النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع، تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول، أو بعض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار" (١).
وسئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام، هل يقال عنه أنه منافق أم لا؟ فأجاب ﵀: "من ظهرت منه علامات النفاق الدالة عليه كارتداده عند التحزيب على المؤمنين وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وكونه إذا غلب المشركون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكرها الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه وتسميته منافقًا" (٢).
ومن هذه النقول نعلم أن هناك أنواعًا كثيرة من النفاق الأكبر يكون صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار، وهي كالتالي:
١ - تكذيب الرسول ﷺ .
٢ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ .
٣ - بغض الرسول ﷺ .
٤ - بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ (٣).
٥ - المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ (٤).
стр. 1752
٦ - الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ .
٧ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر به ﷺ .
٨ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر به ﷺ .
ومن صفاتهم أيضًا:
٩ - أذى الرسول ﷺ أو عيبه ولمزه (١).
١٠ - مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين (٢).
١١ - الاستهزاء (٣) والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم وطاعتهم لله ولرسوله.
١٢ - التولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله ﷺ .
وهذه الصفات أكثرها متعلق بحق الرسول ﷺ ، يقول شيخ الإسلام ﵀ " ... فالنفاق يقع كثيرًا في حق الرسول، وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين في حياته ... " (٤).
وقال أيضًا: "ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فإن هذه الأمور يحصل فيها الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وإن لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة وإنما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من الأمراض وإن كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وإنما ذلك البغض دلالة" (٥).
стр. 1753
فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن فأوجب لهم الدرك الأسفل من النار. كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء. ١٤٥ - ١٤٦].
قال الإمام البغوي ﵀: "إن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ قيل إنهم يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين" (١).
وقيل إن النفاق كالإيمان أصله في القلب والذي يظهر من الأقوال والأفعال فرع له ودليل عليه، فإذا وجدت وظهرت مثل هذه الصفات كان ذلك دليلا على نفاق صاحبها (٢).
الثاني: النفاق العملي ويسمى النفاق الأصغر قال عنه ابن كثير: "وهو من أكبر الذنوب" (٣).
والنفاق العملي له خصال كثيرة جاءت الأحاديث بعدِّها في خمس علامات.
والدليل قوله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمن خان" (٤). وفي الحديث الآخر: "وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر" (٥).
стр. 1754
وهذا النوع من النفاق لا يخرج صاحبه من الإسلام فهو نفاق دون نفاق.
ومن النفاق ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثر منافقي أمتي قراؤها" (١).
وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات ولم يغز ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق" (٢).
وروى البخاري عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: قال أناس لابن عمر: إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا جنا من عندهم. قال: "كنا نعدها نفاقًا" (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار" (٤).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأميِّ ﷺ : أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق" (٥).
روى الفريابي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: "المنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا غنم غلَّ، وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جبن، فمن كن فيه ففيه النفاق كله، ومن كان فيه بعضهن ففيه بعض النفاق" (٦).
стр. 1755
٢ - مسألة:
جاء عند مسلم زيادة: "آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم " (١).
وفي أول حديث عبد الله بن عمرو ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٢).
فلا يكون المسلم منافقًا بمجرد اجتماعها، قال أهل العلم: إذا اجتمعت في شخص واستحكمت فقد تجره إلى النفاق الأكبر.
قال ابن القيم: "فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان لكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا" (٣).
وقد قيل في ذلك أقوال أخرى.
قال النووي في شرح هذا الحديث: "هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار، فإن إخوة يوسف جمعوا هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله، وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن اختلف العلماء في معناه والذي قاله
стр. 1756
المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه: إن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر ولم يُرد النبي ﷺ أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار.
وقوله ﷺ : "كان منافقًا خالصًا" معناه: شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي ﵁ معناه عن العلماء مطلقًا فقال: "إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل ... وحكى الخطابي ﵀ قولًا آخر: أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق" (١).
وقال ابن حجر بعدما نقل كلام النووي: "ومحصل هذا الجواب: الحمل في التسمية على المجاز أي صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه أن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم فيَّ شيئًا من النفاق فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: "كان منافقًا خالصًا".
وقيل المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يُحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك
стр. 1757
وصار له دينًا قال: ويدل بـ (إذا) فإنها تدل على تكرر الفعل كذا قال، والأولى ما قاله الكرماني أن حذف المفعول من حدث يدل على العموم أي إذا حدث في كل شيء كذب فيه أو يصير قاصرًا أي إذا وجد ماهية التحدث كذب، وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي ﷺ ، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. والله أعلم" (١).
وقال الأحوذي: "الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي" (٢).
وقال الإمام البغوي: "والنفاق ضربان:
أحدهما: أن يظهر صاحبه الإيمان وهو مسر للكفر كالمنافقين على عهد رسول الله.
والثاني: ترك المحافظة على حدود أمور الدين سرًا ومراعاتها علنا فهذا يسمى منافقا ولكنه نفاق دون نفاق" (٣).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالإسلام يتناول من أظهر الإسلام وليس معه شيء من الإيمان وهو المنافق المحض، ويتناول من أظهر الإسلام مع التصديق المجمل في الباطن ولكن لم يفعل الواجب كله لا من هذا ولا في هذا وهم الفساق يكون في أحدهم شعبة نفاق، ويتناول من أتى بالإسلام الواجب وما يلزمه من
стр. 1758
الإيمان ولم يأت بتمام الإيمان الواجب وهؤلاء ليسوا فساقًا تاركين فريضة ظاهرة ولا مرتكبين محرمًا ظاهرًا لكن تركوا من حقائق الإيمان الواجبة علمًا وعملًا بالقلب يتبعه بعض الجوارح ما كانوا به مذمومين وهذا هو النفاق الذي كان يخافه السلف على نفوسهم، فإن صاحبه قد يكون فيه شعبة نفاق" (١).
وقال ابن رجب ﵀: " ... والذي فسره به أهل العلم المعتبرون: أن النفاق في اللغة هو جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، أخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.
الثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك.
وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث" (٢).
وقال الذهبي: "ومن النفاق الأصغر الرجل يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالًا، ولا يظن أنها تبلغ ما بلغت، يهوي بها في النار سبعين خريفًا. وأما النفاق الأكبر، وإن كان الرجل يعلم من نفسه أنه مسلم، فعليه أن يتعوذ بالله من النفاق والشرك، فإنه لا يدري بما يختم له، فربما أصبح مؤمنا وأمسى كافرًا، نعوذ بوجه الله الكريم من ذلك" (٣).
стр. 1759
وقال الشيخ السعدي: "النفاق العملي - وإن كان لا يخرج من الدين بالكلية - فإنه دهليز الكفر، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، فإن الصدق، والقيام بالأمانات والوفاء بالعهود، والورع عن حقوق الخلق هي جماع الخير، ومن أخص أوصاف المؤمنين، فمن فقد واحدة منها فقد هدم فرضًا من فروض الإسلام والإيمان، فكيف بجميعها؟
فالكذب في الحديث يشمل الحديث عن الله والحديث عن رسول الله ﷺ الذي من كذب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧].
ويشمل الحديث عما يخبر به من الوقائع الكلية والجزئية، فمن كان هذا شأنه فقد شارك المنافقين في أخص صفاتهم، وهي الكذب الذي قال فيه النبي ﷺ : "إياكم والكذب، فإن الكذب يدعو إلى الفجور، وإن الفجور يدعو إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" ومن كان إذا ائتمن على الأموال والحقوق والأسرار خانها، ولم يقم بأمانته، فأين إيمانه؟ وأين حقيقة إسلامه؟ وكذلك من ينكث العهود التي بينه وبين الله، والعهود التي بينه وبين الخلق متصف بصفة خبيثة من صفات المنافقين، وكذلك من لا يتورع عن أموال الخلق وحقوقهم، ويغتنم فرصها، ويخاصم فيها بالباطل ليثبت باطلًا، أو يدفع حقًّا، فهذه الصفات لا تكاد تجتمع في شخص ومعه من الإيمان ما يُجزئ أو يكفي، فإنها تنافي الإيمان أشد المنافاة.
واعلم أن من أصول السنة والجماعة: أنه قد يجتمع في العبد خصال خير وخصال شر، وخصال إيمان وخصال كفر أو نفاق، ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك وقد دل على هذا الأصل نصوص كثيرة من
стр. 1760
الكتاب والسنة، فيجب العمل بكل النصوص، وتصديقها كلها. وعلينا أن نتبرأ من مذهب الخوارج الذين يدفعون ما جاءت به النصوص: من بقاء الإيمان وبقاء الدين، ولو فعل الإنسان من المعاصي ما فعل، إذا لم يفعل شيئًا من المكفرات التي تخرج صاحبها من الإيمان، فالخوارج يدفعون ذلك كله، ويرون من فعل شيئًا من الكبائر ومن خصال الكفر أو خصال النفاق خارجًا من الدين، مخلدًا في النار وهذا مذهب باطل بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة" (١).
٣ - علامات المنافق وردت في الأحاديث مرة أربع ومرة ثلاث قال ابن حجر: "فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: "أربع من كن فيه ... " الحديث. أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له ﷺ من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وأقول (٢): ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر فإن لفظه: "ومن علامة المنافق ثلاث " ... ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أنها منبهة على ما عداها إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول بالكذب وعلى فساد الفعل بالخيانة وعلى فساد النية بالخلف لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد أما لو كان عازمًا ثم عرض له مانع أو بدًا له رأي فهذا لم توجد منه سورة النفاق. قاله الغزالي في الإحياء" (٣).
стр. 1761
٤ - قال المناوي في فيض القدير: ""أكثر منافقي أمتي قراؤها " أي: الذين يتأولونه على غير وجهه ويضعونه في غير مواضعه أو يحفظون القرآن تقية للتهمة عن أنفسهم وهم معتقدون خلافه، فكان المنافقون في عصر النبي ﷺ بهذه الصفة.
ذكره ابن الأثير.
وقال الزمخشري: أراد بالنفاق الرياء لأن كلا منهما إرادة ما في الظاهر خلاف ما في الباطن ا. هـ.
وبسطه بعضهم فقال: أراد نفاق العمل لا الاعتقاد، ولأن المنافق أظهر الإيمان بالله وأضمر عصمة دمه وماله. والمرائي أظهر بعمله الآخرة وأضمر ثناء الناس وعَرَضَ الدنيا، والقارئ أظهر أنه يريد الله وحْده وأضمر حظ نفسه وهو الثواب، ويرى نفسه أهلًا له وينظر إلى عمله بعين الإجلال فأشبه المنافق واستويا في مخالفة الباطن والظاهر.
٥ - تنبيه:
قال الغزالي: "احذر من خصال القراء الأربعة: الأمل والعجلة والكبر والحسد، قال: وهي علل تعتري سائر الناس عمومًا والقراء خصوصًا. ترى القارئ يُطَوِّل الأمل فيوقعه في الكسل، وتراه يستعجل على الخير فيقطع عنه، وتراه يحسد نظراءه على ما آتاهم الله من فضله، فربما يبلغ به مبلغًا يحمله على فضائح وقبائح لا يقدم عليها فاسق ولا فاجر. ولهذا قال النووي: ما أخاف على ذمِّي إلا القراء والعلماء، فاستنكروا منه ذلك، فقال: أنا ما قلته وإنما قاله إبراهيم النخعي.
وقال عطاء: احذروا القراء واحذروني معهم، فلو خالفت أَوَدَّهُمْ لي في رمانة أقول: إنها حلوة. ويقول: إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر.
وقال الفضيل لابنه: اشتروا دارًا بعيدة عن القراء ما لي والقوم؟!! إن ظهرت مني زلة قتلوني، وإن ظهرت في حسنة حسدوني. ولذلك ترى الواحد منهم يتكبر
стр. 1762
على الناس ويستخف بهم معبسًا وجهه كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين، أو كأنما جاءه من الله منشور بالجنة والبراءة من النار. أو كأنه استيقن السعادة لنفسه والشقاوة لسائر الناس، ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين ويتماوت، وهذا لا يليق بالتكبر والترفع ولا يلائمه بل ينافيه ولكن الأعمى لا يُبصر" (١).
٢٧٤ - نفي صفة من صفات الله
احترام أسماء الله - توحيد الأسماء والصفات
قال القاضي عياض ﵀: "فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية، أو جحدها مستبصرًا في ذلك كقوله: ليس بعالم، ولا قادر، ولا مريد، ولا متكلم، وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة، فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها" (٢).
٢٧٥ - النميمة
انظر: باب (السحر).
стр. 1763
٢٧٦ - النوء *
التعريف: جمعها أنواء، والمراد النهي عن الاستسقاء بالأنواء وهو نسبة المطر إليها أو جعلها سببًا لنزول المطر.
والنوء: سقوط نجم من النازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته. قال ابن الأثير: "وإنما يسمى نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناءَ الطالع بالمشرق. وقيل أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد" (١).
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا هامة ولا نوء، ولا صفر" (٢). انظر باب (الاستسقاء بالأنواء).
стр. 1764
٢٧٧ - نواقض الإسلام *
[الردة - التكفير]
النواقض في اللغة: جمع ناقض، والنقض هو إفساد ما أبرم من عقد أو بناء ومنه نقض البناء والحبل والعهد. فالنقض ضد الإبرام (١).
والمراد بالنواقض هنا: المفسدات التي إذا فعلها المسلم أفسدت إسلامه وحبط عمله وانتقض توحيده وصار كافرًا من الخالدين في النار.
وتسمى نواقض التوحيد، وتسمى أيضا نواقض الإيمان.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب مبينا أهمية معرفة النواقض: "فإذا عرفت: أن الله خلقك لعبادته، فاعلم: أن العبادة لا تسمى عبادة، إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة، إلا مع الطهارة؛ فإذا دخل الشرك في العبادة، فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. فإذا عرفت: أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط
стр. 1765
العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار؛ عرفت: أن أهم ما عليك معرفة ذلك، لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله، وذلك بمعرفة أربع قواعد، ذكرها الله في كتابه ... إلخ" (١).
فيجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه النواقض لأن العبد قد يقع فيها وهو لا يشعر، قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "وذكر العلماء ﵏ في باب حكم المرتد أن المسلم قد يرتد عن دينه بأنواع كثيرة من النواقض التي تحل دمه وماله ويكون بها خارجا عن الإسلام" (٢).
وهذه النواقض قد أجملها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في عشرة وهي أكثر من ذلك وسبب اختياره لهذه العشرة إجماع المسلمين عليها في الجملة وقيل إن النواقض الكثيرة مرجعها إلى هذه العشرة وسوف نذكرها كما قررها الشيخ ﵀.
"اعلم أن نواقض الإسلام عشرة نواقض:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، وقال تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة. ٧٢]، ومنه الذبح لغير الله (٣)، كمن يذبح للجن أو القبر.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعًا (٤).
الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر (٥).
стр. 1766
الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر (١).
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به كفر (٢).
السادس: من استهزأ (٣) بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه، كفر والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة.٦٦].
السابع: السحر (٤) ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضى به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة. ١٠٢].
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين (٥) والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر (٦).
العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به (٧) والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره
стр. 1767
وكلها أعظم ما يكون خطرًا وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه" (١).
وهناك نواقض كثيرة كجحود القرآن أو شيء منه، أو الشك في إعجازه، أو امتهان المصحف أو جزء منه، أو تحليل شيء مجمع على تحريمه كالزنا وشرب الخمر. أو الطعن في الدين أو سبه. ولكن كما أسلفنا القول أنها في جملتها ترجع إلى النواقض العشر المذكورة.
وقد تسمى هذه النواقض قوادح العقيدة كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز: "العقيدة الإسلامية لها قوادح وهذه القوادح قسمان:
أ - قسم: ينقض هذه العقيدة ويبطلها ويكون صاحبه كافرا - نعوذ بالله - من ذلك.
ب - قسم: ينقص هذه العقيدة ويضعفها.
فالقسم الأول: يسمى ناقضًا ونواقض الإسلام هي الموجبة للردة والناقض يكون: قولًا، ويكون عملًا، ويكون اعتقادًا، ويكون شكًا. قال النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٢). فدل ذلك على أن المرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل ويعجل به إلى النار.
القسم الثاني من القوادح: قوادح دون كفر تضعف الإيمان مثل أكل الربا، وارتكاب المحرمات كالزنا، والبدع، وغير ذلك" (٣).
стр. 1768
٢٧٨ - الهامَّة *
التعريف: الهامّة: بتشديد الميم. قال ابن الأثير: "هي: كل ذات سم يقتل. فأمَّا ما يُسمّ ولا يقتل فهو السَّامة كالعقرب والزنبور. وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان، وإن لم يقتل، كالحشرات، ومنه حديث كعب بنُ عُجرة ﵁: "أتؤذيك هوامّ رأسك؟ " أراد القمل" (١).
والهامة: بتخفيف الميم البومة (٢)، كانوا يتشاءمون بها أو يعتقدون فيها اعتقادات فاسدة وكل هذا مما نهى عنه الشارع وأبطله.
* الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى، ولا هامّة، ولا نوء، ولا صفر" (٣).
وفي سنن أبي داود قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ - يَعنِي ابْنَ رَاشِدٍ - قَوْلُهُ "هَامَ" قَالَ: كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إِلّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هَامَةٌ" (٤).
وقال البغوي: "وقوله: "ولا هامّة": فإن العرب كانت تقول: إن عظام الموتى تصير هامة، فتطير، فيقولون: لا يدفن ميت إلا ويخرج من قبره هامة، وكانوا يسمون
стр. 1769
ذلك الصدى، ومن ذلك تطير العامة بصوت الهامة، فأبطل الشرع ذلك" (١).
وقال النووي: "قوله ﷺ : "ولا هامة" فيه تأويلان:
أحدهما: أن العرب كانت تتشاءم بالهامة وهى الطائر المعروف من طير الليل وقيل هي البومة قالوا كانت إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو بعض أهله، وهذا تفسير مالك بن أنس.
والثاني: أن العرب كانت تعتقد أن عظام الميت وقيل روحه تنقلب هامة تطير، وهذا تفسير أكثر العلماء وهو المشهور ويجوز أن يكون المراد النوعين فإنهما جميعًا باطلان، فبَيَّن النبي ﷺ إبطال ذلك وضلالة الجاهلية فيما تعتقده من ذلك" (٢).
قال ابن حجر في أثناء كلامه على شرح الحديث عن الهامة: "قال أبو زيد: هي بالتشديد، وخالفه الجميع فخففوها، وهو المحفوظ في الرواية، وكأن من شددها ذهب إلى واحدة الهوام، وهي ذوات السموم. وقيل: دواب الأرض التي تهم بأذى الناس، وهذا لا يصح نفيه إلا إن أريد أنها لا تضر لذواتها، وإنما تضر إذا أراد الله إيقاع الضرر بمن أصابته.
وقد ذكر الزبير بن بكار في "الموفقيات": أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره، خرجت من رأسه هامة - وهي دودة - فتدور حول قبره فتقول: اسقوني اسقوني. فإن أدرك بثأره ذهبت وإلا بقيت. وفي ذلك يقول شاعرهم:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ... أضربك حتى تقول الهامة: اسقوني
قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب. وذكر ابن
стр. 1770
فارس وغيره من اللغويين نحو الأول، إلا أنهم لم يعينوا كونها دودة، بل قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل (١) كأنه يعني البومة.
وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها، إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إليّ نفسي أو أحدا من أهل داري.
وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويسمون ذلك الطائر الصدى. فعلى هذا، فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت. وعلى الأول: لا شؤم بالبومة ونحوها" (٢).
ويتلخص من كلام العلماء أن النهي عن أحد أمور ثلاثة أو عنهم جميعًا:
أولا: أن عظام الميت. وقيل: روحه تنقلب هامة فتطير.
ثانيًا: التشاؤم بالبومة لأنها بزعمهم ناعية له نفسه أو أحد أهله.
ثالثًا: بالتشديد واحدة الهوام دودة تمرض البطن يزعمون أنها تضر بذاتها.
وكل هذه المعاني محل نهي وأشهرها الأول على ما ذكره الراواة.
* فائدة:
يعلق ابن رجب ﵀ على قولهم: أن الميت إذا مات صارت روحه أو عظامه هامة وهو طائر يطير فيقول: "وهذا شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور، وكل هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها. ولكن الذي جاءت به الشريعة "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وترد من أنهار الجنة إلى أن يردها الله تعالى إلى أجسادها يوم القيامة"" (٣).
стр. 1771
٢٧٩ - الهجر *
الهجر ضد الوصل. قال في اللسان: "وفي الحديث لا هجرة بعد ثلاث يريد به الهجر ضد الوصل يعني فيما يكون بين المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان من ذلك في جانب الدين فإن هجرة أهل الأهواء والبدع دائمة على مر الأوقات ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق، فإنه ﵊ لما خاف على كعب بن مالك وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن غزوة تبوك أمر بهجرانهم خمسين يوما وقد هجر نساءه شهرًا" (١).
قال في العين: "والهجر والهجران ترك ما يلزمك تعهده ومنه اشتقت هجرة المهاجرين؛ لأنهم هجروا عشائرهم فتقطعوهم في الله" (٢).
قال في الدرر السنية: "أصل الهجر: الترك والفراق والبغض، وشرعًا: ترك ما نهى الله عنه، ومجانبته والبعد عنه، وهو عام في الأفعال والأشخاص، وهو في المشركين، ومن لاذ بهم، واستحسن ما هم عليه، وخدمهم، وازدراء أهل الإسلام أعظم، لأن قبح الشيء من قبح متعلقه، وهذه الجملة فيها أقسام، ولها تفاصيل:
стр. 1772
منها: هجر الكفار والمشركين، والقرآن من أوله إلى آخره ينادي على ذلك، ومصلحته تمييز أوليائه من أعدائه، وقريب من هذا هجر أهل البدع والأهواء، وقد نص الإمام أحمد وغيره من السلف، على البعد عنهم، ومجانبتهم، وترك الصلاة عليهم، وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، فتجب مفارقتهم بالقلب، واللسان، والبدن، إلا من داع إلى الذين مجاهد عليه، بالحجة مع أمن الفتنة، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. والآيات والأحاديث، وكلام العلماء في هذا كثير. قال بعض المحققين: ويكفي العاقل قوله تعالى، بعد نهيه عن موالاة المشركين: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠] " (١).
* الدليل على مشروعية الهجر:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
وعن ليث بن أبي سليم عن أبي جعفر قال: "لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله" (٢).
وقال الطبري: "وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم" (٣).
стр. 1773
* هجر أهل البدع:
جاءت نصوص كثيرة، عن أئمة السنة، في ذم أهل البدع، والأمر بهجرهم ومجانبتهم، والإنكار عليهم، وزجرهم وتأديبهم.
فعن الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، رحمهما الله، أنهما قالا: "لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم" (١).
وقال بشر بن الحارث في شأن الجهمية: "لا تجالسوهم، ولا تكلموهم، وإن مرضوا فلا تعودهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (٢).
وعن الحسن بن محمد بن علي، قال: "لا تجالسوا أهل القدر" (٣).
وعن ميمون بن مهران قال: "لا تجالسوا أهل القدر، ولا تسبُّوا أصحاب محمد ﷺ ، ولا تعلموا النجوم" (٤).
وعن مصعب بن سعد، قال: "لا تجالسوا مفتونًا فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين: إما أن يفتنك فتتابعه، أو يؤذيك قبل أن تفارقه" (٥).
وعن مسلم بن يسار، قال: "لا تمكن صاحب بدعة من سمعك فيصيب فيها ما لا تقدر أن تخرجه من قلبك" (٦).
وقال يحيى بن أبي كثير: "إذا رأيت المبتدع في طريق، فخذ في غيره" (٧).
وقال أبو قلابة: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن
стр. 1774
يغمروكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون" (١).
وقال محمد بن مخلد العطار: "سمعت إبراهيم الحربي يقول: لا أعلم عصابة خير من أصحاب الحديث، إنما يغدو أحدهم، ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي ﷺ ، وكيف صلى، إياكم أن تجالسوا أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح" (٢).
وموضوع "هجر المبتدع" يجب أن يفهم ضمن منهج أهل السنة والجماعة بمراعاة مقاصده، وأحكامه، وضوابطه الشرعية المبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد.
والناس في هذا الباب بين إفراط وتفريط. فمنهم من يعرض عنه، ولا يعلمه ألبتة، أو يقصّر فيه. ومنهم من يبالغ فيه، ولا يراعى قواعده وأصوله؛ فتنشأ من ذلك وتترتب عليه مفاسد عظيمة، وهو من نقص الفقه والبصيرة في الدين.
* ضوابط مهمة في الهجر (٣):
الأول: مراعاة المقصود الشرعي للهجر، وإدراك أنه عقوبة شرعية جعلت لزجر المبتدع وتأديبه، ورده عن غيه، ليتوب ويؤوب، ومنع بدعته من الفشو والانتشار في المجتمع المسلم، حتى لا تؤثر على كيانه وتماسكه، وتحفظ عليه دينه، وعقيدته.
стр. 1775
الثاني: هجر المبتدع قربة إلى الله، فلابد من مراعاة شرطي قبول الأعمال فيها، وهما: الإخلاص والمتابعة، والحذر من متابعة هوى النفس في ذلك.
الثالث: التأكد والتثبت قبل الإقدام على الهجر، من الأمور التالية:
أ - أن الأمر الذي وقع فيه مما دلت النصوص والقواعد الشرعية على بدعيته.
ب - ثبوته عنه، وعدم أخذ الناس بالتخرص والظن.
ج - خلوه من الموانع والأعذار، كالجهل والتأول ونحوهما.
الرابع: مراعاة المصلحة والمفسدة المترتبة على الهجر، ومراعاة قواعد الترجيح عند تعارض المصالح والمفاسد، بتحقيق أكمل المصلحتين، ودرء أعظم المفسدتين.
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ﵀: "فإذا كانت المصلحة المبتغاة من الهجر معارضة بمفسدة راجحة من تفويت مصلحة أرجح من المصلحة المترتبة على هذا الهجر، أو حصول مفسدة أعظم هي أسخط لله من مفسدة هذه المخالفة، لم يشرع الهجر في هذه الحالة، وكان التأليف أنفع، وبمقاصد الشريعة أليق" (١).
الخامس: مراعاة اختلاف مراتب البدعة، من جهة كونها كفرًا أو غير كفر، ومن جهة كون صاحبها مستترًا بها أو معلنًا لها، ومن جهة كونها حقيقة أو إضافية، ومن جهة اجتهاده فيها أو كونه مقلدًا، ومن جهة الإصرار عليها أو عدمه (٢).
السادس: مراعاة الأماكن التي ظهرت فيها البدعة، وحال أهل تلك البدعة، وحال الهاجرين لهم. ففرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، وبين الأماكن الأخرى التي ليست كذلك. وفرق في حال المهجور بين القوي في الدين وبين الضعيف فيه (٣).
стр. 1776
ولا بد من مراعاة اختلاف حال الهاجرين أنفسهم، من حيث القوة والضعف، والقلة والكثرة.
فإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة، كانت مشروعية "هجر المبتدع" قائمة على أصلها، وأما إن كانت القوة والكثرة لأهل البدع، ولا حول ولا: إلا بالله، فإنه لا يحصل المقصود الشرعي للهجر، فلا المبتدع ولا غيره يرتدع بذلك، بل يخشى من زيادة الشر وتفاقمه، وبالتالي لا يشرع الهجر، وإنما يلجأ إلى مسلك التأليف.
وفي كل هذه الأحوال لا بد من الدعوة إلى السنة والحث، والنهي عن البدعة والتحذير منها، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتالي هي أحسن، وتحمل الأذى في ذلك والصبر، باحتساب المثوبة والأجر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: "فإذا لم يكن في هجرانه - أي المبتدع - انزجار أحد ولا انتهاء أحد بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها، لم تكن الهجرة مأمورا بها كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية. فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم، سقط الأمر بفعل هذه الحسنة. وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي. وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم لا ندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس. ولهذا كان الكلام في هذه المسألة فيه تفصيل" (١).
السابع: التفريق بين من كان داعية إلى بدعته، وبين من ليس كذلك.
стр. 1777
فالداعية إلى البدعة يزجر ويهجر، بخلاف غيره فإنه ينظر في حقه إلى الأمور السالفة الذكر (١).
وسئل الشيخ ابن باز ﵀ عن مقاطعة مرتكب الجريمة: ما موقف الداعية منها ولا سيما إن كان من الأقارب؟
الجواب: "هذا فيه تفصيل: يشرع هجره ومقاطعته إذا أعلن المنكر وأصر ولم ينفع فيه النصح شرع لقريبه أو جاره هجره، وعدم إجابة دعوته، وعدم السلام عليه، حتى يتوب لله هذا المنكر.
هكذا فعل النبي ﷺ والصحابة لما تخلف كعب بن مالك وصاحباه عن غزوة تبوك بغير عذر شرعي، أمر النبي ﷺ بأن لا يُكَلَّمُوا ويُهجروا، فهُجروا جميعًا حتى تابوا وتاب الله عليهم.
أما إن كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو أنكر من فعله، لأنه ذو شأن في الدولة أو ذو شأن في قبيلته، فيترك هجره ويعامل بالتي هي أحسن ويرفق به حتى لا يترتب على هجره ما هو شر من منكره وما هو أقبح من عمله، والدليل على ذلك أنه ﷺ . لم يعامل رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بمثل ما عامل به الثلاثة وهم كعب وصاحباه، بل تلطف به ولم يهجره، لأنه رئيس قومه، ويخشى من سجنه وهجره فتنة للجماعة في المدينة، فلهذا كان النبي ﷺ يرفق به حتى مات على نفاقه، نسأل الله العافية.
وهنا مواضع أخرى جرت للرسول ﷺ على بعض الناس، لم يهجرهم بل رفق بهم حتى هداهم الله. فالرفق في الدعوة من ألزم أمورها، وبالله التوفيق" (٢).
وفى آخر هذا الباب يحسن بنا أن أن نقف مع كلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
стр. 1778
حيث سُئل عمَّن يجب أو يجوز بغضه وهجره، فكان من جوابه: " ... وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله.
فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف، بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذي خلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك سادة مطاعون في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.
وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه.
وإذا عرف هذا، فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها رسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله، وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صوابًا، فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجرًا غير مأمور به: كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانة أنها تفعله طاعة لله.
والهجر لأجل حظ الإنسان لا يجوز أكثر من ثلاث، كما جاء في الصحيحين
стр. 1779
عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" فلم يرخص في هذا الهجر أكثر من ثلاث، كما لم يرخص في إحداد غير الزوجة أكثر من ثلاث. وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "تفتح أبواب الجنة كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا". فهذا الهجر لحق الإنسان حرام، وإنما رخص في بعضه، كما رخص للزوج أن يهجر امرأته في المضجع إذا نشزت، وكما رخص في هجر الثلاث.
فينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق نفسه، فالأول مأمور به، والثاني منهي عنه؛ لأن المؤمنين إخوة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم"، وقال ﷺ في الحديث الذي في السنن: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". وقال في الحديث الصحيح: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادى في الله، ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه وإن ظلمه، فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
стр. 1780
إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم.
فليتدبر المؤمن الفرقَ بين هذين النوعين. فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالآخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.
وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة" (١).
стр. 1781
٢٨٠ - الهجرة *
الهجرة في اللغة: مأخوذة من الهجر وهو الترك (١).
قال في مختار الصحاح: "الهجر ضد الوصل ... والاسم الهجرة والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية" (٢).
وقال في النهاية: "الهجرة في الأصل الاسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرًا وهجرانًا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية. يقال منه هاجر مهاجرة" (٣).
وقال في التعريفات: "الهجرة: هي ترك الوطن الذي بين الكفار والانتقال إلى دار الإسلام" (٤).
وقال في اللسان: "والهجرة: الخروج من أرض إلى أرض والمهاجرون الذين ذهبوا مع النبي مشتق منه ... قال الأزهري: وأصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من باديته إلى المدن، يقال هاجر الرجل إذا فعل ذلك، وكذلك كل مخلٍ بمسكنه منتقل إلى قوم آخرين بسكناه فقد هاجر قومه، وسمي المهاجرون مهاجرين لأنهم تركوا ديارهم ومساكنهم التي نشؤوا بها ولحقوا بدار ليس لهم بها
стр. 1782
أهل ولا مالك حين هاجروا إلى المدينة، فكل من فارق بلده من بدوي أو حضري أو سكن بلدًا آخر فهو مهاجر والاسم منه الهجرة" (١).
الهجرة في الشرع: قال في المغني: "الهجرة: هي الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام" (٢).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وهي باقية إلى أن تقوم الساعة" (٣).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)
стр. 1783
فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ٩٧ - ١٠٠].
قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ: حدثنا حيوة وغيره قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: "قُطِع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثّرون سواد المشركين على عهد رسول الله ﷺ ، يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرب فيُقتَل، فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ الآيةَ" (١).
قال ابن كثير ﵀: "قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأُصيبوا فيمن أُصيب فنزلت هذه الآية الكريمة (٢) عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ الآية" (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ [النساء:٩٧] قال ابن
стр. 1784
قدامة المغني: "وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" (١).
وقال البغوي رحمه الله تعالى: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين للذين بمكة لم يهاجروا؛ ناداهم باسم الإيمان" (٢).
وقال ابن قاسم ﵀: "أمر تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرضه الواسعة، وأخبر أن الأرض غير ضيقة بل واسعة، تسع جميع الخلائق، فإذا كان الإنسان في أرض لم يتمكن من إظهار دينه فيها، فإن الله قد وسع له الأرض ليعبده فيها كما أمر، وكذلك يجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغييرها أن يهاجر منها" (٣).
الدليل من السنة: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" (٤).
وعن بهز بن حكيم يحدث عن أبيه عن جده قال: قلت: يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن لأصابع يديه ألا آتيك ولا آتي دينك، وإني كنت امرأ لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربك إلينا قال: "بالإسلام" قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: "أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملًا، أو يفارق
стр. 1785
المشركين إلى المسلمين"" (١).
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" قالوا: يا رسول الله، ولمَ؟ قال: "لا ترايا ناراهما" (٢).
قال ابن قدامة في المغني: "ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت" (٣).
وعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ سَمعتُ رَسُول الله ﷺ يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (٤).
وروى الإمام أحمد عن أبي الخير أن جنادة بن أبي أمية حدثه أن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ قال: بعضهم إن الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك قال: فانطلقت إلى رسول الله فقلت: يا رسول الله إن أناسًا يقولون إن الهجرة قد انقطعت؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد" (٥). وفي رواية عند النسائي قَال "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" (٦).
وعن ابن السعدي أن النبي ﷺ قال: "لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل". فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص إن النبي ﷺ قال: "إن الهجرة خصلتان إحداهما: أن تهجر السيئات، والأخرى: أن تهاجر إلى الله ورسوله،
стр. 1786
ولا تنقطع الهجرة ما تُقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس بالعمل" (١).
أحكام وفوائد:
١ - حكم الهجرة:
قال في المغني: "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا يمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار فهذا تجب عليه الهجرة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب؛ ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه وهو من يعجز عنها، إما لمرض أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهذا لا هجرة عليه لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء:٩٨] ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر فاستحب له ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم" (٢).
стр. 1787
وقال في المغني: "وحكم الهجرة باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل العلم" (١).
وفي قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "والهجرة باقية إلى أن تقوم الساعة" قال الشيخ ابن قاسم: "باتفاق من يعتد به من أهل العلم. قال شيخ الإسلام: "لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله"" (٢). وهو الصحيح فإن بقاء الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام معلوم بالنص، والإجماع.
وسئل شيخ الإسلام ﵀ عن بلد "ماردين" هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟
فأجاب: "الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق؛ بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكور في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم" (٣).
وكلام أهل العلم معروف مشهور في وجوب الهجرة من كل بلد أو موضع لا
стр. 1788
يقدر المسلم على إظهار دينه فيها (١).
وانظر باب (الإقامة في بلد الكفار).
٢ - التعريف ببلد الكفر وبلد الإسلام:
قال الشوكاني ﵀: "الاعتبار بظهور الكلمة، فإن كانت الأوامر والنواهي في الدار لأهل الإسلام بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره، إلا لكونه مأذونًا له بذلك من أهل الإسلام فهذه دار إسلام، ولا يضر ظهور الخصال الكفرية فيها؛ لأنها لم تظهر بقوة الكفار ولا بصولتهم، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود والنصارى، والمعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية، وإذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس" (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "قد ذكر أهل العلم الفرق بين بلاد الإسلام وبلاد الكفار، فبلاد الإسلام التي يحكمها المسلمون وتجري فيه الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا، وبلاد الكفر ضدها فهي التي يحكمها الكفار وتجري فيه أحكام الكفر ويكون النفوذ فيها للكفار، وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصير إذا كانت الأحكام للكفار والنفوذ لهم دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين" (٣).
وقال ابن عثيمين ﵀: "وبلد الشرك هو الذي تقام فيها شعائر الكفر ولا تقام فيه شعائر الإسلام كالأذان والصلاة جماعة، والأعياد، والجمعة على وجه عام شامل، وإنما قلنا على وجه عام شامل ليخرج ما تقام فيه هذه الشعائر على وجه
стр. 1789
محصور كبلاد الكفار التي فيها أقليات مسلمة فإنها لا تكون بلاد إسلام بما تقيمه الأقليات المسلمة فيها من شعائر الإسلام، أما بلاد الإسلام فهي البلاد التي تقام فيها هذه الشعائر على وجه عام شامل" (١).
٣ - معنى قوله ﷺ "لا هجرة بعد الفتح ":
قال الخطابي ﵀ وغيره: "كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجاتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة، دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو" (٢).
وقال ابن حجر في الفتح: "قوله: باب لا هجرة بعد الفتح. أي: فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك، إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز يعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أُجر" (٣).
وقال الأمير الصنعاني ﵀. "والحديث "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين مشركين" دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة وهو مذهب
стр. 1790
الجمهور ... وذهب الأقل إلى أنها لا تجب الهجرة، وأن الأحاديث منسوخة لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" متفق عليه.
قالوا فإنه عام ناسخ لوجوب الهجرة الدال عليه ما سبق وبأنه ﵌ لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه ﵌ كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم، أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين" الحديث ... فلم يوجب عليهم الهجرة، والأحاديث غير حديث ابن عباس محمولة على من لا يأمن على دينه.
قالوا: وفي هذا جمع بين الأحاديث، وأجاب من أوجب الهجرة بأن حديث "لا هجرة" يراد به نفيها عن مكة كما يدل له قوله "بعد الفتح" فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله.
وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا على عهد رسول الله ﵌، واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي ﵌ حيث كان.
وقوله: "ولكن جهاد ونية" قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة للوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية،