← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الشبهة العاشرة: حكاية العتبي أنه رأى أعرابيًا أتى قبر الرسول ﷺ قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وهذه القصة لا تصح إسنادًا ولا متنًا إذ قال ابن عبد الهادي في الصارم: "وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي، وقد ذكرها البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" بإسناد مظلم ... " (١). وقال أيضًا: "وفي الجملة ليست هذه الحكاية المذكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضًا، ولو كانت ثابتة لم يكن فيها حجة على مطلوب المعترض ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم" (٢). وبعضهم يستدل بهذه الآية على الحث على المجيء إلى قبر الرسول ﷺ والاستغفار عنده، وأن ذلك جائز في حياته وبعد مماته. وقد ردَّ هذا الادّعاء الباطل الإمام ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" فقال: "أما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية، فالكلام فيها في مقامين: أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه. والثاني: بيان دلالتها على نقيضه، وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت له وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه؛ وهم سلف الأمة، ومن سلك سبيلهم.

стр. 632

ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم، وقد ذم تعالى من تخلف عن هذا المجيء إذا ظلم نفسه، وأخبر أنه من المنافقين؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ [المنافقون: ٥]، وكذلك هذه الآية، إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف، وغيره من الطواغيت، دون حكم رسول الله ﷺ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم؛ ثم لم يجيء إلى رسول الله ﷺ ليستغفر له، فإن المجئ إليه ليستغفر له توبة، وتنصل من الذنب، وهذه كانت عادة الصحابة معه ﷺ ؛ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة، جاء إليه فقال: يا رسول الله، فعلتُ كذا وكذا فاستغفر لي، وهذا كان فرقًا بينهم وبين المنافقين فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته، لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره، ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم، فقد جاهر بالكذب والبهت. أفَتُرى عَطَّلَ الصحابةُ والتابعون -وهم خير القرون على الإطلاق- هذا الواجبَ الذي ذم الله سبحانه من تخلَّف عنه، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد في أهل العلم، فكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام، وهداة الأنام، من أهل الحديث والفقه والتفسير، ومن لهم لسان صدق في الأمة، فلم يدعو إليه، ولم يحضوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة، بل المنقول الثابت عنهم ما قد عرف مما يسوء الغلاة، فيما يكره وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة، عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية ولما كان هذا المنقول شجًا في حلوق الغلاة، وقذى في عيونهم، وريبة في قلوبهم، قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل، ومن استحى منهم من أهل العلم بالآثار، قابله بالتحريف والتبديل، ويأبى الله إلا أن يعلي منار الحق، ويظهر أدلته؛ ليهتدي المسترشد، وتقوم الحجة على المعاند.

стр. 633

ومما يدل على بطلان تأويله قطعًا، أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته، وقد ظلم نفسه، ليستغفر له، فأعرض عن المجيء وأباه، مع قدرته عليه، كان مذمومًا غاية الذم، مغموصًا بالنفاق، وليس كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين، وبين المدعوين، وبين الدعوتين، فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه غير الحق. وأما دلالة الآية على غير تأويله، فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم، طاعة له؛ ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة ولم يقل مسلم قط أن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره، ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء العصاة الغلاة، وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم ما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه، ويوضح ذلك أنه قال: "لا تجعلوا قبري عيدًا"، ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به .. ، ولو كان مشروعًا لأمر به أمته وحضهم عليه، ورغبهم فيه، ولكان الصحابة وتابعوهم بإحسان أرغب شيء فيه، وأسبق إليه، ولم ينقل عن أحد منهم قط وهم القدوة بنوع من أنواع الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له، ولا شكا إليه ولا سأله، والذي صحّ عنه مجيء القبر هو ابن عمر وحده، إنما كان يجيء للتسليم عليه ﷺ وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، ولم يكن يزيد على التسليم شيئًا البتة" (١).

стр. 634

الشبهة الحادية عشرة: ومن شبههم الحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة وهذا من الكذب الظاهر. قال الإمام ابن تيمية: "وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل فإن الشافعي لما قدم بغداد ولم يكن ببغداد قبر يُنتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ لدعاء إلا عنده؟ ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات مجهول لا يعرف" (١). وقال ابن القيم ﵀: "والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر" (٢). وقال عنها الشيخ الألباني: "هذه رواية ضعيفة بل باطلة" (٣).

стр. 635

٩٧ - التوكل على الله تعالى * قال ابن الأثير: "توكَّل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلتُ أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدتُ فيه عليه، ووكَّل فلان فلانًا: إذا اسْتكفَاه أمرَه ثقة بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسه" (١). ويقال: "وكلت الأمر إليه وكلًا: من باب وعد، ووُكُولًا: فوَّضته إليه واكتفيت به ... وتوكَّل على الله: اعتمد عليه ووَثِق به، واتكل عليه في أمره كذلك" (٢). وقال الرازي: "والتوكل: إظهار العجز والاعتماد على غيرك والاسم التكلان" (٣). فمعناه في اللغة: (الاعتماد والتفويض). وفي الشرع: قال ابن جرير الطبري ﵀: "الصواب في حد التوكل الثقة بالله

стр. 636

تعالى والاعتماد في الأمور عليه، وتفويض كل ذلك إليه بعد استفراغ الوسع في السعي فيما بالعبد الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه على ما أمر به من السعي" (١). وقال ابن رجب ﵀: "هو صدق اعتماد القلب على اللهُ في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكِلة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه" (٢). وعرّفه ابن رجب أيضا بقوله: "التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين كما قال الإمام أحمد واستدل عليه بقول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبرائيل في الهواء وقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا" (٣). وقال الحسن رحمه الله تعالى: "توكل العبد على ربه: أن يعلم أن الله هو ثقته" (٤). وقال ابن القيم ﵀: "التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادًا على الله وثقة به والتجاء إليه وتفويضًا إليه ورضاه بما يقضيه لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها" (٥). وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: "هو إسناد العبد أمره إلى الله وحده لا شريك له في جميع أموره الدينية والدنيوية" (٦). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "صدق الاعتماد على الله ، في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب التي أمر الله بها" (٧).

стр. 637

* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقى في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (١). * الدليل من السنة: عَنْ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى وَقَع في (٢) سَوَادٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ: بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ. قِيلَ: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فِي آفَاقِ السَّمَاءِ. فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ. قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِالله وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ، أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ فَقَالَ: "هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطيَّرُونَ، وَلَا

стр. 638

يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا؟ قَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ" (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (٢). وعن ابن عباس ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت - أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون" (٣). أقوال أهل العلم: قال شيخ الإسلام: "ما رجا أحد مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك، ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" (٤). * أحكام وفوائد: ١ - صلة التوكل بالعبادة والإيمان: قال الله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول ابن القيم: "فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، وفي الآية الأخرى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ فجعل دليل صحة الإسلام التوكل. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ذِكرُ اسم الإيمان ها هنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان

стр. 639

للتوكل وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل وإذا كان التوكل ضعيفًا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد. والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان وبين التوكل والإسلام وبين التوكل والتقوى وبين التوكل والهداية ... فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل" (١). وقال الإمام أحمد ﵀: "التوكل: عمل القلب" (٢). قال ابن القيم ﵀: "ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجو ارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات .. " (٣). فالتوكل من أعمال القلوب: كالمحبة والإنابة والخوف والرجاء .. ونحو ذلك. قال السعدي ﵀: "التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان. وبحسب قوة توكل العبد على الله يقوى إيمانه ويتم توحيده، والعبد يضطر إلى التوكل على الله والاستعانة به في كل ما يريد فعله أو تركه من أمور دينه أو دنياه" (٤). وقال ابن قاسم ﵀: "وهو عبادة من أجلّ العبادات، بل هو أجل أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد" (٥). ٢ - حقيقة التوكل: قال ابن رجب ﵀: "وحقيقة التوكل تفويض الأمور إلى من هي بيده. فمن

стр. 640

توكل على الله في هدايته، وحراسته، ورزقه وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى الله مصالحه كلها، وهذا حقيقة الوثوق بالله، وبرحمته، كما في هذا الدعاء "ولا أثق إلا برحمتك" فمن وثق برحمته، فقد حقق التوكل به في توفيقه وتسديده" (١). قال ابن القيم: "وقد تقدم أن كثيرًا من الناس يفسر التوكل بالثقة، ويجعله حقيقتها، ومنهم من يفسره بالتفويض، ومنهم من يفسره بالتسليم، فعلمت أن مقام التوكل يجمع ذلك كله" (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، أنه النافع الضار المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده، في فعل الأسباب النافعة. فمتى استدام العبد هذا العلم وهذا الاعتماد والثقة فهو المتوكل على الله حقيقة، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو شرك، ومن توكل على غير الله وتعلق به وكل إليه وخاب أمله" (٣). ٣ - أقسام التوكل على الله: قال ابن القيم ﵀: "التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل عليه في جلب حوائج العبد وحظوظه الدنيوية أو دفع مكروهاته ومصائبه الدنيوية. الثاني: التوكل عليه في حصول ما يحبه هو ويرضاه من الإيمان واليقين والجهاد

стр. 641

والدعوة إليه. وبين النوعين من الفضل ما لا يحصيه إلا الله فمتى توكل عليه العبد في النوع الثاني حق توكله كفاه النوع الأول تمام الكفاية ومن توكل عليه في النوع الأول دون الثاني كفاه أيضا، لكن لا يكون له عاقبة المتوكل عليه فيما يحبه ويرضاه، فأعظم التوكل عليه: التوكل في الهداية وتجريد التوحيد ومتابعة الرسول وجهاد أهل الباطل" (١). ٤ - أقسام التوكل على غير الله: قال حاتم الأصم سمعت شقيق البلخي يقول: "لكل واحد مقامٌ؛ فمتوكل على ماله، ومتوكل على نفسه، ومتوكل على لسانه، ومتوكل على سيفه، ومتوكل على سلطنته، ومتوكل على الله . فأما المتوكل على الله ؛ فقد وجد الاسترواح، نوّه الله به ورفع قدره، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وأما من كان مستروحًا إلى غيره يوشك أن ينقطع به فيشقى" (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: "فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عَمَله أو عِلمه أو حاله أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله، غير ناظر إلى الله؛ كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقًا أو توكل عليه إلاخاب ظنه فيه، فإنه مشُرك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] " (٣). يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: "لكن التوكل على غير الله قسمان: أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالذين يتوكلون على

стр. 642

الأموات والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة فهذا شرك أكبر فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله ﵎. الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية كمن يتوكل على أمير أو سلطان فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك فهذا نوع شرك خفي. والوكالة (١) الجائزة هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه. لكن ليس له أن يتوكل عليه وإن وكله. بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه كما قرره شيخ الإسلام" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "التوكل على الغير فيما يتصرف فيه المتوكل بحيث ينيب غيره في أمر تجوز فيه النيابة فهذا لا بأس به بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، فقد قال يعقوب لبنيه ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] ووكل النبي ﷺ على الصدقة عمالًا وحفاظًا، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها، ووكل علي بن أبي طالب ﵁ في هديه في حجة الوداع أن يتصدق بجلودها وجلالها، وأن ينحر ما بقي من المئة بعد أن نحر ﷺ بيده ثلاثًا وستين. وأما الإجماع على جواز ذلك فمعلوم من حيث الجملة" (٣). وقال ﵀: "ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب بل يعلقها بالله، فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقا كاملا مع الغفلة عن المسبب وهو الله فهذا نوع من الشرك أما إذا اعتقد أن المرتب سبب والمسبب هو الله فهذا لا ينافي التوكل، والرسول ﷺ كان يأخذ بالأسباب مع

стр. 643

اعتماده على المسبب وهو الله " (١). ٥ - مسألة: قول توكلت على الله ثم عليك: سُئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن قول: "متوكل على الله ثم عليك يا فلان؟ ": فأجاب: "شرك. يقول موكلك ولا يقول موكل الله ثم موكلك على هذا الشيء، هذه عامية، وليست في محلها" (٢). وقال محقق الفتاوى الشيخ محمد بن قاسم ﵀: "والفرق بين هذا وبين أعوذ بالله ثم بك أنه تجوز الاستعاذة بالمخلوق مفردًا فيما يقدر عليه، بخلاف التوكل فإنه كله عبادة، كما لا يجوز أسجد لله ثم لك يا فلان، أو أعبد الله، ثم أعبدك يا فلان" (٣). وسُئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن قول بعض العامة توكلت عليك يا فلان في كذا؟ قال: "هذا شرك أما التوكيل فيجوز لأنه استنابة" (٤). ٦ - كيف يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه: التوكل على الله حال مركب من عدة درجات لا تتم حقيقته إلا بها وهي (٥): الأولى: معرفة بالرب وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته، واليقين بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك (٦). قال ابن القيم: "وهذه المعرفة أول درجات يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل،

стр. 644

ونقل عن شيخ الإسلام قوله: ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل وجلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات" (١). الثانية: إثبات الأسباب ورعايتها والأخذ بها. الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل. فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده؛ بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل (٢). الرابعة: اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه وطمأنينته به والثقة بتدبيره، كما قال بعض العارفين: "المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه" (٣)، ولذلك قال ابن القيم: "التوكل معنى يلتئم من أصلين: الثقة، والاعتماد، وهو حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] " (٤). الخامسة: حسن الظن بالله . قال ابن القيم: "والتحقيق أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم" (٥). وفي الحديث القدسي قال الله : "أنا عند ظن عبدي بي" (٦) وقال ﷺ قبل

стр. 645

وفاته بثلاث: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى" (١). السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعته. السابعة: التفويض: قال الله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤] قال ابن القيم ﵀: "وهو روح التوكل ولبه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلبًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارًا" (٢). الثامنة: الرضا: قال ابن القيم ﵀: "وهي ثمرة التوكل، ومن فسره بها، فإنما فسره بأجل ثمراته وأعظم فوائده؛ فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله (٣). وذكر شيخ الإسلام: "أن الرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه" (٤)، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا" (٥). ثم قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- بعد ذكر هذه الدرجات الثمان: "فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه" (٦). ٧ - علاقة الأسباب بالتوكل: كان من هدي النبي ﷺ وأصحابه اتخاذ الأسباب وكانوا أكمل الخلق توكلا بل إن رسول الله ﷺ لبس الدروع يوم أحد (٧)، واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه،

стр. 646

ليدله على الطريق يوم الهجرة (١)، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد وجميع أصحابه (٢). ويُذكر أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد فجيء بهم إلى عمر ﵁ فسألهم فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فقال: لستم المتوكلين بل أنتم المتواكلون. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، أفتح مصحفي فأقرأُه حتى أمسي؟ قال الحسن: "اقرأه بالغداة واقرأه بالعشي، وكن سائر نهارك في صنعتك وما يصلحكم" (٣). وسأل الإمام أحمدَ رجلٌ فقال: أيخرج إلى مكة متوكلًا لا يحمل معه شيئًا؟ قال: "لا يعجبني، فمن أين يأكل قال: يتوكل فيعطيه الناس. قال: وإذا لم يعطوه. أليس يستشرف لهم حتى يعطوه؟ لا يعجبني هذا. لم يبلغني أن أحدا أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين فعل هذا، ولكن يعمل ويطلب ويتحرى" (٤). وكان الإمام أحمد يأمر بالسوق، ويقول: "ما أحسن الاستغناء عن الناس" (٥). وسئل عن قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون فقال: "هؤلاء مبتدعة" (٦). قال عبد اللهَ التستري: "من قال: إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله ﷺ ، لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فالغنيمة اكتساب" (٧).

стр. 647

وقد أخبر الله في كتابه عن مريم ﵍: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥]. وهذا دليل على أن الله يأمر باتخاذ الأسباب، كما دل على ذلك قوله: ﴿وَهُزِّي﴾ وفي ذلك يقول بعضهم: ألم تر أن الله قال لمريم ... فهزي إليك الجذع يسَّاقطُ الرطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب يقول ابن الجوزي: "وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة منها أنهم قالوا: لا بد أن يصل إلينا رزقنا وهذا في غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال: لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله عليّ فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة أو من أهل النار فأنا من أهل النار. قلنا له: هذا يرد الأوامر كلها ... ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر" (١). ويقول أيضًا ﵀: "فقد كان آدم ﵇ حراثًا، ونوح وزكريا نجارَين، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زراعين، وصالح تاجرًا، وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدروع، ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة صلى الله عليهم أجمعين" (٢). والإنسان مع أخذه بالأسباب وإثباتها لا يعتمد عليها بل ينظر إلى مسببها وهو الله . قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا قال طائفة من العلماء: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل والإعراض عن

стр. 648

الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، نما التوكل المأمور به: ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع" (١). وقال ابن القيم ﵀: "وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد؛ فالالتفات إلى الأسباب ضربان: أحدهما: شرك، والآخر عبودية وتوحيد؛ فالشرك أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، يعتقد أنها بذاتها محصلة للمقصود، فهو معرض عن المسبب لها، ويجعل نظره والتفاته مقصورًا عليها. وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها، وأداء لحق العبودية فيها، وإنزالها منازلها؛ فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب. وأما محوها أن تكون أسبابا؛ فقدح في العقل والحس والفطرة، فإن أعرض عنها بالكلية؛ كان قدحا في الشرع وإبطالا له. وحقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أن الأمر بيده، فإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه. فالموحد المتوكل؛ لا يلتفت إليها؛ بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويلغيها؛ بل يكون قائمًا بها ملتفتا إليها ناظرا إلى مسببها سبحانه ومجريها ... فإذا جمعت بين هذا التوحيد، وبين إثبات الأسباب؛ استقام قلبك على السير إلى الله ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وهو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، وبالله التوفيق" (٢). وقال الحافظ ابن رجب ﵀: "واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله

стр. 649

أمر بتعاطي الأسباب، مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. وقال سهل التستري: من طعن في الحركة -يعني في السعي والكسب- فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان، فالتوكل حال النبي ﷺ والكسب سنته، فمن عمل على حاله، فلا يتركنَّ سنته. ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام: أحدها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سببا للنجاة من النار، ودخول الجنة، فهذا لا بد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه .. فمن قصّر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعا وقدرا. الثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا، وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر والتدفي من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضا واجب على المرء تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله، فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله قد يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوي عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي ﷺ يواصل صيامه وينهى عن ذلك أصحابه. الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك لمن شاء من عباده وهو على أنواع: منها: ما يخرقه كثيرًا ويفي عنه كثيرا من خلقه، كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان وسكان البوادي ونحوها.

стр. 650

وقد اختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ فيه قولان مشهوران. وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل؛ لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون". ومنها ما يخرقه القليل من العامة، كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه فمن رزقه الله صدق يقين، وتوكل، وعلم من الله أن يخرق له العوائد ولا يحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له ترك الأسباب ولم ينكر عليه ذلك. وحديث عمر (١) هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدل على أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها، فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير" (٢). ٨ - مسألة مهمة في علاقة التداوي والاكتواء والاسترقاء بالتوكل: قد جاء عند أحمد والنسائي مرفوعًا: "من استرقى أو اكتوى فقد برئ من التوكل" (٣). والمقصود من هذا الحديث التوكل المستحب، لأن طلب الرقية جائز. وسوف يقتصر كلامنا هنا على الاسترقاء فقط، أما الاكتواء التداوي فقد سبق الكلام عنهما في بابي (التداوي) و (الكي).

стр. 651

والاسترقاء -طلب الرقية- قد قال كثير من العلماء أنه يقدح في تمام التوكل، منهم الإمام أحمد والخطابي والقاضي عياض والنووي وابن تيمية وابن القيم ﵏ وهو القول الراجح الذي يدل عليه حديث "السبعون ألفًا". قال ابن رجب: "وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل؛ لما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" ثم قال: "هم الذين لا يتطيرون، ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" (١). وقال القاضي عياض ﵀ وغيره: "الحديث يدل على أن للسبعين الألف مزية عن غيرهم وفضيلة تفردوا بها" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المسترقي يسأل غيره ويرجو نفعه وتمام التوكل ينافي ذلك، والمراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون من شيء" (٣). وقال ابن القيم ﵀: "والنبي ﷺ لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره ورضاء بما قضاه، وهذا شيء وهذا شيء" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "اعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا، كما يظنه الجهلة؛ فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمرٌ فطري ضروري، لا انفكاك لأحدٍ عنه، حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي كافيه.

стр. 652

إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة -مع حاجتهم إليها- توكلًا على الله، كالاسترقاء والاكتواء، فتركهم له ليس لكونه سببًا لكن لكونه مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببًا لشفائه بخيط العنكبوت، أما نفس مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا" (١). وقال الشيخ ابن قاسم ﵀: "وإنما المراد وصف السبعين ألفًا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم" (٢). وقال الشيخ السعدي ﵀: "ومن أخص ما يدل على تحقيق التوحيد كمال القنوت لله وقوة التوكل على الله بحيث لا يلتفت القلب إلى المخلوقين في شأن من شئونه ولا يستشرف إليهم بقلبه، ولا يسألهم بلسان مقاله وحاله بل يكون ظاهره وباطنه وأقواله وأفعاله وحبُّه وبغضُه وجميع أحواله كلها مقصودًا بها وجه الله متبعًا فيها رسول الله" (٣). وبيَّن الشيخ ابن عثيمين ﵀ أن مَنْ يطلب مَنْ يرقيه فقد فاته الكمال (٤). وقال الشيخ صالح الفوزان: "لأن طلب الرقية من الناس سؤال للمخلوقين، والسؤال للمخلوق فيه ذلة، فهم يستغنون عن الناس ويعتمدون على الله ، وهذا من تمام التوحيد أن الإنسان لا يسأل الناس ... وسؤال المال يجوز للحاجة إذا كان الإنسان مضطرًا، فإنه يجوز أن يسأل الناس حتى ترتفع ضرورته، أما السؤال الإنسان الناس وهو غني فهذا حرام" (٥).

стр. 653

٩٨ - التولة * قال الأصمعي: "التِّوَلة -بكسر التاء- هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها" (١). وقال الشوكاني: "وقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود كما أخرجه الحاكم وابن حبان في صحيحه: أنه دخل على امرأته وفي عنقها شيء معقود فجذبه فقطعه ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" قالوا: يا أبا عبد الله، هذه التمائم والرقى قد عرفناها فما التولة قال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن يعني من السحر" (٢). قال ابن حجر: "وهو ضرب من السحر وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله" (٣). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 654

* الدليل من السنة: عن ابن مسعود ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (١). * علاقة الدبلة بالتولة: يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن التولة: "ومثل ذلك الدبلة، والدبلة: خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج؛ قالت المرأة: إنه لا يحبها؛ فهم يعتقدون فيه النفع والضرر، ويقولون: إنه ما دام يد الزوج؛ فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية؛ فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية -وهي بعيدة ألا تصحبها-؛ ففيه تشبه بالنصارى، فإنها مأخوذة منهم. وإن كانت من الذهب؛ فهي بالنسبة للرجل فيها محذور ثالث وهو لبس الذهب؛ فهي إما من الشرك، أو مضاهاة النصارى، أو تحريم النوع إن كانت للرجال، فإن خلت من ذلك فهي جائزة لأنها خاتم من الخواتم" (٢). وقال ﵀ عن التولة: "وعندي أن منها ما يسمى بالدبلة إن اعتقدوا أنها صلة بين المرء وزوجته" (٣). وذكر العلاقة بينهما الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ حينما ذكر مخالفات آداب الزفاف فقال: "لبس بعض الرجال خاتم الذهب الذي يسمونه بـ "خاتم الخِطبة"، فهذا مع ما فيه من تقليد الكفار أيضًا - لأن هذه العادة سرت إليهم من النصارى ... ويرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إبهام العروس اليسرى، ويقول: باسم الأب ثم ينقله واضعا له على رأس السبابة،

стр. 655

ويقول: وباسم الابن. ثم يضعه على رأس الوسطى، ويقول: وباسم الروح القدس، وعندما يقول آمين يضعه أخيرا في البِنْصَر حيث يستقر. وقد وجه سؤال إلى مجلة المرأة (١) وأجابت عنه: "أنجِلا تَلبوت" محررة قسم هذه الأسئلة. والسؤال هو: لماذا يوضع خاتم الزواج في بنصر اليد اليسرى؟. والجواب: يقال إنه يوجد عرق في هذه الإصبع يتصل مباشرة بالقلب. وهناك أيضا الأصل القديم، عندما كان يضع العروس الخاتم على رأس إبهام العروسة اليسرى، ويقول: باسم الأب، فعلى رأس السبابة، ويقول: باسم الابن، فعلى رأس الوسطى، ويقول: وباسم روح القدس، وأخيرًا يضعه في البنصر -حيث يستقر- ويقول: آمين. وعندما يقول: آمين. يضعه أخيرًا في البنصر حيث يستقر. وقد تولى نقل هذا وترجمته الكاتبة الفاضلة ملك هنانو، فجزاها الله خيرًا" (٢). التولي: انظر (المظاهرة). * * *

стр. 656

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٩٩ - الجاهلية * الجاهلية في اللغة: مصدر صناعي، مأخوذ من الجاهلي، نسبة إلى الجاهل المشتق من الجَهْل (١). والجَهْل خلاف العلم ونقيضه. قال الليث: "الجهل نقيض العلم والجهالة: أن يفعل فعلًا بغير علم" (٢). وقال ابن خالويه: "إن هذا الاسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل بعثة الرسول ﷺ " (٣). وقال النووي ﵀: "المراد بالجاهلية، ما كان في الفترة قبل الإسلام" (٤). وقال ابن الأثير وتبعه ابن منظور: "هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله - سبحانه - ورسوله، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتجبر، وغير ذلك" (٥). قال الشيخ عبد العزيز بن باز: "ونعني بالجاهلية كل ما ليس من أتباع الرسل ﵈ كالفلاسفة والكهان والمنجمين ودهرية العرب الذين كانوا قبل

стр. 657

مبعث النبي ﷺ ، فإن هذه علوم لقوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل ﷺ " (١). * الدليل من الكتاب: ورد لفظ الجاهلية في القرآن الكريم في عدة مواضع فمن ذلك قول الله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وقال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]. الدليل من السنة: ورد في السنة لفظ الجاهلية كثيرًا فمن ذلك أن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْفِ نَذْرَكَ فَاعْتكَفَ لَيْلَةً" (٢). وقول عائشة ﵂: "النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء" (٣). وقول حذيفة ﵁: "يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر" (٤). وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠] " (٥). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" (٦).

стр. 658

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية حديث أبي ذر حين سابَّ رجلًا فعيَّره بأمه، فأتى الرجلُ النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال له النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية". فقال ﵀: "ففي هذا الحديث أن كل ما كان من أمر الجاهلية فهو مذموم؛ لأن قوله "فيك جاهلية" ذم لتلك الخصلة، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل به المقصود. وفيه: أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية. وفيه: أن الرجل - مع فضله وعلمه ودينه - قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه" (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فقوله ﷺ : "كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع" يدخل فيه كل ما كانوا عليه من العبادات والعادات، ولا يدخل فيه ما كانوا عليه من الجاهلية وأقره الله تعالى في الإسلام كالمناسك والدية والقسامة، لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه ما كانوا عليه مما لا يقره الإسلام فيدخل في ذلك كل ما كانوا عليه وإن لم ينه في الإسلام عنه بعينه" (٢). وفي حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلحِد في الحرم، ومُبتَغٍ في الإسلام سنة جاهلية، ومُطَّلِب دمَ امرئ بغير حق ليهريق دمه" (٣). وقال ابن تيمية ﵀: "والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها. فإن السنة: هي العادة، وهي الطريق التي تتكرر، لتتسع لأنواع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وقال النبي ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم" والاتباع هو الاقتفاء والاستنان. فمن

стр. 659

عمل بشيء من سننهم: فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء كان من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم" (١). وقد دخل أبو بكر الصديق ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم. فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية (٢). قال الإمام ابن تيمية: "ومعنى قوله "من عمل الجاهلية" أي مما انفرد به أهل الجاهلية، ولم يشرع في الإسلام، فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. والمكاء: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق فاتخاذ هذه قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام. وكذلك: بروز المحرم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عمل في غير الحرم ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات ... " (٣). * فائدة: مما ينهى عنه إطلاق كلمة (جاهلية القرن العشرين) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالناس قبل بعث الرسول ﷺ كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن

стр. 660

ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل. وكذلك كلما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية، ونصرانية. فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول ﷺ قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام. فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين، على الحق إلى قيام الساعة. والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال ﷺ : "أربع في أمتي من أمر الجاهلية" (١). وقال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (٢) ونحو ذلك. فقوله في هذا الحديث: "ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية" يندرج فيه كل جاهلية، مطلقة، أو مقيدة يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها، صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ ، وإن كان لفظ "الجاهلية" لا يقال غالبًا إلا على حال العرب، التي كانوا عليها، فإن المعنى واحد" (٣). وقال الشيخ الألباني ﵀: "وصفُ القرن العشرين بالجاهلية إنما ينطبق على غير المسلمين الذين لم يتبعوا الكتاب والسنة، ففي هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبقَ في المسلمين خير، وهذا خلاف ما سبق بيانه من أحاديث الرسول ﷺ المبشرة ببقاء طائفة من الأمة على الحق، ومن ذلك قوله ﵊: "إن الإسلام بدأ

стр. 661

غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء .. ". قالوا: من هم يا رسول الله .. جاء الحديث على روايات عدة، في بعضها يقول الرسول ﷺ واصفًا الغرباء "هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي". وفي رواية أخرى قال ﵊: "هم أناس قليلون صالحون بين أناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم" فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله؛ لأن فيه - ولله الحمد - بقية طيبة لا تزال على هدي النبي ﷺ وعلى سنته وستظل كذلك حتى تقوم الساعة .. " (١). وقال الشيخ صالح الفوزان: "أما ما بعد الإسلام فلا يقال له: جاهلية، لأن الجاهلية زالت والحمد لله بالإسلام، والعلم موجود، ورّثه الرسول ﷺ ، فبعد بعثة الرسول زالت الجاهلية العامّة، أما بقايا من الجاهلية أو خصال من أمور الجاهلية فقد تبْقى في أفراد من الناس أو طوائف من الناس، لكن أن يقال: الناس كلهم في جاهلية - كما يطلقه بعض الكتّاب الجهّال - فهذا باطل" (٢). وقال الشيخ ناصر العقل: "وما نزع إليه بعض الكتاب والباحثين والمفكرين، من إطلاق عبارات المجتمع الجاهلي، على المجتمعات الإسلامية أو بعضها دون تقييد أو تخصيص لمن يستحق ذلك شرعًا فإنه نهج غير سليم ويخالف القواعد الشرعية، ومنهج السلف الصالح" (٣). * فائدة: قال عمر بن الخطاب ﵁: "لا تنقض عُرى الإسلام عروة عروة حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ".

стр. 662

ولتوضيح معنى الجاهلية في قول الفاروق ﵁ نسوق لك ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث قال: "فذلك أنه إذا لم يعرف من الشرك ما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو فوقه أو دونه أو شر منه، فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بمتابعة الرسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (١).

стр. 663

١٠٠ - الجبت * يجب على المؤمن أن يكفر بالجبت وهو كل ما يعبد من دون الله. قال عمر بن الخطاب ﵁: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وكذا قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم (١). وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك: الجبت: الشيطان - زاد ابن عباس: بالحبشية -. وعن ابن عباس أيضًا: الجبت: الشرك. وعنه: الجبت: الأصنام. وعنه: الجبت: حُيي بن أخطب. وعن الشعبي: الجبت: الكاهن. وعن مجاهد: الجبت: كعب بن الأشرف (٢). وقال الجوهري: "الجبت: كلمة تقع على الصنم، والكاهن، والساحر، ونحو ذلك" (٣). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بعد أن ساق هذه الأقوال: "الظاهر أنه يعم ذلك

стр. 664

كله. كما قال الجوهري" (١). وفي الاصطلاح الشرعي: قال ابن جرير الطبري: "الجبت والطاغوت اسمان لكل معظَّم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له كائنًا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان" (٢). فالجبت كلمة تطلق على الصنم والساحر والكاهن، وفسرها عمر ﵁ عنه بالسحر. وتفسيره لها بالسحر من تفسير الشيء ببعض أفراده. قال الزجَّاج: "قال أهل اللغة: كل معبود من دون الله جبت وطاغوت" (٣). وقال الراغب الأصفهاني: "ويقال لكل ما عبد من دون الله جبت، وسمي الساحر والكاهن جبتًا" (٤). وقال القاسمي: "الجبت يطلق لغة على الصنم والكاهن والساحر والسحر الذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله تعالى. وكذا الطاغوت فيطلق على الكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب" (٥). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١]. * الدليل من السنة: عن قَبِيصَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعِيَافَةَ

стр. 665

وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنْ الْجِبْتِ". قَالَ عَوْفٌ: الْعِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الْخَطُّ يُخَطُّ فِي الأَرْضِ وَالْجِبْتُ. قَالَ: الْحَسَنُ إِنَّهُ الشَّيْطَانُ (١). وبوب الشيخ محمد ﵀ على ذلك فقال: "باب شيء من أنواع السحر". وزجر الطير: الاستدلال بأسمائها وأصواتها وممرها على ما يحصل في المستقبل. وقول الحسن عن الجبت إِنَّهُ الشَّيْطَانُ جاء في رواية: رنّة الشيطان. وهذا تفسير للجبت ببعض أفراده والرنة الصوت وأضافه إلى الشيطان لأنه يدعو إليه. ولكن رواية: رنّة الشيطان قال عنها الشيخ سليمان بن عبد الله: "لم أجد فيه كلامًا" (٢). وجاء في تفسير بقي بن مخلد: "أن إبليس رنّ أربع رنّات، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله ﷺ ، ورنة حين نزلت فاتحة الكتاب" (٣). وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن جبير قال: "لما لُعِن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة فخرج لذلك فرنّ رنة فكل رنة منها في الدنيا إلى يوم القيامة منها" (٤). والرنة الصوت. والله أعلم. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والظاهر أن رنة الشيطان؛ أي: وحي الشيطان؛ فهذه من وحي الشيطان وإملائه، ولا شك أن الذي يتلقى أمره من وحي الشيطان أنه أتى نوعًا من الكفر ... " (٥). وقد فرق العلماء بين الجبت والطاغوت، قال ابن تيمية ﵀: "فإن الطاغوت

стр. 666

هو الطاغي من الأعيان، والجبت هو من الأعمال والأقوال، كما قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. ولهذا قال النبي ﷺ : "العيافة والطيرة والطرق من الجبت". رواه أبو داود"" (١). ١٠١ - جحود شيءٍ من الأسماء والصفات انظر (كفر الجحود).

стр. 667

١٠٢ - جزيرة العرب * جاء في المصباح المنير: "جزر الماء جزرًا من بأبي ضرب وقتل: انحسر، وهو: رجوعه إلى خلف ومنه الجزيرة سميت بذلك لانحسار الماء عنها" (١). والجزيرة يحيط بها الماء من جميع جهاتها ولذا يطلق عليها البعض شبه جزيرة العرب لأن الماء يحيط بها من أغلب جهاتها. قال ابن عبد البر في التمهيد: "قال بعض أهل العلم: ... وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة العرب، لإحاطة البحر والأنهار بها، من أقطارها وأطرافها فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر" (٢). قال الفيروزابادي: وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضًا (٣). وجزيرة العرب لها خصائص وميزات تنفرد بها عن باقي أنحاء المعمورة، وقد

стр. 668

جاءت الشريعة بذكر مزاياها وواجبات نحوها لا تقوم في غيرها فهي بلاد الإسلام ومشرق نوره وفيها مهبط الوحي والحرَمَان ولها ولأهلها من الخصائص ما لا يتسع ذكره هنا ولكن يهمنا ما يتعلق بالتوحيد منه وسيأتي ما يبين ذلك عند ذكر الأحاديث. الدليل من السنة: عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (١). عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (٢). عن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٣). وفي رواية: "لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٤). وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب" (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: "لا يترك

стр. 669

بجزيرة العرب دينان" (١). وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن عبد العزيز قال: "آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أنه قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى بأرض العرب دينان" (٢). وروى مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" فأجلى يهود خيبر" (٣). وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز (٤). * فائدة في معنى قول النبي ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ". المعنى يأسه من اجتماع الناس كلهم في الجزيرة على عبادته. قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يئس من اجتماع أهل الجزيرة على الإشراك بالله تعالى. ومنذ بعثة النبي ﷺ وهي إلى يومنا هذا دار إسلام - ولله الحمد حماها الله وسائر أوطان المسلمين -، ولم يعرف الشرك فيها إلا جزئيا على فترات في فرد أو أفراد، ثم يهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى

стр. 670

دينهم الحق. على أن بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - رأى عموم هذا الحديث لأمة محمد ﷺ . قال ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر"" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يدل على عدم الوقوع؛ لأنه لما حصلت الفتوحات وقوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا أيس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة. فالحديث خبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت ولكنه لا يدل على انتفائه في الواقع" (٢). والأدلة التي تدل على وقوع الشرك في الجزيرة كثيرة منها وقوع الردة في عهد أبي بكر الصديق ومنها أحاديث صحيحة صرحت بذلك كحديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة" (٣). وحديث: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (٤) ومعلوم أن "ذو الخلصة" و"اللات" و "العزى". مكان وجودهم جزيرة العرب. حدود جزيرة العرب وكلام أهل العلم فيه: جزيرة العرب يحدها من الغرب: بحر القلزم، ويقال: بحر الحبشة ويعرف الآن باسم: البحر الأحمر. ومن الجنوب: بحر العرب ويقال: بحر اليمن. ومن الشرق: خليج البصرة ويعرف الآن باسم: الخليج العربي. وهذا التحديد من هذه الجهات الثلاث محل اتفاق بين الجغرافيين. وأما الحد الشمالي: فساحل البحر الأحمر الشرقي الشمالي وما على مُسامَتِتِه شرقًا من مشارف الشام وأطراره (الأردن
следующие страницы →