← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

والمقربون. فليس في الجن صنف من هؤلاء، بل حليتهم الصلاح، وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء محتجين على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام:١٣٠]، وبقوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩]، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، وهذا قول شاذ لا يُلتفت إليه ولا يُعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أمرت الجن باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم، ونظير هذا أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم، فهذا لا يقتضي أن يكون من هؤلاء رسل ومن هؤلاء. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وليس في كل سماء قمر، وقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فهؤلاء نذر وليسوا برسل، قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا، وأما تسميته تعالى الجن رجلًا في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم في الرجال عند

стр. 702

الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه" (١) قال ابن مفلح ﵀ في الفروع: "لم يبعث إليهم - أي الجن - نبي قبل نبينا محمد ﷺ " (٢). قال الشيخ ابن عثيمين معلقًا على كلام ابن مفلح: "ويشهد له قوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة" (٣). فأما قوله تعالى عن الجن ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ [الأحقاف: ٣٠]. فظاهره أنهم كانوا يتعبَّدون بشريعة موسى، وكذا هو ظاهر حال الجن المسخرين لسليمان أي أن الظاهر أنهم كانوا يتعبدون بشريعة سليمان، وكان يتعبد بشريعة موسى، هكذا قيل إنه ظاهر حالهم وفيه نظر ولكن يكفينا ظاهر الآية. والجواب: أن الظاهر أنه لم يكلف بالرسالة إليهم، وإن كانوا قد يتعبدون بها - والله أعلم - " (٤). ٤ - أنكر بعض من قصر علمه وقوع المس وصرع الجن مع وجود الأدلة الظاهرة على دخول الجن في الإنس. قال ابن حجر ﵀: "ويكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذى به والأول هو الذي يثبته الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجا إلا بمقاومة الأرواح الخيرية

стр. 703

العلوية لتندفع آثار الأرواح الشرية السفلية وتبطل أفعالها" (١). ومن الأدلة على وجود الصرع والمس قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال الإمام القرطبي: "في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس" (٢). وقال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني بذلك يتخبطه الشيطان في الدنيا فيصرعه من المس يعني من الجنون" (٣). وقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية أي: "لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياما منكرًا" (٤). وقال الألوسي: "إلا قيامًا كقيام المتخبط المصروع في الدنيا، والتخبط تَفَعُّل بمعنى فعل، وأصله ضرب متوال على أنحاء مختلفة ... وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ أي الجنون، يقال مس الرجل فهو ممسوس: إذا جن، وأصله اللمس باليد وسمي به لأن الشيطان قد يمس الرجل وأخلاطه مستعدة للفساد فتفسد ويحدث الجنون" (٥).

стр. 704

وفي حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلِّي فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله ﷺ فقال: "ابن أبي العاص؟ " قلت: نعم رسول! قال: "ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: "ذاك الشيطان، ادنُهْ" فدنوت منه، فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: "اخرج عدو الله" ففعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: "الحق بعملك" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجود الجن ثابت بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق سلف الأمة وأئمتها، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (٢). وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قلت لأبي: إن أقوامًا يقولون: إن الجني لا يدخل في بدن المصروع. فقال: يا بني يكذبون، هذا يتكلم على لسانه. وهذا الذي قاله أمر مشهور، فإنه يصرع الرجل فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويضرب على بدنه ضربًا عظيمًا لو ضرب به جمل لأثر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس بالضرب، ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يجر المصروع، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه، ويحول آلات، وينقل من مكان إلى مكان، ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علمًا ضروريًا بأن الناطق على لسان الإنسي والمحرك لهذه الأجسام جنس آخر غير الإنسان.

стр. 705

وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك" (١). وقال ابن القيم ﵀: "الصرع صرعان: صرع من الأرواح الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة، والثاني: هو ما يتكلم فيه الأطباء، في سببه وعلاجه. أما صرع الأرواح فإن عقلاء الأطباء يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقاومة الأرواح الشريفة الخيرية العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها وقد نص على ذلك أبقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا ما ينفع من الصرع الذي سببه من الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع منه، هذا العلاج" (٢). ١٠٦ - الحازر الحزر: التقدير والخرص تقول حزر الشيء فهو حازر. والمراد هنا الخارص الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به. انظر باب (الكهانة). ١٠٧ - حب الله انظر باب (المحبة).

стр. 706

١٠٨ - الحب في الله والبغض فيه * الولاية والبراء - المحبة أصل من أصول الإيمان بل هو رأس الإيمان، وهو أن تحب في الله وتبغض فيه، تحب أنبياءه ورسله وعباده الصالحين، وتبغض أعداءه وأعداء رسله أجمعين، وكما أن الحب في الله أمر عظيم وجليل فكذلك البغض فيه لا بد أن يقارن الحبَّ في الله. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وكيف يدعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه الذين ظاهروا الشيطان على ربهم، واتخذوه وليًا من دون الله كما قيل: تحب عدوي ثم تزعم أنني ... صديقُك إن الودَّ عنك لعازبُ" (١). وقال الشيخ السعدي ﵀: "وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر وهو مع ذلك مُوادٌّ لأعداء الله مُحبٌّ لمن نبذ الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعميٌ، لا حقيقة له، فإن كل أمر لابد له من برهان تصدقه فمجرد الدعوى لا تفيد شيئًا، ولا يصدق صاحبها" (٢). فالحب في الله والبغض في الله من لوازم كلمة التوحيد كما قال ابن رجب: "فإن تحقق القلب بمعنى "لا إله إلا الله" وصدقه فيه، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده إجلالًا وهيبةً، ومخافةً ومحبةً، ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبةٌ

стр. 707

ولا إرادةٌ ولا طلبٌ لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، فتبيَّن بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: لا إله إلا الله، إلا لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك، كان ذلك نقصًا في التوحيد، وهو من نوع الشرك الخفي، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (١) [الأنعام: ١٥١] قال: لا تحبوا غيري" (٢). قال ابن تيمية: "فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حبه ما يحب وبغض ما يبغض. والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الفسوق والعصيان" (٣). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي

стр. 708

إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩]. * الدليل من السنة: عن البراء بن عازب قال: "كنا جلوسًا النبي ﷺ ، فقال: "أي عرى الإيمان أوثق "؟ قالوا: الصلاة، قال: "حسنة، وما هي بها". قالوا: الزكاة، قال: "حسنة، وما هي بها". قالوا: الصيام، قال: "حسن، وما به". قالوا: الحج، قال: "حسن، وما هو به". قالوا: الجهاد، قال: "حسن، وما به". قال: "إن أوثق عرى الإيمان ان تحب في الله وتبغض في الله"" (١). وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله" (٢). وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "من أعطى لله، ومنع الله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه" (٣). وروى ابن عباس ﵄ من حديث طويل أن من دعائه ﷺ : "اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك وعدوا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك" (٤). وروى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله ﷺ لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه فقال: "يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعملوا أن الله عبادا ليسوا بأنبياء

стр. 709

ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله" فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله، أنعتهم لنا - يعني صفهم لنا - فسر وجه رسول الله ﷺ لسؤال الأعرابي فقال رسول الله ﷺ : "هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورًا، وثيابهم نورًا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (١). وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (٢). وعن الزبير بن العوام أن رسول الله ﷺ قال: "دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم؟ أفشوا السلام بينكم" (٣). وروى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما أعددت للساعة"؟ قال: حب الله ورسوله. قال: "إنك مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا، بعد الإسلام فرحا أشد

стр. 710

من قول النبي ﷺ : "فإنك مع من أحببت" قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر، وعمر فأرجو أن أكون معهم. وإن لم أعمل بأعمالهم" (١). * أقوال السلف: قال ابن عمر ﵄: "لو صمت النهار لا أفطر، وقمت الليل لا أنام، وأنفقت مالي علقًا علقًا في سبيل الله، ثم أموت وليس في قلبي حبًا لأهل طاعته وبغضًا لأهل معصيته، ما نفعني ذلك شيئًا" (٢). وعن مجاهد قال: قال لي ابن عباس: "يا مجاهد، أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنما تنال ما عند الله بذلك، ولن يجد عبد حلاوة الإيمان، وإن كثر صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس اليوم - أو عامتهم - في الدنيا، وذلك لا يجزئ عند الله شيئًا، ثم قرأ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧]. وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] " (٣). وقال كعب الأحبار: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وسمع أطاع فقد توسط الإيمان، ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان" (٤).

стр. 711

وسئل المرتعش: بم تُنال المحبة؟ قال: "بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان رأس الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وكان من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، فالمحبة والإرادة أصل في وجود البغض والكراهة والأصل في زوال البغيض المكروه، فلا يوجد البغض إلا لمحبة ولا يزول البغيض إلا لمحبة، فالمحبة أصل كل أمر موجود وأصل دفع كل ما يطلب الوجود ودفع ما يطلب الوجود أمر موجود لكنه مانع من وجود ضده فهو أصل كل موجود من بغيض ومانع ولوازمهما، وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم فقد بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل" (٢). وقال ﵀: "وإنما عبدُ الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان" (٣). وقال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: "إن محبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي الله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهى عما ينهى عنه فهو موافق لمحبوبه في كل حال. والله تعالى يحب المحسنين، ويحب المتقين، وبحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحب الله.

стр. 712

والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضا، ونبغضهم موافقة لله " (١). قال ابن رجب ﵀: "وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول ﷺ فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ويحْرُمُ موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عمومًا ... وبهذا يكون الدين كله لله، "ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان"، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها" (٢). * حب المؤمنين بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر: قال أبو القاسم الأصبهاني: "والمطيع لله يجب أن يحب لطاعته، وإن كان في خلال ذلك بعض المعاصي، والعاصي لله يجب أن يبغض لمعصيته، وإن كان في خلال ذلك بعض الطاعة، فمن كانت طاعته أكثر ازداد إيمانه ووجبت محبته، ومن كانت معاصيه أكثر انتقص إيمانه ووجب بغضه، حتى يحصل الحب في الله والبغض في الله" (٣). وقال شارح الطحاوية: "والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر؛ فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة،

стр. 713

فيكون محبوبا من وجه مبغوضا من وجه، والحكم للغالب" (١). قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]، قال ابن رجب: "فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي " (٢). ١٠٩ - العجب والحروز انظر باب (التميمة).

стр. 714

١١٠ - حق الله على العباد وحق العباد على الله جاء في الحديث المشهور عن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا" فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" (١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وحق الله على العباد، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتمًا، وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده، ووعده حق، إن الله لا يخلف الميعاد" (٢). وقال شارح الطحاوية: "فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم" (٣).

стр. 715

وهذا حق أحقه الله على نفسه باتفاق أهل العلم واختلفوا هل أوجبه على نفسه أم لم يوجبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعد الله الصادق وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين، ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] وبقوله في الحديث الصحيح: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا" ... وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه فهذا قول القدرية وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا؟ ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال إنه كتب على نفسه الرحمة وحرم الظلم على نفسه لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير فهو الخالق لهم وهو المرسل إليهم الرسل وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحقه الأجير على من استأجره فهو جاهل في ذلك" (١). وقال ابن القيم في مدارج السالكين: "فمعناه أن لا يرى لنفسه حقًّا على الله لأجل عمله، فإن صحبته مع الله بالعبودية والفقر المحض والذل والانكسار فمتى رأى لنفسه عليه حقًّا فسدت الصحبة وصارت معلولة وخيف منها المقت، ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه من إثابة عابديه وإكرامهم، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه لا باستحقاق العبيد وأنهم أوجبوه

стр. 716

عليه بأعمالهم. فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق، والناس فيه ثلاث فرق: فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقًّا فقالت: لا يجب على الله شيء البتة، وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه. وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورًا لعبدهِ فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله، وأن أعماله كانت سببًا لهذا الإيجاب، والفرقتان غالطتان. والفرقة الثالثة أهل الهدى والصواب قالت: لا يستوجب العبد على الله بسعيه نجاة ولا فلاحًا ولا يدخل أحدًا عمله الجنة أبدًا، ولا ينجيه من النار، والله تعالى بفضله وكرمه ومحض جوده وإحسانه أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد، فإن وعد الكريم إيجاب ولو بعسى ولعل. ولهذا قال ابن عباس ﵄: "عسى من الله واجب ووعد اللئيم خلف ولو اقترن به العهد والحلف". والمقصود أن عدم رؤية العبد لنفسه حقًّا على الله لا ينافي ما أوجبه الله على نفسه وجعله حقًّا لعبده قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ " قال: الله ورسوله أعلم. قال: "حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ": قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار"، فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق ولا يضيع لديه سعي كما قيل: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع" (١)

стр. 717

وقال ابن القيم في نونيّته: "ما للعباد عليه حق واجب .. . هو أوجب الأجر العظيم الشان كلّا ولا عمل لديه ضائع ... إن كان بالإخلاص والإحسان إن عُذّبوا فبعدله أو نُعِّموا ... فبفضلِهِ والحمد للمنان" (١) قال الشيخ محمد خليل هراس ﵀ في شرحه النونية: "وفي هذه الأبيات الثلاثة بيان لمذهب أهل السنة في أنه ليس للعباد حق واجب على الله، وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه وأوجبه، ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة؛ فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال فإذا توفرا في عمل ما كان مقبولا بمقتضى وعده سبحانه وإيجابه، واستحق صاحبه الأجر المقدر له، فهو إن عذب العباد فبعدله، فإنه لا يجزي على السيئة إلا سيئة مثلها، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة، وإن أنعم وأثاب فبفضله، فله الحمد أولًا وآخرًا" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك، ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائدا على هذا كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. ولكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب هذا الحق على نفسه لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على الخلق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو

стр. 718

الموجب، وغلطوا في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه القدرية والجبرية أتباع "جهم" والقدرية النافية" (١). وقال ﵀: "فمن قال ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به كما روى أن الله تعالى قال لداود: "وأي حق لآبائك عليّ" فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق وهذا كما يظنه جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقا بعبادتهم، وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه ألم أفعل كذا يمن عليه بما يفعله معه وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه، وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه ولهذا بين سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غني عن الخلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦] " (٢). قال ابن القيم ﵀: "أخبر سبحانه في كتابه أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا إيجاب منه على نفسه فهو الموجب وهو متعلق الإيجاب الذي أوجبه، فأوجب بنفسه على نفسه، وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بما يوضحه كل الإيضاح ويكشف حقيقته بقوله في الحديث الصحيح: "لما قضى الله الخلق بيده على نفسه في كتاب

стр. 719

فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" - وفي لفظ -: "سبقت غضبي" (١). فتأمل كيف أكد هذا الطلب والإيجاب بذكر فعل الكتاب وصفة اليد ومحل الكتابة وأنه كتاب وذكر مستقر الكتاب، وأنه عنده فوق العرش فهذا إيجاب مؤكد بأنواع من التأكيد وهو إيجاب منه على نفسه ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] فهذا حق أحقه على نفسه فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ الحق ولفظ على، ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لمعاذ: "ما حق الله على عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار" (٢). ومنه قوله ﷺ في غير حديث: من فعل كذا وكذا كان حقًّا على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد والوعيد، فهذا الحق هو الذي أحقه على نفسه. ومنه الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في قول الماشي إلى الصلاة: "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك" (٣) فهذا حق للسائلين عليه هو أحقه على نفسه لا أنهم هم أوجبوه ولا أحقوه بل أحق على نفسه أن يجيب من سأله، كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده، فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم - والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما لا السائلون ولا العابدون" (٤).

стр. 720

١١١ - الحكم بغير ما أنزل الله * التحاكم إلى غير ما أنزل الله، طاعة العلما ء التعريف: قال الراغب: "الحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا أو ليس بكذا سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] " (١). قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وكل من حكم بين اثنين فهو قاضٍ سواء كان صاحب حرب أو متولي ديوان منتصبًا للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام ... " (٢). وقال الشيخ حمد بن عتيق ﵀ تعليقًا على كلام شيخ الإسلام: "ومراده أن الصبيان إذا تكاتبوا في ألواحهم ليظهر بينهم بإخبارك أي الخطوط أحسن، فقد جعلوك قاضيًا لهم وحاكمًا بينهم في هذه المسألة، فيجيب عليك العدل والإنصاف، فمن خاف وترك العدل فقد دخل في مسمى القاضي المذموم المتوعَد

стр. 721

بالنار، كما أن من عدل وأنصف له نصيب من الوعد المترتب على ذلك" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الحكم بما أنزل الله تعالى من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم فقال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. فسمى الله تعالى المتبوعين أربابا حيث جعلوا مشرعين مع الله تعالى، وسمى المتبعين عُبّادا حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله " (٢). ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: "الحكم بما أنزل الله عام وليس خاصًّا بمسائل المنازعات والخصومات في الأحوال فقط كما يظن بعض الناس ... " (٣). والحكم بما أنزل الله واعتقاد أن حكم الرسول ﷺ أحسن من حكم غيره من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله ﷺ والحكم بحكم الجاهلية مما يناقض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ

стр. 722

اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة:٤٤]،وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]،وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]. * الدليل من السنة: أخرج ابن ماجه في سننه أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المهاجرين: خمس إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن - وذكر منها -: وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزك الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" (١). وفي رواية: "وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر" (٢). وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا (٣) فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم، قال ﷺ : "ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم" وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول، كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعاد جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه" (٤). وقال الشنقيطي ﵀: "الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما ألبتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله، وتشريعا غير

стр. 723

تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما ألبتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله" (١). * حكم من حكم بغير ما أنزل الله: للحكم بغير ما أنزل الله أحوال وصور ينبغي النظر إليها وتدبر كلام العلماء فيها: أولًا: "أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. وهو معنى ما رُوي عن ابن عباس واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلًا من أصول الدين أو فرعا مجمعا عليه، أو أنكر حرفا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيا فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة" (٢). ومعنى الجحود أنه يكذب وينكر أن هذا حكم الله ، وهذا كفر بالاتفاق قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. ثانيًا: "ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقا أو بالنسبة لما استجد من الحوادث، التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، فلا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان، وصرف نحاتة الأفكار على حكم

стр. 724

الحكيم الحميد" (١). ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الحالة ضمن نواقض الإسلام، فقال: "من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر" (٢). وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] يقول محمود الألوسي ﵀: "لا شك في كفر من يستحسن القانون ويفضله على الشرع ويقول هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميز غيظًا ويتقصف غضبًا إذا قيل له في أمر: أمر الشرع فيه كذا، كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ... " (٣). ثالثًا: "ألَّا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكنه اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] " (٤). فإذا سوّى الحاكم حكم غير الله بحكم الله جلا جلاله فهذا كفر مخرج من الملة كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ وأنتم تعلمون [البقرة: ٢٢]. رابعًا: "ألا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله ... لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله فهذا كالذي قبله

стр. 725

يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه" (١). قال ابن تيمية ﵀: "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر. فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا" (٢). ويقول ابن القيم: "إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر" (٣). ويقول ابن أبي العز الحنفي: "إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به (٤) مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر" (٥). وقال ابن باز ﵀: "من حكم بغير ما أنزل وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما

стр. 726

أنزل الله وأنه خالف الشرع ولكن استباح هذا الأمر ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله فهو كافر كفرا أكبر عند جميع العلماء؛ كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم ممن زعم أنه يجوز الحكم بها أو زعم أنها أفضل من حكم الله، أو زعم أنها تساوي حكم الله وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية. من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء" (١). وقال ﵀ في موضع آخر: "وهكذا من يحكّم القوانين الوضعية بدلا من شرع الله ويرى أن ذلك جائز، ولو قال إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله" (٢). خامسًا: التشريع العام والتبديل، والتشريع هو أن يشرع تشريعا عاما يخالف حكم الله. وهو حق خالص لله وحده لا شريك له. من نازعه في شيء منه فهو مشرك قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو

стр. 727

حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله" (١). وقال ﵀: "من طلب أن يطاع مع الله، فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله، والله سبحانه أمر أن لا يعبد إلا إياه، وأن لا يكون الدين إلا له" (٢). وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. قال ابن كثير: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والإصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكِهم "جنكيز خان"، الذي وضع لهم "الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير ... " (٣).

стр. 728

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "الخامس: وهو أعظمها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادا وإمدادا وإرصادا وتأصيلا، وتفريعا وتشكيلا وتنويعا وحكما وإلزاما ومراجع ومستمدات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع هي لقانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني وغيرها من القوانين ... فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله، بعد هذه المناقضة" (١). وقال ﵀ أيضًا: "وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، وأما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل" (٢). وقال ابن عثيمين ﵀: "من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به، أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أن غيره أصلح منه، وأنفع للخلق أو مثله فهو كافر كفرًا مخرجا عن الملة، ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجًا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه" (٣).

стр. 729

وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي في رسالته في الحكم بغير ما أنزل الله: "من وضع للناس أحكاما وهيأ لهم نظما ليعملوا جمها ويتحاكموا إليها وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام فهو كافر خارج عن ملة الإسلام" (١). فالمُشَرِّع كافر بالله لأنه استقل بتشريع يضاهي به حكم الله ومن قنن أحكاما ووضع قوانين فهو مشرِّع وكفره ظاهر فهو يرى حق التشريع لنفسه والله يقول ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. * سادسًا: الحكم العام بغير ما أنزل الله: وهو أن يحكم بغير ما أنزل الله حكما عاما وإن لم يجحد أو يستحل أو يعتقد. فهذا فيه خلاف بين أهل العلم فمنهم من يرى أن من يحكم دائما بغير شرع الله ويلزم الناس بذلك أنه عاص وله حكم أمثاله من المؤمنين المدمنين على المعاصي (٢)، فيجعلون كفره كفرًا أصغر (٣). وممن يرى هذا شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز (٤) ﵀، ومنهم من يرى أن كفره كفر أكبر مخرج من الملة بدليل قول الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]. ووجه الدلالة من الآية: أن الله جعل الذي يحكم بغير شرعه مطلقًا طاغوتًا وقال ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الآية.

стр. 730

كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ووجه الدلالة من الآية: أن دخول (أل) على اسم الفاعل يُفيد الاستغراق فهو كفر أكبر. وممن قال بكفره مطلقًا الشيخ محمد بن إبراهيم (١). والشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵏ (٢)، وغيرهما من أهل العلم (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن الحاكم إذا كان ديِّنًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار. وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين فجعل الحق باطلًا والباطل حقًّا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعرف منكرًا والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا لونٌ آخر يحكم فيه رب العالمين، وإله المرسلين، مالك يوم الدين، الذي: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨]، والحمد لله رب العالمين" (٤). وقال أيضًا ﵀: "ومن حكم بما يخالف شرع الله ورسوله، وهو يعلم ذلك،

стр. 731

فهو من جنس التتار الذي يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله" (١). وقال ابن كثير ﵀ كما في النقل السابق: "فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "فمن خالف ما أمر الله به رسوله ﷺ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه وإن زعم أنه مؤمن" (٣). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل في البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم" يتوارثون ذلك منهم ويحكمون به ويحضون على التحاكم إليه عند النزاع بقاء على أحكام الجاهلية وإعراضًا ورغبة عن حكم الله ورسوله فلا حول ولا قوة إلا بالله" (٤). أحكام وفوائد: ١ - متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا أصغر ؟: جاء عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أنه قال: "ليس بالكفر الذي يذهبونه إليه" (٥)، وفي رواية أنه قال: "كفر لا ينقل عن الملة" (٦).

стр. 732

وقال عطاء: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (١). وقال طاووس: "ليس بكفر ينقل عن الملة" (٢). وجاء عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: العاصون (٣). وقال ابن عبد البر ﵀: "وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ " (٤). وقال: "أجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالمًا به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف ... " (٥). وقال القرطبي ﵀: "إن حكم به - أي بغير ما أنزل الله - هوىً ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين" (٦). ويقول ابن تيمية ﵀: "وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة" (٧).

стр. 733

وقال ابن القيم ﵀: "إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر" (١). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "فانظر كيف سجل الله تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر، والظلم، والفسوق، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا ولا يكون كافرًا، بل هو كافر مطلقًا إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس ﵁ في تفسيره هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة" (٢). ثم قال في موضع آخر مبينا ذلك ﵀: "وأما القسم الثاني: من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يُخرِجُ من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس ﵁ لقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله ﵁: "كفر دون كفر"، وقوله أيضًا: "ليس الكفر الذي تذهبون إليه" اهـ. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة، واليمين الغموس، وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمها كفرًا" (٣). ويقول الشنقيطي ﵀: "من لم يحكم بما أنزل الله معتقدًا أنه مرتكبٌ حرامًا فاعلٌ قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة" (٤).

стр. 734

وقال ابن باز: "أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوىً، أو لحظ عاجل وهو يعلم أنه عاصٍ لله ولرسوله وأنه فعل منكرًا عظيمًا، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه قد أتى منكرًا عظيمًا ومعصية كبيرة وكفرًا أصغر كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفرًا دون كفر، وظلمًا دون ظلم وفسقًا دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر وهذا قول أهل السنة والجماعة" (١). وقال ابن عثيمين ﵀: "وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف: قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، واختلف أهل العلم في ذلك: فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد، لأن الكافر ظالم لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وفاسق لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠] أي كفروا. وقيل إنها لموصوفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح: فيكون كافرًا في ثلاثة أحوال: أ - إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، فكل ما خالف حكم الله فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فالمُحل والمُبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن

стр. 735

اعتقد حل الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن. ب - إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله. ج - إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله. بدليل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة:٥٠] فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكامًا وهو أحكم الحاكمين فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر، لأنه مكذب للقرآن. ويكون ظالمًا إذا اعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله أحسن الأحكام وأنه أنفع للعباد والبلاد وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله فهو ظالم. ويكون فاسقًا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقادة أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه، أي محبة لما حكم به لا كراهية لحم الله ولا ليضر أحدًا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رُشِيَ إياها، أو لكونها قريبًا أو صديقًا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه، فهذا فاسق، وإن كان أيضًا ظالمًا، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم. أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله، وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد ومن شريعة الله" (١).

стр. 736

٢ - هناك من يضعِّف الرواية الواردة عن ابن عباس ﵄، ولكن الصحيح أن الروايات الواردة صحيحة، وفي ذلك يقول الشيخ المحمود: "وخلاصة النقد الموجه إلى هذه الروايات - مع بيان ما نرجحه - ما يلي: ١ - رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس: "من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق" يقال فيها: عبد الله بن صالح - الذي في الإسناد - كاتب الليث - وثقه بعضهم وضعفه بعضهم بجرح مفسر، وقد قال فيه ابن حجر: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة. ٢ - رواية سفيان عن رجل عن طاوس عن ابن عباس قال: "كفر لا ينقل عن الملة" فيها رجل مبهم فهي ضعيفة، وقد روى هذا اللفظ عن طاوس، رواه عنه سعيد المكي، وهو الأقرب والأصح إسنادًا. ٣ - ورواية: "ليس بالكفر الذي يذهبون إليه" وفي لفظ: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] كفر دون كفر"، فيقال: هاتان الروايتان هما من طريق هشام بن حجير عن ابن عباس. وهشام بن حجير مختلف فيه توثيقًا وتضعيفًا، وممن وثقه العجلي وابن حبان في الثقات، وابن شاهين، وممن ضعفه الإمام أحمد حيث قال فيه: "ليس بالقوي"، قلت: [القائل عبد الله بن أحمد]: هو ضعيف؟ قال ليس بذاك. قال: وسألت يحيى بن معين عنه فضعفه جدًّا. وضعفه يحيى القطان. فالمضعفون له أعلى رتبة، فالذي يغلب فيه الجرح، ولذا قال ابن حجر عنه: "صدوق له أوهام" وأورده في الهدي فيمن طعن من رجال البخاري وقال: "وثقه العجلي وابن سعد وضعفه يحيى القطان ويحيى بن معين"، وقال أحمد: "ليس بالقوي"، وذكره في الضعفاء أبو جعفر العقيلي وحكى عن سفيان بن

стр. 737

عيينة قال: "لم نأخذ عنه إلا ما لم نجد عند غيره، وقال أبو حاتم يكتب حديثه" (١). وهشام بن حجير وإن كان من رجال البخاري ومسلم إلا أنهما لم يرويا له إلا متابعة، كما ذكر ابن حجر فيما يتعلق بروايته عند البخاري. ٤ - ورواية سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: "وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله" والرواية الأخرى أيضًا عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله. قيل في نقدهما: إن الرواية الثابتة عن ابن عباس هي قوله: هي به كفر. أما قوله: وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فيحتمل أنه من كلام ابن طاوس، كما فسرته الرواية الأولى. هذه خلاصة ما أورد من ردود على هذه الروايات، ولكن الذي نرجحه صحة وثبوت هذه الرواية عن ابن عباس: وترجيحًا لأمور ثلاثة: أحدها: صحة الرواية الواردة بالإسناد عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه، وهذه لا مطعن فيها لأحد. الثاني: أن هذه الرواية الصحيحة مؤيدة ومقواة بالرواية الأخرى - فعلى الأقل هي صحيحة بمجموع طرقها -. الثالث: إطباق العلماء على الاحتجاج برواية ابن عباس والاستشهاد بها في تفسير الآية" (٢).

стр. 738

٣ - حكم دراسة القوانين الوضعية وتدريسها: قال الشيخ ابن باز ﵀: "الدارسون للقوانين والقائمون بتدريسها أقسام: القسم الأول: من درسها أو تولى تدريسها ليعرف حقيقتها، أو ليعرف فضل أحكام الشريعة عليها، أو ليستفيد منها - فيما لا يخالف الشرع المطهر - أو ليفيد غيره في ذلك، فهذا لا حرج عليه - فيما يظهر لي من الشرع - بل قد يكون مأجورًا ومشكورًا إذا أراد بيان عيوبها وإظهار فضل أحكام الشريعة عليها. والصلاة خلف هذا القسم لا شك في صحتها. وأصحاب هذا القسم حكمهم حكم من درس أحكام الربا، وأنواع الخمر، وأنواع القمار، ونحوها كالعقائد الفاسدة، أو تولى تدريسها ليعرفها ويعرف حكم الله فيها، ويفيد غيره مع إيمانه بتحريم الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشرع الله . وليس حكمه حكم من تعلم السحر أو علمه غيره؛ لأن السحر محرم لذاته لما فيه من الشرك وعبادة الجن من دون الله، فالذي يتعلمه أو غيره لا يتوصل إليه إلا بذلك - أي بالشرك - بخلاف من يتعلم القوانين ويعلمها غيره لا للحكم بها ولا باعتقاد حلها ولكن لغرض مباح أو شرعي كما تقدم. القسم الثاني: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها، أو ليعين غيره على ذلك مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق، وفيهم كفر وظلم وفسق، ولكنه كفر أصغر، وظلم أصغر، وفسق أصغر، لا يخرجون به من دائرة الإسلام. وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم، وهو قول ابن عباس، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، وجمع من السلف والخلف، كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي

стр. 739

والقرطبي (١) وغيرهم، وذكر معناه العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الصلاة (٢)، وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ رسالة جيدة في هذه المسألة مطبوعة في المجلد الثالث من مجموعة الرسائل الأولى. ولا شك أن أصحاب هذا القسم على خطر عظيم ويخشى عليهم من الوقوع في الردة. أما صحة الصلاة خلفهم وأمثالهم من الفساق ففيها خلاف مشهور، والأظهر من الأدلة الشرعية صحتها خلف جميع الفساق الذين لم يصل فسقهم إلى حد الكفر الأكبر، وهو قول جم غفير من أهل العلم واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. القسم الثالث: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها مستحلا للحكم بها سواء اعتقد أن الشريعة أفضل أم لم يعتقد ذلك، فهذا القسم كافر بإجماع المسلمين كفرا أكبر؛ لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مستحلًا لما علم من الدين بالضرورة أنه محرم، فيكون في حكم من استحل الزنى والخمر ونحوهما، ولأنه بهذا الاستحلال يكون قد كذب الله ورسوله وعاند الكتاب والسنة. وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة. ومن تأمل كلام العلماء في جميع المذاهب الأربعة في باب حكم المرتد اتضح له ما ذكرنا" (٣).

стр. 740

٤ - تَنْبيهٌ مهم: يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بالله، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك. قال الإمام محمد الشنقيطي ﵀: "وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري وشرعي: أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم، وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي ﷺ ،ككتْبِه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك ﷺ ، وكاشترائه - أعني عمر ﵁ دار صفوان بن أمية، وإياها سجنا في مكة المكرمة، مع أنه ﷺ لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر ﵁. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة. قلت: إذا كان الأمر مسكوتًا عنه ولم يتعرض له الشرع المطهّر بحل أو حرمة فيجوز لولي الأمر أن يرتب لذلك أحكامًا يلزم الناس بالسير عليها ابتغاء المصلحة العامة وأوضح مثال لذلك تنظيم مرور السيارات. وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكل دعوى أن تعداد الزوجات ظلم،
следующие страницы →