والاستعاذة بهم والذبح بها وسؤالهم كشف الضر، وجلب الخير مما هو شرك محض، وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله" (١).
٣ - ما يلحق بالتمائم:
التمائم يندرج تحتها كثير مما يعلق ويتخذ لدفع الآفات ومما ينطوي تحتها ويأخذ حكمها الودعة وسن الثعلب وذيله وسن الهرة والخرزات والحجب المعلقة وكعب الأرنب والوتر على الدابة والحذاء في السيارة والنعل في مقدمة أو مؤخرة السيارة ونعل الفرس في واجهة الدار والدكان وأشباهها ولا يفرد لكل منها بحث بل كل منها يجري مجرى التميمة في معناها وإن اختلفت أشكالها وفي حكمها وفي نهي الشارع عنها إذ أن سبب التحريم فيها الاعتماد على غير الله والركون والالتفات إلى غيره وعدم التوكل عليه بل وثوق في غيره وهذا شرك. وينبغي لنا في هذا المقام أن نوضح معنى بعض الأسماء التي تطلق على التمائم:
١ - الودعة: (٢) وجمعها (الودعات) وفي مختار الصحاح هي خرز بيض تخرج من البحر تتفاوت في الصغر والكبر.
قال في النهاية: "والوَدَع بالفتح والسكون جمع وَدَعَه وهو شيء أبيض يجلب من البحر يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم وإنما نهى عنها لأنهم كانوا يُعلِّقونها مخافة العين" (٣).
وفي حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق
стр. 527
ودعة فلا ودع الله له" (١).
وقال ابن مفلح: "إنما نهى عنها لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين وقوله "لا ودع الله له" أي لا جعله في دعة وسكون وقيل: هو لفظ مبني من الودعة أي: لا خفف الله عنه ما يخافه (٢) " (٣).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذا دعاء عليه فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك فإنه مع كونه شركًا فقد دعا عليه رسول الله ﷺ بنقيض مقصوده" (٤).
٢ - الحجب: جمع حجاب وهو ما يكتب فيه أحيانا طلاسم وكلام غير مفهوم مرة بالعربية ومرة بغيرها ويصنع من الجلد غالبا ويأخذ أشكالا مختلفة وسمي حجابا للاعتقاد بأنه يحجب العين والآفات عن المعلق عليه (٥).
وهي داخلة في التمائم قال ابن باز: "والتمائم كذلك ممنوعة وهي الحجب وتسمى الجوامع وتسمى الحروز لأن رسول الله ﷺ زجر عنها ولم يستثن منها شيئًا وسماها شركًا ودعا على من تعلقها" (٦).
وقال ﵀: "وأما الحجب وهي ما يعلق من أوراق أو جلود أو غيرها على المريض، يكتب فيها آيات أو دعوات تعلق على المريض ضد السلاح، أو ضد الجن فهذا لا يجوز، وقد أجاز بعض أهل العلم تعليق ما كان من القرآن خاصة ولكنه قول ضعيف، والصواب منع تعليق جميع الحجب لعموم قول النبي ﷺ : "من تعلق تميمة
стр. 528
فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك"، والمراد بالشرك هنا الشرك الأصغر. ولأن في ذلك سد الذريعة إلى تعليق غيرها.
وسد الذرائع المفضية إلى الشرك أو المعاصي من أعظم مقاصد الشريعة وواجباتها.
أما تعليق الحجب من غير الآيات كالعظام والودع والطلاسم والأسماء المجهولة، فهذه لا تجوز بغير خلاف بين أهل العلم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، ومن تعلق تميمة فقد أشرك" كما تقدم؛ ولأنها من أعمال الجاهلية؛ ولأنها تصد القلوب عن الله وتعلقها بغيره، والقلوب يجب أن تتعلق بالله وتعتمد عليه، فتعليق هذه التمائم يجعل القلوب تميل إليها وتتعلق بها وترتاح لها، وهذا خطأ عظيم، فلا يجوز تعليق التمائم، وهي الحجب ولها أسماء أخرى عند الناس" (١).
وقال الألباني: "وهل يدخل في التمائم الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي ﷺ للسلف في ذلك قولان: أرجحها عندي المنع" (٢).
٣ - الحرز: وهو الذي يتحرز به عن الحمى وغيره وهي كالودعة والحلقة والخيط.
وقد جاء سؤال عن الحجاب "الحرز" الذي يجتمع فيه شيء من القرآن مع توسل بالأولياء مع كلام غير مفهوم فأجابت اللجنة الدائمة بأنه: "لا يجوز تعليقه على شخص أو وضعه في ثياب أو فراش أو بيت جلبا لمنفعة أو دفعا لضرر وهو من جنس التمائم واتخاذها شرك لعموم قوله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة
стр. 529
شرك" (١)، وقوله ﷺ : "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٢) " (٣).
٤ - لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه (٤):
الحلقة: طوق من نحاس أصفر أو غيره كان المشركون يجعلونها في عضدهم ويزعمون أنها تحفظهم من أذي العين والجن ونحوهما.
والخيط في الأصل ما يخاط به، كان المشركون يعقدون الخيوط على أيديهم ورقابهم يزعمون أنها تدفع الحمى فنهى عنه لما فيه من شائبة الشرك.
قال الشيخ ابن باز: "وكان الجهال يعلقون التمائم والخيوط ونحوها لدفع الحمى".
وحكم لبس الخيط لذلك شرك أكبر إذا اعتقد أنها تدفع البلاء بنفسها، أو اعتقد أن ما لُبس قادر على رفع الضر، أما إذا اعتقد أنها سبب لرفع البلاء، وأن النافع الضار هو الله فهو شرك أصغر قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [سورة الزمر: ٣٨].
وفي حديث عمران بن حصين ﵁: "أن النبي ﷺ أبصر على عضُد رجلٍ حلقة -أراه قال: من صفر- فقال: ويحك، ما هذه؟ قال: من الواهنة. قال: أما إنها لا
стр. 530
تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا" (١).
وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة ﵁ أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٢).
وروى وكيع عن حذيفة: "أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فإذا فيه خيط؟ فقال: ما هذا؟ قال شيء رُقِى لي فيه فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك" (٣).
قال ابن باز: "فيه إنكار مثل هذا وإن كان يعتقد أنه سبب فالأسباب لا يجوز منها إلا ما أباحه الله تعالى ورسوله مع عدم الاعتماد عليها".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرع فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدا على الله لا على سبب من الأسباب والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة" (٤).
قاعدة: قال ابن سعدي في الحلقة والخيط: "هذا الباب يتوقف فهمه على معرفة أحكام الأسباب، وتفصيل القول فيها أنه يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت إنه سبب شرعًا وقدرًا.
стр. 531
ثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها بل يعتمد على مسببها، ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها وحرصه على النافع منها.
ثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه. . . إذا عُلم ذلك فمن لبس الحلقة أو الخيط أو نحوهما قاصدًا بذلك رفع البلاء بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله فقد أشرك؛ لأنه إن اعتقد أنها هي الدافعة الرافعة فهذا الشرك الأكبر.
وهو شرك في الربوبية حيث اعتقد شريكًا مع الله في الخلق والتدبير.
وشرك في العبودية حيث تأله لذلك وعلق به قلبه طمعًا ورجاء لنفعه.
وإن اعتقد أن الله هو الدافع الرافع وحده ولكن اعتقدها سببا يستدفع بها البلاء فقد جعل ما ليس سببا شرعيًا ولا قدريًا سببًا، وهذا محرم وكذب على الشرع وعلى القدر.
أما الشرع فإنه ينهى عن ذلك أشد النهي. وما نهى عنه فليس من الأسباب النافعة.
وأما القدر فليس هذا من الأسباب المعهودة ولا غير المعهودة التي يحصل بها المقصود ولا من الأدوية المباحة النافعة. وكذلك هو من جملة وسائل الشرك فإنه لا بد أن يتعلق قلب متعلّقها بها وذلك نوع شرك ووسيلة إليه" (١).
* تنبيه:
قال ابن عثيمين: "ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من الروماتيزم، يزعمون أن الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه روماتيزم نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم؛ فليس فيها مادة دهنية حتى نقول: إن الجسم يشرب هذه المادة
стр. 532
وينتفع بها؛ فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالا مباشرا بهذا الروماتيزم حتى ينتفع بها" (١). وهذه مسألة لها تعلق بالأسباب. وقد فصلنا الكلام عنه في باب "السبب".
٥ - الواهنة: (٢) قال ابن الأثير في النهاية: "الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيُرقى منها. وقيل: هو مرض يأخذ في العضد، وربما عُلِّق عليها جنس من الخَرَز يقال لها خرز الواهنة، وهي تأخذ الرجالَ دون النساء. وإنما نهاه عنها لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، فكان عنده في معنى التمائم المنهي عنها" (٣)، وقد تقدم حديث عمران بن حصين في الفقرة السابقة الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه وفيه فقال: "انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا".
قال الشيخ سليمان في شرح الحديث: "فإن قيل: كيف قال ﷺ : "لا تزيدك إلا وهنا" وهي ليس لها تأثير؟ قيل: هذا -والله أعلم- يكون عقوبة له على شركه لأنه وضعها لدفع الواهنة فعوقب بنقيض مقصوده" (٤).
وقوله: "ما أفلحت أبدًا" هذا قد يكون لا يفلح الفلاح المطلق إذا اعتقد أنها سبب، وقد يكون لا يفلح حتى مطلق الفلاح إذا اعتقد أنها تنفع أو تضر استقلالا بحسب ما يقوم في قلبه.
стр. 533
٦ - الوتر: (١) كانوا في الجاهلية إذا عتق وتر القوس أخذوه وعلقوه يزعمون أنه يحمي من العين ويعلق على الدواب وقد يكون من عصب الحيوانات (٢).
قال ابن الأثير: "كانوا يزعمون أن التقلد بالأوتار يرد العين ويدفع عنهم المكاره فنهوا عن ذلك" (٣).
روى الإمام أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجي برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا ﷺ منه برئ" (٤)، وفي رواية: "فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ " (٥).
وروى الإمامان البخاري ومسلم من حديث قيس بن عبيد أن النبي ﷺ أرسل رسولا وقال: "لا تبقينّ في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت" (٦).
وفي الحديث: "وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلّدوها ولا تقلدوها الأوتار" (٧) وجاء في معناها ثلاثة أقوال ذكرها ابن الأثير في النهاية فقال: "هو الدم وطلب الثأر يريد جعلوا ذلك لازما لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق. وقيل: أراد بالأوتار: جمع وتر القوس أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق، لأن الخيل ربما رعت الأشجار فَنشِبَت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها. وقيل: إنما
стр. 534
نهاهم عنها لأنهم يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى فتكون كالعوذة لها فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضررا ولا تصرف حذرًا" (١).
قال الإمام مالك ﵀: "أرى ذلك من أجل العين. وقال: غيره إنما أمر بقطعها لأنهم كانوا يعلقون في القلائد الأجراس" (٢).
وقال البغوي في شرح السنة: "تأول مالك أمره ﷺ بقطع القلائد على أنه من أجل العين وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات فنهاهم النبي ﷺ عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: كانوا يعلقون الإبل الأوتار لئلا تصيبها العين فأمرهم النبي ﷺ بإزالتها إعلامًا لهم بأن الأوتار لا ترد شيئًا. وكذلك قال ابن الجوزي وغيره وفي رواية محمد بن الربيع: "أو تقلد وترًا" يريد تميمة فهذا يدل على أنهم كانوا يتقلدون الأوتار من أجل العين، إذ فسره بالتميمة وهي تجعل لذلك" (٣).
فائدة: قال ابن الأثير فيمن عقد لحيته قيل: "هو معالجتها حتى تنعقد وتتجعد وقيل كانوا يعقدونها في الحروب فأمرهم بإرسالها كانوا يفعلون ذلك تكبرا وعجبًا" (٤).
وذكر الخطابي المعنى الثاني لعقد اللحية وهو معالجة الشعر ليتعقد ويتجمد وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث (٥).
стр. 535
٨٧ - التنجيم *
التنجيم لغة: مأخوذ من النجم وهو الكوكب، وهو اسم علم على الثريا (١).
قال ابن الأثير: "النجم في الأصل: اسم لكل واحد من كواكب السماء وجمعه نجوم" (٢).
التنجيم اصطلاحًا: صاحب القاموس: "المنجم والمتنجّم: الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها" (٣). وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية.
قال ابن تيمية: "وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية
стр. 536
والقوابل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل" (١).
وعرَّفه الخطابي ونقله البغوي في شرح السنة فقال: "والمنهي من علم النجوم ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن أو الحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد وتغيّر الأسعار وما كان في معانيها من الأمور يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها وباجتماعها واقترانها ويَدَّعون لها تأثيرًا في السفليات وأنها تتصرف على أحكامها وتجري على قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله به لا يعلم الغيب سواه" (٢).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].
* الدليل من السنة: روى البخاري تعليقا أن قتادة قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: "خلق هذه النجوم الثلاث: جعلها زينة للسماء (٣)، ورجوما للشياطين (٤) وعلامات يهتدى (٥) بها فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه
стр. 537
وتكلف ما لاعلم له به" (١).
وعن أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، وَمَنْ مَاتَ مُدْمِنًا لِلْخَمْرِ سَقَاهُ الله مِنْ نَهْرِ الْغُوطَةِ" قِيلَ وَمَا نَهْرُ الْغُوطَةِ قَالَ: "نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوج الْمُومِسَاتِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ" (٢).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن "قوله: "ومصدق بالسحر": أي مطلقًا، ومنه التنجيم" (٣).
أقوال بعض السلف:
عن عبد الله بن محيريز التابعي الجليل أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: "لو علمت علم النجوم فازددت إلى علمك فقال: قال رسول الله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم"" (٤).
وقال ابن تيمية: "وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين أن أهل الإيمان أهل العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعاءهم وتوكلهم على الله ما يزعم المنجمون أن الأفلاك توجبه ويعترفون أيضا بأن أهل العبادات والدعوات ذوي التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى الأفلاك أن تجلبه فالحمد لله الذي جعل خير الدنيا والآخرة في اتباع المرسلين" (٥).
стр. 538
* أحكام وفوائد:
١ - علم النجوم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: علم التسيير كالاستدلال من انتقال الشمس في البروج الفلكية على الفصول كالحر والبرد والاعتدال. قال الشيخ السعدي مبينا علم التسيير: "وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات" (١).
قال البغوي: "فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهي عنه قال الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال جل ذكره: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
ويدخل في هذا القسم معرفة مواقيت الصلاة وساعات الليل بظهورها وأفولها ومعرفة أوان الزرع وتخير العرب الأزمان لنتاج مواشيهم ولضراب الفحول ومعرفتهم بالأمطار على اختلافها ومعرفة أسماء الكواكب والنجوم ومناظرها ومطالعها ومساقطها وسيرها والاهتداء بها (٢).
القسم الثاني: علم التأثير ويطلق عليه الوهميات وهو ما يزعمه المنجمون من أن النجوم والأفلاك لها تأثير على الكون بنفسها أو أنها السبب في حدوث الحوادث من مصائب وفقر وحروب وغيرها (٣).
قال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير فإنه باطل محرم قليله وكثيره. وأما علم التسيير، فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء، ومعرفة القبلة،
стр. 539
والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لشغله عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما وقع ذلك كثيرا من أهل هذا العلم قديمًا وحديثًا، وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار وهو باطل" (١).
٢ - حكم التنجيم: فصَّل الشيخ سليمان بن عبد الله في حكم التنجيم فقال ﵀: "واعلم أن التنجيم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة وهذا كفر بإجماع المسلمين، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا كانوا يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم، ويدعونها دعوات لا تنبغي إلا لخالقها وفاطرها وحده لا شريك له (٢).
الثاني: الاستدلال على الحوداث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها ونحو ذلك، ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ذلك، واختلف المتأخرون في تكفير القائل بذلك. وينبغي أن يقطع بكفره، لأنها دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه.
الثالث: ما ذكره المصنف في تعلم المنازل" (٣).
стр. 540
ويقصد بالمصنف الإمام الشيخَ محمد بن عبد الوهاب صاحب كتاب التوحيد حين ذكر أقوال السلف في تعلم المنازل فقال: "وكره قتادة تعلم منازل القمر ولم يرخص فيه ابن عيينة، ذكره حرب عنهما ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحق" (١).
وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: "والصحيح عدم الكراهة" (٣).
٣ - بعض شبه المنجمين:
استدل بعض المنجمين بآيات من كتاب الله على صحة علم التنجيم منها قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والجواب أنه ليس المراد بهذه الآية أن النجوم علامات على الغيب يهتدي بها الناس في علم الغيب، وإنما المعنى ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، أي: دلالات على قدرة الله وتوحيده. وعن قتادة ومجاهد أن من النجوم ما يكون علامة لا يهتدى إلا بها، وقيل: إن هذا من تمام الكلام الأول وهو قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: ١٥ - ١٦]. أي: وألقى لكم معالم يعلم بها الطريق والأراضي من الجبال الكبار والصغار يستدل بها المسافرون في طرقهم. وقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال ابن عباس في الآية: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ يعني: معالم الطرق بالنهار ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: "يهتدون به في البحر في أسفارهم" رواه ابن جرير و
стр. 541
ابن أبي حاتم.
فهذا القول ونحوه هو معنى الآية، فالاستدلال بها على صحة علم التنجيم استدلال على ما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام بما لا يدل عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، وذلك أفسد أنواع الاستدلال، فإن الأحاديث جاءت عن النبي ﷺ بإبطال علم التنجيم وذمه" (١).
وقال: "فإن قلت: إن المنجمين قد يصدقون بعض الأحيان.
قيل: صدقهم كصدق الكهان يصدقون مرة ويكذبون مئة مرة، وليس في صدقهم مرة ما يدل على أن ذلك علم صحيح كالكهان" (٢).
ومن شُبه المنجمين: قوله تعالى عن إبراهيم ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]. وليس في هذا ما يدل على صحة علم أحكام النجوم فإن إبراهيم ﵇ إنما بعث إلى الصابئة المنجمين مبطلا لقولهم مناظرا لهم على ذلك.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "فإن قيل على هذا: فما فائدة نظرته في النجوم؟ قيل: نظرته في النجوم من معارض الأفعال ليتوصل به إلى غرضه من كسر الأصنام كما كان قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]. فمن ظن أن نظرته في النجوم ليستنبط منها علم الأحكام، وعلم أن طالعه يقضي عليه بالنحس، فقد ضل ضلالًا بعيدًا. ولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح أنه ﵇ يقول: "لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن" وعدها العلماء قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ
стр. 542
كَبِيرُهُمْ﴾ وقوله لسارة: هي أختي (١).
فلو كان قوله: إني سقيم أخذه من علم النجوم لم يعتذر من ذلك، وإنما هي من معاريض الأفعال، فلهذا اعتذر منها كما اعتذر من قوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ذكر ذلك ابن القيم" (٢).
٤ - أما صناعة التنجيم وتعلمه والعمل به فقد أجاب عن حكمه شيخ الإسلام بقوله: "بل ذلك محرم بإجماع المسلمين وأخذ الأجرة على ذلك ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات ومنع الناس أن يُكروهم والقيام في ذلك من أفضل الجهاد في سبيل الله" (٣).
وقد تقدم في الأدلة حديث: "ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر" (٤).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قوله "ومصدق بالسحر": مطلقا ويدخل فيه التنجيم لحديث: "من اقتبس علما من النجوم اقتبس علما من السحر" وهذا وجه مطابقة الحديث للباب" (٥).
قال الذهبي في الكبائر: "ويدخل فيه تعلم السيمياء وعملها، وهو محض السحر، وعقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه
стр. 543
ذلك بكلمات مجهولة قال: وكثير من الكبائر بل عامتها إلا الأقل يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما بلغه الزجر فيه، ولا الوعيد عليه، فهذا الضرب فيهم تفصيل، فينبغي للعالم أن لا يجهل على الجاهل، بل يرفق به ويعلمه سيما إذا قرب عهده بجهله كمن أسر وجلب إلى أرض الإسلام وهو تركي فبالجهد أن يتلفظ بالشهادتين فلا يأثم أحد إلا بعد العلم بحاله وقيام الحجة عليه" (١).
٥ - أما حكم إتيان المنجمين فالكلام عنه كالكلام عن حكم إتيان الكهان وقد ذكر ابن تيمية حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله: إن قوما منا يأتون الكهان قال: "فلا تأتوهم"، قال شيخ الإسلام: "فنهى النبي ﷺ عن إتيان الكهان، والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن العرب وعند آخرين هو من جنس الكاهن وأسوء حالا منه فلحق به من جهة المعنى" (٢).
وفي الحديث: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" (٣).
والأجرة حرام على آخذها وهو المنجم ودافعها وهو الآتي إليه (٤).
٦ - فائدة:
وهناك أمور يظن أنها من التنجيم وليست منه ومن ذلك توقع حدوث الكسوف والخسوف وذلك أنه يمكن معرفتها بالحساب كما يعرف أوقات الزوال والغروب، ومنها توقع أحوال الجو بأسباب معروفة كالرياح ومعرفة مسارها
стр. 544
ورؤية السحب واتجاهها ومكان قدومها (١).
٧ - التصديق بالبروج:
أخرج الخطيب عن قتادة أنه قال: "وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا ويولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما عِلْمُ هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء".
وقال الشيخ صالح الفوزان: "ومن الخرافات الباطلة ما يروجه الدجالون في بعض الصحف والمجلات من ذكر البخت والنحوس والسعود، ويعلقون ذلك بحسابات البروج والنجوم ويصدق به بعض السذج" (٢).
والتفصيل في حكم البروج والتعلق بها والنظر في الغيب بواسطتها كالتفصيل في حكم سؤال الكهان سواء بسواء.
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله: "ومما يدخل في التنجيم في هذا العصر بوضوح -مع غفلة الناس عنه- ما يكثر في المجلات مما يسمونه البروج، فيخصصون صفحة أو أقل منها في الجرائد، ويجعلون عليها رسم بروج السنة، برج الأسد، والعقرب، والثور، إلى آخره، ويجعلون أمام كل برج ما سيحصل فيه، فإذا كان الرجل أو المرأة مولودًا في ذلك البرج يقول: سيحصل لك في هذا الشهر كذا وكذا وكذا، وهذا هو التنجيم الذي هو التأثير، والاستدلال بالنجوم والبروج على التأثير في الأرض وعلى ما سيحصل في الأرض، وهو نوع من
стр. 545
الكهانة، ووجوده في المجلات والجرائد علي ذلك النحو وجود للكهان فيها، فهذا يجب إنكاره إنكارًا للشركيات ولدعاء معرفة الغيب وللسحر وللتنجيم؛ لأن التنجيم من السحر كما ذكرنا، ويجب إنكاره على كل صعيد، ويجب أيضًا على كل مسلم أن لا يدخله بيته، وأن لا يقرأه، ولا يطلع عليه؛ لأن الاطلاع على تلك البروج وما فيها -ولو لمجرد المعرفة- يدخل في النهي من جهة أنه أتى الكاهن غير منكِر عليه.
وإذا قرأ هذه الصفحة وهو يعلم برجه الذي وُلد فيه، أو يعلم البرج الذي يناسبه، وقرأ ما فيه، فكأنه سأل كاهنًا، فلا تقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن صدق بما في تلك البروج فقد كفر بما أنزل على محمد، وهذا يدلك على غربة التوحيد بين أهله، وغربة فهم حقيقة هذا الكتاب -كتاب التوحيد- حتى عند أهل الفطرة وأهل هذه الدعوة، فإنه يجب إنكار ذلك على كل صعيد وأن لا يؤثم المرء نفسه، ولا من في بيته بإدخال شيء من هذه الجرائد التي فيها ذلك في البيوت؛ لأن هذا معناه إدخال للكهنة إلى البيوت، وهذا -والعياذ بالله- من الكبائر، فواجب إنكار ذلك وتمزيقه والسعي فيه بكل سبيل حتى يُدحَر أولئك، لأن أهل التنجيم وأهل البروج هم من الكهنة، والتنجيم له معاهد معمورة في لبنان وفي غيرها، يتعلم فيها الناس حركة النجوم، وما سيحصل بحسابات معروفة، وجداول معينة، ويخبرون بأنه من كان من أهل البرج الفلاني فإنه سيحصل له كذا وكذا، عن طريق تعلم وهمي يغرهم به رؤوسهم وكهانهم، فالواجب على طلبة العلم أن يسعوا في تبصير الناس بحقيقة ذلك في كلماتهم، وبعد الصلوات، وفي خطب الجمع؛ لأن هذا مما كثر البلاء به، والإنكار فيه قليل، والتنبيه عليه ضعيف. والله المستعان" (١).
стр. 546
٨٨ - التنطع *
[الإطراء - الغلو]
قال الخطابي: "المتنطع، المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه على مذهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم" (١).
* الدليل من السنة: عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلاثًا" (٢).
ومن التنطع: "الامتناع عن المباح مطلقًا، والامتناع عن المباح تدينًا تنطع وغلو كالذي يمتنع من أكل الخبز واللحم ولبس الكتان والقطن ولا يلبس إلا الصوف ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أنه من الزهد المستحب" (٣).
قال شيخ الإسلام تقي الدين: "والزهد إنما يُراد لأنه زهد فيما يضر أو زهد فيما لا ينفع، فأما الزهد في النافع فجهلٌ وضلال" (٤).
وفي الحديث النهي عن التعمق في الأشياء والغلو فيها؛ لأنه من أسباب الهلاك ومن الأسباب التي تفضي إلى الشرك والعياذ بالله (٥).
قال النووي ﵀: في شرح الحديث: "أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. . . وفيه كراهة التقعّر في الكلام بالتشدد وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم" (٦).
стр. 547
٨٩ - التوبة *
[الاستغفار]
التوبة: الرجوع عن الذنب (١)، وفي الحديث: "التوبة ندم".
والتوبُ: مثله. قال الأخفش: "التوب جمع توبة مثل: عزمة وعزم. وتاب إلى الله يتوب توبا وتوبة ومتابًا" (٢).
وقال في المفردات: "التوب: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت. ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة" (٣).
والتوبة في الشرع: "ترك الذنب بقبحه والندم على ما فرط منه والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل شرط التوبة" (٤).
قال الجرجاني: "التوبة: الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب ثم القيام
стр. 548
بكل حقوق الرب" (١).
وقيل: "التوبة: الإعراض والندم والإقلاع".
قال ابن عثيمين ﵀: "التوبة شرعًا: الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعته، وأعظمها وأوجبها التوبة من الكفر إلى الإيمان، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ثم يليها التوبة من كبائر الذنوب.
ثم المرتبة الثالثة: التوبة من صغائر الذنوب. والواجب على المرء أن يتوب إلى من كل ذنب" (٢).
قال ابن القيم ﵀: "والتوبة لا ينبغي أن تكون لأحد إلا لله وحده" (٣).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، وقال تعالى: ﴿الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
* الدليل من السنة: عن أبي بردة عن الأغر عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة" (٤).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع
стр. 549
الشمس من مغربها" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (٢).
وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" (٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الندم توبة" (٤).
فائدة في التوبة النصوح: قال الجرجاني: "والتوبة النصوح: هي توثيق بالعزم على ألا يعود لمثله، قال ابن عباس، ﵂: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على ألا يعود" (٥).
قال عمر ﵁ هي: "أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع".
وقال الحسن البصري: "هي أن يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على ألا يعود فيه".
وقيل: التوبة النصوح: "ألا يبقي على عمله أثرًا من المعصية سرا وجهرًا".
وقيل: "هي التي تورث صاحبها الفلاح عاجلًا وآجلًا" (٦).
قال سعيد بن جبير في التوبة النصوح: "هي التوبة المقبولة، ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات" (٧).
стр. 550
والتوبة تتحقق بالآتي:
١ - الندم على الذنب.
٢ - وترك المعصية.
٣ - العزم على عدم الرجوع إليها.
٤ - هجر مكان المعصية.
٥ - رد المظالم إلى أهلها إن كان في حق آدمي.
* وجوب التوبة إلى الله:
التوبة إلى الله حكمها الوجوب بإجماع أئمة الإسلام
قال النووي ﵀: "قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي؛ فلها ثلاثة شروط:
أحدها: أن يقلع عن المعصية.
والثاني: أن يندم على فعلها.
والثالث: أن يعزم لا يعود إليها أبدًا.
فإن فُقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة، هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها؛ فإن كانت مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كانت حد قذف ونحوه مكَّنه منه أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها صحّت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي" (١).
وقال القرطبي: "واتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين" (٢).
وقال ابن قدامة المقدسي: "الإجماع منعقد على وجوب التوبة" (٣).
стр. 551
* حكم التوبة لغير الله:
التوبة للمخلوقات شرك بالله قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وفي الآية - يعني قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] دليل على أن التوكل عبادة، وعلى أن التوبة عبادة، وإذا كان كذلك فالتوبة إلى غيره شرك. ولما قال سارق وقد قطعت يده للنبي ﷺ : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد قال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله" رواه أحمد" (١).
قال ابن القيم في كلام له عن الشرك: "ومن أنواعه: التوبة للشيخ، فإنها شرك عظيم. فإن التوبة لا تكون إلا لله. كالصلاة والصيام، والحج، والنسك. فهي خالصُ حق الله.
وفي المسند: أن رسول الله ﷺ أُتي بأسير فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال رسول الله ﷺ : "عرف الحق لأهله" (٢).
فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله. كالسجود والصيام" (٣).
وهذا الحكم متعلق بالتوبة من حيث كونها عبادة فإنه يجب صرفها لله وحده.
قال ابن عثيمين: "وأما التوبة التي بمعنى الرجوع، فإنها تكون له ولغيره، ومنه قول عائشة حين جاء النبي ﷺ : فوجد نمرقة فيها صور، فوقف بالباب ولم يدخل، وقالت: أتوب إلى الله ورسوله ﷺ ولا لغيره من الخلق بل لله وحده، ولكن هذه توبة رجوع، ومن ذلك أيضًا حين يضرب الإنسان ابنه لسوء أدبه يقول الابن أتوب" (٤).
* الفرق بين التوبة والاستغفار:
انظر باب (الاستغفار).
стр. 552
٩٠ - التوحيد وأقسامه *
قال ابن فارس: "الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد" (١).
وقال الجوهري: "وتوحَّد برأيه: تفرد به" (٢).
وقال الفيروز آبادي: "وُحِد كعُلِم وكُرم يحدُ -فيهما- وحادةً، ووحودةً ووحُودًا، ووحْدًا، وَوُحْدَة، وَحِدَةً: بَقي مُفردًا كتوحَّد، ووحَّده توحيدًا جعله واحدًا" (٣).
وفي الشرع: قال ابن عثيمين هو: "إفراد الله بما يختص به" (٤).
стр. 553
وقال أيضًا: "إفراد الله - سبحانه بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات" (١).
والمعنى اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له ولا نظير ولا ند ولا مثل مع التوجه إليه وحده بالعبادة سبحانة؛ لأنه المنفرد بما له من ذات وصفات لا يشاركه فيها أحد سواه. فهو واحد في إلاهيته لا إله غيره. واحد في ربوبيته لا رب سواه. وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وسمي دين الإسلام توحيدا، لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذين جاؤوا به من عند الله" (٢).
وقال السفاريني هو: "إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتا وصفات وأفعالًا" (٣).
والمعبود هو الله وحده، فالإيمان بالله سبحانه يتضمن توحيده: في ربوبيته، وفي ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته (٤).
وقد استوفيت الأدلة على التوحيد في أول الكتاب باب (لا إله إلا الله).
* بم يكون التوحيد؟
التوحيد لا يكون باللسان فقط. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "بل إجماع بين أهل العلم أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فلا بد من الثلاثة؛ لا بد أن يكون هو المعتقد في قلبه، ولا بد أن يكون هو الذي ينطق به لسانه، ولا بد أن يكون
стр. 554
هو الذي تعمل به جوارحه فلو وحد بلسانه دون قلبه ما نفعه توحيده، ولو وحد بقلبه وأركانه دون لسانه ما نفعه ذلك، ولو وحد بأركانه دون الباقي لم يكن الرجل مسلمًا هذا إجماع أن الإنسان لا بد أن يكون موحدا باعتقاده ولسانه وعمله" (١).
وينقسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع معروفة مشهورة (٢):
النوع الأول: توحيد الربوبية هو الاقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور، وهذا النوع من التوحيد أقر به المشركون ولم يدخلهم إقرارهم به في الإسلام.
النوع الثاني: توحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة وهذا النوع هو الذي فيه الخصومة بين الأنبياء وأممهم.
النوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
قال الجرجاني: "وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالواحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة" (٣).
وبعض العلماء أعاد هذه الأنواع الثلاثة إلى نوعين:
النوع الأول: في العلم والاعتقاد ويدخل فيه توحيد الله في الربوبية وتوحيده في الأسماء والصفات. ويسمى التوحيد العلمي لتعلقه بالأخبار والمعرفة (٤).
النوع الثاني: في الإرادة والقصد وهو توحيد الله في ألوهيته سبحانه (٥).
فهذان نوعان فيهما الثلاثة الأول ودل على هذا التقسيم الاستقراء والتتبع إذ أن
стр. 555
جميع أنواع التوحيد تدور على هذه الأقسام الثلاثة (١).
قال العلامة ابن القيم: "وأما التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله، وهو نوعان: -توحيد في المعرفة والإثبات- وتوحيد في الطلب والقصد.
فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سماواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح. كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وأخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها وغير ذلك.
النوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس ووسطها وآخرها وأول سورة الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولا كليا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، فـ
стр. 556
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ توحيد، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد، متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعم الله عليهم ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التوحيد" (١).
وقال الإمام ابن بطة العكبري المتوفى سنة ٣٨٧ هـ ما نصه: "وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
الثالث: أن يعتقد موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.
إذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحا في توحيده.
ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها.
فأما دعاؤه إياهم إلى الإقرار بربانيته ووحدانيته فلسنا نذكر هذا هنا لطوله وسعة الكلام فيه، ولأن الجهمي يدعي لنفسه الإقرار بهما وإن كان جحده للصفات قد أبطل دعواه لهما" (٢).
стр. 557
قال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: "هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن مندة وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين -رحم الله الجميع-، وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدي أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء" (١).
* التلازم بين أنواع التوحيد:
قال القاضي ابن أبي العز ﵀: "فعُلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية. . والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه، وضرب الأمثال له، ومن ذلك أنه يقرِّر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا يُعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلًا على الثاني، إذ كانوا يُسلِّمون الأول وينازعون في الثاني، فيبيّن لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلم تعبدون غيره وتجعلوه معه آلهة أخرى؟! كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ الآيات [النمل: ٥٩ - ٦٠].
يقول الله تعالى في آخر كل آية: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الأن فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام: هل مع الله إِله؟ كما ظنه بعضهم؛
стр. 558
لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩] وكانوا يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] لكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلهًا ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١]، بل هم مُقرُّون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات ....
وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس، فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزًا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلهًا قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ [الأعراف: ١٩١]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ [النحل: ١٧].
فإن قلت: كيف يُستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يُعهد في الاصطلاح؟
فالجواب: أن الله تعالى قد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه المصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسُلُه، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما عرفوه منه.
ومن كماله المقدَّس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السماوات ولا في الأرض باطنًا وظاهرًا، ومن هذا شأنه كيف يليقُ بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلهًا آخر؟ " (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان في بيان علاقة توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية:
стр. 559
"علاقة أحد النوعين بالآخر أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإلهية بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به، فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه كما قال إبراهيم الخليل ﵊: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢].
والربوبية والألوهية تارة يذكران معًا فيفترقان في المعنى ويكون أحدهما قسيمًا للآخر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ فيكون معنى الرب هو المالك المتصرف في الخلق ويكون معنى الإله أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده، وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى، كما في قول الملكين للميت في القبر: من ربك؟ ومعناه من إلهك وخالقك، وكما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. والربوبية في هذه الآيات هي الإلهية، والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يُقرّ به جمهور الأمم ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة أنكروه في الظاهر فقط" (١).
стр. 560
وقال العلَّامة محمد خليل هراس: "وأما توحيد الإلهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى كونه متضمنًا له أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الإلهية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا لا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره ولا مالك له سواه، فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه، وأن كل ما يدعي من دونه فهو لا يملك لعابديه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، كما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٦ - ١٧].
وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه شامل للنوعين السابقين، فهو يقوم على إفراده سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًا واحدًا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهًا واحدًا لا شريك له في إلهيته" (١).
* فضل التوحيد:
فضائل التوحيد (٢) عظيمة وجليلة وقد جاءت نصوص كثير في الكتاب والسنة في بيان فضله منها قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ
стр. 561
الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال يا موسى: لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله" (١).
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها .. الحديث وفيه: ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة" (٢).
وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ... " الحديث وفيه: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" (٣).
قال ابن رجب: "من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه الله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند
стр. 562
الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه خطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات" (١).
وقد تنوعت عبارات السلف في بيان فضل التوحيد إذ هو أشرف الغايات وعلمه أشرف العلوم.
قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ -رحمه الله تعالى-: "وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت الرسل هو التوحيد وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو أصل دعوة الرسل وأساسها ورأسها وأكمل ما فيها وبه بعث الله جميع الرسل كما قد صرح به القرآن في أكثره فهو مملوء به وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه أول ما دعا المشركين إلى كلمة التوحيد وأن بالإقرار بها يصير الرجل مسلما وبالامتناع عنها يصير كافرا ... فلا يصير الرجل مسلمًا حتى يشهد هذه الشهادة فإنها رأس الإسلام فهي واجبة في كل خطابة فكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذمى ولهذا وجبت في التحيات وسميت التحيات تشهدا باسم التشهد الذي فيها وبها ختمت التحيات ... وعليها شرع الجهاد الذي هو سنام العمل ... وأهل هذه الكلمة هم السعداء ... وهذا باب واسع فلا يعرف في دين الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأولين والآخرين، ولا كتب رب العالمين أمرًا أعظم من التوحيد وهو أول الكلمات العشر التي في التوراة ونظيرها الوصايا العشر التي في آخر الأنعام و أهل التوحيد هم المستحقون للشفاعة يوم القيامة ... " (٢).
стр. 563
وقال الإمام المقريزي: "واعلم أن أنفس الأعمال وأجلها قدرا توحيد الله تعالى" (١).
ويدخل في فضل التوحيد حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (٢).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في معرض كلامه عن توحيد الألوهية: "وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فهذا أول أمر في القرآن. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ [المؤمنون: ٢٣]. وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك في الله، كما هي أقوال لمن لم يدر ما بعث الله به رسول الله ﷺ -من معاني الكتاب والحكمة، فهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يدخل به الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٣). وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ﷺ " (٤) " (٥).
стр. 564
قال الشيخ ابن عثيمين: "وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به" (١).
وذكر الحافظ ابن رجب ﵀ شيئًا من فضائل التوحيد فقال: " (وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ههنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها:
* فهي كلمة التقوى.
* وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق ودعوة الحق وبراءة من الشرك ونجاة هذا الأمر.
* ولأجلها خُلِق الخلق.
* ولأجلها أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب.
* ولأجلها أعدت دار الثواب ودار العقاب في الآخرة.
* ولأجلها أُمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم في ماله ودَمِه، ومن أباها فماله ودمُه هدر.
* وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلَّم الله موسى كفاحًا.
* وهي مفتاح الجنة، وهي ثمن الجنة.
* وهي نجاة من النار.
* وهي توجب المغفرة.
* وهي أحسن الحسنات.
* وهي تمحو الذنوب والخطايا.
* وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب.
* وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وُزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن كذلك ترجح بصحائف الذنوب.
* وهي التي تخرق الحُجُب حتى تصل إلى الله .
стр. 565
* وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاه.
* وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها.
* وهي أفضل ما قاله النبيون.
* وهي أفضل الذكر.
* وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر.
* وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من القبور.
* ومن فضائلها أنها تُفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
* ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها، فإنهم لا بد أن يخرجوا منها" (١).
وقد استدل لكل هذا بأدلة من الكتاب وأحاديث وآثار ولكني اختصرت في ذكر الفضائل فقط.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "من فضائل التوحيد:
* أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما.
* ومن فضائله أنه يكفر الذنوب.
* ومن أجل فوائده: أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل، وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.
* ومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والأمن التام في الدنيا والآخرة.
* ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه.
* ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في