← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال يا موسى: لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله" (١). وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها .. الحديث وفيه: ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة" (٢). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ... " الحديث وفيه: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" (٣). قال ابن رجب: "من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله ، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه الله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند

стр. 562

الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه خطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات" (١). وقد تنوعت عبارات السلف في بيان فضل التوحيد إذ هو أشرف الغايات وعلمه أشرف العلوم. قال شيخ الإسلام ابنُ تَيمِيَّةَ -رحمه الله تعالى-: "وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت الرسل هو التوحيد وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو أصل دعوة الرسل وأساسها ورأسها وأكمل ما فيها وبه بعث الله جميع الرسل كما قد صرح به القرآن في أكثره فهو مملوء به وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه أول ما دعا المشركين إلى كلمة التوحيد وأن بالإقرار بها يصير الرجل مسلما وبالامتناع عنها يصير كافرا ... فلا يصير الرجل مسلمًا حتى يشهد هذه الشهادة فإنها رأس الإسلام فهي واجبة في كل خطابة فكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذمى ولهذا وجبت في التحيات وسميت التحيات تشهدا باسم التشهد الذي فيها وبها ختمت التحيات ... وعليها شرع الجهاد الذي هو سنام العمل ... وأهل هذه الكلمة هم السعداء ... وهذا باب واسع فلا يعرف في دين الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأولين والآخرين، ولا كتب رب العالمين أمرًا أعظم من التوحيد وهو أول الكلمات العشر التي في التوراة ونظيرها الوصايا العشر التي في آخر الأنعام و أهل التوحيد هم المستحقون للشفاعة يوم القيامة ... " (٢).

стр. 563

وقال الإمام المقريزي: "واعلم أن أنفس الأعمال وأجلها قدرا توحيد الله تعالى" (١). ويدخل في فضل التوحيد حديث السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله في معرض كلامه عن توحيد الألوهية: "وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] فهذا أول أمر في القرآن. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ [المؤمنون: ٢٣]. وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك في الله، كما هي أقوال لمن لم يدر ما بعث الله به رسول الله ﷺ -من معاني الكتاب والحكمة، فهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يدخل به الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٣). وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ﷺ " (٤) " (٥).

стр. 564

قال الشيخ ابن عثيمين: "وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله لأنه الأصل الذي ينبني عليه الدين كله، ولهذا بدأ به النبي ﷺ في الدعوة إلى الله وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به" (١). وذكر الحافظ ابن رجب ﵀ شيئًا من فضائل التوحيد فقال: " (وكلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن ههنا استقصاؤها؛ فلنذكر بعض ما ورد فيها: * فهي كلمة التقوى. * وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق ودعوة الحق وبراءة من الشرك ونجاة هذا الأمر. * ولأجلها خُلِق الخلق. * ولأجلها أُرسلت الرسل وأنزلت الكتب. * ولأجلها أعدت دار الثواب ودار العقاب في الآخرة. * ولأجلها أُمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم في ماله ودَمِه، ومن أباها فماله ودمُه هدر. * وهي مفتاح دعوة الرسل، وبها كلَّم الله موسى كفاحًا. * وهي مفتاح الجنة، وهي ثمن الجنة. * وهي نجاة من النار. * وهي توجب المغفرة. * وهي أحسن الحسنات. * وهي تمحو الذنوب والخطايا. * وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب. * وهي التي لا يعدلها شيء في الوزن، فلو وُزنت بالسماوات والأرض رجحت بهن كذلك ترجح بصحائف الذنوب. * وهي التي تخرق الحُجُب حتى تصل إلى الله .

стр. 565

* وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاه. * وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها. * وهي أفضل ما قاله النبيون. * وهي أفضل الذكر. * وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان ومن فضائلها أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر. * وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من القبور. * ومن فضائلها أنها تُفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. * ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها، فإنهم لا بد أن يخرجوا منها" (١). وقد استدل لكل هذا بأدلة من الكتاب وأحاديث وآثار ولكني اختصرت في ذكر الفضائل فقط. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "من فضائل التوحيد: * أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما. * ومن فضائله أنه يكفر الذنوب. * ومن أجل فوائده: أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل، وأنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية. * ومنها: أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والأمن التام في الدنيا والآخرة. * ومنها: أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه، وأن أسعد الناس بشفاعة محمد ﷺ من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه. * ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في

стр. 566

قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت. * ومن فضائله: أنه يسهل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات ويسليه عند المصيبات. فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي لما يخشى من سخطه وعقابه. * ومنها أن: التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله من الراشدين. * ومنها: أنه يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة. * ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي، ويكون مع ذلك متألها متعبدًا لله لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه. * ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققًا كاملًا بالإخلاص التام، فإنه يصير القليل من عمله كثيرًا، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب، ورجحت كلمة الإخلاص في ميزان العبد بحيث لا تقابلها السماوات والأرض، وعمارها من جميع خلق الله ... الخ" (١).

стр. 567

٩١ - توحيد الأسماء والصفات * هو أن يُسمى الله ويوصف بما سمَّى به نفسه ووصف في كتابه، وبما سماه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل كما جاء عن السلف الصالح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان عقيدة السلف الصالح في ذلك: "أنهم يصفون الله -تعالى- بما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل" (١). وقال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث" (٢). وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "هو أن يسمى الله ويوصف بما سمى ووصف به نفسه أو سماه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تأويل ومن

стр. 568

غير تكييف ولا تمثيل" (١). وقال ابن عثيمين: هو: "إفراد الله بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ وذلك بإثبات ما أثبته ونفي ما نفاه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل" (٢). * الدليل من الكتاب: ومن أدلة توحيد الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وآخر سورة الحشر. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "توحيد الأسماء والصفات مبني على أصلين: الأول: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ أو وصف به رسوله ﷺ على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

стр. 569

مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] " (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث. ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاج، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد، والله سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقية، وله أفعال حقيقية فكذلك له صفات حقيقية وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه . ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل. فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذوات خلقه ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه

стр. 570

ويلحدوا في أسماء الله وآياته ... الخ" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "وهذا أيضا لا يكفي في حصول الإسلام بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه من توحيد الربوبية والإلهية والكفار يقرون بجنس هذا النوع وإن كان بعضهم قد ينكر بعض ذلك إما جهلًا وإما عنادًا كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة فأنزل الله فيهم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ " (٢). * مسائل تتعلق بالأسماء والصفات: الأولى: وجوب احترام أسماء الله ؛ لأن احترامها احترام لله ، ومن تَعْظيم الله ألّا يُسمى أحد باسم هو مختص به كاسم (الله) و (الرحمن) و (القدوس) فهذه أسماء مختصة بالله ذي الجلال والإكرام فلا يتسمى بها أحد. وأخرج أبو داود والنسائي عنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ وسَمِعَهم وَهُمْ يَكْنُونَ هَانِئًا أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ الله هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ " قَالَ: إِنَّ قَوْمِيِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلا الْفَرِيقَيْنِ، قَالَ: "مَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا فَمَا لَكَ مِنْ الْولْدِ؟ " قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَعَبْدُ الله وَمُسْلِمٌ. قَالَ: "فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ " قَالَ: شُرَيْحٌ. قَالَ: "فَأَنتَ أَبُو شُرَيْحٍ" فَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ (٣). وهذا الحديث يدل على المنع من التسمي بأسماء الله تعالى المختصة به أو التكني بذلك لأنه ينافي كمال التوحيد الواجب. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة يحكم

стр. 571

بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزل على أنبيائه ورسوله" (١). فلا ينبغي أن يستعمل لفظًا هو يليق بشأن الله تعالى في حق مَنْ هو مخلوق له ومحكوم عليه منه. ذكره الشيخ محمد صديق القنوجي ثم قال موضحًا ذلك: "أي كقولهم: مالك يوم الدين، وأقضى القضاة، وأرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأبي القضاء والقدر، وأبي الحكم والأمر، وما في معنى ذلك، كالرزاق، والرب، والمعبود، والغنى المطلق" (٢). الثانية في حكم التسمي بأسماء الله: قال الشيخ ابن عثيمين: "التسمي بأسماء الله مثل: كريم، وعزيز ونحوها على وجهين: * الوجه الأول: على قسمين: القسم الأول: أن يحلّى بـ (أل) ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله كما لو سمَّيت أحدًا بالعزيز، والسيد، والحكيم، وما أشبه ذلك فإن هذا لا يسمى به غير الله؛ لأن (أل) هذه تدل على لمح الأصل وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم. القسم الثاني: إذا قصدتم بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ (أل) فإنه لا يسمى به ولهذا غيَّر النبي كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه فقال النبي ﷺ : "إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم" ثم كناه بأكبر أولاده شريح، فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظًا بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يُمنع لأن هذه التسمية تكون مطابقة تماما لأسماء الله، فإن أسماء اللهَ أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم. * الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ (أل) وليس المقصود به معنى

стр. 572

الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي ﷺ : "لا تبع ما ليس عِنْدَك" وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به" (١). وقال ﵀: "وأسماء الله تنقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يصح إلا لله فهذا لا يُسمى به غيره، وإن سُمي جب تغييره مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك. الثاني: ما يصح أن يوصف به غير الله مثل: الرحيم، والسميع، والبصير، فإن لوحظت الصفة منع من التسمي به، وإن لم تلاحظ الصفة جاز لتسمي به على أنه علم محض" (٢). الثالث: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لا يصح أن نقول: "شاءت قدرة الله "؛ لأن المشيئة إرادة، والقدرة معنى، والمعنى لا إرادة له، وإنما الإرادة للمريد، والمشيئة لمن يشاء، ولكننا نقول اقتضت حكمة الله كذا وكذا، أو نقول عن الشيء إذا وقع: هذا قدرة الله أي مقدوره كما تقول: هذا خلق الله أي مخلوقه، وأما أن نضيف أمرًا يقتضي الفعل الاختياري إلى القدرة فإن هذا لا يجوز. ومثل ذلك قولهم "شاء القدر كذا وكذا" وهذا لا يجوز؛ لأن القدر والقدرة أمران معنويان ولا مشيئة لهما، وإنما المشيئة لمن هو قادر ولمن هو مقدِّر. والله أعلم" (٣). الرابعة: دعاء الصفة لا يجوز كأن يقول: يا رحمة الله ارحميني ، أما الدعاء بالصفة، والاستعاذة بالصفة، والحلف بالصفة والاستغاثة بالصفة فكل ذلك جائز.

стр. 573

قال ابن تيمية ﵀: "وفي الدعاء المأثور "يا حي يا قيوم لا إله الا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لى شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك"، والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذةٌ به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قَسَم به في الحقيقة ففي الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق"، وفيه: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"؛ ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: "أعوذ بكلمات الله التامة" قالوا: والإستعاذة لا تصلح بالمخلوق، وكذلك القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" وفي لفظ: "من حلف بغير الله فقد أشرك". رواه الترمذى وصححه، ثم قد ثبت في الصحيح الحلف "بعزة الله" و"لعمر الله" ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهى عنه" (١). وقد ورد إلى الشيخ ابن باز ﵀ سؤال يطلب فيه السائل التوفيق بين النهي عن الاستغاثة بصفة من صفات الله وبين حديث: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين" نرجو من سماحتكم توضيح هذا الإبهام؟ والله ولي التوفيق. فأجاب ﵀ بقوله: "لا يجوز سؤال الصفات، وإنما يوجه السؤال إلى الله سبحانه كما قال : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة، أما الصفات فلا يجوز سؤالها، ولا يجوز الاستغاثة بها، فلا يجوز أن يقال: "يا علم الله انصرني، أو ارحمني، أو يا رحمة الله

стр. 574

ارحميني، أو يا حلم الله اغفر لي، ولا يا وجه الله ارحمني، وما أشبه ذلك". وقد ذكر شيخ الإسلام أن هذا الأمر حرام بإجماع المسلمين، أما الحديث المذكور في السؤال وهو "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث .. " فمعناه: برحمتك أستغيث وليس معناه الاستغاثة بالرحمة، وإنما هو توسل بالرحمة وهكذا يجوز أن يقول الإنسان: "يا رب ارحمني برحمتك، يا رب انصرني بقدرتك، وما أشبه ذلك" لأن ذلك توسل إلى الله بصفاه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فدل ذلك على أن الصفات لا تُدعى وإنما يُدعى الله ، ويُسأل بأسمائه وصفات" (١). وسُئل أيضًا الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ عن عبارة مكتوبة على بعض السيارات "يا رضا الله ورضا الوالدين" فما حكم تلك العبارة؟. الجواب: قوله: "يا رضا الله ورضا الوالدين" غلطٌ من جهتين: الجهة الأولى: أنه نادى رضا الله، ومناداة صفات الله -جل وعلا- بـ "ياء النداء" لا تجوز؛ لأ، الصفة غير الذات في مقام النداء، ولهذا: إنما يُنادى الله -جل وعلا- المتصف بالصفات، وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّه على البكري، وغيره من أهل العلم: على أن منادة الصفة محرّم بالإجماع، فإذا كانت الصفة هي الكلمة - كلمة الله -جل وعلا- كان كفرًا بالإجماع؛ لأن من نادى الكلمة يعني بها عيسى ﵇، فيكون تأليهًا لغير الله -جل وعلا-؛ ورضا الله -جل وعلا- صفة من صفاته، فلا يجوز نداء الصفة. والمؤاخذة الثانية في تلك الكلمة: أنه جعل رضا الوالدين مقرونًا برضا الله -جل وعلا- بـ "الواو"، والأنسب هنا أن يكون العطف بـ "ثم" فيقول -مثلًا-: أسأل

стр. 575

الله رضاه ثم رضا الوالدين، وإن كان استعمال الواو في مثل هذا السياق لا بأس به؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال -جل وعلا-: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ولأن "الواو" هنا تقتضي تشريكًا في أصل الرضا؛ وهذا الرضا يمكن أن يكون من الوالدين -أيضًا- فيكون التشريك في أصل المعنى لا في المرتبة" (١). الخامسة: حكم تسمية ضيف الله، وجار الله، ونعمة الله: قال الشيخ ابن جبرين حفظه الله في الفوائد على شرح كتاب التوحيد: إن هذه الأسماء يجوز إطلاقها على المخلوق لأنها إضافة تشريف. السادسة: حكم قول: أخي العزيز هذه جائزة ؛ لأن هذا وصف وليس تسمية فينبغي التفريق بين الاسم والصفة؛ لأن الاسم المختص بالله تعالى لا يطلق على غيره من باب التسمية أما الوصف فجانز ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. السابعة: يقول الحافظ ابن القيم: "يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب ، فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل وجدها مطابقة لذلك" .. وقال أيضًا: "يأتي السائل بالاسم الذي يقتضيه المطلوب؛ كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ولا يَحسُن أن تقول: إنك أنت السميع البصير" (٢). وقال الشيخ السعدي ﵀: "كل مطلب يطلبه العبد من ربه من أمور دينه ودنياه

стр. 576

فليتوسل إليه باسم مناسب له من أسماء الله الحسنى، فمن دعاه لحصول رزق فليسأله باسمه الرزاق ولحصول رحمة ومغفرة فباسمه الرحيم الرحمن البر الكريم، العفو الغفور التواب، ونحو ذلك. وأفضل من ذلك أن يدعوه بأسمائه وصفاته ودعاء العبادة. وذلك باستحضار معاني الأسماء الحسنى وتحصيلها في القلوب حتى تتأثر القلوب بآثارها ومقتضياتها، وتمتلئ بأجل المعارف. فمثلًا: أسماء العظمة والكبرياء والمجد والجلال والهيبة تملأ القلب تعظيمًا لله وإجلالًا له. وأسماء الجمال والبر والإحسان والرحمة والجود تملأ القلب محبة لله وشوقًا له وحمدًا وشكرًا له، وأسماء العز والحكمة والعلم والقدرة تملأ القلب خضوعًا لله وخشوعًا وانكسارًا بين يديه، وأسماء العلم والخبرة والإحاطة والمراقبة والمشاهدة تملأ القلبَ مراقبةً لله في الحركات والسكنات وحراسة للخواطر عن الأفكار الردية والإرادات، وأسماء الغنى واللطف تملأ القلب افتقارًا واضطرارًا إليه، والتفاتًا إليه كل وقت، في كل حال. فهذه المعارف التي تحصل للقلوب بسبب معرفة العبد بأسمائه وصفاته وتعَبُّدِه بها لله لا يُحَصِّلُ العبدُ في الدنيا أجلَّ ولا أفضلَ ولا أكملَ منها، وهي أفضلُ العطايا من اللهَ لعبده، وهي روح التوحيد ورَوْحُه، ومن انفتح له هذا الباب انفتح له باب التوحيد الخاص، والإيمان الكامل الذي لا يحصل إلا للكُمَّل من الموحدين" (١). وضد توحيد الأسماء والصفات الإلحاد: ومعنى الإلحاد في أسماء الله: الميل بها عما تدل عليه من المعاني الحقيقية

стр. 577

العظيمة إلى معان باطلة لا تدل عليها كما يفعله الذين يُؤولونها عن معانيها إلى معان اخترعوها. ويدخل في الإلحاد التعطيل والتمثيل والتفويض والتكييف والتحريف فكل من مال عن معنى حقيقة الصفة إلى غيرها فقد ألحد فيها فمستقل ومستكثر نسأل الله تعظيم أسمائه وصفاته (١). حكم جحود شيء من الأسماء والصفات من غير تأويل: روى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثًا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارا لذلك فقال: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رقّة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه" (٢). اهـ. ويفهم من أثر ابن عباس أن من رد شيئًا من نصوص الصفات أو استنكره بعد صحته فهو من الهالكين. وقال عثمان بن سعيد الدارمي ﵀: "ونكفّر الجهمية بكفر مشهور، وهو تكذيبهم بنص الكتاب، أخبر الله ﵎ أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليمًا، وقال هؤلاء لم يكلمه الله بنفسه ولم يسمع موسى نفس كلام الله إنما سمع كلامًا خرج إليه من مخلوق ... ، وقال الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال هؤلاء الجهمية: ليس لله يد، وما خلق آدم بيده، وإنما يداه نعمتاه ورزقاه، فادعوا في يدي الله أوحش مما ادعته اليهود؛ قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وقالت الجهمية يد الله مخلوقة؛ لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذلك محال في كلام العرب، فضلا أن يكون كفرًا؛ لأنه يستحيل أن يقال خلق آدم بنعمته .. " (٣).

стр. 578

وقال أبو العباس السراج: "من لم يقر ويؤمن بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: "من يسألني فأعطيه" فهو زنديق كافر، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين" (١). وقال الذهبي -معلقًا-: "إنما يكفر بعد علمه بأن الرسول ﷺ قال ذلك، ثم إنه جحد ذلك ولم يؤمن به" (٢). وأَخْرَجَ اِبْنُ أَبِي حَاتِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ عَنْ يُونُس بْن عَبْد الأَعْلَي سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول: "لِلَّهِ أَسْمَاء وَصِفَات لا يَسَعُ أَحَدًا رَدُّهَا، وَمَنْ خَالَفَ بَعْد ثُبُوت الْحُجَّة عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَمَّا قَبْل قِيَام الْحُجَّة فَإِنَّهُ يُعْذَر بِالْجَهْلِ، لأَنَّ عِلْم ذَلِكَ لا يُدْرَك بِالْعَقْلِ وَلا الرُّؤْيَة وَالْفِكْر، فَنُثْبِتُ هَذ الصِّفَات وَنَنْفِي عَنْهُ التَّشْبِيه كَمَا نَفَى عَنْ نَفْسه، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " (٣). وقال الآجري: "وكان مما بينه ﷺ لأمته أنه أعلمهم في غير حديث: "إنكم ترون ربكم " ورواه جماعة من صحابته ﵃، وقبلها العلماء عنهم أحسن القبول، كما قبلوا عنهم علم الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وعلم الحلال والحرام، كذا قبلوا منهم الأخبار أن المؤمنين يرون الله ، لا يشكون في ذلك، ثم قالوا: من رد هذه الأخبار فقد كفر" (٤). ويقول ابن قدامة المقدسي ﵀ في معرض كلامه عن الاستواء:"والجحود به

стр. 579

كفر لأنه ردٌّ لخبر الله، وكفر بكلام الله، ومن كفر بحرف متفق عليه فهو كافر، فكيف بمن كفر بسبع آيات، ورد خبر الله تعالى في سبعة مواضع من كتابه" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته من الفلاسفة، والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎ وهذا نصف كفر الذين جحدوا اسم الرحمن" (٢). وقال الشيخ السعدي: "فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته فقد أتى بما يناقض التوحيد وينافيه، وذلك من شعب الكفر" (٣). * وهذه المسألة فيها تفصيل: فمن أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته أو آية من كتابه مع علمه بها فهو كافر والعياذ بالله. قال الشيخ ابن عثيمين: "الجحد: الإنكار، والإنكار نوعان: الأول: إنكار تكذيب وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة مثل أن يقول ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه أو ليس له عين فهو كافر بإجماع المسلمين، لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع. الثاني: إنكار تأويل وهو أن لا يذكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها

стр. 580

وهذا نوعان: الأول: أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر. الثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا حكمه الكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار قي الحقيقة تكذيبًا، مثل أن يقول: المراد بقوله تعالى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] تجري بأراضينا، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيًا مطلقًا، فهو مُكذِّب، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة. ٦٤] المراد بيديه: السماوات والأرض؛ فهو كفر أيضًا لأنه لا مسوغ له في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية؛ فهو مُنكر ومكذِّب، لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة، فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يد ... تُحدِّثُ أن المانوية تكذبُ" (١) قال الإمام ابن تيمية: "من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما، فهذا إن كان لم يسمع القرآن، فإنه يعرف أن هذا نص القرآن، فإن أنكره بعد ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل، ولا يقبل منه إن كان كلامه بعد أن يجحد نص القرآن، بل لو قال إن معنى كلامي إنه خلق صوتا في الهواء فاسمعه موسى كان كلامه أيضًا كفرًا، وهو قول الجهمية الذين كفّرهم السلف، وقالوا يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، ولكن من كان مؤمنا بالله ورسوله مطلقًا، ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي من خالفها كفر، إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من القرآن، ويجهل كثيرا مما يرد من معاني الكتاب والسنة، والخطأ والنسيان مرفوعًا عن هذه الأمة، والكفر لا يكون إلا بعد البيان" (٢).

стр. 581

٩٢ - توحيد الألوهية * الأولوهية مأخوذة من "إله" فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، فالإله فعال بمعنى مفعول، وكُلُّ ما اتُخذ معبودًا إلهٌ عند مُتخِذه (١). وتوحيد الألوهية في الشرع: هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "التوحيد هو إفراد الله بالعبادة" (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "هو إفراد الله بالعبادة الباطنة والظاهرة" (٣). وهذا النوع من التوحيد هو موضوع دعوة الرسل ﵈ من أولهم إلى آخرهم.

стр. 582

وهو أول ما يُؤمر به من يريد الدخول في الإسلام النطق بالشهادتين، فتبين من هذا أن توحيد الإلهية هو مقصود دعوة الرسل. وسمي بذلك لأن الألوهية وصف الله تعالى الدال عليه اسمه تعالى (الله) فالله: ذو الألوهية. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ويسمى هذا النوع توحيد الإلهية لأنه مبني على إخلاص التأله وهذا أشد المحبة لله وحده وذلك يستلزم إخلاص العبادة" (١). وقال الشيخ ابن قاسم ﵀: "توحيد الألوهية هو إخلاص العبادة لله وحده بجميع أفراد العبادة" (٢). وقد دخل في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تألُّه لقلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك له، فيجب إفرادُ الله تعالى بها، كالدعاء والخوف والمحبة، والتوكل والإنابة، والتوبة، والذبح، والنذر، والسجود، وجميع أنواع العبادة فيجب صرف جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئًا مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله، فهو مشرك ولو نطق بـ "إله إلا الله"، إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص (٣). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وكل رسول يبدأ دعوته لقومه بالأمر بتوحيد الإلهية كما قال نوح وهود وصالح

стр. 583

وشعيب: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزمر: ١١]. وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ﴾ [محمد: ١٩]. وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. قال ابن مسعود ﵁: من سرَّه أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد ﷺ فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] (١). * الدليل من السنة: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ قَالَ: فَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله"؟ قَالَ: قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادَ أَنْ يَعْبُدُوا الله وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا" (٢). وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى" (٣).

стр. 584

وعن طارق بن أشيم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (١). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج" (٢). وقال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" (٣). * فوائد: ١ - فائدة: يقال لتوحيد الألوهية توحيد العبادة باعتبار أن العبودية وصف العبد حيث إنه يجب عليه أن يعبد الله مخلصا في ذلك لحاجته إلى ربه وفقره إليه قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "واعلم أن فقر العبد إلى أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا ليس له نظير فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب وبينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو. فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره. ولو حصل للعبد لذات وسرور بغير الله فلا يدوم ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص - وأما إلهه فلا بد منه في كل حال وكل وقت وأينما كان فهو معه" (٤). ٢ - فطرية التوحيد وأن الشرك طارئ على البشر: خلق الله الناس حنفاء على عقيدة واحدة وهي عقيدة التوحيد ثم عرضت لهذه

стр. 585

العقيدة انحرافات فمال الناس وانحرفوا إلى الوثنية والشرك بالله وهذا القول هو القول الحق، الذي لا شك فيه والذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا يعرف أحد من العلماء المعتبرين قال بخلافه. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم" (١). وقال ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (٢). فالأصل في الناس التوحيد والشرك طارئ وحادث فيهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله؛ لاتباعهم النبوة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، فبتركهم اتباع شريعة الأنبياء وقعوا في الشرك، لا بوقوعهم في الشرك خرجوا عن شريعة الإسلام، فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]،

стр. 586

وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢ ٣ - ١٢٦] " (١). ٣ - ما يضاد التوحيد ويناقضه: يضاد التوحيد نواقض قولية واعتقادية وعملية. وسيأتي ذكر ذلك في باب نواقض الإسلام ولكن نذكر شيئًا عنها لمناسبة الباب. والنواقض على نوعين: النوع الأول: ما ينقض أصل التوحيد، كالشرك الأكبر، والنفاق الاعتقادي، وترك الصلاة عمدًا أو تهاونًا على الصحيح من قولي العلماء. النوع الثاني: نواقض كمال التوحيد، مع بقاء أصله، كالشرك الأصغر بصوره، والنفاق العملي وكذلك كبائر الذنوب فإنها لا تزيل التوحيد والإيمان وإنما تؤثر على كماله وتمامه. قال الحافظ ابن رجب: "فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله: لا إله إلا الله، ونقصا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وهذا كله من فروع الشرك. ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله، أو خوفه، أو رجائه، أو التوكل عليه، أو العمل لأجله كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على الله، والاعتماد

стр. 587

عليه، وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة. مثل أن يقول ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد، وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من هوى النفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضا أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية. ولهذا قال السلف، كفر دون كفر، وشرك دون شرك" (١). ٤ - تحقيق التوحيد (٢): ويقصد بتحقق التوحيد تخليصه وتصفيته من الشرك والبدع والمعاصي. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "تحقيق التوحيد: هو معرفته، والاطلاع على حقيقته، والقيام بها علما وعملا، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلًا، ودعاء وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة، وتعظيما وعبادة. وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله؟ وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود. وما أحسن ما قال ابن القيم: فلواحدٍ كن واحدًا في واحدٍ ... أعني سبيلَ الحقِّ والإيمانِ وذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بها على هذا الوجه فهو من السبعين ألفا

стр. 588

الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب" (١). وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل: ١٢٠]، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "وصف الله إبراهيم ﵇ في هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيبا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية فاتباع الأوامر، وترك النواهي، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇" (٢). والصفات التي جمعت له في هذه الآية هي: ١ - أنه كان أمة قدوة وإمامًا معلمًا للخير وإمامًا يقتدى. ٢ - أنه كان قانتًا لله أي خاشعًا مطيعًا مداومًا للطاعة. ٣ - أنه كان حنيفًا أي مائلًا قصدًا عن الشرك. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الكلام على هذه الآية: " ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ لا للملوك ولا للتجار المترفين، ﴿حَنِيفًا﴾ لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ خلافًا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه هو الذي جعله الله إماما لمن بعده من الناس، فلا يوجد قط مؤمن ولا منافق يظهر الإيمان إلا وهو معظم لإبراهيم، وإن كان فيهم من يكذب بكثير مما كان عليه إبراهيم. وقد جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، فالأنبياء بعده من ذريته، فلا

стр. 589

يوجد من يؤمن بالأنبياء إلا وهو مؤمن بإبراهيم، ولا من يدعو إلى عبادة الله في الجملة وينهى عن الشرك إلا وهو معظم لإبراهيم" (١). وشرط تحقيق التوحيد تخليصه من كل نواقضه المخرجة من الدين والملة فالشرك الأكبر مناقض لأصل التوحيد. والأصغر مناف لكماله. والبدع والمعاصي تكدر وتشوب التوحيد، وتمنع تحقيقه. قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀: "ولا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه؛ وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين، واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام" (٢). قال ابن سعدي ﵀: "إن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع القولية والاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد وتمنع كماله وتعوقه عن حصول آثاره" (٣).

стр. 590

٩٣ - توحيد الربوبية * قال ابن منظور: "الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربِّي والقيّم والمنعِم" (١). وقال الراغب: "الربوبية مصدر يقال في الله والرب في الأصل التربية وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات وبالإضافة يقال: "رب الدار"" (٢). قال ابن عثيمين: "فكل العالمين قد رباهم الله بنعمه وأعدهم لما خلقوا له، وأمدهم برزقه قال الله ﵎ في محاورة موسى وفرعون ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠] فكل أحد من العالمين قد رباه اللهَ بنعمته" (٣).

стр. 591

التعريف الشرعي: توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، فالله جل وعلا هو الخالق لجميع المخلوقات المالك المدبر لها. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "توحيد الربوبية والملك، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر" (١). وهذا التوحيد أقر به الكفار على زمن رسول الله ﷺ ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم. * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. * الدليل من السنة: الأحاديث كثيرة في ذلك منها حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي، وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قال: ومن قالها من النهار مُوقِنًا بهَا فَمَاتَ من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن

стр. 592

قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل االجنة" (١). ومن ذلك قوله ﷺ : "اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" (٢). ومن ذلك دعاء الاستفتاح في قيام الليل: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (٣). * توحيد الربوبية لا يكفي العبد في حصول الإسلام: يقول الإمام المقريزي: "توحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وطائفة ظنوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء، وهو الذي يسمونه: توحيد الأفعال ... إلى أن قال: وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين والعبادة، فلا يعبد إلا إياه، ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه لله" (٥).

стр. 593

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام والصالحين؛ مثل عيسى، وأمه، والملائكة؛ يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ وهم يقرون: أن الله سبحانه، هو: النافع، الضار، المدبر؛ كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] " (١). وقد أفنى البعض عمره في إثبات هذا النوع مع أن النفوس قد فُطرت على الإقرار والإيمان به، وإنما تُنزل الكتب وتُرسل الرسل ويشرع الجهاد وتسير الكتائب من أجل توحيد الله بأفعال العباد وهو توحيد الألوهية. ولذلك نجد أن أهل السنة والجماعة لم يعنوا كثيرًا في إيضاح توحيد الربوبية بل عنوا بتوحيد الألوهية، وبيانه، والدعوة إليه، والرد على من غلط فيه. وإذا كان المشركون يقرون: أن الله سبحانه، هو: النافع، الضار، المدبر فإن كفر من أشرك مع الله غيره في الربوبية يعتبر أشد كفرًا من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وقد دل القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٣]. تجاهل من عرف أنه عبد مربوب، بدليل قوله تعالى ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ

стр. 594

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الاية، وقوله ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّ﴾ [النمل: ١٤]. وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله كما قال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦] والآيات الدالة على ذلك كثير جدا" (١). وكذلك من ينكر الرب اليوم من الشيوعيين إنما ينكرونه في الظاهر مكابرة وإلا فهم في الباطن لا بد أن يعترفوا بأن هناك ربًا يفتقر العباد إليه، وما من موجود إلا وله مُوجِد، وما من مخلوق إلا وله خالق وما من أثر إلا وله مؤثر قال الله تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد، فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد ﷺ أولا - لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون. وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال: إن

стр. 595

من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم. وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق. فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرين بوجوده" (١). * استلزام توحيد الربوبية لتوحيد الألوهية: إن من أقر بتوحيد الربوبية لله واعترف بأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر للكون إلا الله لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة بجميع أنواعها إلا الله سبحانه وهذا هو توحيد الألوهية فإن الألوهية هي العبادة فالإله معناه المعبود فلا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا تصرف جميع أنواع العبادة إلا له فتوحيد الربوبية دليل لوجوب توحيد الإلهية ولهذا كثيرا ما يحتج الله سبحانه على المنكرين لتوحيد الإلهية بما أقروا به من توحيد الربوبية مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وظاهر دلالة الآية الكريمة أن من أفرد الله بالربوبية استحق أن يفرده بالعبادة قال الشيخ سليمان بن عبد الله بعد أن ذكر أقسام التوحيد الثلاثة: "وهي متلازمة،

стр. 596

كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ... وهذا التوحيد -يعني توحيد الربوبية- لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده. ثم ذكر ﵀ الأدلة من القرآن على ذلك واستشهد بأشعارهم التي يقرون فيها بتوحيد الربوبية وختم ذلك بقوله: فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله" (١). ٩٤ - توحيد القصد والطلب [توحيد الألوهية] ويسمى التوحيد الفعلي وهو المسمى بتوحيد الألوهية، وسمي فعليا لأنه متضمن لأفعال القلوب والجوارح، فأفعال القلوب كالرجاء الخوف والمحبة، والجوارح كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، فهو إفراد الله بأفعال العبيد. كما يسمى هذا النوع بالتوحيد الإرادي الطلبي لتعلقه بالقصد والإرادة لأن الواجب على الموحد فيه أن يوجه إرادته وقصده وطلبه إلى الله تعالى وحده لا شريك له.

стр. 597

٩٥ - توحيد المعرفة والإثبات [توحيد الربوبية - توحيد الأسماء والصفات] ويسمى التوحيد العلمي الخبري لتعلقه بالأخبار والمعرفة وهو يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات لأن الواجب على الموحد فيهما أن يعلم تفرد الله تعالى بالربوبية والأسماء والصفات ويثبت ذلك كما ورد في الكتاب والسنة. كما يطلق عليه: التوحيد القولي الاعتقادي لاشتماله على أقوال القلوب وهو اعترافها واعتقادها، وعلى أقوال اللسان. * والتوحيد القولي ينقسم إلى قسمين: الأول: النفي. الثاني: الإثبات. فالنفي ينقسم إلى قسمين: أ- نفي النقائص والعيوب عن الله. ب - نفي التشبيه والتعطيل عن أسمائه وصفاته. الثاني: الإثبات وهو إثبات صفات الكمال لله، ثم السلب أيضا ينقسم إلى قسمين: ١ - سلب متصل. ٢ - سلب منفصل. أ - نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من كل ما يضاد الصفات الكاملة من النقائص والعيوب كالموت والإعياء والنوم والنعاس والجهل والعجز ونحو ذلك. ب- سلب منفصل وهو تنزيهه سبحانه عن أن يشاركه في خصائصه التي لا تكون لغيره كالشريك والظهير والشفيع بغير إذنه، ونفي الزوجة والولد ونحو ذلك.

стр. 598

٩٦ - التوسل * التوسل في اللغة: مأخوذ من الوسيلة وهي المنزلة عند الملك، والوسيلة: الدرجة (١)، ومن ذلك قوله ﷺ : "ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو .. " (٢). وتطلق الوسيلة ويراد بها القربة، وهذا مأثور عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء (٣)، ويقال وسل فلان إلى الله وسيلة إذا عمل عملا تقرب به إليه، قال أبو

стр. 599

عبيدة: يقال توسلت إليه أي تقربت إليه وأنشد: إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل والواسل: "الراغب إلى الله" (١). قال في النهاية: "الوسيلة هي في الأصل ما يتوصل به إلى شيء ويتقرب به وجمعها وسائل يقال وسل إليه وسيلة وتَوَسَّل والمراد به في الحديث القُربُ من الله تعالى. وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة وقيل هي منزلة من منازل الجنة كما جاء في الحديث" (٢). التوسل شرعًا: "هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته وباتباع رسوله، وبكل عمل يحبه ويرضاه" (٣). قال ابن عثيمين ﵀: "هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله" (٤). وقال صاحب القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي: "اعلم أن التوسل المشروع الذي شرعه الله على لسان نبيه المتبوع إنما هو بالتقرب إلى الله تعالى بما شرعه على لسان نبيه ﷺ من علم أو عمل قلبي أو بدني أو ترك وكف عن عمل محظور فيدخل فيه جميع الطاعات وترك جميع المعاصي امتثالًا لأمر الشارع" (٥). وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "الوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات وأعلاها إخلاص الدين له والتقرب إليه بمحبته ومحبة رسوله ومحبة دينه ومحبة

стр. 600

من شَرَع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع" (١). * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. وقد تقدم عن جمع من السلف تفسير الوسيلة بالقربة. وقال قتادة وعطاء والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: "تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه" (٢). قال الإمام ابن تيمية ﵀: "فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات فهذه إلوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا ... " (٣). وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: "اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا (٤) هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضا
следующие страницы →