← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل وضرب المثل لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء، فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله ﵁ ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من ديبب النمل"، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" رواه أحمد والطبراني" (١).

стр. 1717

٢٧٠ - النذر * النذر في اللغة: "التزام خير أو شر" (١). قال في اللسان: "نذرتُ وأنذِرُ وأنذرُ نذرًا إذا أوجبت على نفسك شيئًا تبرعًا من عبادة أو صدقة أو غير ذلك" (٢). والنذر في الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا (٣). وقال في أنيس الفقهاء: "النذر: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى" (٤).

стр. 1718

وقد ذكر الشيخ ابن جبرين أن أئمة الدعوة عرَّفوا النذر بأنه: "إلزام المكلف نفسه تعظيمًا لمن نذر له". وعلق على ذلك بقوله: "وقولهم: تعظيمًا لمن نذر له. ظاهر في النذر أنه لا ينذر إلا لمن يعظمه" (١). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠]. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩] وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. الدليل من السنة: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" (٢). أحكام وفوائد: ١ - النذر عبادة: النذر عبادة كالحلف والذبح وسائر العبادات يجب إخلاصها لله. قال ابن سعدي ﵀: "كل أمر مدحه الشارع أو أثنى على من قام به أو أمر به فهو عبادة" (٣). والنذر لغير الله شرك لكونه متضمنا التعظيم للمنذور له والتقرب إليه بذلك. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ الآية. قال الشيخ ابن باز: "دل ذلك على أن النذر عبادة حيث قرنه بالنفقات والنفقة عبادة إذا كانت لوجه الله كالصدقات على الفقراء والمساكين فإذا نذر وتصدق بشيء للقبر

стр. 1719

أو لبنائه أو لآلهة معينة صار هذا شركا أكبر بالله" (١). وقال الشيخ ابن جبرين: "النذر لله تعالى عبادة لكن هل يشرع؟ الصحيح أنه غير مشروع" (٢). فالنذر فيه تعظيم لمن نذر له فهو عبادة سواء أكان نذر طاعة أم كان نذر معصية، وسواء كان نذرًا مطلقًا أم نذرًا مقيدًا، قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "إذا أطلقنا القول بأن: النذرة عبادة، فهل يدخل في هذا الإطلاق النَّذرُ المقيَّد؟. والجواب: أن النذر المقيد له جهتان: الأولى وفاؤه بالنذر الذي ألزم نفسه به فإنه يكون بذلك قد تعبَّد الله عبادةً من هذه الجهة - فيما يظهر -. الجهة الثانية: جهة الكراهة المتعلقة بهذا النذر المقيّد، وهي إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال: إن كان كذا وكذا فلله عليَّ كذا وكذا، كانت الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد، لا إلى أصل النذر، دلَّ على ذلك: التعليل، حيث قال: "فإنما يستخرج به من البخيل". فلا إشكال إذًا، فالنذر عبادة من العبادات العظيمة" (٣). ٢ - حكم الابتداء بالنذر: عن سَعِيد بْن الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ النَّذْرِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ مِنْ الْبَخِيلِ" (٤).

стр. 1720

وفِي رِوَايَة عَبْد الله بْن مُرَّة "لا يَرُدّ شَيْئًا" (١). قال ابن حجر: "وَهِيَ أَعَمُّ" (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال نهى النبي ﷺ عن النذر (٣). وفي لفظ لمسلم قال أخذ رسول الله ﷺ يوما ينهانا عن النذر ويقول: "إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من الشحيح" (٤). وَجَاءَ النص بِصِيغَةِ النَّهْي الصَّرِيحَة في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل" (٥). وفِي حَدِيث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل" (٦). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأحاديث وألفاظها، ثم ذكر ﵀ أن فيها إشارة إلى تعليل النهي عن النذر وأن كثيرًا من المالكية وأكثر الشافعية على أن النذر مكروه لثبوت النهي عنه، ثم قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررًا بما التزمه. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم وتوقف بعضهم في صحتها" (٧).

стр. 1721

قال شيخ الإسلام: "وأصل عقد النذر منهي عنه" (١). وقال في جامع الرسائل: "وأما النذر لها (٢) فينبغي أن يعلم أن أصل النذر مكروه منهي عنه بلا نزاع أعلمه بين الأئمة" (٣). وبعض العلماء يميل إلى استحباب النذر (٤). ولعل القائل باستحبابه نظر إلى ما يؤول إليه عند الوفاء به، فقد ذكر الحافظ في الفتح نقلًا عن القاضي حسين المتولي والغزالي أنه مستحب؛ لأن الله أثنى على من وفَّى به، ولأنه وسيلة إلى القربة (٥). وقال الحافظ في الفتح: "وإني لأتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت الصريح عنه فأقل درجاته أن يكون مكروهًا كراهة تنزيه" (٦). وقال الصنعاني: "القول بتحريم النذر هو الذي دلّ عليه الحديث، ويزيده تأكيدًا تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير إخراج المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة" (٧). قال الشيخ الألباني في حديث: "ولكنه شيء استخرج به من البخيل": "دل الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده بل هو مكروه وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال به قوم، إلا أن قوله: "استخرج به من البخيل" يشعر أن الكراهة والحرمة خاصة بنذر المجازاة أو المعاوضة دون نذر التبرر فهو قربة

стр. 1722

محضة وهو فوق ثواب التطوع وهذا النذر هو المراد، والله أعلم بقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ دون الأول، قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥٠٠): وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة لله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا (١)، وهذا صريح في أن الثناء وقع من غير نذر المجازاة" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين: "والنذر في الأصل مكروه بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه لأن النَّبي ﷺ نهى عنه وقال: "لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل"، ولأنه إلزام لنفس الإنسان مما جعله الله في حل منه وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه. ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم، وتجده يسأل العلماء يمينا وشمالا يريد الخلاص مما نذر لثقله ومشقته عليه، ولا سيما ما يفعله بعض العامة إذا مرض أو تأخر له حاجة يريدها تجده ينذر كأنه يقول: إن الله لا ينعم عليه بجلب خير أو دفع الضرر إلا بهذا النذر" (٣). وقال بعد ذلك: "وبعض العلماء يحرمه وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه ... " (٤). وهذا النهي من رسول الله ﷺ بقوله: "إنما يستخرج به من البخيل" (٥) ينصرف إلى النذر المقيد.

стр. 1723

والنذر المقيد حقيقته: أن يلزم العبد نفسه بطاعة لله جل وعلا مقابل شيء يحدثه الله جل وعلا له ويقدِّره، ويقضيه له، كأن يقول مثلًا: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذرٌ بأن أتصدق بكذا وكذا، أو إن نجحت فسأصلي ليلة، أو إن عُيِّنت في هذه الوظيفة فسأصوم أسبوعًا، ونحو ذلك، فهذا كأنه يشترط بهذا النذر على الله جل وعلا فيقول: يا رب، إن أعطيتني كذا: صمتُ لك، وإن أنجحتني صليت، أو تصدقت، وإن شفيتَ مريضي فعلت كذا وكذا، يعني: مقابلةً للفعل بالفعل، وهذا هو الذي وصفه النبي ﵇ والسلام بقوله: "إنما يُستخرَجُ به من البخيل"؛ لأن البخيل هو الذي لا يعمل العبادة حتى يُقاضَى عليها، فصار بما أعطاه الله من النعمة أو بما دفع عنه من النقمة كأنه في حِسِّ ذلك الناذر قد أعطي الأجر، وأعطي ثمن تلك العبادة (١). قال في شفاء الصدور: "فقد نهى الصادق المصدوق المبلغ عن الله تعالى عن النذر وأخبر أنه لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما يوافقه سائر الأسباب التي ليست بمشروعة فيخرج البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه من قبل ذلك. فإذا كان نذر الطاعات لله المعلقة بشرط لا فائدة فيه ولا يأتي بخير فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع. هذا وقد صار الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت ويقول الآخر: ركبت البحر فنذرت، ويقول الآخر: حبست فنذرت، ويقول الآخر: أصابتني فاقة فنذرت، وقد قام بنفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم وقد أخبر الصادق المصدوق أن نذر الطاعة لله فضلا عن معصية ليس سببا لخير وإنما

стр. 1724

الخير الذي يحصل للناذر موافقة قدر. كموافقة سائر الأسباب" (١). ومن ظن أنه لا تحصل حاجة من حاجاته إلا بالنذر فإنه اعتقاد محرم لأنه ظن أن الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوء ظن بالله وسوء اعتقاد فيه ، بل هو المتفضل المنعم على خلقه (٢). نقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي قوله: "وقد ينضمُّ إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضًا "فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا" والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح. قلت (٣): بل تقرب من الكفر أيضًا" (٤). ونخرج بأقوال أهل العلم أن النذر له تعلقان: الأول: من جهة صرفه للمنذور له تعظيمًا فيطلق عليه من هذه الجهة عبادة يجب أن تصرف لله وحده. الثاني: من جهة إلزام نفس الإنسان ما جعله الله في حل وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه فيطلق عليه من هذه الجهة مكروه. ومع ذلك فإنه إذا صاحب هذا النذر اعتقاد أو ظن أن النذر يرد القدر أويمنع من حصول المقدر أو ما شابه ذلك فإنه يزاد على كراهة النذر تحريم ذلك الاعتقاد فيجتمع في حقه الكراهة والتحريم، والله أعلم.

стр. 1725

٣ - فائدة: قال الشيخ السعدي ﵀: "باب النذر مخالف للأصل الذي هو أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والنذر عقده مكروه، وهو الوسيلة والوفاء به واجب، وهو المقصود، فالشارع نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير" وأمر بالوفاء به، ومدح الموفين، والسبب ظاهر؛ فإن إيجاب الإنسان على نفسه شيئًا من العبادات التي عافاه الله من وجوبها تعرض للبلاء وتعرض للمعصية، والإنسان ينبغي له أن يسعى في أسباب العافية الدينية والدنيوية من كل وجه، فإذا نذر؛ فقد حمل نفسه شيئًا من العبادات التي عافاه الله من وجوبها تعرض للبلاء وتعرض للمعصية، والإنسان ينبغي له أن يسعى في أسباب العافية الدينية والدنيوية من كل وجه، فإذا نذر فقد حمّل نفسه أمرًا لا يدري هل يطيقه أم لا، هذا من جهة. ومن جهة أخرى أن العبادة لله لا تتم ولا تكمل إلا بالإخلاص التام لله والنذر فيه إخلال من الإخلاص ونقص، فإنه إذا قال العبد: لله عليّ نذر إن شفاني أو شفى مريضي أو أعطاني الشيء الفلاني؛ لأفعلن كذا وكذا من العبادات، ثم حصل له، كان ذلك يشبه المعاوضة والمقابلة، وأنه لم يفعل العبادة التي عينها إلا بالشرط الذي علقها عليه، والإخلاص المحض أن يكون الداعي والحامل للعمل وجه الله خالصًا، لا جزاء عاجل. ومن جهة أخرى أن الناذر جزم على الفعل ولم يعلقه بالمشيئة، وهو من هذا الوجه يشبه المتألِّي على الله. ومن جهة أخرى كثير من الناس يظن أن النذر سبب لحصول الأمر المنذور، وهذا كذب بنص الشارع، حيث قال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل"؛ فهو ليس من الأسباب التي نصبها الشارع لحصول مسبباتها، وفي قوله:

стр. 1726

"وإنما يستخرج به من البخيل" إشارة إلى ضعف إخلاص الإنسان، فإن البخيل الذي لا داعي قوي عنده من الإيمان يقضي على بخله، وإنما يستخرج منه بمثل النذر ونحوه؛ فكأن خيره الذي فيه خير ناقص ردي. فبهذه الأسباب صار عقد النذر مكروهًا والوفاء به واجبًا" (١). ٤ - أقسام النذر: ينقسم النذر إلى قسمين: نذر لله، ونذر لغير الله. القسم الأول: النذر لله وله أقسام: ١ - نذر الطاعة ويجب الوفاء به عند الجمهور لمن قدر عليه لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (٢) ومثاله نذر الصلاة والصوم والحج والعمرة وصلة الأرحام. ٢ - نذر المعصية كالزنا وشرب الخمر ونحوه فلا يجوز الوفاء به لقوله ﷺ : "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (٣)، وقوله: "لا وفاء لنذر في معصية" (٤)، ولكن يجب عليه أن يكفِّر عن نذره بكفارة يمين لقوله في حديث عائشة ﵂: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" (٥). وللإمام أحمد في وجوب الكفارة روايتان، أشهرها الوجوب، قال شيخ الإسلام: "وهو ظاهر مذهب أحمد" (٦). وقال الأئمة الثلاثة بعدم وجوب الكفارة. وقال النووي ﵀: "ولا تلزمه كفارة يمين ولا غيرها وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وجمهور العلماء وقال أحمد تجب فيه كفارة اليمين

стр. 1727

للحديث المروي عن عمران بن حصين ﵁ وعن عائشة ﵂ عن النبي ﵁ قال: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"" (١). ورجح شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ وجوب الكفارة فيها (٢). واختاره أيضًا الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣)، وابن جبرين (٤). والله أعلم. ٣ - النذر المباح مثل: لو نذر أن يلبس هذا الثوب فإن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه وكفّر كفّارة يمين (٥). ٤ - النذر الذي لم يسم ، كأن ينذر الإنسان بدون أن يذكر شيئا معينًا، كأن يقول: "علي نذر إن شفى الله مريضي" ولم يُسمّ شيئًا فعليه كفارة يمين، لحديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" (٦). ٥ - نذر اللجاج والغضب وسمي بهذا الاسم لأن اللجاج والغضب يحملان عليه غالبًا وليس بلازم أن يكون هناك لجاج وغضب وهو كل نذر يخرج مخرج اليمين للحث على فعل شيء، أو المنع أو التصديق أو التكذيب مثل لو قال: حصل اليوم كذا وكذا فقال الآخر: لم يحصل فقال: وإن كان حاصلا فعلي لله نذر أن أصوم سنة، فالغرض من هذا النذر التكذيب فإذا تبين أنه حاصل فالناذر مخير (٧) بين أن يصوم سنة وبين أن يكفر كفارة يمين لأنه إن صام فقد وفّى بنذره

стр. 1728

وإن لم يصم حنث والحانث في اليمين يكفّر كفارة يمين، فقد جاء عن عمران بن حصين ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" (١). قال ابن تيمية ﵀: "موجب نذر اللجاج والغضب عندنا أحد شيئين على المشهور، إما التكفير، وإما فعلُ المعلّق، فإذا لم يلتزم الوجوب المعلَّق، ثبت وجوب الكفارة" (٢). ٦ - المكروه: كأن ينذر طلاق زوجته (٣). أو نذر ترك التطوع (٤). قال في الروض المربع: "وإن نذر مكروها من طلاق أو غيره استحب له أن يكفر كفارة يمين ولا يفعله" (٥). القسم الثاني: النذر لغير الله كالنذر للموتى، والقبور، والأشجار وهذا فيه صرف عبادة لغير الله ويسمى النذر الشركي فالنذر لغير الله لا ينعقد إطلاقا ولا تجب فيه كفارة بل هو شرك أكبر يجب التوبة منه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولا يجوز أن ينذر أحد إلا طاعة، ولا يجوز أن ينذرها إلالله فمن نذر لغير الله فهو مشرك كمن صام لغير الله وسجد لغير الله" (٦). وقال أيضًا ﵀: "وأما ما نذره لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ولا كفارة، فإن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا العقد ويقول ما قال

стр. 1729

النبي ﷺ حيث قال: "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله"" (١). وقال أيضًا: "والنذر للمخلوقات أعظم من الحلف بها، فمن نذر لمخلوق لم ينعقد نذره ولا وفاء عليه باتفاق العلماء: مثل من ينذر لميت من الأنبياء والمشائخ وغيرهم ... وإنما يوفى بالنذر إذا كان لله ، وكان طاعة؛ فإن النذر لا يجوز إلا إذا كان عبادة، ولا يجوز أن يعبد الله إلا بما شرع. فمن نذر لغير الله فهو مشرك أعظم من شرك الحلف بغير الله، وهو كالسجود لغير الله" (٢). وقال ابن تيمية ﵀: "وإن نذر ما ليس بطاعة مثل النذر لبعض المقابر والمشاهد وغيرها زيتا أو شمعا أو نفقة أو غير ذلك فهذا نذر معصية، وهو شبيه من بعض الوجوه النذر للأوثان؛ كاللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: فهذا لا يجوز الوفاء به بالاتفاق" (٣). قال الإمام ابن القيم ﵀: "فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله تعالى، فإن النذر عبادة وقربة، يتقرب بها الناذر إلى المنذور له" (٤). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إذا ثبت كون النذر عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك" (٥). وقال الشيخ ابن عثيمين - حمه الله -: "وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة فصرفه لغير الله شرك" (٦).

стр. 1730

وجاء في كتاب الانتصار لأبابطين: "وقال الشيخ صُنع الله الحنفي في الرد على من أجاز النذر والذبح للأولياء، وأثبت الأجر في ذلك: "فهذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان، لغير الله فيكون باطلا. وفي التنزيل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. أي: صلاتي وذبحي لله، كما فسر به قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]. قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله. إلى أن قال: والنذر لغير الله كالذبح لغيره. وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع، والسجود، والذبح، والنذر، واليمين. قال: والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور!. وقال ابن النحاس في كتاب الكبائر: "ومنها إيقاد السراج عند الأحجار والأشجار، والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر!! وهذه كلها بدع ومنكرات قبيحة، تجب إزالتها ومحو أثرها؛ فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر، وتجلب وتدفع، وتشفي المرضى، وترد الغائب إذا نذر لها. وهذا شرك ومحادة لله ورسوله" (١) " (٢). وفي الانتصار أيضًا: "قال الشيخ قاسم الحنفي في شرح درر البحار: "النذر الذي ينذره أكثر العوام، على ما هو مشاهد الآن: كأن يكون لإنسان غائب أو مريض، أو له حاجة ضرورية، فيأتي إلى قبر بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة، ويقول: يا سيدي فلان! إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت

стр. 1731

حاجتي فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا. فهذا باطل بالإجماع لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر. إلى أن قال: إذا علمت ذلك فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها، وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم، فحرام بإجماع المسلمين" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في التيسير: "وقد نص غير واحد من العلماء على أن النذر لغير الله شرك" (٢). وقال أيضًا ﵀: "إذا علمت ذلك فهذه النذور الواقعة من عباد القبور وأشباههم لمن يعتقدون فيه نفعا أو ضرا فيتقرب إليه بالنذر، ليقضي حاجته أو ليشفع له. كل ذلك شرك في العبادة، وهو شبيه بما ذكر الله عن المشركين في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام: ١٣٦] ". قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: "من اعتقد من المكلفين المسلمين جواز النذر والذبح للمقبورين فاعتقاده هذا شرك أكبر مخرج من الملة يستتاب صاحبه ثلاثة أيام ويضيق عليه فإن تاب وإلا قتل" (٣).

стр. 1732

٢٧١ - النُّسُكُ * [الذبح، والعبادة] قال ابن الأثير: "المنسِك: المذبح. وقد نسك ينسك نسكا إذا ذبح. والنسيكة الذبيحة، وجمعها نُسُك. والنُسْك والنُسُك أيضًا: الطاعة والعبادة وكل تُقُرِّب به إلى الله تعالى. والنُّسْك: ما أمرت به الشريعة، والورع: ما نهت عنه. والناسِك: العابد. وسئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة، وهي سبيكة الفضة المصفاة كأنه صفّى نفسه لله تعالى" (١). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢]. قال مجاهد في قوله تعالى ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: "النسك الذبح في الحج والعمرة" (٢). وعن سعيد بن جبير قال: ﴿وَنُسُكِي﴾ ذبحي، وكذا قال الضحاك (٣). وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن النسك:

стр. 1733

الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه فإنها أجل ما يتقرب به إلى الله (١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وفي الآية دلائل متعددة على أن الذبح لغير الله شرك كما هو بين عند التأمل، وفيها بيان العبادة، وأن التوحيد مناف للشرك مضاد له" (٢). وهذا الباب له تعلق شديد ببابي (الذبح)، (العبادة).

стр. 1734

٢٧٢ - النُّشْرَةُ * النشرة في اللغة على وزن فُعلة، من النشر بمعنى التفريق والكشف، وتأتي بمعنى البسط خلاف الطي، يقال نشر الثوب ونحوه ينشره نشرًا ونشرُه أي بسطه (١). قال ابن الأثير: "النُّشْرَة بالضم: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظن أن به مسًّا من الجن، سميت نشرة لأنه يُنشَّر بها عنه ما خامره من الداء أي يكشف ويزال" (٢). وقال ابن القيم: "النشرة حل السحر عن المسحور" (٣). وقال الحسن: "النُّشْرَة من السحر" (٤). وقال الخطابي: "النُّشْرَة معروفة وهي ضرب من علاج المصاب بمس الجن

стр. 1735

وعمل السحر، ينشر به ذلك القارض تنشيرا وقد يجلَّلُ صاحبه بصَبُوب من مياه مختلفة المواضع ينفث فيه ويرقي وقد كرهه غير واحد من العلماء" (١). وليس كل ما يعالج به المريض حلال، بل من العلاج ما هو محرم نهي عنه، ففي الحديث أنه ﵁ نهى عن الدواء الخبيث (٢). وقال ﵊: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٣)، وقال ﵊: "إِنَّ الله أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلا تتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ" (٤) وذلك كالخمر والذبح لجني أو ما شابهه. والنشرة إنما أدخلت في باب التوحيد؛ لأن منها ما هو تداوٍ شركي يخل بالتوحيد. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال عن كتابه العزيز ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠]. وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن النشرة فقال: "من عمل الشيطان" (٥). ومن أسماء الله الشافي فالأمراض البدنية والروحية والجسدية والنفسية لا شافي منها إلا الله فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة وعائشة مرفوعا:

стр. 1736

"اللهم رب الناس، أذهب الباس واشفه، وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادِر سَقَمًا" (١). * أقسام النشرة: تنقسم النشرة إلى قسمين: القسم الأول: حل السحر عن المسحور بالرقى، والتعوذات، والدعوات الصحيحة، وبالأدوية المباحة، فهذا جائز بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة وفق الشروط المعتبرة، وقد تقدم ذكر الشروط في باب الرقى. قال صديق حسن خان: "وكل عمل ودعاء ينشر المرض والداء، وينفع من الأسقام والأدواء، يصدُق أنه نُشرة، يجوز الانتفاع به، إن كان من ألفاظ القرآن والسنة، أو من المأثور من السلف الصلحاء، الخالي عن أسماء الشرك وصفاته باللسان العربي، وإلا كان حرامًا أو شركًا" (٢). القسم الثاني: حل السحر عن المسحور بسحر مثله سواء في ذلك أن يأتي المسحور إلى الساحر أو يُؤتى به إلى الساحر أو الكاهن ليسأله حل السحر وإطلاقه عنه فيقوم الساحر أو الكاهن بالاستعانة بالشياطين وينتج عنه أخبار المسحور عن مكان السحر أو الذي عمل السحر أو يقوم الساحر بإخراج السحر من موضعه وقد يأمر الساحرُ المسحورَ بذبح شاة أو بقرة أو نحو ذلك، وأن يذكر اسم الساحر أو الجني عليها أو يكون بكتابة عزائم شركية وتعاويذ لا يعرف معناها، كالطلاسم ونحوها فيعلقها المسحور على بدنه أو في بيته أو على دابته أو غير ذلك.

стр. 1737

* حكم النُّشْرَة: اختلف العلماء في حل السحر عن المسحور بسحر مثله، فأثبته بعضهم وأنكره آخرون؛ لأنه يعتمد على السحر فهو محرم، والنشرة بهذا تكون من قبل الشياطين والسحرة فتكون مضادة للتوحيد (١). وقد استدل المثبتون بما اشتهر عن سعيد بن المسيب. قال قتادة لسعيد ابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: "لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه" (٢). وقال سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته: "اتئدوا لم تنهوا عما ينفعكم، إنما نهيتم عما حرم عليكم" (٣). وعن عطاء قال: "لا بأس أن يأتي المؤخذ عن امرأته، والمسحور من يُطلِقُ عنه" (٤). وقال ابن حجر: "وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور، فقال: "لا بأس به"" (٥). وقال القرطبي: "فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري، وإليه مال المزني، وكرهه الحسن البصري، وقال الشعبي: لا بأس بالنشرة ... " (٦).

стр. 1738

وقال الحافظ: "وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه ما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطًا" (١). وحديث عوف هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "أعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"" (٢). أما المانعون: فاستدلوا بحديث جابر بن عبد الله، قال سئل رسول الله ﷺ عن النُّشْرَة فقال: "هو من عمل الشيطان" (٣). وروي عن أبي رجاء عن الحسن قال: "سألت أنس بن مالك عن النُّشْرَة فقال: ذكروا عن النبي ﷺ أنها من عمل الشيطان" (٤). وقال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك ويقول: "لا يعلم ذلك إلا ساحر" (٥). وسئل مرة عن النشرة فقال: سحر (٦). وسئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله (٧). وقال ابن الجوزي: "النُّشْرَة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا ساحر" (٨). وللجمع بين هذه الروايات قال الإمام ابن القيم ﵀: "والنشرة حل السحر عن المسحور. وهي نوعان حل سحر بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان فإن

стр. 1739

السحر من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيبطل عمله عن المسحور والثاني النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة فهذا جائز بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن لا يحل السحر إلا ساحر" (١). وقال ابن حجر: "فيختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا، كان خيرا وإلا فهو شر ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد يخل بالرقى والأدعية والتعويذ ولكن يحتمل أن تكون النُّشْرَة نوعين" (٢). فما كان من الآيات القرآنية، والأسماء والصفات الربانية، والدعوات المأثورة النبوية فهو خير. أما إذا اشتملت على أسماء الشياطين، أو كان بلسان غير معلوم فهو شر (٣). قال ابن حجر: "ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في حديث جابر عند مسلم مرفوعًا: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل"، ويؤيد مشروعية النُّشْرَة، حديث "العين حق" في قصة اغتسال العائن" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النُّشرَة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا؟ فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح، فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر - والله أعلم - ... وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النُّشْرَة فإنه محمول على ذلك وغلط من ظن أنه أجاز النُّشْرَة السحرية

стр. 1740

وليس في كلامه ما يدل على ذلك" (١). وقال ابن باز ﵀ عن كلام ابن المسيب على النُّشْرَة: "هذا كلام محمول على الحل بالرقية والمعوذات والأشياء المباحة لأن هذا من الإصلاح والإصلاح مأمور به والمنكر منهي عنه" (٢). فعلاج السحر بالسحر لا يجوز وعليه الفتوى. قال ابن باز: "لأن النبي ﷺ سئل عن النُّشْرَة فقال: "هي من عمل الشيطان" (٣)؛ ولأن حلها بالسحر يتضمن دعوة الجن والاستعانة بهم وهذا من الشرك الأكبر" (٤). وبعض متأخري الحنابلة أجازه للضرورة (٥). والقول بجواز الحل بالسحر مردود لعموم النهي عن إتيان الكهان والعرافين وللنهي عن التداوي بالحرام قال ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (٦) والسحر مما حرم الله فلا شفاء فيه. وأيضًا فإن في تجويز النشرة الشركية إقرارٌ بوجود الساحر وجواز الرضى بعمله وهذا مخالف وهادم لما سبق بيانه في باب السحر ولأن فيه استعانة بغير الله. أما ما ذكر عن الإمام أحمد ﵀ في ذلك فإنه ليس صريحًا في جواز النشرة السحرية، قال الشيخ سليمان بن عبد الله: بل لما سُئل - أي الإمام أحمد - عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه؟ فنفض يده. وقال: لا أدري ما هذا؟ قيل له: أفترى أن يؤتى مثل

стр. 1741

هذا؟ قال: لا أدري ما هذا؟ وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه، وكيف يجيزه؟ وهو الذي روى الحديث: أنها من عمل الشيطان، ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركًا بين الجائزة والتي من عمل الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان، وحاشاه من ذلك" اهـ (١). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "قال بعض الحنابلة يجوز الحل بسحر ضرورة والقول الآخر أنه لا يُحل وهذا الثاني هو الصحيح ثم قال: والسحر حرام وكفر. أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة .. " (٢). * من أنواع النُّشْرَة: ١ - أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: "لا بأس بالنُّشْرَة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه، فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل ثمر، يدقه ويقرأ فيه، ثم يغتسل به" (٣). ٢ - وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه: "أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله" (٤). ٣ - ومن علاج السحر معرفة موضعه وبذل الجهد في ذلك فإذا عرف واستخرج

стр. 1742

وأتلف بطل السحر (١). ٤ - قال ابن مفلح: "ومن أعظم ما يتحصن به من السحر ومن أنفع علاج له بعد وقوعه، التوجُّهُ إلى الله ، وتوكل القلب والاعتماد عليه، والتعوذ والدعاء، وهذا هو السبب الذي لم يَصِحَّ عن النبي ﷺ أنه استعمل شيئًا قبلَه، قد يقال: لم يصح أنه استعمل شيئا غيره، وهو الغاية القصوى، والنهاية العظمى. ولهذا في الخبر أنه لم يخرجه، وإنما دفنه لئلا يفضي ذلك إلى مفسدة وانتشارها، لا لتوقف الشفاء والعافية عليه، وهذا واضح - إن شاء الله - " (٢). وفي الفتح: "قال ابن القيم: من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النُّشْرَة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من الله معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، لهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها أهـ ملخصا وتعقب ابن حجر ابن القيم فقال ﵀ ويعكر عليه حديث الباب وجواز السحر على النبي ﷺ مع عظيم مقامه وصدق توجهه وملازمة ورده، ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأن ذكره محمول على الغالب، وأن ما وقع به ﷺ لبيان تجويز ذلك ... والله أعلم" (٣).

стр. 1743

٢٧٣ - النفاق * [الزنديق - الاستهزاء] المنافق هو الذي يسر الشر ويظهر الخير. قال الرازي: "النفاق بالكسر فعل المنافق" (١). وهو في اللغة مأخوذ من النفق. وقال الجوهري: "والنفَقُ: سربٌ في الأرض له مَخْلَصٌ إلى مكان ... والنافِقَاء: إحدى جِحَرة اليربوع، يكتُمها ويُظهر غيرها، وهو موضعٌ يرقِّقه، فإذا أُتي من قِبَلِ القاصعاء ضرب النافِقاء برأسه فانتفَقَ، أي خرج. والجمع النَوَافقُ. والنفقةُ أيضًا مثال الهمزة: النافِقَاء. تقول منه: نفَّق اليربوع تنفيقًا ونَافَق، أي أخذ في نافِقائِه. ومنه اشتقاق المنافق في الدين" (٢).

стр. 1744

وفي اللسان: "قال: ابن الأعرابي: "قُصعةُ اليربوع أن يحفر حفيرة ثم يسد بابها بترابها، ويسمى ذلك التراب الدَّامَّاء، ثم يحفر حفرًا آخر يقال له النافقاء والنفقة والنفق فلا ينفذها، ولكنه يحفرها حتى ترقّ، فإذا أُخِذ عليه بقاصعائه عدا إلى النافقاء فضربها برأسه ومرق منها" وتراب النَّفَقَة يقال له الراهِطَاء .. وقال أبو عبيد: "سمي المنافقُ منافقًا للنفق وهو السَّرَب في الأرض، وقيل: إنما منافقًا لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه ... فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال هكذا يفعل المنافق، يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه، والنفاق: الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع إسلامية وقد نافق منافقة ونفاقًا" (١). والنفاق شرعًا: ما أجاب به الصحابي حذيفة ﵁ حيث سئل ما النفاق فقال: "الذي يصف الإسلام ولا يعمل به" (٢). قال ابن جريج: "المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه" (٣). قال ابن الأثير: "قد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسما وفعلا وهو اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به والذي يستر كفره ويظهر إيمانه وإن كان أصله في اللغة معروفًا" (٤). الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ

стр. 1745

تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:٣٨ - ١٣٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩]. وفي تفسير ابن كثير: "قال علي بن أبي طالب ﵁: بعث رسول الله ﷺ بأربعة أسياف: سيف للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة. ٥]. وسيف للكفار أهل الكناب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. وسيف للمنافقين ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]. وسيف للبغاة: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. ثم عقب ابن كثير على ذلك بقوله: وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير" (١).

стр. 1746

الدليل من السنة: عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها" (١). وفي رواية: "ومثل المنافق" بدل الفاجر (٢). وعن ابنِ عمرَ ﵂ عن النبي ﷺ قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة" (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" (٤). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٥). والأحاديث في المنافق وصفته كثيرة صنّف فيها الإمام جعفر الفريابي كتابا مستقلا وسوف يأتي ذكر مزيد من الأحاديث في القسم الثاني من أقسام النفاق. * أقوال السلف: قال عمر بن الخطاب ﵁: "إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يقرأ القرآن لا يخطئ فيه واوًا ولا ألفًا، يجادل الناس أنه أعلم منهم ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون" (٦). وعن ابن مسعود قال: "جاهدوا المنافقين بأيديكم، فإن لم تستطيعوا،

стр. 1747

فبألسنتكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم، فافعلوا" (١). وقال عبد الله بن مسعود: "اعتبروا المنافق بثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف واذا عاهد غدر. ثم قرأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾ [التوبة. ٧٥ - ٧٦] " (٢). قال طيسلة بن علي البهدلي: "رأيت عبد الله بن عمر في أصول الأراك يوم عرفة، قال: وبين يديه رجل من أهل العراق، فقال: يا ابن عمر ما المنافق؟ قال: المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد لم ينجز، وإذا اؤتمن لم يؤد، وذئب بالليل وذئب بالنهار. قال: يا ابن عمر فما المؤمن؟ قال: الذي إذا حدّث صدق وإذا وعد أنجز وإذا اؤتمن أدى يأمن من أمسى بعقوبته من عارف أو منكر" (٣). وبوَّب البخاري: "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولِي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل. ويُذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤). وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: "أنشدك الله هل سمَّاني لك رسول الله

стр. 1748

يعني في المنافقين فيقول لا، ولا أزكي بعدك أحدا" (١). وعن جبير بن نفير، أنه سمع أبا الدرداء، وهو في آخر صلاته، وقد فرغ من التشهد، يتعوذ بالله من النفاق. فأكثر التعوذ منه. فقال جبير: "وما لك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: دعنا عنك، دعنا عنك. فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه" (٢). وعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: "يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب" (٣). وروى الفريابي عن المعلى بن ريان قال: "سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن " (٤). وفي رواية أخرى عن أيوب قال: سمعت الحسن يقول: "والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه" (٥). وقال الحسن: "إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج" (٦). وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قلت لأبي عبد الله: ما تقول فيمن لا يخاف

стр. 1749

على نفسه النفاق، قال: "ومن لا يأمن على نفسه النفاق؟ " (١). وقال ابن القيم: "تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين. لعلمهم بدقه وجله، وتفاصيله وجمله" (٢). وينبغي أن يعلم أن الذي خافه السلف الصالح هو النفاق في الأعمال (٣). فوائد وأحكام: ١ - أقسام النفاق: قسَّم علماء السلف النفاق إلى قسمين كما قال الحسن ﵁: "النفاق نفاقان: نفاق بالتكذيب، ونفاق بالعمل" (٤). وقد يقال نفاق قلب، ونفاق عمل. أو نفاق اعتقادي، ونفاق عمل. أو نفاق أكبر، ونفاق أصغر. القسم الأول: النفاق الاعتقادي ويسمى النفاق الأكبر وهذا ما عناه الإمام أحمد بقوله: "والنفاق هو الكفر أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله" (٥). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا

стр. 1750

لله ورسوله" (١). وقال ﵀: "فأما النفاق المحض الذي لا ريب في كفر صاحبه، فأن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول عظيم القدر - علمًا وعملًا - وأنه يجوز تصديقه وطاعته لكنه يقول: إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، إما بطريق الفلسفة والصبو، أو بطريق التهود والتنصر ... " (٢). وقال الذهبي: "وكذلك شعب النفاق من الكذب والخيانة والفجور والغدر والرياء، وطلب العلم ليُقال، وحب الرئاسة والمشيخة، وموادة الفجار والنصارى فمن ارتكبها كلها، وكان في قلبه غِلُّ النبي ﷺ أو خرج من قضاياه، أو يصوم رمضان غير محتسب، أو يُجوِّز أن دين النصارى أو اليهود دينٌ مليحٌ ويميل إليهم، فهذا لا ترْتَبْ في أنه كامل النفاق وأنه في الدرك الأسفل من النار، صفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان، وأدائه الزكاة وهو كاره، وإن عَامَل الناس فبالمكر والخديعة، قد اتَّخَذّ إسلامه جُنَّة، نعوذ بالله من النفاق، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم. فإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال، فله قسط من المقت حتى يدعها ويتوب منها، أما من كان في قلبه شك من الإيمان بالله ورسوله فهذا ليس بمسلم وهو من أصحاب النار" (٣). وذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنواع النفاق الأكبر فقال: " ... فأما

стр. 1751

النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول، أو بعض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار" (١). وسئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام، هل يقال عنه أنه منافق أم لا؟ فأجاب ﵀: "من ظهرت منه علامات النفاق الدالة عليه كارتداده عند التحزيب على المؤمنين وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وكونه إذا غلب المشركون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكرها الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه وتسميته منافقًا" (٢). ومن هذه النقول نعلم أن هناك أنواعًا كثيرة من النفاق الأكبر يكون صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار، وهي كالتالي: ١ - تكذيب الرسول ﷺ . ٢ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ . ٣ - بغض الرسول ﷺ . ٤ - بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ (٣). ٥ - المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ (٤).

стр. 1752

٦ - الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ . ٧ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر به ﷺ . ٨ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر به ﷺ . ومن صفاتهم أيضًا: ٩ - أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه (١). ١٠ - مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين (٢). ١١ - الاستهزاء (٣) والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله. ١٢ - التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ . وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول ﷺ ، يقول شيخ الإسلام ﵀ " ... فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... " (٤). وقال أيضًا: "ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فإن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وإن لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة وإنما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض وإن كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وإنما ذلك البغض دلالة" (٥).

стр. 1753

فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن فأوجب لهم الدرك الأسفل من النار. كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء. ١٤٥ - ١٤٦]. قال الإمام البغوي ﵀: "إن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ قيل إنهم يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين" (١). وقيل إن النفاق كالإيمان أصله في القلب والذي يظهر من الأقوال والأفعال فرع له ودليل عليه، فإذا وجدت وظهرت مثل هذه الصفات كان ذلك دليلا على نفاق صاحبها (٢). الثاني: النفاق العملي ويسمى النفاق الأصغر قال عنه ابن كثير: "وهو من أكبر الذنوب" (٣). والنفاق العملي له خصال كثيرة جاءت الأحاديث بعدِّها في خمس علامات. والدليل قوله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمن خان" (٤). وفي الحديث الآخر: "وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر" (٥).

стр. 1754

وهذا النوع من النفاق لا يخرج صاحبه من الإسلام فهو نفاق دون نفاق. ومن النفاق ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (١). وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق" (٢). وروى البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا جنا من عندهم. قال: "كنا نعدها نفاقًا" (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار" (٤). وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأميِّ ﷺ : أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق" (٥). روى الفريابي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا غنم غلَّ، وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جبن، فمن كن فيه ففيه النفاق كله، ومن كان فيه بعضهن ففيه بعض النفاق" (٦).

стр. 1755

٢ - مسألة: جاء عند مسلم زيادة: "آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم " (١). وفي أول حديث عبد الله بن عمرو ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٢). فلا يكون المسلم منافقًا بمجرد اجتماعها، قال أهل العلم: إذا اجتمعت في شخص واستحكمت فقد تجره إلى النفاق الأكبر. قال ابن القيم: "فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا" (٣). وقد قيل في ذلك أقوال أخرى. قال النووي في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه والذي قاله
следующие страницы →