذها منهم، أما نساؤهم وذبائحهم فحرام على المسلمين عند الأئمة الأربعة وغيرهم وهو كالإجماع من أهل العلم، وفي حِلِّهما قول شاذ لا يُعوَّل عليه عند أهل العلم، وممن نص على ما ذكرنا من العلماء أبو محمد بن قدامة ﵀ في كتابه "المغني" قال ما نصه:
فصل: وأهل الكتاب الذين هذا حكمهم هم أهل التوراة والإنجيل، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام:١٥٦] فأهل التوراة اليهود والسامرة، وأهل الإنجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم" (٢).
стр. 1543
٢٣٠ - كفر الإباء والاستكبار *
قال الرازي: "الإباء: الامتناع" (١).
وقال الراغب: "الإباء: شدة الامتناع، فكل إباء امتناع وليس كل امتناع إباء.
قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]. وقال: ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَر﴾. وقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ (٢). فمن أبى أن يعبد الله فهو مستكبر، ومن عبده وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن عبده وحده بغير ما شرع فهو مبتدع ومن عبده وحده بما شرع فهو المؤمن الموحد.
والإباء يقابله الانقياد والقبول قال الشيخ عبد الرحمن البراك: "وأما الانقياد: فإنه يتضمن الاستجابة والمحبة والرضا والقبول، وضد ذلك الإباء والاستكبار والكراهة لما جاء به الرسول ﷺ " (٣).
ومن الأمثلة على ذلك كفر إبليس فإن كفره من جهة الإباء والاستكبار كما أخبر الله عنه في أكثر من موضع قال شيخ الإسلام: "وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بإلإباء
стр. 1544
والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون قومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا ... " (١).
وقال ابن القيّم ﵀: "وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، إنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل ... " (٢).
وقال شيخ الإسلام: "ولو أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب وعملا في القلب فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته، وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به والتصديق هو من نوع العلم والقول وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع من الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا، فالكفر أعم من التكذيب يكون تكذيبًا وجهلًا ويكون استكبارًا وظلمًا، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالًا وهو الجهل ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاؤوا إلى النبي وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا نشهد أنك نبي ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم ... " (٣).
стр. 1545
وقال الشيخ حافظ حكمي ﵀ " ... وإن انتفى عمل القلب، وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس، وكفر غالب اليهود الذين شهدوا أن الرسول حق ولم يتبعوه أمثال حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، ومحال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب" (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: "من كفر الإباء والاستكبار الامتناع عن متابعة الرسول ﷺ والاستجابة لما يدعو إليه ولو مع التصديق بالقلب واللسان، وذلك ككفر أبي طالب، وكفر من أظهر الاعتراف بنبوة النبي ﷺ من اليهود وغيرهم" (٢).
فالإيمان هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد ليس مجرد التصديق كما زعمت المرجئة (٣).
قال إسحاق بن راهويه: "وقد أجمع العلماء على أن من دفع شيئًا أنزله الله .. وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر" (٤).
وقال الجصاص في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء. ٦٥] (وفي هذه الآية دلالة على أن من ردّ شيئًا من أوامر الله تعالى، أو أوامر رسوله ﷺ فهو خارج من الإسلام، سواءً ردّه من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في
стр. 1546
حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي ﷺ قضاءه وحكمه، فليس من أهل الإيمان (١).
ويقول ابن تيمية: "إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرّمه عليه، واعتقاد انقياده لله فيما حرمه وأوجبه، فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرّمه، أو أنه حرّمه، لكن امتنع من قبول هذا التحريم، وأبى أن يذعن لله وينقاد، فهو إما جاحد أو معاند، ولهذا قالوا: من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج، فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربه، فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق، وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أنها حلال له وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها، وتارة باعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربيوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء، إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفر، هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم
стр. 1547
موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول: أنا لا أقرّ بذلك، ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر منه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع" (١).
قال النسفي ﵀ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب.٣٦]: "فإن كان العصيان عصيان ردّ وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق" (٢).
стр. 1548
٢٣١ - كفر الاستحلال *
التعريف: قال شيخ الإسلام: "والاستحلال اعتقاد أنها حلال وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله أحلها، وتارة اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة" (١).
وهذا الاستحلال مضبوط بضابط وهو أن يكون المحرم مجمعا على تحريمه، لم يخالف فيه أحد من الأمة، والإجماع أن يجتمع علماء المسلمين في عصر من العصور على حكم من الأحكام (٢).
أما إذا كانت المسألة مما فيها خلاف بين الأمة فمن ذهب إلى أحد القولين ولو كان قولًا شاذًا مستحلًا للعمل به، فإنه لا يكون كافرا بذلك، لأنه لم يستحل مجمعا عليه، ولذلك يُعَبِّر عنه بعض العلماء بقولهم: "من استحل معلوما من الدين بالضرورة". وقولُهم: معلومًا من الدين بالضرورة يعنون به: لا يحتاج الناس في إثباته إلى برهان مثل وجوب الصلاة وحرمة الخمر والزنا والقتل.
فمن استحل مجمعًا عليه معلومًا من الدين بالضرورة صار كافرًا، ويشترط أن يكون الإجماع معلومًا.
стр. 1549
قال ابن تيمية ﵀: "والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به. وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره، وحينئذ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة" (١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة" (٢).
فمن ضوابط الاستحلال أن يكون مما قامت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وشاعت، ليست خفية ما يعلمها إلا بعض الناس، فلا تكفير باستحلال عمل لا يعلم حكمه إلا طائفة من أهل العلم، بل الاستحلال مقيد بما أُجمع عليه، بما هو معلوم من الدين بالضرورة فمثلًا: العلماء لم يكفروا طائفة من الفقهاء ممن يبيحون النبيذ الذي يسكر كثيره مع أن فيه أدلة كثيرة، وهذا النبيذ الذي يبيحه طائفة من أهل الرأي يستحلونه ويشربونه ويعتقدونه حلالًا، لم يحكم أحد من أهل السنة على تلك الطائفة من الفقهاء بأنهم كفار، لأنهم استحلوا محرمًا وهو النبيذ، الذي يسكر كثيره وهذا لا تكفير لمستحله لأن فيه قولًا لطائفة من الفقهاء بإباحته ولو كان ضعيفًا؛ إذ لا تكفير إلا في المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة.
وكذلك الإمام عبد الله بن عباس ﵄ يقال: إنه رجع في آخر عمره أنه لا ربا إلا في النسيئة. قال القرطبي ﵀ عن ابن عباس ﵄: "إنه كان لا يرى الدرهم بدرهمين بأسًا حتى صرفه عن ذلك ابن سعيد" (٣).
فمن رابى ربا الفضل فهذا جائز عند ابن عباس، فمن ذهب إلى هذا الرأي
стр. 1550
وأجاز ربا الفضل، وقال: أنا أعتقد أن ربا الفضل حلال فلا تكفير في حقه لأنه لا يريد الربا المجمع على تحريمه، بل ولا يجوز تأثيمهم بأنهم تبلغيهم لعنة آكل الربا، يقول شيخ الإسلام ﵀: "ثم إن الذين بلغهم قول النبي ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يدًا بيد: مثل ابن عباس ﵄ وأصحابه أبي الشعثاء وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم من أعيان المكيين الذين هم من صفوة الأمة علمًا وعملًا، لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدًا منهم بعينه أو من قلده بحيث يجوز تقليده: تبلغهم لعنة آكل الربا؛ لأنه فعلوا ذلك متأولين تأويلًا سائغًا في الجملة" (١).
فهناك معاصي يكون منها ما هو مجمع على تحريمها، وبعض صورها غير مجمع على تحريمها، كبعض صور الربا والخمر فليس كل أحوالها مجمع على تحريمها.
قال الإمام الشافعي ﵀: "ذهب الناس من تأويل القرآن الأحاديث أو من ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحل فيها بعضهم من بعض ما تطول حكايته، وكان ذلك منهم متقادمًا، منه ما كان في عهد السلف وبعدهم إلى اليوم فلم نعلم أن أحدًا من سلف هذه الأمة يقتدى به ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحدٍ بتأويل وإن خطّأه وضلّله ورآه استحل فيه ما حرم عليه، ولا رد شهادة أحدٍ بشيءٍ من التأويل كان له وجهٌ يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال الدم والمال أو المفرط من القول، وذلك أنا وجدنا الدماء أعظم ما يعصى تعالى بها بعد الشرك، ووجدنا متأولين يستحلونها بوجوه، وقد رغب نظراؤهم عنها وخالفوهم فيها، ولم يردوا شهادتهم بما رأوا من خلافهم فكل مستحلٍّ بتأويل من
стр. 1551
قول أو غيره فشهادته ماضيةٌ لا تردُّ من خطأ تأويله، وذلك أنه قد يستحل من خالفه الخطأ إلا أن يكون منهم من يعرف باستحلال الشهادة بالزور.
والمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها، والعامل بها ممن لا ترد شهادته وكذلك لو كان موسرًا فنكح أَمَةً مستحلًا لنكاحها مسلمة أو مشركة لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل للدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين يدًا بيد، والعامل به، لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه وكذا المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيها فرَغبنا عن قولهم ولم يَدْعُنا هذا إلى أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدَّعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم وينسبون من قال قولنا إلى أنه حَرَّم ما أحل الله " (١).
فالتحليل والتحريم من اختصاص الله تعالى لا يكون لأحد سواه وليس المراد هنا المسائل الاجتهادية التي يخطئ فيها العالم ويصيب ولكن المراد استحلال أمر معلوم تحريمه من الدين بالضرورة.
والجحد يعتبر من أنواع الكفر وليس نوعًا مستقلًا بذاته، ومن اشترط الجحد والاستحلال فقد حصر الكفر في نوع واحد بينما أنواع الكفر كثيرة. قال ابن تيمية: "والكفر لا يختص بالتكذيب" (٢)، فكل مستحل أو جاحد كافر وليس كل كافر مستحل أو جاحد وبهذا نعلم أن بعض الأعمال يكفر المكلف بفعلها ولو لم يستحل، مثل إهانة المصحف والسجود لغير الله.
أقوال للعلماء تتعلق بكفر الاستحلال:
قال ابن قدامة: "ومن اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين
стр. 1552
المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه، كأكل لحم الخنزير، وإباحة الزنا، وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر لما ذكرنا في تارك الصلاة، وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك ... " (١).
قال أحمد: "من قال: الخمر حلال، فهو كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه".
وقال ابن قدامة: "وهذا محمول على من لا يخفى على مثله تحريمه" (٢).
قال أبو يعلى: "ومن اعتقد تحليل ما حرم الله بالنص الصريح أو من رسوله، أو أجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر، كمن أباح شرب الخمر ومنع الصلاة والصيام والزكاة، وكذلك من اعتقد تحريم شيء حلله الله وأباحه بالنص الصريح، أو أباحه رسوله أو المسلمون مع العلم بذلك، فهو كافر كمن حرم النكاح والبيع والشراء على الوجه الذي أباحه الله ، والوجه فيه أن في ذلك تكذيبًا لله تعالى ولرسوله في خبره، وتكذيبًا للمسلمين في خبرهم، ومن فعل ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين" (٣).
وقد بين شيخ الإسلام في منهاج السنة أن استحلال قتل لمسلم المعصوم كفر (٤).
وقال في موضع آخر: "وأما إذا قتله قتلا محرما؛ لعداوة أو مال، أو خصومة، ونحو ذلك، فهذا من الكبائر، ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة" (٥).
стр. 1553
وقال في الفتاوى: "والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرا مرتدا. باتفاق الفقهاء" (١).
ونقل الإمام البغوي ﵀ الإجماع على عدم تكفير فاعل الكبائر إذا لم يستحل (٢).
وقال القاضي عياض ﵀: " ... وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة" (٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: " .. وأما استحلال المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس فهو كفر اعتقادي لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله أو تحريم ما حرم الله ورسوله إلا معاند للإسلام ... " (٤).
ولما ذكر الشيخ ابن باز ﵀ الناقض الرابع من نواقض الإسلام التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو "من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر" (٥) قال: "ويدخل في ذلك أيضًا كل من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرمه الله إجماعًا، وكل من استباح ما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالزنا والخمر والربا
стр. 1554
والحكم بغير شريعة الله فهو كافر بإجماع المسلمين" (١).
فائدة: في قول النبي ﷺ : "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف" (٢).
حيث رد الحافظ الصنعاني على من قال أن الحديث يدل على أن استحلال المحرم لا يخرج فاعله من مسمى الأمة فقال ﵀: "ولا يخفى ضعف هذا القول، فإن من استحل محرمًا أي اعتقد حله فإنه قد كذب الرسول ﷺ الذي أخبر أنه حرام، فقوله بحله رد لكلامه وتكذيب كفر، فلابد من تأويل الحديث بأنه أراد أنه من الأمة قبل الاستحلال فإذا استحل خرج عن مسمى الأمة ولا يصح أن يراد بالأمة هنا أمة الدعوة لأنهم مستحلون لكل ما حرمه لا لهذا بخصوصه" (٣).
وقال الشيخ ابن بسام ﵀: "وقوله ﷺ : "من أمتي" يحتمل أحد أمرين:
١ - إما أنه سمي من الأمة باعتبار ما سبق قبل استحلاله لهذه الأشياء، وهذا جائز لغةً باعتبار ما كان كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾.
٢ - وإما أنه من أمة الدعوة فقط، وليس من أمة الإجابة" (٤).
стр. 1555
٢٣٢ - الكفر الأصغر *
الكفر الأصغر: وهو ما جاء في النصوص تسميته كفرًا ولا يصل إلى حد الكفر الأكبر فلا مناقضة فيه لأصل الإيمان، ولا يخرج من الملة، ولا يوجب الخلود في النار ولكن صاحبه على خطر عظيم.
الأدلة من السنة:
عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ سَألتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الله أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْر" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما" (٢).
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أتى حائضًا أو امرأة في دُبُرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد ﷺ " (٣).
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" (٤).
وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٥).
стр. 1556
وقال ابن القيم: "الكفر الأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود. كما في قوله تعالى - وكان مما يتلى فنسخ لفظه - "لا ترغبوا عن آبائكم. فإنه كفر بكم"، وقوله ﷺ في الحديث: "اثنتان في أمتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة"، وقوله في السنن: "من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد"، وفي الحديث الآخر: "من أتى كاهنًا أو عرافًا، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل الله على محمد" (١)، وقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة.٤٤]. قال ابن عباس: "ليس بكفر ينقل عن الملة. بل إذا فعله فهو به كفر. وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر" وكذلك قال طاووس. وقال عطاء: "هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (٢).
стр. 1557
٢٣٣ - كفر الإعراض
قال المناوي: "الإعراض: الإضراب عن الشيء وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة أي أخذت عرضًا أي جانبا غير الجانب الذي هو فيه" (١).
وقال في اللسان: "والإعراض عن الشيء: الصد عنه، والإعراض: الصدود، أعرض عنه: صدَّ وولَّى" (٢).
وقال الراغب: "وإذا قيل: أعرض عنِّي فمعناه: ولَّى مبديًا عرضه" (٣).
قال ابن القيم ﵀: "الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها.
فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل" (٤).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [لأحقاف: ٣].
стр. 1558
٢٣٤ - الكفر الأكبر (١)
الكفر الأكبر: وهو ما يناقض أصل الإيمان وحقيقته.
قال ابن القيم: "الكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار" (٢).
وفي تهذيب اللغة: "قال شمر: قال بعض أهل العلم: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق. ومن لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (٣).
* أنواع الكفر المخرج من الملة:
النوع الأول: كفر التكذيب (٤)، والدليل قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [العنكبوت ٦٨٠].
النوع الثاني: كفر الإباء والاستكبار (٥) مع التصديق، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤].
النوع الثالث: كفر الشك (٦)، وهو كفر الظن، والدليل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ
стр. 1559
جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٨].
النوع الرابع: كفر الإعراض (١) والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [لأحقاف: ٣].
النوع الخامس: كفر النفاق والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣٠] " (٢).
وهذه الأنواع ذكرها ابن القيم ﵀.
وهناك قسمان آخران وهما كفر الاستحلال وكفر الجحود، وقد يدخلان فيما سبق ذكره من الأنواع.
* الفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر:
الكفر الأكبر: هو تكذيب أو استحلال أو استكبار أو عناد أو إعراض أو نفاق أو شك في شيء مما جاء به نبينا محمد ﷺ .
الكفر الأصغر: كل ما أطلق عليه الكتاب والسنة كفرا ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر كإضافة النعم لغير الله والطعن في النسب والنياحة على الميت وإتيان المرأة في الدبر فهذا كله كفر أصغر لا يخرج من الملة، ويقال في الفرق بينهما ما قيل في الفرق بين الشرك الأصغر والأكبر (٣) حيث يفترقان في حد كل منهما وتعريفه،
стр. 1560
وكذلك الكفر الأكبر محكوم على صاحبه بالخروج من الإسلام والخلود في النار وتحريمه دخول الجنة، أما الكفر الأصغر فيجتمع مع الإيمان ولا يناقضه ولا يوجب الخلود في النار ولا يحكم عليه بتحريم دخول الجنة.
٢٣٥ - كفر الإنكار
انظر باب (كفر الجحود والتكذيب).
стр. 1561
٢٣٦ - كفر الجحود والتكذيب *
الجحد في اللغة: الإنكار مع العلم (١).
وقال العلامة الفيومي: "جحده حقَّه وبحقِّه جحدًا وجحودًا: أنكره ولا يكون إلا على علم من الجاحد به" (٢).
وقال ابن القيم: "الجحود: إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن فهو إنكار مع العلم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣٠] " (٣).
قال الراغب: "الجحود: نفي ما في القلب إثباته وإثبات ما في القلب نفيه" (٤).
والجحود يراد به التكذيب المنافي للتصديق، كما يراد به الامتناع والإباء المنافي للانقياد (٥).
وقال شيخ الإسلام: "ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها أي الصلاة فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للإمتناع عن الإقرار والالتزام" (٦).
стр. 1562
فالجحود أن يكذب وينكر بلسانه أن هذا حكم الله أو أنه من عنده مع تصديق قلبه بذلك.
قال الراغب: "وأعظم الكفر جُحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة" (١).
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد. ٣٠].
وسبب نزول الآية: أنه حين كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" في صلح الحديبية، قالوا: أما الرحمن فلا نعرفه ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا باسمك اللهم. فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم. فقال: لا، ولكن اكتبوا كما يريدون (٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وقيل قالوا ذلك حينما سمعوا الرسول ﷺ يدعو في سجوده ويقول "يا رحمن يا رحيم" فقالوا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي يجحدون هذا الاسم لأنهم يجحدون الله فإنهم يقرون به كمال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف.٨٧]. والمراد بهذا كفار قريش أو طائفة منهم فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادًا وجهلًا، وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون بهذا الاسم كما قال بعضهم:
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
قال ابن كثير: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: لا يقرون به، لأنهم يأبون من وصف الله بالرحمن الرحيم" (٣).
قال ابن القيم: "وكفر الحجود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
стр. 1563
فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.
والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته ... " (١).
* تعريف التكذيب:
الكذب ضد الصدق، قال الرازي: "وكذَّبه: أخبر أنه كاذب" (٢).
وقد استعملت العرب الكذبَ في موضع الخطأ، قال ابن الأثير: "ومنه حديث صلاة الوتر "كذب أبو محمد" (٣) أي أخطأ، سماه كذبًا؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وإن افترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم، وهذا الرجل ليس بمُخْبِر، وإنما قاله باجتهاده أدَّاه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ" (٤).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك: "فأما التصديق: فضده التكذيب والشرك والإعراض" (٥).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] قال مجد الدين الفيروزآبادي: "كذَّبهم في اعتقادهم لا في مقالهم، فمقالهم كان صدقًا" (٦).
قال الراغب: "إذا قال الكافر من غير اعتقال: محمدٌ رسول الله، فإن هذا يصح
стр. 1564
أن يقال: صِدقٌ، لكون المُخْبَر عنه كذلك، ويصح أن يقال: كَذِبٌ لمخالفة قوله ضميرَه، وبالوجه الثاني إكذابُ الله تعالى المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] " (١).
* أقوال السلف:
قال ابن بطة: "وكذلك وجوب الإيمان والتصديق بجميع ما جاءت به الرسل، من عند الله وبجميع ما قال الله ، فهو حق لازم، فلو أن رجلًا آمن بجميع ما جاءت به الرسل إلا شيئًا واحدًا كان برد ذلك الشيء كافرًا عند جميع العلماء" (٢).
وقال: "فمن كذب بآية أو بحرف من القرآن أو رد شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر" (٣).
وقال أيضًا: "فكل من ترك شيئًا من الفرائض التي فرضها الله في كتابه أو أكدها رسول الله ﷺ في سننه على سبيل الجحود لها والتكذيب بها فهو كافر بيّن الكفر لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر" (٤).
ويقول القاضي عياض ﵀: "وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس أو عدد ركعاتها وسجداتها" (٥).
وقال أيضًا: "وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفًا منه، أو غير شيئًا منه، أو زاد
стр. 1565
فيه، ... وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلا به، ولا قريب عهد بالإسلام، ... وكذلك من أنكر الجنة أو النار، أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا .. " (١).
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالفواحش والظلم والخمر والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل" (٢).
وقال ابن تيمية: "والناس لهم فيما يجعلونه كفرا طرق متعددة، فمنهم من يقول الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك، ومنهم من يقول الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم قد يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا، ومنهم من لا يحده بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر، جعله كفرًا، إلى طرق أخرى.
ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبه وعداوته، مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة، والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم، إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي، والأشعري، وغيرهم" (٣).
ويقول ﵀: "إنما الكفر يكون بتكذيب الرسول ﷺ فيما أخبر به، أو الامتناع
стр. 1566
عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم (١).
قال ابن القيم: "وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص.
- فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، وإرساله الرسول.
- والخاص المقيد: أن يجحد فرضًا من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرًا أخبر الله به، عمدًا، أو تقديما لقول من خالف عليه لغرض من الأغراض.
وأما من جحد ذلك جهلا، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه. وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله. إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا" (٢).
وقال السيوطي: "اعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من يشاء من فرق الكفرة" (٣).
وقال الملّا علي القاري الحنفي: "وفي جواهر الفقه، من جحد فرضا مجمعا عليه كالصوم والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة كفر، قلت: وفي معناه من أنكر حرمة محرم مجمع عليه كشرب الخمر والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم والربا" (٤).
وقال الإمام الشوكاني في الدواء العاجل: "وقد تقرر في القواعد الإسلامية أن منكر القطعيّ أو جاحده، والعامل على خلافه تمردا وعنادا أو استحلالًا أو
стр. 1567
استخفافًا كافر بالله وبالشريعة المطهرة التي اختارها الله تعالى لعباده" (١).
وقال ابن سحمان: "لا خلاف بين العلماء أن الإنسان إذا صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء لم يدخل الإسلام كمن جحد فريضة أو واجبًا .... " (٢).
وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ضمن أقسام النفاق الأكبر المخرج من الملة فقال: "أن يظهر كذب الرسول أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه" (٣).
* الفرق بين الجحود والتكذيب:
التكذيب يقابله التصديق، أما الجحود فيقابله الإقرار قال في اللسان: "الجَحْد والجحودُ: نقيض الإقرار كالإنكار والمعرفة" (٤).
فالجحود يكون مع الاستيقان والتصديق ولكنه ينكر بلسانه ويعرف الفرق بينهما بالتأمل في الآيات وأقوال المفسرين، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل.١٤]. فلا يلزم منه أن القلب يكذبه كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام.٣٣].
فنفى عنهم تكذيب القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه الآلية: "فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم، فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب، ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم، فلما
стр. 1568
نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق المعلوم ليس هو كذبًا في النفس ولا تكذيب فيها ... " (١).
قال الخفاجي: "الفرق بين التكذيب والجحد أن الأول: مطلق الإنكار، والثاني: الإنكار لما يعلم حقيقته عنادا" (٢).
* فائدة:
ومما يجدر ذكره هنا ما أطلق عليه بعض العلماء بـ (كفر العناد) .
حيث يقول الإمام ابن القيم ﵀ من أنواع الكفر: "كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق ... وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رياسة علمية في قومه من الكفار أو رياسة سلطانية ... " (٣).
وقال ﵀: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، اتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إمّا عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد" (٤).
قال الراغب: "والمعاند: المباهي بما عنده، قال تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق.٢٤]، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر.١٦] والعَنُود مثله قال: لكن بينهما فرق لأن العنيد الذي يُعانِد ويُخالِفُ والعنُودُ الذي يعنُد عن القصد" (٥).
стр. 1569
قال في مختار الصحاح: "عَنَدَ: أي خالف ورد الحق وهو يعرفه" (١).
وهذا يشبه قولهم في كفر الجحود أنه "الإنكار مع العلم" (٢).
لكن المعاند ينكره بعدما عرف قلبه وأقر لسانه والجاحد لا يقر بلسانه فيجتمع العناد والجحود في الامتناع عن قبول الحق كما يجتمعان في المعرفة.
قال ابن القيم: "الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه" (٣).
ونجد أن العلماء أيضًا يذكرون العناد مع الجهل وكأنهما نقيضان، فالعناد بعلم بخلاف الجهل قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "ولا فرق بين من يكون كفره عنادا أو جهلا، الكفر منه عناد ومنه جهل" (٤).
وسألتُ الشيخ ابن جبرين عن الفرق بينهما فأجاب - حفظه الله -: "أن إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين عرفوا الرسول وكذبوه هؤلاء كفرهم كفر عناد قال تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة.١٤٦]. أما كفر الجحود فيظهر أنه قريب من كفر العناد ومعناه معرفة الحق ثم إنكار باللسان فيصدق على آل فرعون ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل.١٤]. وكذلك قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت ٣٨٠]. فكفرهم
стр. 1570
جحود للحق وهم ينظرون إليه ويعرفونه.
وللتدقيق في التعريف بينهما يُنظر في قول الأزهري حين قال:"وأما كفر الجحود فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت، ومنه قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة.٨٩]. يعني كفر الجحود.
وأما كفر المعاندة فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل ككفر أبى طالب حيث يقول:
ولقد علمت بأن دين محمدٍ ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حِذارُ مسبَّةٍ ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا" (١).
فهو بهذا مقر بالدين وبأنه خير لكنه غير ملتزم به فهو كفر عناد واستكبار.
قال ابن حجر: "ومما ورد من شعر أبي طالب في ذلك أنه نظير ما حكى الله تعالى عن كفار قريش ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ فكان كفرهم عنادًا ومنشؤه من الأنفة والكبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب في قوله: لولا أن تعيرني قريش" (٢).
* الفرق بين الكفر والتكذيب والإنكار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... والكفر أعم من التكذيب فكل من كذَّب الرسول كافر، وليس كل كافر مكذبًا، بل من يعلم صدقه، ويقر به وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر، أو من أعرض فلم يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر وليس بمكذب ... " (٣).
стр. 1571
فالكفر نقيض الإيمان والتكذيب يقابل التصديق أما الإنكار فيقابل المعرفة.
قال في تهذيب اللغة: "فأما كفر الإنكار فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.
وكذلك رُوي في تفسير قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة. ٦]. أي الذين كفروا بتوحيد الله" (١).
يقول شيخ الإسلام ﵀: "الوجه الثامن: إن الإنسان قد يكون مكذبا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبا به، ويعرف ما كان منكرا، وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه ولم يكن قبل ذلك كافرا بل جاهلًا ... " (٢).
وبعض العلماء ﵏ لم يعتن في الغالب في التفريق بين مفهوم كفر الجحود والتكذيب والاستحلال والإنكار ولعل السبب في ذلك أنها كلها من النواقض الاعتقادية التي يكفر من وقع في واحد منها إجماعًا. والله أعلم.
стр. 1572
٢٣٧ - كفر الشك
الشك نقيض اليقين، وهو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه (١).
وتقدم في باب (لا إله إلا الله) أن من شروطها (اليقين المنافي للشك) وأنه إذا اختل هذا الشرط فإن إسلام العبد ينتفي إذ لابد من اليقين الذي هو حقيقة العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن شك في الله أو في رسوله ﷺ أو شك فيما جاء به عن الله فهو كافر بالله.
قال الإمام ابن القيّم ﵀ في معرض كلامه عن أنواع الكفر الأكبر: "أما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنه لا يبقى معه الشك ... " (٢)
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٨].
قال الشيخ ابن سحمان ﵀: "وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا كذبه لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم
стр. 1573
تحريمه وهذا كفر بإجماع العلماء" (١).
وقال الشيخ حافظ الحكمي: "فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات. ١٥]، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين - والعياذ بالله - الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة. ٤٥] " (٢).
* الفرق بين الشك والريب:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشك، فإنه لا يكون إلا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلا من اطمأن قلبه علما وعملًا" (٣).
٢٣٨ - كفر العناد
انظر باب: (كفر الجحود والتكذيب).
стр. 1574
٢٣٩ - كفر النعمة *
النعم كلها من عِنْد الله تعالى ونكرانها وعدم القيام بطاعة المُنعِمِ بها محرم ويطلق عليه العلماء (كفر دون كفر) أو الكفر الأصغر وهو لا يوجب الخلود في النار بل قد يغفره الله كما يغفر سائر المعاصي، لكن صاحبه على خطر.
قال في التعريفات: "الكفران: ستر نِعمة المُنْعِم بالجحو، أو بعمل هو كالجحود في مخالفة المنعم" (١).
ويطلق على إضافة النعم لغير الله بالقول كفر لأنه تناسى المنعم الحقيقي ولم يقم بالشكر الذي هو من أجل العبادات.
قال ابن رجب: "فإضافة النعم إلى غير المنعم بها بالقول كفر للمنعم في نعمه وإن كان الاعتقاد يخالف ذلك" (٢).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل.١١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي
стр. 1575
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠].
وفي قوله تعالى: ﴿هَذَا لِي﴾ قال مجاهد: "أي بعملي، وأنا محقوق بهذا" (١).
وقال ابن جرير: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ عند الله، لأن الله راض عني برضاه عملي، وما أنا عليه مقيم" (٢).
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] قال ابن كثير: "يقول ﵎ مخبرًا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له، ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا. قال قتادة: على علم عندي على خير عندي" (٣).
وفي تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩]. قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره فإذا أصاب الإنسان بؤس وشدة دعانا مستغيثا بنا من جهة ما أصابه من الضر ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ يقول ثم إذا أعطيناه فرجًا مما كان فيه من الضر بأن أبدلناه بالضر رخاء وسعة وبالسقم صحة وعافية فقال إنما أعطيت الذي أعطيت من الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن والعافية على علم عندي يعني على علم من الله بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي عندي يعني فيما
стр. 1576
عندي ... وقال مجاهد في قوله: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي على شرف أعطانيه" (١).
قال ابن عثيمين: "معنى الآية يدور على وجهين:
الوجه الأول: أن هذا إنكار أن يكون ما أصابه من النعمة من فضل الله بل زعم أنها من كسب يده وعلمه ومهارته.
الوجه الثاني: أنه أنكر أن يكون لله الفضل، وكأنه هو الذي الفضل على الله، لأن الله أعطاه ذلك لكونه أهلا لهذه النعمة.
فيكون على كلا الأمرين غير شاكر لله والحقيقة أن كل ما نؤتاه من النعم فهو من الله، فهو الذي يسرها حتى حصلنا عليها، بل كل ما نحصل عليه من علم أو قدرة أو إرادة فمن الله، فالواجب علينا أن نضيف هذه النعم إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣٠] حتى ولو حصلت لك هذه النعمة بعلمك أو مهارتك فالذي أعطاك هذا العلم أو المهارة هو الله ... " (٢).
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "أن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك قال: لون حسن وجلد ويذهب عني الذي قذرني الناس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك قال: الإبل أو البقر - شك إسحاق - فأعطي ناقة عشراء. وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي أحب إليك، قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه وأُعطي شعرًا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك قال: البقر أو الإبل فأعطي بقرة حاملا
стр. 1577
قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك. قال: أن يرد الله إليّ بصري فأبصر به الناس، فمسحه فردّ الله بصره، قال: فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان وولّد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلّغ به في سفري فقال: الحقوق كثيرة، فقال: كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله المال، فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته فقال: له مثل ما قال لهذا وردّ عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري فخذ ما شئت ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك" (١).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمته، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله، فحل عليهما السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار بالنعمة ونسبتها إلى
стр. 1578
المنعم، وبذلها فيما يحب.
قال العلامة ابن القيم ﵀: "أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل، والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلًا بها، لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا، ومن عرف النعمة والمنعم، لكن جحدها كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ولم يرض به وعنه، لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها. فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له" (١).
وبوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بباب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل.٨٣]. فقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر مرفوعًا: "من أولي معروفًا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره" ... ونقل في معنى قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قول ابن جرير "هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها وسرابيل الثياب، والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم" (٢).
стр. 1579
قال ابن القيم ما معناه: "لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكراها وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر، وكونهما موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آبائهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه" (١).
ففي قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا"، وعلَّق على قوله هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: "وهذا القول من قائله فيه تفصيل:
إن أراد به الخبر وكان الخبر صدقًا مطابقًا للواقع، فهذا لا بأس به.
وإن أراد بها السبب، فلذلك ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سببًا خفيًا لا تأثير له إطلاقًا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا؛ فهذا شرك أكبر لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفًا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي.
الثانية: أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعًا أو حسًا؛ فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك.
الثالثة: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سببًا لا شرعًا ولا حسًا؛ فهذا نوع من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التَولة، والقلائد التي يقال: أنها تمنع العين، وما أشبه ذلك؛ لأنه أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله في إثبات الأسباب" (٢).
وقال في موضع آخر: "أما الاعتماد على السبب الشرعي أو الحسي المعلوم، فقد تقدم أنه لا بأس به وأن النبي ﷺ قال: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" لكن
стр. 1580
قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب وهو الله (١).
ومنعه في "التيسير" حيث نهى عن إضافة النعم لغير الله ولو كان المنعم سببًا حقيقيًا واستدل بالحديث المخرج في الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ الليْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَال رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ" (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله " ... فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق الملاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل لذلك دون خلق الله وأمره، وإنما أراد أنه سبب لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده؛ لأن غاية الأمر في ذلك أن يكون الريح والملاح سببا أو جزء وسبب ولو شاء الرب ﵎ لسلبه سببيته فلم يكن سببا أصلًا فلا يليق بالمنعم المطلوب منه الشكر أن ينسى من بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير ويضيف النعم إلى غيره بل يذكرها مضافة منسوبة إلى مولاها والمنعم بها وهو المنعم على الإطلاق كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾، فهو المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا شريك له فإن ذلك من شكرها وضده من إنكارها" (٣).