← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

هو الطاغي من الأعيان، والجبت هو من الأعمال والأقوال، كما قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. ولهذا قال النبي ﷺ : "العيافة والطيرة والطرق من الجبت". رواه أبو داود"" (١). ١٠١ - جحود شيءٍ من الأسماء والصفات انظر (كفر الجحود).

стр. 667

١٠٢ - جزيرة العرب * جاء في المصباح المنير: "جزر الماء جزرًا من بأبي ضرب وقتل: انحسر، وهو: رجوعه إلى خلف ومنه الجزيرة سميت بذلك لانحسار الماء عنها" (١). والجزيرة يحيط بها الماء من جميع جهاتها ولذا يطلق عليها البعض شبه جزيرة العرب لأن الماء يحيط بها من أغلب جهاتها. قال ابن عبد البر في التمهيد: "قال بعض أهل العلم: ... وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة العرب، لإحاطة البحر والأنهار بها، من أقطارها وأطرافها فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر" (٢). قال الفيروزابادي: وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضًا (٣). وجزيرة العرب لها خصائص وميزات تنفرد بها عن باقي أنحاء المعمورة، وقد

стр. 668

جاءت الشريعة بذكر مزاياها وواجبات نحوها لا تقوم في غيرها فهي بلاد الإسلام ومشرق نوره وفيها مهبط الوحي والحرَمَان ولها ولأهلها من الخصائص ما لا يتسع ذكره هنا ولكن يهمنا ما يتعلق بالتوحيد منه وسيأتي ما يبين ذلك عند ذكر الأحاديث. الدليل من السنة: عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (١). عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (٢). عن عمر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٣). وفي رواية: "لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٤). وعن عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: كان من آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب" (٥). وعن عائشة ﵂ قالت: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: "لا يترك

стр. 669

بجزيرة العرب دينان" (١). وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن عبد العزيز قال: "آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أنه قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقى بأرض العرب دينان" (٢). وروى مالك عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" فأجلى يهود خيبر" (٣). وعن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز (٤). * فائدة في معنى قول النبي ﷺ : "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ". المعنى يأسه من اجتماع الناس كلهم في الجزيرة على عبادته. قال الشيخ بكر أبو زيد: "ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يئس من اجتماع أهل الجزيرة على الإشراك بالله تعالى. ومنذ بعثة النبي ﷺ وهي إلى يومنا هذا دار إسلام - ولله الحمد حماها الله وسائر أوطان المسلمين -، ولم يعرف الشرك فيها إلا جزئيا على فترات في فرد أو أفراد، ثم يهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى

стр. 670

دينهم الحق. على أن بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - رأى عموم هذا الحديث لأمة محمد ﷺ . قال ابن رجب ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر"" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "يأس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب لا يدل على عدم الوقوع؛ لأنه لما حصلت الفتوحات وقوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا أيس أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة. فالحديث خبر عما وقع في نفس الشيطان ذلك الوقت ولكنه لا يدل على انتفائه في الواقع" (٢). والأدلة التي تدل على وقوع الشرك في الجزيرة كثيرة منها وقوع الردة في عهد أبي بكر الصديق ومنها أحاديث صحيحة صرحت بذلك كحديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة" (٣). وحديث: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" (٤) ومعلوم أن "ذو الخلصة" و"اللات" و "العزى". مكان وجودهم جزيرة العرب. حدود جزيرة العرب وكلام أهل العلم فيه: جزيرة العرب يحدها من الغرب: بحر القلزم، ويقال: بحر الحبشة ويعرف الآن باسم: البحر الأحمر. ومن الجنوب: بحر العرب ويقال: بحر اليمن. ومن الشرق: خليج البصرة ويعرف الآن باسم: الخليج العربي. وهذا التحديد من هذه الجهات الثلاث محل اتفاق بين الجغرافيين. وأما الحد الشمالي: فساحل البحر الأحمر الشرقي الشمالي وما على مُسامَتِتِه شرقًا من مشارف الشام وأطراره (الأردن

стр. 671

حاليًا) ومنقطع السماوة من ريف العراق. وقد وقع خلاف بين العلماء والفقهاء في حدود جزيرة العرب التي يؤمر الكافر بالخروج منها فمنهم من جعل الأمر بإخراج الكفار شاملًا الجزيرة كلها ومنهم من جعله لجزء منها ولكل منهم أدلة وإليك أقوالهم: قال الأزهري: "قال أبو عبيد عن الأصمعي: جزيرة العرب: ما بين عدن أبين (١) إلى أطراف الشام في الطول وأما العرض فمن جدة وما والاها من شط البحر إلى ريف العراق. وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة في الطول. وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة" (٢). وقال الخليل: "إنما قيل لها "جزيرة العرب"؛ لأن بحر الحبش، وبحر فارس، والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها، ومسكنها ومعدنها" (٣). قال الفيومي في المصباح المنير: "ونقل البكري أن جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمن واليمامة، وقال بعضهم: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، فأما تهامة: فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز: فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وسمي حجازًا لأنه حجز بين نجد وتهامة، وأما العروض: فهو اليمامة إلى البحرين، وأما اليمن: فهو أعلى من تهامة،

стр. 672

هذا قريب من قول الأصمعي" (١). ويقول ابن حجر: "قال الزبير بن بكار في أخبار المدينة أخبرت عن مالك، عن ابن شهاب قال: جزيرة العرب: المدينة. قال الزبير: قال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب (٢) إلى حضرموت، قال الزبير: وهذا أشبه، وحضرموت آخر اليمن " (٣). وذكر الباجي عن مالك أنه قال: "جزيرة العرب: منبت العرب، قيل لها: جزيرة العرب، بإحاطة البحور والأنهار بها" (٤). وقال مالك أيضًا: "أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله ﷺ قال: لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٥). وهذه الرواية تلتقي مع التحديد الجغرافي. وتأتي روايات أخرى. وفي رواية بكر بن محمد عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله - يعني: الإمام أحمد - عن جزيرة العرب؟ فقال: "إنما الجزيرة موضع العرب، وأي موضع يكون فيه أهل السواد والفرس، فليس هو جزيرة العرب، موضع العرب: الذي يكونون فيه" (٦). وروى ابنه عبد الله عنه، قال: "سمعت أبي يقول في حديث: "لا يبقى دينان في جزيرة العرب": تفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم. قيل له: ما كان خلف

стр. 673

العرب؟ قال: نعم" (١). وقال النووي: "وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "جزيرة العرب: هي من بحر القُلْزم إلى بحر البصرة، ومن أقصى حِجْرِ اليمامة إلى أوائل الشام؛ بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله ... " (٣). وقال الشيخ بكر أبو زيد: "ولهذا التّحديد بالمياه الإقليمية الثلاثة صارت تعرف عند المتأخرين باسم "شبه جزيرة العرب"، وإنما قيل: "جزيرة العرب"؛ بحكم إحاطتها بثلاثة أبحر، ولأن الحد الشمالي، وإن كان إلى مشارف الشام وريف العراق؛ فإن ما وراء ذلك من أنهار: بردى، ودجلة، والفرات، متصل برأس الخليج العربي، فكأن التجوز في الإطلاق بحكم المجاورة" (٤). وما سبق من الروايات والأقوال يلتقي بعضها مع التحديد الجغرافي المشهور بأن الجزيرة موضع العرب المحاط بالمياه الإقليمية الثلاثة. لكن هل يُمنع اليهود والنصارى من سكناها جميعا؟ في هذا خلاف قديم، فمنهم من يرى أن الحد الجغرافي هو التحديد الصحيح وهو أحد الأقوال عند الإمامين مالك وأحمد رحمهما الله وهو قول يذكر لشيخ الإسلام ونصره الشيخ بكر أبو زيد والقول الآخر أنها خاصة بالحجاز وما والاها.

стр. 674

واستدل أصحاب القول الثاني بحديث أبي عبيدة بن الجرَّاح ﵁ قال: آخرُ ما تكلَّم به النبيُّ ﷺ : "أخرجوا يهودَ أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١). وفي رواية: "أخرجوا اليهودَ من الحجاز" (٢). وقالوا إن الحديث وإن ورد فيه الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، إلا أن المراد بعض الجزيرة لا كلها، بدليل أن عمر ﵁ أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء، وهي من جزيرة العرب، فإن عمر ﵁ لما تولى الخلافة كان يهود في خيبر وال نجران في نجران والمجوس في هجر واشتغل بالفتوحات خارج جزيرة العرب فتح فارس والشام، ومصر وقبرص، وأخرج عمر ﵁ يهود خيبر لما نقضوا العهد، وأبقى يهود اليمن، ومجوس الأحساء. قال مالك: عمرُ أجلى أهل نجران ولم يُجلوا من تيماء؛ لأنها ليست من بلاد العرب، فأما الوادي فإني أرى إنما لم يُجل من فيها من اليهود أنهم لم يروها من أرض العرب" (٣). وفي شرح مسلم عند ذكر إجلاء عمر لليهود من خيبر، وفيه: (فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء) قال النووي: "وفي هذا دليل أن مراد النبي ﷺ بإخراج اليهود

стр. 675

والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة؛ لأن تيماء من جزيرة العرب لكنها ليست من الحجاز والله أعلم" (١). قال بشر بن عمر: "قلت لمالك إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب يريد البصرة، لأنه لا يحول بيننا وبينكم نهر، فقال: ذلك إن كان قومك تبؤوا الدار والإيمان" (٢). قال النووي: "وحكى الهروي عن مالك: أن جزيرة العرب هي المدينة والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن (٣)، وأخذ بهذا الحديث مالك، والشافعي وغيرهما من العلماء، فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب، وهو الحجاز، وهو عنده: مكة، والمدينة، واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب، بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه" (٤).

стр. 676

وألَّف الحسين بن محمد بن سعيد اللاعى المعروف بالمغربى، قاضي صنعاء ومحدثها رسالة في حديث: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" رجح فيها: أنه إنما يجب إخراجهم من الحجاز فقط محتجًا بما في رواية. بلفظ: "أخرجوا اليهود من الحجاز" (١). وقال الرملي: "ليس المراد جميع جزيرة العرب، بل الحجاز منها لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم باليمن مع أنه منها" (٢). * قال ابن قدامة بعد أن ذكر رواية عن الإمام أحمد في "جزيرة العرب المدينة وما والاها" (٣): "يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به: المدينةُ وما والاها - وهو مكة، واليمامة، وخيبر، والينبع، وفدك، ومخاليفها، وما والاها - وهذا قول الشافعي ... فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازًا لأنه حجز بين تهامة ونجد، ولا يمنعون أيضا من أطراف الحجاز كتيماء وفدك ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك" (٤). وقال ابن تيمية ﵀: "وقد أمر النبي في مرض موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد" (٥). وفي اختيارات ابن تيمية ﵀: "ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي:

стр. 677

الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان" (١). وقال ابن حجر: "لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة، وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب؛ لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها، مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور" (٢). قال العلَّامة الفقيه يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي: "وما روي أن أحدًا من الخلفاء الراشدين أجلى مَن في اليمن من أهل الذمة وإن كانت من جزيرة العرب، فدل على ما ذكرناه (٣)، وروي أيضا أن نصارى نجران أتوا عليًا ﵁ فقالوا له: إن الكتاب بيدك والشفاعة على لسانك، وإن عمر أخرجنا من أرضنا، فرُدَّنا إليها، فقال علي ﵁: إن عمر كان رشيدًا في فعله، وإني لا أُغيِّرُ شيئًا فعله عمر. ونجران ليست من الحجاز، وإنما لنقضهم الصُّلح الذي صالحهم النبي ﷺ على ترك الربا" (٤). ويتبين بهذا أن هناك فرق بين وصف جزيرة العرب وبين تخصيص الحكم ببعض هذه الجزيرة، يوضح هذا أن شيخ الإسلام في الاقتضاء لما تحدث عن اسم العرب واسم العجم والاشتباه بين العجم والفرس تكلم بعده عن اسم العرب ثم ذكر لسانهم وأصلهم ومساكنهم فقال: "مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة

стр. 678

العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة، ومن أقصي حجر اليمامة إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله" ثم ذكر ﵀ أنهم سكنوا المشرق والمغرب ... الخ فلم يكن كلامه حول معنى الحديث أو حول إخراج المشركين منه بل حول العرب فقط. ولما أراد معنى الحديث قال كما في الاختيارات: ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو [أي: الحجاز]: مكة والمدينة واليمامة والينبع وفدك وتبوك ونحوها وما دون المنحني، وهو عقبة الصوان من الشام كمعان" (١). وعلى هذا فإن العالم قد يصف جزيرة العرب بما هو أبعد من مكة والمدينة وما حولها لكنه يرى تخصيص الأمر بإخراج المشركين ببعض تلك الجزيرة. ومما يُستدل به على بطلان حمل الحديث على جزيرة العرب التي في اصطلاح الجغرافيِّين؟ قول الشافعي في الأم: "لم أعلم أن أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن وقد كانت بها ذمة وليست بحجاز، فلا يجليهم أحد من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن، وقد تقدم نقل النووي عن الشافعي ﵀ أنه خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن" (٢). وما ذكره النووي عن الشافعي حكاه ابن حجر (٣) اتفاقًا، وقال ابن القيم حاكيًا مذهب الشافعي: "وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب

стр. 679

ومنعهم من الإقامة فيها وهذا وَهْمٌ فإن النبي بعث معاذًا قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا وأقرهم فيها وأقرهم أبو بكر بعده وأقرهم عمر وعثمان وعلي ﵃ ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول الله بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلم يعرف عن إمام أنه أجلاهم من اليمن، وإنما قال الشافعي وأحمد يخرجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر وينبع ومخاليفها ولم يذكرا اليمن ولم يجلوا من تيماء أيضًا، وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر فالبحر بينها وبين الجزيرة، فهذا القول غلط محض" (١). * فائدة (١): المياه الإقليمية للحجاز وما والاها وما فيها من الجزر تابعة له في الحكم وهذا ما وضحه الإمام الشافعي حيث قال - رحمه الله تعالى -: "لا يمنع أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز - أي على سبيل العبور -، ويمنعون من المُقام في سواحله، وكذا إن كانت في بحر الحجاز جزائر وجبال تسكن؛ منعوا من سكناها؛ لأنها من أرض الحجاز"." (٢). * فائدة (٢): سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المدينة هل هي من الشام فأجاب - رحمه الله تعالى -: "مدينة النبي ﷺ من الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة النبوية من الشام، وإنما يقول هذا جاهل بحد الشام والحجاز، جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم، ولكن يقال المدينة شامية، ومكه يمنية: أي المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن وليست مكة من اليمن، ولا المدينة من الشام. وقد أمر النبي ﷺ في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز فأخرجهم عمر بن الخطاب ﵁ من المدينة، وخيبر، وينبع،

стр. 680

واليمامة، ومخاليف هذه البلاد ولم يخرجهم من الشام، بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين، وغيرهما، كما أقرهم بدمشق وغيرها. وتربة الشام تخالف تربة الحجاز، كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان. فإن الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة كما تختلف تربة الشام ومصر. كما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأما العلا، وتبوك، ونحوهما: فهو من أرض الحجاز. والله أعلم" (١). * حكم وجود غير المسلمين في جزيرة العرب: يقول ابن القيم: "قال مالك: أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها لأن رسول الله ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب .. ". وقال الشافعي: يُمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة، واليمامة، ومخاليفها وهي قراها" (٢). قال الإمام ابن باز ﵀: "فعلى الحكام في جميع أجزاء الجزيرة عليهم جميعا أن يجتهدوا كثيرا في إخراج النصارى والبوذيين والوثنيين والهندوس وغيرهم من الكفرة وألا يستقدموا إلا المسلمين. هذا هو الواجب وهو مبين بيانا جليا في قواعد الشرع الحنيف. فالمقصود والواجب إخراج الكفار من الجزيرة وأن لا يستعمل فيها إلا المسلمون من بلاد الله، ثم إن عليهم أيضا أن يختاروا من المسلمين، فالمسلمون فيهم من هو مسلم بالادعاء لا بالحقيقة، وعنده من الشر ما عنده، فيجب على من يحتاج إلى مسلمين ليستأجرهم أن يسأل أهل المعرفة حتى لا يستقدم إلا المسلمين الطيبين المعروفين بالمحافظة على الصلاة والاستقامة. أما الكفار فلا أبدًا إلا عند الضرورة الشرعية أي التي يقدرها ولاة الأمر وفق شرع

стр. 681

الإسلام وحده" (١). وقال ﵀: "هذه الجزيرة لا يستقدم لها إلا المسلمون من الرجال والنساء لأن الرسول ﷺ أمر بإخراج الكفار منها وأوصى عند موته بذلك، وأن لا يبقى فيها إلا الإسلام فقط. فهي معقل الإسلام وهي منبع الإسلام فلا يجوز أن يستقدم إليها الكفار، فالجزيرة العربية على طولها وعرضها لا يجوز أن يستقدم إليها الكفرة، ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بالناس فيما يفعلون من استقدام الكفرة لأن أكثر الخلق لا يتقيدون بحكم الشرع كما قال : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]. إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك كحاجة المسلمين إلى طبيب اضطروا إليه أو عامل اضطروا إليه يرى ولي الأمر استقدامه لمصلحة المسلمين بصفة مؤقتة؛ فلا حرج في ذلك كما استخدم النبي ﷺ اليهود في خيبر للضرورة إليهم ثم أجلاهم عمر ﵁ لما استغنى عنهم. وكذلك إذا قدموا لمصلحة المسلمين بغير إقامة كالوافدين لبيع البضائع يرجعون لمدة معلومة وأيام معدودة. وخلاصة القول أنه لا يجوز استخدام غير المسلمين إلا عند الضرورة القصوى التي يراها ولي الأمر" (٢). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أما قوله ﷺ : "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" فالمعنى: لا تقام شعائر الكفر في جزيرة العرب، يعني - مثلًا - لا تُبنى الكنائس ولا يُنادى فيها بالناقوس وما أشبه ذلك -، وليس المعنى أنه لا يتدين أحد من الناس في نفسه بل المراد أنه لا يكون لهم كنائس أو معابد أو بيع كما للمسلمين مساجد.

стр. 682

وأما قوله: "لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب": فالمراد منها: السكنى. وأما الأجراء وما أشبه ذلك فلا يدخلون في هذا؛ لأنهم ليسوا قاطنين بل سيخرجون. وأما إبقاء الرسول ﷺ يهود خيبر فيها، فإن الرسول ﷺ لم يُبقهم إبقاءًا مطلقًا عامًا، بل قال: "نقرّكم فيها ما شئنا"، يعني: إلى أمد. وهذا الأمد كان لانتهائه سبب وذلك في عهد عمر ﵁ حيث اعتدوا على عبد الله بن عمر وعلى الرجل الذي بات عنده ولم يوفوا بما عليهم فطردهم عمر ﵁" (١). وقال ﵀ لما سئل عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية: "لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلمًا يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يُمنحوا إقامة مطلقة" (٢). وقال الشيخ بكر أبو زيد بعد ذكر أحاديث النهي: "فهذه الأحاديث في الصِّحاح نص على أن الأصل شرعًا منع أي كافر - مهما كان دينه أو صفته - من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب، وأن هذا الحكم من آخر ما عهده النبي ﷺ إلى أمته" (٣). ويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله -: "ليس معنى (أخرجوهم) أن كل واحد يخرجهم، هذا من صلاحيات ولي الأمر الذي له الحل والعقد" (٤). وهناك إشكالات ينبغي أن يذكر الجواب عنها: ١ - أن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي. قال ابن القيم: "وأما رهن النبي درعه

стр. 683

عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يقدمون المدينة بالميرة والتجارة من حولها أو من أهل خيبر وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة فأما بنو قينقاع فحاربهم أولًا ثم من عليهم وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر وأجلى بني قينقاع أيضا وقتل بني قريظة وأجلى كل يهودي كان بالمدينة فهذا اليهودي المرتهن الظاهر أنه من أهل العهد قدم المدينة بطعام أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه فالله أعلم" (١). ٢ - أن رسول الله ﷺ قد أقر أهل خيبر بها إلى أن قبضه الله وهي من جزيرة العرب قال ابن القيم: "قيل أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يقرهم إقرارًا لازمًا بل قال نقركم ما شئنا، وهذا صريح في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزًا من جهته متى شاء نقضه بعد أن ينبذ إليهم على سواء، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر ﵁، فروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ أنه لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فقال إن رسول الله كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما أقركم الله تعالى، وإن عبد الله ابن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه وليس لنا هناك عدو غيرهم: هم عدونا وتهمتنا وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر ﵁ على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر ﵁: أظننت أني نسيت قول رسول الله: كيف بك إذا خرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة. فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله. قال فأجلاهم عمر ﵁ وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك.

стр. 684

وفي صحيحه أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: أتى رسول الله أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح ويخرجون منها، واشترط عليهم ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله لعم حيي - واسمه سعية -: ما فعل مسك حيي الذي جاؤوا به من النضير؟ قال أذهبته النفقات والحروب، فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك، وقد كان حيى قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله سعية إلى الزبير فمسه بعذاب فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيى بن أخطب، وسبى رسول الله ذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، ولا يفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع وتمر ما بدا لرسول الله، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عام يخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: أتطعمونني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض الناس إلي من عدلكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على ألا أعدل عليكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. فكان رسول الله يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام وعشرين وسقًا من شعير فلما كان زمان عمر ﵁ غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم فقسمها عمر ﵁ بينهم، فقال

стр. 685

رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله وأبو بكر، فقال عمر ﵁ لرئيسهم أتراه سقط علي قول رسول الله: كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا. وقسمها عمر ﵁ بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية" (١). ٣ - إن قيل: كيف استجاز عمر ﵁ إخراج أهل نجران وقد صالحهم النبي ﷺ ؟. قال ابن القيم: "فإن قيل فأهل نجران كان النبي ﷺ قد صالحهم وكتب لهم كتاب أمن على أرضهم وأنفسهم وأموالهم فكيف استجاز عمر ﵁ إخراجهم؟ قيل: قد قال أبو عبيد: إنما نرى عمر قد استجاز إخراج أهل نجران وهم أهل صلح لحديث يروى عن النبي ﷺ فيهم خاصة يحدثونه عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة عن ابن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ أنه كان آخر ما تكلم به أن قال: "أخرجوا اليهود من الحجاز وأخرجوا أهل نجران من جزيرة العرب". فإن قيل زدتم الأمر إشكالًا! فكيف أمر بإخراجهم وقد عقد معهم الصلح؟ قيل: الصلح كان معهم بشروط، فلم يفوا بها فأمر بإخراجهم، قال أبو عبيد: وإنما نراه قال ذلك لنكث كان منهم أو لأمر أحدثوه بعد الصلح، قال: وذلك بَيِّن في كتاب كتبه عمر ﵁ إليهم قبل إجلائه إياهم، منها حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن عون قال: قال لي محمد بن سيرين: انظر كتابًا قرأته عند فلان بن جبير فكلم فيه زياد بن جبير، قال: فكلمته فأعطاني، فإذا في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رعاش كلهم، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:

стр. 686

فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتددتم بعد، وإنه من يتب منكم ويصلح لا يضره ارتداده ونصاحبه صحبة حسنة، فادكروا ولا تهلكوا وليبشر من أسلم منكم، فإن أبى إلا النصرانية فإن ذمتي بريئة ممن وجدناه بعد عشر تبقى من شهر الصوم من النصارى بنجران. أما بعد: فإن يعلى كتب يعتذر أن يكون أكره أحدًا منكم على الإسلام أو عذبه عليه إلا أن يكون قسرًا جبرًا ووعيدًا لم ينفذ إليه منه شيء. أما بعد: فقد أمرت يعلى أن يأخذ منكم نصف ما عملتم من الأرض، وإني لن أريد نزعها منكم ما أصلحتم. وقال الشيخ في المغني: فأما إخراج أهل نجران منها فلأن النبي صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده" (١). * يمنع الكافر من دخول حرم مكة بكل حال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. قال عطاء ﵁ في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ قال: يريد الحرم كله وفي لفظ: لا يدخل الحرم كله مشرك (٢). قال الإمام أحمد: "ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحرم" (٣). قال الشافعي: "لا يدخل الكافر المسجد الحرام بحال، ويدخلُ غيره من

стр. 687

المساجد للحاجة كما دخل ثمامة وأبو سفيان" (١). وقد رد ذلك ابن العربي ﵀ وضعفه عليه بقوله: "ذلك أن دخول ثمامة في المسجد في الحديث الصحيح، ودخول أبي سفيان فيه على الحديث الآخر كان قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فمنع الله المشركين من دخول المسجد الحرام نصًا ومنع من دخول سائر المساجد تعليلًا بالنجاسة، ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس" (٢). قال النووي: "قال العلماء ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم وحجة الجماهير قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والله أعلم" (٣). وقال ابن القيم: "وأما الحرم فيمنعون دخوله بكل حال، ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله فإن دخل أحدهم فمرض أو مات أُخرج، وإن دفن نبش، وهل يمنعون من حرم المدينة؟. حُكي عن أحمد - رحمه الله تعالى - فيه روايتان كما تقدم وقد صح عن النبي ﷺ أنه أنزل وفد نصارى نجران في مسجده وحانت صلاتهم فصلوا فيه وذلك عام

стр. 688

الوفود بعد نزول قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلم تتناول الآية حرم المدينة ولا مسجدها" (١). * مسألة: فإن قيل إن المنع من قربان المسجد الحرام خاص بالمشركين: قال ابن القيم: "فإن قيل: الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام ولم يمنع أهل الكتاب منه ولهذا أذن مؤذن النبي يوم الحج الأكبر أنه لا يحج بعد العام مشرك، والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب فلم يتناولهم المنع. قيل للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين: الأول: فابن عمر وغيره كانوا يقولون هم من المشركين، قال عبد الله بن عمر ﵄: لا أعلم شركًا أعظم من أن يقول المسيح ابن الله وعزيز ابن الله وقد قال تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. والثاني: لا يدخلون في لفظ المشركين؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، قال شيخنا (٢): والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد، فليسوا من المشركين في الأصل والشرك طارئ عليهم فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم

стр. 689

نجسًا، والحكم يعم بعموم علته، فإن قيل فالآية نبهت على دخولهم الحرم عوضًا عن دخول عباد الأوثان فإنه سبحانه قال: ﴿هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فإنها لما نزلت انقطع عنهم ما كان المشركون يجلبون إليهم من الميرة فأعاضهم الله بالجزية، قيل ليس في هذا ما يدل على دخول أهل الجزية المسجد الحرام بوجه ما، بل تؤخذ منهم الجزية وتحمل إلى من بالمسجد الحرام وغيره - على أن الإغناء من فضل الله وقع بالفتوح والفيء والتجارات التي حملها المسلمون إلى مكة. فإن قيل: فالآية إنما منعت قربانهم المسجد الحرام خاصة، فمن أين لكم تعميم الحكم للحرم كله؟ قيل: المسجد الحرام يراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء: نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله: فالأول: كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. والثاني: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ على أنه قد قيل إن المراد به ها هنا الحرم كله، والناس سواء فيه. والثالث: كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وإنما أسرى به من داره من بيت أم هانئ. وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ أن المراد مكة كلها والحرم ولم يخص ذلك أحد منهم بنفس المسجد الذي يطاف فيه، ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها ولم

стр. 690

يكونوا يمنعون من المدينة كما في الصحيح أن رسول الله مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله، فلم يجلهم رسول الله عند نزولها من الحجاز وأمر مؤذنه أن يؤذن بأن لا يحج بعد العام مشرك. فإن قيل: فما تقولون في دخولهم مساجد الحل؟ قيل: إن دخلوها بغير إذن مُنعوا من ذلك ولم يمكنوا منه؛ لأنهم نجس والجنب والحائض أحسن حالًا منهم وقد منعا من دخول المساجد وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد ووجه الجواز أن رسول الله ﷺ أنزل الوفود من الكفار في مسجده فأنزل فيه وفد نجران ووفد ثقيف وغيرهم" (١). * حكم بناء معابد للكفرة في الجزيرة العرب: قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "الوثنية المحضة لا تقر بحال لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها والمرتدون أغلظ وأغلظ واليهود والنصارى يقرون بالجزية لكن لا في جزيرة العرب "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". وإقرار النبي ﷺ لليهود في خيبر بالجزية لإصلاح ما يصلحون منسوخ بما أوصى به عند موته". [في كتاب الجهاد من الفتاوى]. وقال الشيخ ابن باز ﵀: "لا يجوز أن يُبنى في الجزيرة معابد للكفرة لا النصارى ولا غيرهم، وما بُني فيها يجب أن يهدم مع القدرة، وعلى ولي الأمر أن يهدمها ويزيلها ولا يبقي في الجزيرة مبادئ أو معاقل للشرك ولا كنائس ولا معابد بل يجب أن تزال من الجزيرة حتى لا يبقى فيها إلا المساجد والمسلمون" (٢). وقال الشيخ بكر أبو زيد: "وليس لكافر إحداث كنيسة فيها، ولا بيعة، ولا صومعة، ولا بيت نار، ولا نصب صنم؛ تطهيرًا لها عن الدين الباطل، ولعموم

стр. 691

الأحاديث ... ولا تدفن جيفة كافر بها، فإن مات على أرض الجزيرة؛ نقل عنها؛ إلا للضرورة؛ كالتعفن، فتغيب جيفته في غير مقبرة للمسلمين" (١). ١٠٣ - الجفر وعلاقته بالتنجيم قال في المصباح: "الجفر من ولد الشاء: ما جفر جنباه أي اتسع. قال ابن الأنباري في تفسير حديث أم زرع: الجفرة: الأنثى من ولد الضأن والذكر جفر والجمع جفار وقيل الجفر من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر والأنثى جفرة" (٢). والجفر تنسبه الرافضة كذبًا إلى علي بن أبي طالب ﵁ وتقول أنه وجد في بعير مرقوم حروف مفرقة مكتوب فيها ما جرى للأولين والآخرين. انظر: باب (أباجاد). ١٠٤ - الجماعة انظر: باب (أهل السنة والجماعة).

стр. 692

١٠٥ - الجن * قال الجوهري: "الجن خلاف الإنس والواحد جني، يقال سميت بذلك لأنها تُتقى ولا ترى" (١). وقال ابن الأثير: "ومنه قوله جنّ عليه الليل. أي: ستره، وبه سُمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار، ومنه سُمّي الجنين لاستتاره في بطن أمه" (٢). وقال ابن منظور: "وكل شيء سُتر عنك فقد جُنَّ عنك. والجان: الجن وهو اسم جمع كالجامل والباقر وفي التنزيل العزيز ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩] " (٣). وقد يطلق الجان ويراد به إبليس (٤) كما ذكر الطبري في قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]. قال: "عنى بالجان ها هنا إبليس أبا الجن" (٥). أما لفظ إبليس فمأخوذ من أبلس أي يئس لأنه أبلس من ﵀ أي أيس منها والجمع بُلُسٌ، والإبلاس الحيرة. قال الطبري ﵀: "هو الإياس من الخير والندم

стр. 693

والحزن" (١). وقد رجح الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله أن إبليس هو أبو الجن (٢) ثم أولاد إبليس هؤلاء منهم المؤمن ومنهم الكافر، قال ابن حجر: "فمن كان كافرًا سمي شيطانًا وإلا قيل له جني" (٣). والشيطان في اللغة كل عات متمرد طاغ من الجن والإنس والدواب (٤)، ودليل إطلاقه على الإنس قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. ومن الجن من يعمّر ومنهم من يموت، ومنهم أمة يأكلون ويشربون، وفيهم ذكور وإناث ويتناسلون ويتكاثرون، ولهم آجال كآجال بني آدم، ومآل الجميع للموت كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، لكن إبليس أبو الجن قد أمهله الله إلى يوم البعث ثم يكون الموت له كما قال : ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨]. فوائد وأحكام: ١ - هل إبليس من الملائكة ؟ أصل إبليس مخلوق من مارج من نار بخلاف الملائكة الذين خلقوا من نور وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].

стр. 694

قال الحسن البصري: "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين" (١)، وإنما استثنى إبليس من الملائكة لأنه كان مأمورًا بالسجود معهم وكان لشدة عبادته وبعده عن المخالفة قبل أن يعصي الله شبيهًا بالملائكة فأخذ حكمهم. قال ابن كثير: "وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبَّد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة" (٢). فجاء الأمر على تغليب الأكثر وهم الملائكة. وقال بعض أهل العلم أن إبليس من الملائكة وجمهور أهل العلم على أنه من الجن وهو القول الصحيح (٣). قال الإمام ابن تيمية ﵀: "أنه كان منهم - أي من الملائكة - باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله" (٤). والذي يرتبط ببحثنا هنا أمور كثيرة تتعلق بالجن: من ذلك استخدام الكهنة والعرافين والسحرة للجن، ومن ذلك معرفة عجزهم عن معرفة الغيب وعجزهم عن الإتيان بالمعجزات كما أنهم لا يسّمعون إلى الملأ الأعلى (٥) بعد ما حرست السماء قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩]، وكذلك الإيمان بأن لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥].

стр. 695

٢ - حكم استخدام الجن: قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: "فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، ونحو ذلك، واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به واستغاثته وخضوعه" (١). فالغالب فيمن يستخدم الجن أن يدفع ثمن ذلك الاستخدام ويكون ذلك بطرق شركية كالذبح لهم أودعائهم أو الاستغاثة بهم وغير ذلك وكلما كثر من المستخدم ذلك كلما ازداد الجن في خدمته. قال ابن تيمية ﵀: "ولهذا كثير من هذه الأمور يكتبون فيها كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله ، إما حروف الفاتحة، وإما حروف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وإما غيرهما، إما دم وإما غيره، وإما بغير نجاسة، أو يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان، أو يتكلمون بذلك. فإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين؛ أعانتهم على بعض أغراضهم؛ إما تغوير ماء من المياه، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس؛ كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين، ومن لم يذكر اسم الله عليه، وتأتي به، وإما غير ذلك" (٢). ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية حكم استخدامهم فيقول: "فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه، ويأمر الإنس

стр. 696

بذلك، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى، وهو في ذلك من خلفاء الرسول ونوابه. ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كان يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حرم عليهم ويستعملهم في مباحات له، فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك، وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول: كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في لشرك وإما في قتل معصوم الدم في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه. وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة، فهذا استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق، وإما مذنب غير فاسق، وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات: مثل أن يستغن بهم على الحج أو أن يطيروا به عند السماع البدعي، أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة، ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به" (١). وفي فتاوى العقيدة للشيخ ابن عثيمين تلخيص لكلام ابن تيمية هذا نصه: "وأما سؤال الجن وسؤال من يسألهم، فإن كان على وجه التصديق في كل ما يخبرونه به والتعظيم للمسؤول فحرام، وإن كان ليمتحن حاله ويختبر باطن أمره وعنده ما يميز صدقه من كذبه فهذا جائز، وذكر أدلة ذلك ثم قال: وكذلك إذا كان يسمع ما يقولونه ويخبرون به عن الجن كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار الفجار ليعرفوا ما

стр. 697

عندهم فيعتبروا به وكما يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة، ثم ذكر أنه روى عن أبي موسى الأشعري أنه أبطأ عليه خبر عمر وكان هناك امرأة لها قرين من الجن فسأله عنه فأخبره أنه ترك عمر يسم إبل الصدقة. وفي خبر آخر أن عمر أرسل جيشا فقدم شخص إلى المدينة فأخبر أنهم انتصروا على عدوهم، وشاع الخبر فسأل عمر عن ذلك فذكر له فقال: هذا أبو الهيثم بريد المسلمين من الجن وسيأتي بريد الإنس بعد ذلك فجاء بعد ذلك بعدة أيام" (١). قال الشيخ سليمان - رحمه الله تعالى - في كتابه التيسير: "فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، والذي يحل السحر، فقال في الكافي ذكرهما أصحابنا في السحرة الذين ذكرنا حكمهم. وقد توقف أحمد لما سئل عن الرجل يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه، فنفض يده وقال: ما أدري ما هذا؟ قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل؟ قال: ما أدري هذا؟ قال: وهذا يدل على أنه لا يكفر صاحبه ولا يقتل. قلت - القائل الشيخ سليمان -: إن كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك بالله والتقرب إلى الجن، فإنه يكفر ويقتل، ونص أحمد لا يدل على أنه لا يكفر، فإنه قد يقول مثل هذا في الحرام البيِّن" (٢). وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "وبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "إن الجن قد تخدم الإنسي" وهذا المقام فيه نظر وتفصيل؛ ذلك أنه ﵀ ذكر في آخر كتاب "النبوات": أن أولياء الله لا يستخدمون الجن إلا بما فعله معهم رسول الله ﷺ بأن أمرَهم ونهاهم، أي: بالأوامر، والنواهي الشرعية، أما

стр. 698

طلب خدمتهم وطلب إعانتهم فإنه ليس من سجايا أولياء الله، ولا من أفعالهم، قال: مع أنه قد تنفع الجن الإنسَ، وقد تقدم له بعض الخدمة ونحو ذلك، وهذا صحيح من حيث الواقع. فالحاصل أن المقام فيه تفصيل: فإذا كان الاستخدام بطلب الخدمة من الجني المسلم، فهذا وسيلة إلى الشرك، ولا يجوز أن يعالج عند أحد يُعرف منه أنه يستخدم الجن المسلمين، وإذا كانت الجن تخدم بعض الناس بدون طلبه، فإن هذا قد يحصل، لكن لم يكن هذا من خلق أولياء الله، ولا مما سخره الله جل وعلا لخاصة عباده، فلا يسلم مَنْ هذا حالُه من نوع خلل جعلتْ الجن تُكثر من خدمته وإخباره بالأمور، ونحو ذلك. فالحاصل: أن هذه الخدمة إذا كانت بطلب منه، فإنها لا تجوز، وهي نوع من أنواع المحرمات؛ لأنها نوع استمتاع، وإذا كانت بغير طلب منه فينبغي له أن يستعيذ بالله من الشياطين ويستعيذ بالله من شر مردة الجن؛ لأنه قد يؤدِّي قبول خبرهم، واعتمادُه إلى حصول الأُنس بهم، وقد يقوده ذلك الاستخدام إلى التوسل بهم والتوجّه إليهم - والعياذ بالله -. فإذا تبين ذلك: فإن خبر الجن عند أهل العلم ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به عند أهل الحديث، وذكر ذلك أيضًا الفقهاء، وهذا صحيح؛ لأن البناء على الخبر وقبوله: هو فرعٌ عن تعديل المخبر، والجني غائب، وعدالته غير معروفة، وغير معلومة عند السامع، فإذا بنى الخبر عمن جاءه به من الجن وهو لم يرهم، ولم يتحقق عدالتهم إلا بما سمع من خطابهم - وهي لا تكفي - فإنه يكون قد قبل خبر من يحتمل أنه فاسق؛ ولهذا قال الله - جل وعلا -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾.

стр. 699

[الحجرات:٦]، والذين يقبلون إخبار الجن، وإعلام الجن لهم ببعض الحوادث، تحصل منهم مفاسد متنوعة كثيرة، منها هنا: جزمم بصحة ما أخبرتهم به الجن فربما حصل بسبب ذلك مفاسد عظيمة من الناس الذين أُخبروا بذلك، فيكثر القيل والقال، وقد تفرقت بعض البيوت من جراء خبر قارئ جاهل يزعم أن الذي فعل هذا هو فلان باعتبار الخبر الذي جاءه، ويكون الخبر الذي جاءه من الجني خبرًا كذبًا، فيكون قد اعتمد على نبأ هذا الذي لا يعلم عدالته، وبنى عليه وأخبر به، فيحصل من جَرَّائه فرقة واختلاف وتفرق وشتات في البيوت، ونعلم قد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ﵀ ن إبليس ينصب عرشه على ماء، ويبعث سراياه، فيكون أحب جنوده إليه من يقول له: فرّقت بين المرأة وزوجها (١)، وهذا من جملة التفريق الذي يسعى إليه عدو الله، بل الغالب أن يكون من هذه الجهة، فأحب ما يكون إلى عدو الله أن يفرق بين المؤمنين؟ ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أيضًا مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" (٢). فهذه المسألة يجب على طلاب العلم أن يسعوا في إنكارها، وبذل الجهد في إقامة الحجة على من يستخدم الجن، ويتذرع بأن بعض العلماء أباح ذلك، والواقع أن هذا العمل وسيلة من وسائل الشرك بالله - جل وعلا -، واقرؤوا أول كتاب "تاريخ نجد" لابن بشر، حيث قال: إن سبب دخول الشرك إلى قرى نجد أنه كان بعض البادية إذا أتى وقت الحصاد، أو أتى وقت خرف النخيل، فإنهم يقطنون بجانب تلك القرى ومعهم بعض الأدوية والأعشاب فإذا كانوا كذلك فربما سألهم بعض جهلة تلك القرى حى حببوا إليهم بعض تلك الأفعال المحرمة من

стр. 700

جراء سؤالهم، وحببوا إليهم بعض الشركيات، أو بعض البدع، حتى فشا ذلك بينهم، فبسبب هؤلاء المتطببين الجهلة والقراء المشعوذين انتشر الشرك - قديمًا - في الديار النجدية وما حولها، كما ذكر ابن غنام. وقد حصل أن بعض مستخدمي الجن كثر عنده الناس، فلما رأى من ذلك صار يعالج علاجًا نافعًا فزاد تسخُّر الجن له، حتى ضعُف تأثيره، فلما ضعف تأثيره ولم يستطع مع الحالات التي تأتيه للقراءة أو للعلاج شيئًا صار تعلقه بالجن أكثر، ولا زال ينحدر ما في قلبه من قوة اليقين، وعدم الاعتماد بقلبه على الجن، حتى اعتمد عليهم شيئًا فشيئًا، ثم حَرَفوه - والعياذ بالله - عن السنة، وعما يجب أن يكون في القلب من توحيد الله وإعظامه، وعدم استخدام الجن في لأغراض الشركية، فجعلوه يستخدم الجن في أغراض شركية وأغراض لا تجوز بالاتفاق. فهذا الباب مما يجب وصده، وكذلك يجب إنكار وسائل الشرك والغواية، وحكم من يستخدم الجن ويعلن ذلك، ويطلب خدمتهم لمعرفة الأخبار فهذا جاهل بحقيقة الشرع، وجاهل بوسائل الشرك، وما يصلح المجتمعات وما يفسدها، والله المستعان" (١). ٣ - قال ابن كثير: "ولا شك أن الجن لم يبعث الله تعالى منهم رسولًا. لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩] " (٢). وقد ذكر ابن عباس أن الجن فيهم نذر والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قال ابن القيم ﵀: "ولما كان الإنس أكمل من الجن أتم عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجن وهم: الرسل، والأنبياء،

стр. 701

والمقربون. فليس في الجن صنف من هؤلاء، بل حليتهم الصلاح، وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء محتجين على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وبقوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، وهذا قول شاذ لا يُلتفت إليه ولا يُعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أمرت الجن باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم، ونظير هذا أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم، فهذا لا يقتضي أن يكون من هؤلاء رسل ومن هؤلاء. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وليس في كل سماء قمر، وقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فهؤلاء نذر وليسوا برسل، قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا، وأما تسميته تعالى الجن رجلًا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم في الرجال عند

стр. 702

الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه" (١) قال ابن مفلح ﵀ في الفروع: "لم يبعث إليهم - أي الجن - نبي قبل نبينا محمد ﷺ " (٢). قال الشيخ ابن عثيمين معلقًا على كلام ابن مفلح: "ويشهد له قوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة" (٣). فأما قوله تعالى عن الجن ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٣٠]. فظاهره أنهم كانوا يتعبَّدون بشريعة موسى، وكذا هو ظاهر حال الجن المسخرين لسليمان أي أن الظاهر أنهم كانوا يتعبدون بشريعة سليمان، وكان يتعبد بشريعة موسى، هكذا قيل إنه ظاهر حالهم وفيه نظر ولكن يكفينا ظاهر الآية. والجواب: أن الظاهر أنه لم يكلف بالرسالة إليهم، وإن كانوا قد يتعبدون بها - والله أعلم - " (٤). ٤ - أنكر بعض من قصر علمه وقوع المس وصرع الجن مع وجود الأدلة الظاهرة على دخول الجن في الإنس. قال ابن حجر ﵀: "ويكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذى به والأول هو الذي يثبته الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجا إلا بمقاومة الأرواح الخيرية

стр. 703

العلوية لتندفع آثار الأرواح الشرية السفلية وتبطل أفعالها" (١). ومن الأدلة على وجود الصرع والمس قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال الإمام القرطبي: "في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس" (٢). وقال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني بذلك يتخبطه الشيطان في الدنيا فيصرعه من المس يعني من الجنون" (٣). وقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية أي: "لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرًا" (٤). وقال الألوسي: "إلا قيامًا كقيام المتخبط المصروع في الدنيا، والتخبط تَفَعُّل بمعنى فعل، وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ... وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ أي الجنون، يقال مس الرجل فهو ممسوس: إذا جن، وأصله اللمس باليد وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون" (٥).

стр. 704

وفي حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلِّي فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: "ابن أبي العاص؟ " قلت: نعم رسول! قال: "ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: "ذاك الشيطان، ادنُهْ" فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: "اخرج عدو الله" ففعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: "الحق بعملك" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قلت لأبي: إن أقوامًا يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع. فقال: يا بني يكذبون، هذا يتكلم على لسانه. وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربًا عظيمًا لو ضرب به جمل لأثر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه، ويحول آلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علمًا ضروريًا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان.

стр. 705

وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك" (١). وقال ابن القيم ﵀: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثاني: هو ما يتكلم فيه الأطباء، في سببه وعلاجه. أما صرع الأرواح فإن عقلاء الأطباء يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقاومة الأرواح الشريفة الخيرية العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك أبقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا ما ينفع من الصرع الذي سببه من الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع منه، هذا العلاج" (٢). ١٠٦ - الحازر الحزر: التقدير والخرص تقول حزر الشيء فهو حازر. والمراد هنا الخارص الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به. انظر باب (الكهانة). ١٠٧ - حب الله انظر باب (المحبة).
следующие страницы →