كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ... وهذا التوحيد -يعني توحيد الربوبية- لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده.
ثم ذكر ﵀ الأدلة من القرآن على ذلك واستشهد بأشعارهم التي يقرون فيها بتوحيد الربوبية وختم ذلك بقوله: فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله" (١).
٩٤ - توحيد القصد والطلب
[توحيد الألوهية]
ويسمى التوحيد الفعلي وهو المسمى بتوحيد الألوهية، وسمي فعليا لأنه متضمن لأفعال القلوب والجوارح، فأفعال القلوب كالرجاء الخوف والمحبة، والجوارح كالصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، فهو إفراد الله بأفعال العبيد.
كما يسمى هذا النوع بالتوحيد الإرادي الطلبي لتعلقه بالقصد والإرادة لأن الواجب على الموحد فيه أن يوجه إرادته وقصده وطلبه إلى الله تعالى وحده لا شريك له.
стр. 597
٩٥ - توحيد المعرفة والإثبات
[توحيد الربوبية - توحيد الأسماء والصفات]
ويسمى التوحيد العلمي الخبري لتعلقه بالأخبار والمعرفة وهو يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات لأن الواجب على الموحد فيهما أن يعلم تفرد الله تعالى بالربوبية والأسماء والصفات ويثبت ذلك كما ورد في الكتاب والسنة.
كما يطلق عليه: التوحيد القولي الاعتقادي لاشتماله على أقوال القلوب وهو اعترافها واعتقادها، وعلى أقوال اللسان.
* والتوحيد القولي ينقسم إلى قسمين:
الأول: النفي.
الثاني: الإثبات.
فالنفي ينقسم إلى قسمين:
أ- نفي النقائص والعيوب عن الله.
ب - نفي التشبيه والتعطيل عن أسمائه وصفاته.
الثاني: الإثبات وهو إثبات صفات الكمال لله، ثم السلب أيضا ينقسم إلى قسمين:
١ - سلب متصل.
٢ - سلب منفصل.
أ - نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من كل ما يضاد الصفات الكاملة من النقائص والعيوب كالموت والإعياء والنوم والنعاس والجهل والعجز ونحو ذلك.
ب- سلب منفصل وهو تنزيهه سبحانه عن أن يشاركه في خصائصه التي لا تكون لغيره كالشريك والظهير والشفيع بغير إذنه، ونفي الزوجة والولد ونحو ذلك.
стр. 598
٩٦ - التوسل *
التوسل في اللغة: مأخوذ من الوسيلة وهي المنزلة عند الملك، والوسيلة: الدرجة (١)، ومن ذلك قوله ﷺ : "ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو .. " (٢).
وتطلق الوسيلة ويراد بها القربة، وهذا مأثور عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والفراء (٣)، ويقال وسل فلان إلى الله وسيلة إذا عمل عملا تقرب به إليه، قال أبو
стр. 599
عبيدة: يقال توسلت إليه أي تقربت إليه وأنشد:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل
والواسل: "الراغب إلى الله" (١).
قال في النهاية: "الوسيلة هي في الأصل ما يتوصل به إلى شيء ويتقرب به وجمعها وسائل يقال وسل إليه وسيلة وتَوَسَّل والمراد به في الحديث القُربُ من الله تعالى. وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة وقيل هي منزلة من منازل الجنة كما جاء في الحديث" (٢).
التوسل شرعًا: "هو التقرب إلى الله تعالى بطاعته وعبادته وباتباع رسوله، وبكل عمل يحبه ويرضاه" (٣).
قال ابن عثيمين ﵀: "هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله" (٤).
وقال صاحب القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي: "اعلم أن التوسل المشروع الذي شرعه الله على لسان نبيه المتبوع إنما هو بالتقرب إلى الله تعالى بما شرعه على لسان نبيه ﷺ من علم أو عمل قلبي أو بدني أو ترك وكف عن عمل محظور فيدخل فيه جميع الطاعات وترك جميع المعاصي امتثالًا لأمر الشارع" (٥).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "الوسيلة: التقرب إلى الله بأنواع القرب والطاعات وأعلاها إخلاص الدين له والتقرب إليه بمحبته ومحبة رسوله ومحبة دينه ومحبة
стр. 600
من شَرَع حبه، بهذا يجمع ما قاله السلف، وقولهم من اختلاف التنوع" (١).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. وقد تقدم عن جمع من السلف تفسير الوسيلة بالقربة.
وقال قتادة وعطاء والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: "تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه" (٢).
قال الإمام ابن تيمية ﵀: "فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات فهذه إلوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا ... " (٣).
وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: "اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا (٤) هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد ﷺ بإخلاص في ذلك لله تعالى، لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضا
стр. 601
الله تعالى ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة" (١).
قال السعدي: "وذلك يشمل التقرب إلى الله بالواجبات والمستحبات وكذلك التقرب إليه بترك المحرمات والمكروهات" (٢).
أقسام التوسل: التوسل قسمان:
١ - توسل مشروع. ... ٢ - توسل ممنوع.
١ - أما التوسل المشروع: فهو كل توسل دل على مشروعيته نص من الكتاب أو السنة، وهو أنواع أربعة:
النوع الأول: توسل بالله تعالى: وهو إما توسل بأسمائه الحسنى، وإما بصفاته العلى.
ودليله من القرآن قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
قال أبو يوسف عن الإمام أبي حنيفة -رحمهما اللهُ تعالى-: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به" (٣).
قال الإمام الصنعاني ﵀: "والمعروف كتابًا وسنةً أن نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهذا هو أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] (٤).
ودليله من السنة: ما روى عبد الله بن بريدة ﵁ عن أبيه أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد
стр. 602
الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: "لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" (١).
قال الألباني: "فهذه الأحاديث وما شابهها تُبيّن مشروعية التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وأن ذلك مما يحبه الله ويرضاه" (٢).
النوع الثاني: توسل المؤمن إلى الله تعالى بأعماله الصالحة.
ودليله من القرآن: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨]. وقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٦].
ودليله من السنة: قصة أصحاب الكهف الثلاثة الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة الخالصة لوجهه الكريم ففرج الله عنهم الصخرة.
ومن الأدلة أيضًا ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٣).
وهذا فيه الاعتراف بالذنب والندم عليه وهو داخل في العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله تعالى.
النوع الثالث: توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء النبيين أو الصالحين وسائر المؤمنين وذلك في حياتهم: سواء طلب من أخيه الدعاء له كأن يقول مثلا: ادع الله
стр. 603
لي أن يعافيني أو يقضي حاجتي وما أشبه ذلك أو دعا المؤمن لأخيه دونما طلب منه كأن يراه مثلا في ضيق فيدعو الله أن يفرج عنه سواء في حضوره أو في ظهر الغيب أو كصلاة الجنازة والدعاء عند زيارة القبور لأهل القبور. فالمسلمون كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء نبيهم ﵊ في حياته في الاستسقاء وغيره فكان يدعو لهم فتستجاب دعوته. قال الألوسي: "وطلب الدعاء من المخلوق لا شك في جوازه إن كان المطلوب منه حيًا، ولا يتوقف على أفضليته من الطالب، بل قد يطلب الفاضل من المفضول، فقد صح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعمر ﵁ لما استأذنه في العمرة: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" وأمره أيضًا أن يطلب من أويس القرني رحمة الله تعالى عليه أن يستغفر له. وأمر أمته صلى الله تعالى عليه وسلم بطلب الوسيلة له، وبأن يصلوا عليه" (١).
ونقل الشيخ ابن باز ﵀ إجماع أهل العلم على جواز طلب الدعاء من الأحياء (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته ﷺ " (٣).
والدليل من الكتاب على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
فاستغفار الرسول ﷺ لهم توسل بدعاء المؤمن لأخيه ويجب التنبه إلى أن استغفار الرسول ﷺ إنما كان في حياته لا بعد موته فلا يجوز لأحد بعد وفاته
стр. 604
وانتقاله إلى الرفيق الأعلى أن يأتي قبره ﷺ ويسأله أن يستغفر الله له لأن استغفار الرسول ﷺ انقطع بوفاته ﵊.
* ودليله من السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله يديه، ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية منابت الشجر، فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس" (١).
ومن ذلك فعل عمر مع العباس بن عبد المطلب وكذلك فعل معاوية ابن أبي سفيان مع يزيد بن الأسود الجرشي، حيث ذكر الذهبي في السير "أن معاوية ﵁ خرج يستسقي، فلما قعد على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود؟ فناداه الناس فأقبل يتخطاهم. فأمره معاوية، فصعد المنبر، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد ابن الأسود، يا يزيد، ارفع يديك إلى الله. فرفع يديه ورفع الناس فما كان بأوشكَ مِنْ أنْ ثارت سحابةٌ كالتُّرس، وهبَّت ريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم" (٢).
стр. 605
* تنبيه:
ليس المراد من التوسل بدعاء أخيه المؤمن أن يتوسل بذاته ومن قال ذلك ليتوصل إلى دعاء الموتى والاستغاثة بهم باسم التوسل ويجعلهم واسطة بينه وبين الله فإنه دعا إلى الشرك الاكبر المخرج من الملة كما بينه أئمة الإسلام وهو أكثر من أن يذكر يقول الشنقيطي ﵀: "وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه أنه تخبط في الجهل والعمى، وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى. واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار كما صرح به تعالى في قوله عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] " (١).
واعلم أن أهل البدع لا يفرقون بين التوسل بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيسمون الاستغاثة بالصالحين توسلًا بالصالحين وهذا خطأ محض لأن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر مخرج من الإسلام وسيأتي مزيد بيان لذلك.
النوع الرابع: التوسل بحال الداعي:
قال الشيخ ابن عثيمين: "أي أن يتوسل الداعي إلى الله بحاله ولا يذكر شيئا، مثل أن يقول: "اللهم إني أنا الفقير إليك، اللهم إني أنا الأسير بين يديك" وما أشبه ذلك، والدليل على ذلك: قول موسى ﵊ حين سقى للمرأتين ثم تولى إلى الظل: فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، ولم يذكر شيئًا.
ووجه هذه الآية أن حال الداعي إذا وصفها الإنسان فإنها تقتضي الرحمة واللطف والإحسان لا سيما إذا كانت بين يدي أرحم الراحمين" (٢).
стр. 606
٢ - التوسل الممنوع: وهو تقرب العبد إلى الله تعالى بعمل مخالف لكتابه ولسنة نبيه ﷺ : كالتوسل إلى الله بذوات المخلوقات من الملائكة والنبيين والصالحين وغيرهم، وبالأمكنة الفاضلة: كالكعبة، والمشعر الحرام، وبالأزمنة الفاضلة: كشهر رمضان، وليلة القدر، وأشهر الحج، والأشهر الحرم، وكذلك التوسل بحق الأنبياء وجاه الأولياء والصالحين.
وسنجمل التوسل الممنوع في ثلاثة أوجه هي:
١ - التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقات كذات النبي ﷺ وذوات الصالحين وغيرهم كأن يقول المُتَوسِل: اللهم إني أتوسل إليك بذات فلان. قال القدوري: "المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا يجوز" (١).
فالله لم يجعل ذوات الأنبياء والصالحين وسيلة إليه ولا سببًا يُتقرب بها إليه سبحانه بل الوسيلة تصديقهم واتباعهم.
قال الشنقيطي ﵀: "فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريقة الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع الرسول ﷺ ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل" (٢).
فالمشروع التوسل إلى الله والتوصل إليه بدعائه وليس على الله شيء أكرم من الدعاء وأما التوسل بالذوات فإنه بدعة محدثة في الدين ليست من فعل الصحابة ولا التابعين بل هو مردود غير مقبول لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣)، بل إن الصحابة فهموا أن المراد من التوسل التوسلَ بالدعاء لا بالذوات ولذلك توسل عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء العباس عم النبي ﷺ ومعاوية
стр. 607
بن أبي سفيان توسل بدعاء يزيد بن الأسود ولو كان التوسل بالذوات جائزًا وسائغًا عندهم لتوجهوا إلى قبر النبي ﷺ وتوسلوا بذاته ولكنهم تركوا ذلك وعدلوا عنه فاستسقوا بالعباس بن عبد المطلب كما روى أنس ﵁ أن عمر ﵁ كان إذا أقحطوا استستقى بالعباس فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا قال فيسقون" (١).
وكان من دعائه: "اللهم إنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنب ولم يُكشف إلا بتوبة، وقد توجه القومُ بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا عليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة؛ فاسقنا الغيث". فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس (٢).
قال الإمام الصنعاني: "إن عمر إنما جعل العباس إمامًا يدعو بهم، ويستسقى ويسأل الله، لاعتقاد عمر أنه مجاب الدعوة لقرابته من رسول الله ﵌، لا أنه توسَّل به كما يتوسل القبوريون بالأموات، ولا قال عمر: أسألك بحق العباس، بل هو مثل طلب الصحابة النبي صلى الله عليه آله وسلم أن يستسقي لهم فهذا غير محل النزاع" (٣).
قال الشهاب الألوسي في كلامه عن هذه القضيه: "وحاشاهم -أي الصحابة- أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس إلى التوسل بعمه العباس وهم يجدون أدنى مساغ لذلك.
فعدولهم مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله ﷺ ، وبحقوق الله تعالى، ورسوله ﵊، وما يشرع من الدعاء وما لا
стр. 608
يشرع، وهم في وقت ضرورة ومخمصة، يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق: دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره" (١).
* تنبيه:
ينبغي أن يفرق بين التوسل بذوات الصالحين وسؤالهم وهذا ينبني على فهم معنى التوسل وإطلاقه عند أهل العلم وعند عباد القبور قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن "إن لفظ التوسل صار مشتركا فعباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله ودعائه رغبًا ورهبًا، والذبح والنذر، ولتعظيم بما لم يشرع في حقّ مخلوق.
وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد ﷺ وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة ... ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح. أو بعباده الصالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر -أي الهيثمي-" (٢).
فالتوسل بذوات الصالحين معناه سؤال الله بذواتهم كأن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك أو أسألك بعبادك الصالحين وهو يقصد التوسل بالذات فهذا يُنهى عنه لعدم وروده ولا يصل تحريمه إلى الشرك الأكبر وسيأتي كلام العلماء عنه.
أما سؤال الصالحين فمعناه التوجه إليهم ودعاؤهم وطلب الحاجات منهم وهذا هو الشرك الأكبر الذي أنكره أئمة الدين وعلماء الإسلام وإياه عنى الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين قال "ولكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يطلب منه تفريج الكربات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصًا له الدين لا يدعو
стр. 609
مع الله أحدًا، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو إلا الله مخلصًا له الدين" (١).
* حكم التوسل إلى الله بذوات المخلوقين:
التوسل بذوات المخلوقين أمر محدث لا يدل على جوازه دليل من الكتاب ولا من السنة ولم يقل بجوازه أحد من السلف والأئمة والعلماء فهو من البدع المحدثة كما حكاه ابن القيم إجماعًا (٢) والأحاديث التي يستدل بها في جوازه غير ثابتة.
قال السهسواني "وقد عرفت فيما سلف أن كل حديث ورد في هذا الباب لا يخلو من مقال ووهن، فالأحوط ترك هذه الألفاظ، وقد جعل الله في الأمر سعة، وعلمنا النبي ﷺ التوسل المشروع على هيئات متعددة -كما تقدم- فلا ملجيء إلى الوقوع في مضيق الشبهات" (٣).
وقال الصنعاني: "لكن التوسل إليه بالمخلوقين شيء لم يأذن به الله لعباده، فهو بدعة، وهو تهجمٌ على الجناب العلي بما لم يأت به شرعٌ، بل طريقة عُبَّاد الأوثان، القائلين إنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى" (٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولو كان الأنبياء والصالحون لهم جاه عند الله فلا يقتضي ذلك جواز التوسل بذواتهم وجاههم، لأن الذي لهم من الجاه والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ولا ننتفع من ذلك بشيء إلا باتباعنا لهم ومحبتنا لهم" (٥).
стр. 610
وقال الإمام السعدي: "التوسل إلى الله بذوات المخلوقين وجاههم فهذا الصواب أنه لا يحل، لأنه لا يتقرب إلى الله إلا بما شرع، وهذا ليس بمشروع، وأيضًا فذوات المخلوقين وإن كان لهم عند الله مقام وقدر وجاه، فهذا ليس لغيرهم وليس التوسل بهم سببًا لشفاعتهم للمتوسل عند الله ولم يجعله الله من الأمور المقربة إليه، وليس ذلك إلا توسلًا بما منّ الله على المتوسل فتعين أنه لا يجوز" (١).
٢ - التوسل إلى الله بجاه فلان أو حقه (٢)، أو حرمته أو بركته كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه فلان عندك أو بحقه عليك أو بحرمته أو بركته أن تقضي حاجتي ... وكره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل جل أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك؛ إذ ليس لأحد على الله حق نقل ذلك شارح الإحياء (٣) وغيره.
ونقل المنع عن جمع من علماء الحنفية السهسواني الهندي في صيانة الإنسان (٤) واتفق أئمة الدعوة السلفية على أنه بدعة محرمة مذمومة.
ونقل الشيخ سليمان بن عبد الله عن ابن القيم -رحمهما الله- أن قول: "اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد ونحو ذلك أن هذا بدعة إجماعًا" (٥).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "التوسل بالجاه والبركة والحرمة الحق ليس بجائز عند جمهور أهل العلم لأن التوسلات توقيفية لا يجوز منها إلا ما أجازه الشرع، ولم
стр. 611
يرد في الشرع ما يدل على هذه التوسلات. فلا يقول الإنسان: اللهم اغفر لي بحق فلان، أو بحق محمد، أو بحق الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بجاه الأنبياء، أو بحرمة الأنبياء، أو ببركة الأنبياء أو ببركة الصالحين، أو ببركة علي، أو ببركة الصديق، أو ببركة عمر، أو بحق الصحابة، أو حق فلان، كل هذا لا يجوز، هذا خلاف المشروع وبدعة، وهو ليس بشرك لكنه بدعة، لم يرد في الأسئلة التي دعا بها النبي ﷺ ، وكذلك أصحابه ﵁" (١).
وقال -قدس الله روحه-: "التوسل بجاه الأنبياء، أو بجاه الصحابة، بدعة لا يجوز، أما بجاه الله معناه بعظمة الله فلا يضر، لكن بجاه النبي أو جاه أصحاب النبي ﷺ ، أو بجاه الأنبياء، أو بجاه الصالحين، أو بحق الأنبياء، أو بحق الصالحين. هذا بدعة على الأصح عند جمهور أهل العلم" (٢).
ومما يذكر هنا أن هناك فرق بين الجاه، والحرمة من ناحية اللفظ والمعنى لا من ناحية الحكم الشرعي -والله أعلم-.
وقال الشيخ ابن عثيمين: "التوسل بوسيلة سكت عنها الشرع هذا محرم وهو نوع من الشرك مثل أن يتوسل بجاه شخص ذي جاه عند الله فيقول: أسألك بجاه نبيك، فلا يجوز ذلك لأنه إثبات لسبب لم يعتبره الشرع، ولأن جاه ذي الجاه ليس له أثر في قبول الدعاء؛ لأنه لا يتعلق بالداعي ولا بالمدعو وإنما هو من شأن ذي الجاه وحده، فليس بنافع لك في حصول مطلوبك أو دفع مكروبك، ووسيلة الشيء ما كان موصلًا إليه، والتوسل بالشيء إلى ما لا يوصل إليه نوع من العبث، فلا يليق أن تتخذه فيما بينك وبين ربك. والله الموفق" (٣).
стр. 612
٣ - الإقسام على الله بالمتوسل به: كأن يقول أقسمت عليك يا الله بفلان أن تقضي لي حاجتي فهذه بدعة لم ينقل منه شيء عن السلف وقد كثر عند المتأخرين هذا المعنى فصار التوسل عندهم بمعنى الإقسام على الله بنبيه وهذا كالتوسل بالجاه والحرمة قال في جلاء العينين "فلا يقال: أقسمت عليك يا رب بملائكتك ولا بكعبتك، كما لا يجوز أن يقسم الإنسان بهذه الأشياء" (١) فهو ممنوع مطلقًا كما قرر ذلك تقي الدين ابن تيمية ونقله عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء الأعلام (٢).
* مسائل مهمة:
١ - كلمة "أسألك بمعاقد العز من عرشك". قال ابن تيمية: "وأما إذا قال: "أسألك بمعاقد العز من عرشك" فهذا فيه نزاع، ورخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به. ونقل عن أبي حنيفة كراهته، قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول "بمعقد العز من عرشك، أو بحق خلقك". قال أبو يوسف: "بمعقد العز من عرشك" هو الله فلا أكره هذا. وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره".
قالوا جميعًا: "المسألة بخلقه لا تجوز"؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل الله بما ليس مستحقا، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بخالق؟ فيه نزاع فلذلك تنازعوا فيه. وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: "أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى وكلماتك التامة" فجوّزه لذلك" (٣).
стр. 613
٢ - السؤال بحق الرحم: وهذا جائز، كقول الرجل "أسألك بالرحم أن تفعل كذا" وذلك لوجود سبب صحيح يقتضي السؤال به، وهو حق الرحم عليك، فالرحم لها حق عليك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن قيل: قد يقول الرجل لغيره "بحق الرحم" قيل: الرحم توجب على صاحبها حقًا لذي الرحم كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وقد رُوي عن علي أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه. أعطاه لحق جعفر على علي" (١).
ولا بد أن يعلم أن سؤال الرجل لغيره بالرحم هذا توسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما. يقول ابن تيمية ﵀: "وأما قول الناس "أسألك بالله وبالرحم" وقراءة من قرأ ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما ليس هو من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب. بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم والصلاة عليهم" (٢).
ومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: "كنت إذا أحل سألت عليًّا ﵁ شيئًا، فلم يعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه. فيعطينيه" (٣).
فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من باب قولهم "أسألك بحق أنبيائك" ونحو ذلك وليس كذلك. بل جعفر هو أخو علي. وعبد الله
стр. 614
هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر كما في الحديث: "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي" (١).
وحين سأل رجل من بني سلمة الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما. قال: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما" (٢).
* حكم التوسل بالأموات:
التوسل بالأموات من أنبياء وصالحين وغيرهم بمعنى التقرب إليهم لاتخاذهم وسطاء وشفعاء شرك أكبر وهذا ما يريده عباد القبور بلفظ التوسل يعنون به النذر للقبور ودعاءهم وطلب الحاجات منهم والاستغاثة بهم والاستعانة بهم وإنزال الحاجات بين أيديهم وخشيتهم والخوف منهم فهذا حكمه شركٌ أكبرٌ ينقلُ عن ملة الإسلام إلى ملة الكفر قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
فمن فعل من ذلك شيء فقد سلك مسلك المشركين الأوائل الذين يزعمون أنهم يتقربون إلى الله بشركهم فإن قال قائل: إنما نتوسط بأصحاب القبور لنحصل على النفع من الله والنافع الضار هو الله قلنا هذه هي حجة المشركين الأولين حين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقد يراد بالتوسل بالأموات إحدى المعاني المتقدمة كالتوسل بجاهه أو بذاته.
فالتوسل المشروع شيء والتوسل البدعي شيء آخر أما التوسل بهذا المعنى المقتضي صرف العبادة لغير الله فإنه شرك أكبر كما هو مشاهد عند عباد القبور.
стр. 615
* حكم التوسل بسيد الأنبياء:
قال الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: "التوسل بالنبي ﷺ فيه تفصيل، فإن كان ذلك باتباعه ومحبته وطاعة أوامره وترك نواهيه والإخلاص لله في العبادة فهذا هو الإسلام وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، وهو الواجب على كل مكلف، وهو الوسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة. أما التوسل بدعائه والاستغاثة به وطلبه النصر على الأعداء والشفاء للمرضى فهذا هو الشرك الأكبر، وهو دين أبي جهل وأشباهه من عبدة الأوثان، وهكذا فِعلُ ذلك مع غيره من الأنبياء والأولياء أو الجن أو الملائكة أو الأشجار أو الأحجار أو الأصنام.
وهناك نوع ثالث يسمى التوسل وهو التوسل بجاهه ﷺ أو بحقه أو بذاته مثل أن يقول الإنسان: أسألك يا الله بنبيك أو جاه نبيك أو حق نبيك أو جاه الأنبياء أو حق الأنبياء أو جاه الأولياء والصالحين وأمثال ذلك، فهذا بدعة ومن وسائل الشرك، ولا يجوز فعله معه ﷺ ولا مع غيره؛ لأن الله لم يشرع ذلك. والعبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع المطهر، وأما توسل الأعمى به في حياته ﷺ فهو توسل به ﷺ ليدعو له ويشفع له إلى الله في إعادة بصره إليه، وليس توسلًا بالذات أو الجاه أو الحق كما يعلم ذلك من سياق الحديث وكما أوضح ذلك علماء السنة في شرح الحديث.
وقد بسط الكلام في ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في كتبه الكثيرة المفيدة، ومنها كتابه المسمى [القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة] وهو كتاب مفيد جدير بالاطلاع عليه والاستفادة منه.
وهذا الحكم جائز مع غيره ﷺ من الأحياء كأن تقول لأخيك أو أبيك أو من تظن فيه الخير: ادع الله لي أن يشفيني من مرضي أو يرد عليّ بصري أو يرزقني الذرية الصالحة أو نحو ذلك بإجماع أهل العلم. والله ولي التوفيق" (١).
стр. 616
* دفع توهم:
قال الشيخ الألباني ﵀: "إننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي ﷺ ، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم ... إن كل مخلص ومنصف ليعلم علم اليقين بأننا -والحمد لله- من أشد الناس حبًا لرسول الله ﷺ ، ومن أعرفهم لقدره وحقه وفضله ﷺ وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم، وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، إلى آخر ما هنالك من فضائله ﷺ ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
أقول: إننا -والحمد لله- من أول الناس اعترافًا بذلك كله ولعلّ منزلته ﷺ عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له ﷺ ، وأمثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١] " (١).
* شبهات في التوسل الممنوع:
الشبهة الأولى:
من شُبَه المجيزين للتوسل الممنوع حديث الأعمى الذي أخرجه الترمذي ﵀: "أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال ادع الله أن يعافيني فقال: إن شئت دعوت
стр. 617
وإن شئت صبرت فهو خير لك قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه فيّ" فعاد وقد أبصر" (١).
واستدلالهم هذا باطل إذ القصة يفهم منها أن الأعمى إنما جاء إلى النبي ﷺ ليدعو له وذلك في قوله: "ادع الله أن يعافيني" ولذلك قال ﷺ : "وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال الأعمى: "فادع" وهذا يقتضي أن الرسول ﷺ دعا له. وجاءت رواية أخرى فيها أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له (٢) فدل على أنه توجه بدعاء النبي ﷺ وفي الدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ إياه قال: "اللهم فشفعه فيّ" أي: اللهم اقبل شفاعته ﷺ فيّ أي اقبل دعاءه في أن ترد عليّ بصري وهذا لا يمكن حمله على التوسل البدعي كالتوسل بالجاه ونحوه.
وجاء في الحديث "وشفعني فيه" وصححها الألباني ﵀ وقال: "وهذه الجملة وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل" (٣).
وجملة "وشفعني فيه" معناها: اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ أي دعاءه في أن ترد عليَّ بصري هذا الذي لا يمكن أن يُفهم من هذه الجملة سواه (٤).
стр. 618
وجاءت زيادة "وشفعني في نفسي" ومعناها اقبل دعائي في نفسي واقبل دعاء النبي ﷺ فيَّ وأما ما فهمه البعض من هذا الحديث من جواز التوسل بذوات الصالحين فإنه خطأ بل هو توسل بشفاعته لا بذاته (١) كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء كما توسل عمر بن الخطاب ﵁ بدعاء العباس عم النبي ﷺ وقد تقدم، وكذلك معاوية بن أبي سفيان توسل بدعاء يزيد بن الأسود ولو كان التوسل بالذوات جائزًا وسائغًا عندهم لتوجهوا للنبي في قبره.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وفي بعض الروايات "يا محمد إني أتوجه" إلى آخره. وهذه اللفظة هي التي تعلق بها المشركون وليست عند هؤلاء الأئمة .... فقوله: يا محمد إني أتوجه الخ لم تثبت في أكثر الروايات. وبتقدير ثبوتها لا يدل على جواز دعاء غير الله، لأن هذا خطاب لحاضر معين يراه ويسمع كلامه، ولا إنكار في ذلك، فإن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه ما يقدر عليه، فأين هذا من دعاء الغائب والميت لو كان أهل البدع والشرك يعلمون" (٢).
ومن هنا يتبين أن الحديث ليس فيه ما يدل على جواز دعاء الموتى بل هو دعاء الله تعالى بتوجهه بالنبي ﷺ في حياته كما دعى الله تعالى أن يشفع فيه النبي ﷺ لتقضي حاجته (٣).
ثم نقول أخيرًا أن هذه الحادثة يذكرها العلماء ضمن معجزات النبي ﷺ في استجابة الله لدعاء نبيه ﷺ ولا يذكرونها في جواز التوسل بالجاه والذات
стр. 619
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات؛ فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره" (١).
وقال الألباني ﵀: "وثَمَّة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حُمِل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: "اللهم فشفعه فيّ، وشفعني فيه" وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله" (٢).
الشبهه الثانية:
استدلالهم بحديث "أسألك بحق السائلين" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث هو من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر وهو ضعيف أيضًا، ولفظه لا حجة فيه؛ فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم، وقد تقدم بسط الكلام على ذلك، وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم" (٤).
стр. 620
قال السهسواني: "ففي سنده عطية العوفي، وهو وإن كان ممن اختلف في الاحتجاج به لكن الراجح والمحقَق أنه ضعيف". ثم ساق أقول أهل العلم فيه، وقال: "والراجح في عطية الضعف فإن جارحيه أكثر من معدِّليه" (١).
قال العلامة الألباني: "ضعّف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في الترغيب ٢/ ٢٦٥. والنووي ... وكذا البوصيري" (٢).
ولو صح فله معنى صحيح غير ما يريده هؤلاء قال الشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن: "وأما ما ورد في السنن "بحق السائلين وبحق ممشى الذاهب إلى المسجد" ونحو ذلك، فالله ﷺ جعل على نفسه حقًا تفضلًا منه وإحسانًا إلى عباده، فهو توسل إليه بوعده، وإحسانه، وما جعله لعباده المؤمنين على نفسه حقًا تفضلًا منه، وإحسانًا إلى عباده، فليس هذا من الباب أعني باب مسألة الله بخلقه، وقد منعه فقهاء الحنفية ... ويشهد لهذا ما يروى أن داود قال: "اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى الله إليه: أي حق لآبائك علي" أو نحو هذا" (٣).
الشبهة الثالثة:
حديث "توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم" أو "إذا سألتم الله، فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم" وهذا حديث مكذوب مفترى على رسول الله ﷺ ، وليس له أصل قطعًا في كتاب من الكتب المعتمدة (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "هذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل
стр. 621
العلم بالحديث، مع أن جاهه عند الله -تعالى- أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين" (١).
الشبهة الرابعة:
الحديث الذي فيه توسل آدم ﵇ في تربته بمحمد ﷺ فقد جاء في المستدرك عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إياك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك" (٢). أخرجه الحاكم وقال فيه: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله: "بل موضوع وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا" (٣).
وقد قال ببطلان هذا الخبر جماعة من الحفاظ كابن تيمية وابن عبد الهادي.
قال الإمام ابن تيمية: "ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أُنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب [المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم]: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.
قلت -القائل ابن تيمية-: وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم، وقال أبو حاتم بن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك من
стр. 622
روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقف فاستحق الترك.
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث" (١).
وقال الحافظ ابن عبد الهادي: "إنه حديث غير صحيح لا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جدًا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع" (٢).
وقال الشيخ الألباني: "ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به ﷺ ،والله يقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ بما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحكم (٣/ ٥٤٥) عنه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ... ﴾ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال أرأيت إن تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وقد قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها ما في الآية الأخرى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وبهذا جزم السيد رشيد رضا في تفسيره (١/ ٢٧٩). لكن أشار ابن كثير (١/ ٨١) إلى تضعيفه، ولا
стр. 623
منافاة عندي بين القولين، بل أحدهما يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم ﵇ بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات، وهذا القول يبين ذلك، فلا منافاة والحمد لله، وثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلًا.
الموضع الثاني: قوله في آخره: "ولولا محمد ما خلقتك" فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب أو السنة الصحيحة، وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم ﷺ كمخالفة هذا الحديث الباطل. ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس "لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك" فإنه موضوع كما قال الصنعاني ووافقه الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (١).
وأخيرًا .. فإن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "الأحاديث التي تروى في هذا الباب -وهو السؤال بنفس المخلوقين- هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها" (٢).
الشبهة الخامسة:
قولهم: إن رسول الله ﷺ كان يستفتح بصعاليك المهاجرين.
فيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي ﷺ كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا -بزعمهم- هو
стр. 624
التوسل المختلف فيه نفسه.
قال الألباني ﵀: "والجواب من وجهين:
الأول: ضعف الحديث ...
الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دلّ حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في فيض القدير: "كان يستفتح" أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩] ذكره الزمخشري (ويستنصر) أي بطلب النصرة (بصعاليك المسلمين) أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم".
قلت (١): وقد جاء هذا التفسير من حديثه ﷺ ، أخرجه النسائي (٢/ ١٥) بلفظ: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم" وسنده صحيح، وأصله في صحيح البخاري (٦/ ٦٧)، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين، لا بذواتهم وجاههم.
ومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: "كان يستفتح ويستنصر .. " فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث -إن صح- دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع والحمد الله" (٢).
الشبهة السادسة:
حديث ابن مسعود مرفوعًا "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض عليّ أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر
стр. 625
استغفرت الله لكم" وهذا الحديث ضعيف كما ذكر أهل العلم انظر على سبيل المثال السلسلة الضعيفة للألباني (١).
الشبهة السابعة:
ومن شبههم حديث "إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأهل القبور" أو "فاستغيثوا بأهل القبور" وهو حديث موضوع مختلق لم يروه أحد من العلماء، ولم يوجد في شيء من كتب الدين الصحيحة، كما قاله شيخا الإسلام: ابن تيمية، وابن القيم في غير موضع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فهذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة" (٢).
وقال: "وما يرويه بعض الناس أنه قال: "إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور" أو نحو هذا، فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء، والذي يبين ذلك أمور:
أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها عن الصلاة عندها، إنما هو لئلا تكون ذريعة إلى نوع من الشرك بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة.
ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء، أو لرفع شر كالاستنصار، حاله في افتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها، أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد قلوبهم تفتتن بذلك إلا قليلًا، أما الداعون المضطرون،
стр. 626
ففتنتهم بذلك عظيمة جدًا.
فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء، كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد، وهذا واضح لمن فقه في دين الله وتبين له ما جاءت به الحنيفية من الدين لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد، ونفي الشك بكل الطرق.
الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هنالك رجاء أكثر من رجائها بالدعاء إلى غير ذلك الموطن، أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء، ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما نقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية.
وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب غير ذلك، فهلا جاءوا فاستسقوا عند قبر النبي ﷺ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به، ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ ... " (١).
وقال ابن القيم ﵀: "ومنها أحاديث مكذوبة مختلفة، وضعها أشباه عباد الأصنام: من المقابرية على رسول الله ﷺ تناقض دينه وما جاء به، كحديث "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور" وحديث "لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضه لدين الإسلام، وضعها المشركون، وراجت على أشباههم من الجهال والضلال" (٢).
الشبهة الثامنة:
قال شيخ الإسلام: "وما رُوي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو
стр. 627
معروف بالكذب، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبي ﷺ بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد.
ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في أمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ ومن حينئذٍ دخلت الحجرة النبوية في المسجد ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها قبر جدار عالٍ، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بيِّن، ولو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به وإنما فتحوا القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه" (١).
الشبهة التاسعة:
روى ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك الدار، وكان خازن عمر على الطعام، قال:
"أصاب الناس قحطٌ في زمن عمر؛ فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا؛ فأتي الرجل في المنام، فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مسقيّون، وقل له: عليك الكيس! عليك الكيس! فأتى عمر فأخبره فبكى عمر، ثم قال: يا رب لا آلوا إلا ما عجزت عنه" (٢).
وذكر الحافظ في الفتح هذا الأثر وقال ما نصه: "روى ابن أبي شيبة بإسناد
стр. 628
صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار وذكر القصة" (١).
وقال الإمام ابن باز ﵀: "هذا الأثر على فرض صحته ليس بحجة على جواز الاستسقاء بالنبي ﷺ بعد وفاته؛ لأن السائل مجهول، ولأن عمل الصحابة ﵃ على خلافه، وهم أعلم الناس بالشرع، ولم يأت أحد منهم إلى قبره يسأله السقيا ولا غيرها، بل عدل عمر عنه لما وقع الجدب إلى الاستسقاء بالعباس، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة، فعلم أن ذلك هو الحق وأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك، بل قد جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك، وأما تسمية السائل في رواية سيف المذكور "بلال بن الحارث" ففي صحة ذلك نظر، وعلى تقدير صحته عنه لا حجة فيه؛ لأن عمل كبار الصحابة يخالفه، وهم أعلم بالرسول ﷺ وشرعه من غيرهم، والله أعلم" (٢).
وأجاب الألباني ﵀ عن تصحيح ابن حجر لإسناده بوجوه:
"الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ١ - ٢١٣) ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه -مع سعة حفظه واطلاعه- لم يحك فيه توثيقًا فبقي على الجهالة، ولا ينافي هذا القول الحافظ: "بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان ... " لأننا نقول: إنه ليس نصًا في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسناد من عند أبي صالح، ولقال رأسًا: "عن مالك الدار .. . وإسناده صحيح"
стр. 629
ولكنه تعمد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئًا ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لا سيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ ﵀ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.
الثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١] وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي ﷺ ، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذ لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.
الثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يسم، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأن سيفًا هذا -وهو ابن عمر التميمي- متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: "يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث". فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة، لا سيما عند المخالفة.
стр. 630
الوجه الرابع: أن هذا الأثر ليس فيه توسل بالنبي ﷺ ، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح ﵃، أعني الطلب منه ﷺ بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" [ص ١٩/ ٢٠]: لم يكن النبي ﷺ بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: "يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا ولي الله (الأصل: رسول الله) ادعوا الله لي، سل الله لي، سل الله أن يغفر لي ... ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو عليّ، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك. ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب أحد محضرًا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحابه ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم" (١).
стр. 631
الشبهة العاشرة:
حكاية العتبي أنه رأى أعرابيًا أتى قبر الرسول ﷺ قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وهذه القصة لا تصح إسنادًا ولا متنًا إذ قال ابن عبد الهادي في الصارم: "وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" بإسناد مظلم ... " (١).
وقال أيضًا: "وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم" (٢).
وبعضهم يستدل بهذه الآية على الحث على المجيء إلى قبر الرسول ﷺ والاستغفار عنده، وأن ذلك جائز في حياته وبعد مماته. وقد ردَّ هذا الادّعاء الباطل الإمام ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" فقال: "أما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، فالكلام فيها في مقامين:
أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.
والثاني: بيان دلالتها على نقيضه، وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت له وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه؛ وهم سلف الأمة، ومن سلك سبيلهم.
стр. 632
ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذا ظلم نفسه، وأخبر أنه من المنافقين؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ [المنافقون: ٥]، وكذلك هذه الآية، إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف، وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم؛ ثم لم يجيء إلى رسول الله ﷺ ليستغفر له، فإن المجئ إليه ليستغفر له توبة، وتنصل من الذنب، وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ ؛ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة، جاء إليه فقال: يا رسول الله، فعلتُ كذا وكذا فاستغفر لي، وهذا كان فرقًا بينهم وبين المنافقين فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته، لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره، ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم، فقد جاهر بالكذب والبهت.
أفَتُرى عَطَّلَ الصحابةُ والتابعون -وهم خير القرون على الإطلاق- هذا الواجبَ الذي ذم الله سبحانه من تخلَّف عنه، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد في أهل العلم، فكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام، وهداة الأنام، من أهل الحديث والفقه والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعو إليه، ولم يحضوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة، بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة، فيما يكره وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة، عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية ولما كان هذا المنقول شجًا في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحى منهم من أهل العلم بالآثار، قابله بالتحريف والتبديل، ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق، ويظهر أدلته؛ ليهتدي المسترشد، وتقوم الحجة على المعاند.
стр. 633
ومما يدل على بطلان تأويله قطعًا، أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته، وقد ظلم نفسه، ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه، مع قدرته عليه، كان مذمومًا غاية الذم، مغموصًا بالنفاق، وليس كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين، وبين المدعوين، وبين الدعوتين، فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق.
وأما دلالة الآية على غير تأويله، فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم، طاعة له؛ ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة ولم يقل مسلم قط أن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره، ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء العصاة الغلاة، وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه، ويوضح ذلك أنه قال: "لا تجعلوا قبري عيدًا"، ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به .. ، ولو كان مشروعًا لأمر به أمته وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه ولا سأله، والذي صحّ عنه مجيء القبر هو ابن عمر وحده، إنما كان يجيء للتسليم عليه ﷺ وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئًا البتة" (١).
стр. 634
الشبهة الحادية عشرة:
ومن شبههم الحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة وهذا من الكذب الظاهر.
قال الإمام ابن تيمية: "وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فإن الشافعي لما قدم بغداد ولم يكن ببغداد قبر يُنتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ لدعاء إلا عنده؟
ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات مجهول لا يعرف" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر" (٢).
وقال عنها الشيخ الألباني: "هذه رواية ضعيفة بل باطلة" (٣).
стр. 635
٩٧ - التوكل على الله تعالى *
قال ابن الأثير: "توكَّل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلتُ أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدتُ فيه عليه، ووكَّل فلان فلانًا: إذا اسْتكفَاه أمرَه ثقة بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه" (١).
ويقال: "وكلت الأمر إليه وكلًا: من باب وعد، ووُكُولًا: فوَّضته إليه واكتفيت به ... وتوكَّل على الله: اعتمد عليه ووَثِق به، واتكل عليه في أمره كذلك" (٢).
وقال الرازي: "والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاسم التكلان" (٣).
فمعناه في اللغة: (الاعتماد والتفويض).
وفي الشرع: قال ابن جرير الطبري ﵀: "الصواب في حد التوكل الثقة بالله