٢ - هناك من يضعِّف الرواية الواردة عن ابن عباس ﵄، ولكن الصحيح أن الروايات الواردة صحيحة، وفي ذلك يقول الشيخ المحمود: "وخلاصة النقد الموجه إلى هذه الروايات - مع بيان ما نرجحه - ما يلي:
١ - رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس: "من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق" يقال فيها: عبد الله بن صالح - الذي في الإسناد - كاتب الليث - وثقه بعضهم وضعفه بعضهم بجرح مفسر، وقد قال فيه ابن حجر: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة.
٢ - رواية سفيان عن رجل عن طاوس عن ابن عباس قال: "كفر لا ينقل عن الملة" فيها رجل مبهم فهي ضعيفة، وقد روى هذا اللفظ عن طاوس، رواه عنه سعيد المكي، وهو الأقرب والأصح إسنادًا.
٣ - ورواية: "ليس بالكفر الذي يذهبون إليه" وفي لفظ: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] كفر دون كفر"، فيقال: هاتان الروايتان هما من طريق هشام بن حجير عن ابن عباس. وهشام بن حجير مختلف فيه توثيقًا وتضعيفًا، وممن وثقه العجلي وابن حبان في الثقات، وابن شاهين، وممن ضعفه الإمام أحمد حيث قال فيه: "ليس بالقوي"، قلت: [القائل عبد الله بن أحمد]: هو ضعيف؟ قال ليس بذاك. قال: وسألت يحيى بن معين عنه فضعفه جدًّا. وضعفه يحيى القطان. فالمضعفون له أعلى رتبة، فالذي يغلب فيه الجرح، ولذا قال ابن حجر عنه: "صدوق له أوهام" وأورده في الهدي فيمن طعن من رجال البخاري وقال: "وثقه العجلي وابن سعد وضعفه يحيى القطان ويحيى بن معين"، وقال أحمد: "ليس بالقوي"، وذكره في الضعفاء أبو جعفر العقيلي وحكى عن سفيان بن
стр. 737
عيينة قال: "لم نأخذ عنه إلا ما لم نجد عند غيره، وقال أبو حاتم يكتب حديثه" (١).
وهشام بن حجير وإن كان من رجال البخاري ومسلم إلا أنهما لم يرويا له إلا متابعة، كما ذكر ابن حجر فيما يتعلق بروايته عند البخاري.
٤ - ورواية سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: "وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله" والرواية الأخرى أيضًا عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قيل في نقدهما: إن الرواية الثابتة عن ابن عباس هي قوله: هي به كفر.
أما قوله: وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فيحتمل أنه من كلام ابن طاوس، كما فسرته الرواية الأولى.
هذه خلاصة ما أورد من ردود على هذه الروايات، ولكن الذي نرجحه صحة وثبوت هذه الرواية عن ابن عباس: وترجيحًا لأمور ثلاثة:
أحدها: صحة الرواية الواردة بالإسناد عن سفيان عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه، وهذه لا مطعن فيها لأحد.
الثاني: أن هذه الرواية الصحيحة مؤيدة ومقواة بالرواية الأخرى - فعلى الأقل هي صحيحة بمجموع طرقها -.
الثالث: إطباق العلماء على الاحتجاج برواية ابن عباس والاستشهاد بها في تفسير الآية" (٢).
стр. 738
٣ - حكم دراسة القوانين الوضعية وتدريسها:
قال الشيخ ابن باز ﵀: "الدارسون للقوانين والقائمون بتدريسها أقسام:
القسم الأول: من درسها أو تولى تدريسها ليعرف حقيقتها، أو ليعرف فضل أحكام الشريعة عليها، أو ليستفيد منها - فيما لا يخالف الشرع المطهر - أو ليفيد غيره في ذلك، فهذا لا حرج عليه - فيما يظهر لي من الشرع - بل قد يكون مأجورًا ومشكورًا إذا أراد بيان عيوبها وإظهار فضل أحكام الشريعة عليها.
والصلاة خلف هذا القسم لا شك في صحتها.
وأصحاب هذا القسم حكمهم حكم من درس أحكام الربا، وأنواع الخمر، وأنواع القمار، ونحوها كالعقائد الفاسدة، أو تولى تدريسها ليعرفها ويعرف حكم الله فيها، ويفيد غيره مع إيمانه بتحريم الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشرع الله .
وليس حكمه حكم من تعلم السحر أو علمه غيره؛ لأن السحر محرم لذاته لما فيه من الشرك وعبادة الجن من دون الله، فالذي يتعلمه أو غيره لا يتوصل إليه إلا بذلك - أي بالشرك - بخلاف من يتعلم القوانين ويعلمها غيره لا للحكم بها ولا باعتقاد حلها ولكن لغرض مباح أو شرعي كما تقدم.
القسم الثاني: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها، أو ليعين غيره على ذلك مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق، وفيهم كفر وظلم وفسق، ولكنه كفر أصغر، وظلم أصغر، وفسق أصغر، لا يخرجون به من دائرة الإسلام.
وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم، وهو قول ابن عباس، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، وجمع من السلف والخلف، كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي
стр. 739
والقرطبي (١) وغيرهم، وذكر معناه العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الصلاة (٢)، وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵀ رسالة جيدة في هذه المسألة مطبوعة في المجلد الثالث من مجموعة الرسائل الأولى.
ولا شك أن أصحاب هذا القسم على خطر عظيم ويخشى عليهم من الوقوع في الردة.
أما صحة الصلاة خلفهم وأمثالهم من الفساق ففيها خلاف مشهور، والأظهر من الأدلة الشرعية صحتها خلف جميع الفساق الذين لم يصل فسقهم إلى حد الكفر الأكبر، وهو قول جم غفير من أهل العلم واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
القسم الثالث: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها مستحلا للحكم بها سواء اعتقد أن الشريعة أفضل أم لم يعتقد ذلك، فهذا القسم كافر بإجماع المسلمين كفرا أكبر؛ لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مستحلًا لما علم من الدين بالضرورة أنه محرم، فيكون في حكم من استحل الزنى والخمر ونحوهما، ولأنه بهذا الاستحلال يكون قد كذب الله ورسوله وعاند الكتاب والسنة.
وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرم الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
ومن تأمل كلام العلماء في جميع المذاهب الأربعة في باب حكم المرتد اتضح له ما ذكرنا" (٣).
стр. 740
٤ - تَنْبيهٌ مهم:
يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بالله، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك.
قال الإمام محمد الشنقيطي ﵀: "وإيضاح ذلك أن النظام قسمان:
إداري وشرعي: أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم، وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي ﷺ ،ككتْبِه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك ﷺ ، وكاشترائه - أعني عمر ﵁ دار صفوان بن أمية، وإياها سجنا في مكة المكرمة، مع أنه ﷺ لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر ﵁.
فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به، كتنظيم شؤون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
قلت: إذا كان الأمر مسكوتًا عنه ولم يتعرض له الشرع المطهّر بحل أو حرمة فيجوز لولي الأمر أن يرتب لذلك أحكامًا يلزم الناس بالسير عليها ابتغاء المصلحة العامة وأوضح مثال لذلك تنظيم مرور السيارات.
وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث، وكل دعوى أن تعداد الزوجات ظلم،
стр. 741
وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان ونحو ذلك.
فتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم كفر بخالق السموات والأرض، وتمرد على نظام السماء الذي وضعه من خلق الخلائق كلها، وهو أعلم بمصالحها أن يكون معه مشرع آخر علوًا كبيرًا" (١).
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "إذا كان القانون يوافق الشرع فلا بأس به مثل أن يُسَنَّ قانونًا للطرق ينفع المسلمين، وغير ذلك من الأشياء التي تنفع المسلمين وليس فيها مخالفة لشرع الله، ولكن لتسهيل أمور المسلمين، أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنّها" (٢).
стр. 742
١١٢ - الحلف *
في اللغة: قال ابن الأثير: "الحلف: هو اليمين، حلف يحْلِف حَلْفًا، وأصلها العقد والعزم والنية" (١).
وفي الشرع: "تأكيد الشيء بذكر معظّم بصيغة مخصوصة بالواو أو الباء أو التاء" (٢).
стр. 743
قال الشيخ قاسم الوَنَوِيُّ: "الحلف شرعًا: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر اسم الله تعالى" (١).
قال العلماء: "والحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده" (٢).
والسبب في منع الحلف بغير الله أنه يقتضي تعظيم غير الله والثناء عليه واتخاذه ندًا من دون الله وفيه أنه مخالف لما أمر به الرسول ﷺ حيث قال: "احلفوا بالله وبروا واصدقوا، فإن الله يكره أن يُحلف إلا به" (٣).
* الدليل من الكتاب: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وقال : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، وقال : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
* الدليل من السنة: عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر ﵁ سمع رجلًا يقول: لا، والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٤).
وجاء في المسند أن ابن عمر كان في حلقة فسمع رجلًا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر، فنهاه النبي ﷺ وقال: "إنها شرك" (٥).
стр. 744
وفي رواية للحاكم: "كل يمين يحلف بها دون الله شرك" (١).
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (٢).
وعن بريدة ﵁ مرفوعًا: "من حلف بالأمانة فليس منا" (٣).
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" (٤).
* أقوال بعض السلف:
قال ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ أن أحلف بغيره صادقًا" (٥).
قال كعب: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف بالله صادقًا أو كاذبًا، ولا تحلف بغيره" (٦).
стр. 745
أحكام وفوائد:
١ - حكم الحلف بغير الله:
الحلف بالمخلوقات حرام عند جمهور العلماء.
قال الشيخ ابن باز ﵀: "وممن حكى الإجماع في تحريم الحلف بغير الله الإمام أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀. وقد أطلق بعض أهل العلم الكراهة، فيجب أن تحمل على كراهة التحريم عملا بالنصوص وإحسانا للظن بأهل العلم" (١). وقد تقدم قول الرسول ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك".
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف بغير الله كفر شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي ﷺ بتجديد إسلامه بقول: لا إله إلا الله. فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك. وقال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقله عن الملة، ولكنه من الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح: "ومن حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" وفي رواية: "فليستغفر" فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ما شئت من الأيمان صادقًا أو كاذبًا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبا فهذا شرك أكبر بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف
стр. 746
بالله كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨]. فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته، أو تربته فهو أكبر شركًا منهم، فهذا هو تفصيل القول في هذه المسألة" (١).
وقال ابن باز ﵀: "والحلف بغير الله من الشرك الأصغر، وقد يُفضي إلى الشرك الأكبر إذا اعتقد تعظيمه مثل تعظيم الله، أو أنه ينفع ويضر دون الله، أو أنه يصلح لأن يُدعى أو يستغاث به" (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والحلف بغير الله شرك أكبر إن اعتقد أن المحلوف به مساوٍ لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك صغر" (٣).
وقال ابن تيمية ﵀: "والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حُكِيَ إجماع الصحابة على ذلك" (٤).
ويدل على حرمته قول عبد الله بن مسعود: "لأنِ أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا" (٥)؛ لأن الشرك أعظم من الكذب.
قال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: "ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، وقال أصحابنا الحلف بالرسول ﷺ يمين موجبة الكفارة، وروي ذلك عن أحمد" (٦)، ثم
стр. 747
رجح ابن قدامة المنع لأنه ليس بمنصوص ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه.
وقال ابن تيمية: "والصواب ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا النبي ﷺ ولا غيره" (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "قال بعض المتأخرين: تجب الكفارة بالحلف برسول الله ﷺ خاصة، وهذا قول باطل ما أنزل الله به من سلطان، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع" (٢).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "وقد روي خلاف شاذ في جوازه بالنبي ﷺ ، وهو قول لا وجه له بل هو باطل وخلاف لما سبقه من إجماع أهل العلم، وخلاف للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك" (٣).
وقال القدوري من الحنفية: "ومن حلف بغير الله لم يكن حالفا كالنبي والقرآن والكعبة" (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق لا نبي ولا غير نبي، ولا ملَك من الملائكة، ولا ملِك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد" (٥).
стр. 748
ومما سبق تعلم حرمة الحلف بغير الله وأنه شرك بالله كالحلف بالرسول ﷺ أو الحلف بالشرف أو الأب أو الجد أو المشايخ أو الكعبة أو الصداقة أو العظماء أو غير ذلك، لأن الحلف تعظيم للمحلوف به فلا يجوز أن يكون إلا بالله أو بصفاته.
ومما ينهى عنه أيضًا للحلف بالأمانة كما تقدم في حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالأمانة فليس منا" (١).
وقال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: "هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وبصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته" (٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: "الحلف بالأمانة إذا أطلق فهو مكروه أو حرام؛ لأن الأمانة فيها اشتراك، وذلك أن الأمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أن كل كمال اتصف به المخلوق فالله أحق وأولى به، أما إذا قال: وأمانة الله، فليس من ذلك. هذا الذي أفهم الآن، أما "أما من حلف بالأمانة فليس مني" فهو وعيد" (٣).
٢ - مسألة: إقسام الله تعالى بمخلوقاته:
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن.
قيل: ذلك يختص بالله ﵎، فهو يقسم بما شاء من خلقه؛ لما في ذلك
стр. 749
من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته، وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى، فالله تعالى يقسم بما شاء من خلقه. وقد نهانا عن الحلف بغيره فيجب على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله.
قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إليّ من أن أقسم بغيره فأبر.
وقال مطرف بن عبد الله: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها ذكرهما ابن جرير" (١).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وأما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. وقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١]. وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها فالجواب من وجهين:
الأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يُسأل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه وهو سائل غير مسؤول وحاكم غير محكوم عليه.
الثاني: أن قسم الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنا للثناء على الله بما يقتضيه من الدلالة على عظمته" (٢).
٣ - فائدة في ذكر أيمان النبي ﷺ من ذلك:
(ومقلب القلوب) (٣)، (والله) (٤)، (ورب الكعبة) (٥)، (وأيم الله) (٦)، (وأيم الذي
стр. 750
نفس محمد بيده) (٣)، (والذي نفس محمد بيده) (٤)، (والذي نفسي بيده) (٥)، (والذي لا إله غيره) (٦).
٤ - مسألة في قوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق ":
قال الشيخ ابن عثيمين: "وأما ما ثبت في صحيح مسلم من قوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" (٧). فالجواب من وجوه:
الأول: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: أنها لا تثبت في الحديث، لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك فلا تصح نسبة إلى رسول الله ﷺ فيكون باطلًا.
الثاني: أنها تصحيف من الرواة والأصل: "أفلح والله إن صدق". وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات و"أبيه" تشبه "الله" إذا حذفت النقط السفلى.
الثالث: أن هذا مما جرى على الألسنة بغير قصد (٨) وقد قال تعالى وهذا لم ينو فلا يؤاخذ.
الرابع: أنه وقع من النبي ﷺ وهو أبعد الناس عن الشرك فيكون من خصائصه وأما غيره فهم منهيون عنه، لأنهم لا يساوون النبي ﷺ في الإخلاص والتوحيد.
الخامس: أنه على حذف مضاف والتقدير "أفلح ورب أبيه".
стр. 751
السادس: أن هذا منسوخ (١)، وأن النهي الناقل من الأصل، وهذا أقرب الوجوه ... وهذه اللفظة على فرض صحتها من المتشابه فترد إلى المحكم كما هي طريقة الراسخين في العلم" (٢).
قال الشيخ ابن باز ﵀: "وبكل حال فهي رواية فردة شاذة لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتشبث بها ويخالف الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الحلف بغير الله، وأنه من المحرمات الشركية" (٣).
ومن هذا الباب أيضًا حديث: "أما وأبيك لتُنبأنه" (٤). وهي رواية قال العلماء بأنها شاذة (٥) لأنها إحدى روايتي محمد بن الفضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وخالف فيها عبد الواحد وسفيان بن عيينة وجرير وشريك حيث رووا الحديث بدون الحلف. ومن قال إن له شاهدا آخر من حديث شريك عن عمارة عن أبي هريرة وفيه: "وأبيك لتنبأن، أمك ثم أمك" فهذه أيضًا خالف فيها شريك بن عبد الله القاضي كلا من فضيل بن غزوان وجرير بن عبد الحميد.
قال الإمام الشوكاني ﵀: "وأما الاستدلال على عدم الإثم بما ورد في غاية الندرة والقلة كحديث "أفلح وأبيه إن صدق" فمن الغرائب والمغالط وكيف تهمل المناهي والزواجر التي وردت موردا يقرب من التواتر بمثل هذا الذي تعرض العلماء لتأويله بوجه من وجوه التأويل التي يجب استعمالها والمصير إليها فيما
стр. 752
خالف السنن الظاهرة المشتهرة" (١).
٥ - ما يجب على المحلوف له بالله:
أما في حق المحلوف له بالله فيجب أن يرضى بهذه اليمين كما ثبت ذلك عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله" (٢) وهذا فيه أمر منه ﷺ لمن حُلِف له بالله في خصومة أو غيرها أن يرضى باليمين لأن ذلك من تعظيم الله، ثم بين ﷺ الوعيد الشديد في حق من لم يرض بالحلف بالله فقال: "ومن لم يرضَ باله فليس من الله".
قال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "لأنه يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك" (٣).
وقال أيضًا ﵀: "قوله: "ومن حُلِفَ له بالله فليرض" أي: وجوبا كما يدل عليه قوله: "ومن لم يرض فليس من الله" ولفظ ابن ماجه "ومن لم يرض بالله فليس من الله" وهذا وعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وأما من ناحية الأمور الشرعية في باب التحاكم عند القاضي فيجب أن يرضي باليمين ويلتزم بمقتضاها. لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي.
قال ابن كثير ﵀: "أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوى وغيرها، ما لم يفضِ إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها
стр. 753
فلا يقبل حلفه، ولهذا لما رأى عيسى ﵇ رجلًا يسرق فقال له: سرقت قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: "آمنت بالله وكذبت عيني" (١)، وفيه وجهان:
أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى عليه للسَّلام للرجل سرقت أنه خبر جازم، لكونه أخذ مالًا من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا، نفي لذلك، ثم أكده باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ماله فيه حق، أو ما أذن له صاحب في أخذه أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء.
قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي ﷺ : "رأى عيسى رجلا يسرق" فأثبت ﷺ سرقته.
الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذبًا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم ﵇ صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح".
قلت (٢): هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب - إن شاء الله تعالى - " (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وأما بالنسبة للمحلوف له فهل يلزمه أن يصدِق أم لا؟ المسألة لا تخلو من أحوال خمس:
الأولى: أن يعلم كذبه فلا أحد يقول إنه يلزم تصديقه.
الثانية: أن يترجح كذبه فكذلك لا يلزم تصديقه.
الثالثة: أن يتساوى الأمران فهذا يجب تصديقه.
الرابعة: أن يترجح صدقه فيجب أن يُصدَّق.
стр. 754
الخامسة: أن يعلم صدقه فيجب أن يصدقه.
وهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها؛ لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي وهو واجب" (١).
٦ - حكم كثرة الحلف والحنث فيه:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلف (٢) منفقة للسلعة، ممحقة للبركة" (٣).
وعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم وكثرة الحلف البيع فإنه ينفق ثم يمحق" (٤).
وعن سلمان: أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيميط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، ولا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" (٥).
стр. 755
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة "ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون (١)، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" (٢).
وفيه عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال إبراهيم - أي النخعي -: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (٣).
قال السعدي ﵀: "أصل اليمين إنما شُرعت تأكيدًا للأمر المحلوف عليه وتعظيمًا للخالق، ومن تمام هذا التعظيم أن لا يُحلف بالله إلا صادقًا، ومن تمام هذا التعظيم أن يُحترم اسمه عن كثرة الحلف. فالكذب وكثرة الحلف تنافي التعظيم الذي هو روح التوحيد" (٤).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة:٢٢٤] يقول القرطبي ﵀ " ... وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، وذم من كثَّر اليمين فقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القلم: ١٠]، والعرب تمتدح بقلة الأيمان
стр. 756
حتى قال قائلهم:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن صدرت منه الألية برتِ
وعلى هذا ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ معناه: أقِلِّوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن ... " (١).
وقال ابن الجوزي ﵀: "وفي معنى الآية ثلاثة أقوال ... :
الثالث: أن معناها لا تكثروا الحلف بالله وإن كنتم بارين مصلحين، فإن كثرة الحلف بالله ضرب من الجرأة عليه. هذا قول ابن زيد" (٢).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال في فتح المجيد:
"يقول ابن جرير ﵀ في معنى الآية: لا تتركوها بغير تكفير.
وذكر غيره من المفسرين عن ابن عباس يريد: لا تحلفوا. وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث (٣) فلا تحنثوا" (٤).
ثم بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ أن القولين متلازمان فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل على الاستخفاف وعدم التعظيم لله وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب.
قال الشيخ السعدي في التفسير: "واحفظوا أيمانكم: أي الحلف بالله كاذبا وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذي الخير" (٥).
стр. 757
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وكل يمين لها ابتداء وانتهاء ووسط، فالابتداء الحلف والانتهاء الكفارة والوسط الحنث وهو أن يفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله ... وحفظ اليمين يشمل هذه الثلاثة" (١).
٧ - كفارة الحلف بغير الله:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق" (٢).
قال الخطابي: "إنما أوجب قول لا إله إلا الله على من حلف باللات والعزى شفقًا من الكفر أن يكون قد لزمه؛ لأن اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يُعظّم، فإذا حلف بهما فقد ضاهى الكفار في ذلك وأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك" (٣).
وقال ابن العربي ﵀: "من حلف بها جادًّا فهو كافر، ومن قالها جاهلا أو ذاهلا يقول: لا إله إلا الله، يكفّر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللّغو " (٤).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "والحديث دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقًا، لأنه لم يذكر فيه كفارة للحلف بغير الله ولا في غيره من الأحاديث، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد، والاستغفار" (٥).
ولا إله إلا الله تقال عند الحلف بغير الله وليست مختصة باللات والعزى.
стр. 758
قال القرطبي ﵀: "وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الأيمان التي يحلف بها الناس نوعان:
أحدهما: أيمان المسلمين.
والثاني: أيمان المشركين.
فالقسم الثاني الحلف بالمخلوقات كالحلف بالكعبة والملوك والآباء والسيف وغير ذلك ... فهذه الأيمان لا حرمة لها بل هي غير منعقد ولا كفارة على من حنث فيها باتفاق المسلمين. بل من حلف بها فينبغي أن يوحد الله تعالى كما قال النبي ﷺ : "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى. فليقل: لا إله إلا اللهُ"" (٢).
١١٣ - الحلقة
انظر باب (التميمة) تحت عنوان لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه.
стр. 759
١١٤ - حماية التوحيد *
في اللغة: قال أبو بكر الرازي: "حماه يحميه حماية: دفع عنه، وهذا شيء حمى أي محظور لا يقرب، وأحميت المكان جعلته حمى" (١).
قال الفيومي: "وحِميته بالكسر منعته عنهم، والحماية اسم منه، والحمى لا يُقرب ولا يجترأ عليه" (٢).
وقد بذل الرسول ﷺ جهدَه قولًا وعملًا لحماية التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يزول معها التوحيد أو ينقص.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "ونهى عن كل سبب يوصل إلى الشرك وذلك رحمة بالمؤمنين ليتحققوا بالقيام بما خلقوا له من عبودية الله الظاهرة والباطنة وتكميلها لتكمل لهم السعادة والفلاح وشواهد هذه الأمور كثيرة معروفة" (٣).
وقد جاء التحذير من الأقوال التي تقتضي المساواة في الألفاظ، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "جاء كتاب الله تعالى وتلته سنة رسوله ﷺ بتحقيق التوحيد وإخلاصه وتخليصه من كل شائبة وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه حتى إن رجلًا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت فقال النبي ﷺ :
стр. 760
"أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" فأنكر النبي ﷺ على هذا الرجل أن يقرن مشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما وجعل ذلك من اتخاذ الند لله واتخاذ الند لله تعالى إشراك به وحرم النبي ﷺ أن يحلف الرجل بغير الله وجعل ذلك من الشرك بالله فقال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله فلا يجوز للمسلم أن يقول عند الحلف: والنبي، أو وحياة النبي، أو وحياتك، أو وحياة فلان، بل يحلف بالله وحده أو يصمت عند الحلف" (١).
* الفرق بين حماية حمى التوحيد وحماية جنابه:
في كتاب التوحيد بوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بابين في ذلك حيث ذكر الباب الواحد والعشرين بقوله: (باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك) ثم ذكر في الباب الخامس والستين من آخر الكتاب: (باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد، وسده طرق الشرك).
قال الشيخ السعدي ﵀: "إن حماية جناب التوحيد بسد الطرق الفعلية، أما حماية حمى التوحيد فيتعلق بالتأدب والتحفظ بالأقوال" (٢).
وفي شرح الشيخ ابن باز ﵀ في الباب الأخير من كتاب التوحيد المتعلق بحماية حمى التوحيد قال: "هنا تكلم على حماية التوحيد من جهة لأقوال؛ وقد تقدم طرق وباب حماية التوحيد من جهة الأفعال وحماية جناب التوحيد والجناب هو الجزء منه، وهذا الباب في حمى التوحيد والحمى غير الذات خارج عن الذات فهذه الترجمة أبلغ فيما يتعلق بالتوحيد وفيما يتعلق بالأقوال. فالرسول ﷺ حمى جناب التوحيد وحمى حماه من جهة القول والعمل حتى لا يقر الناس من الشرك
стр. 761
ويقعوا فيه وحذر من وسائله وذرائعه الموصلة إليه وهذا من كمال البلاغ" (١).
ومن حماية جانب التوحيد منع وسائل الشرك والنهي عنها (٢)، والوسيلة هي التوصل إلى الشيء برغبة.
قال السعدي ﵀ في تعريف الشرك الأصغر: "هو جميع الأقوال والأفعال التي يُتوسل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك" (٣).
* وتتمثل الوسائل الشركية فيما يلي:
١ - الغلو في الأنبياء والصالحين:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" وقد جاء النهي عن الغلو في مواطن كثيرة كما قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١].
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وهذا كثير في السنة الثابتة عنه ﷺ كقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"، وقوله: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله " ونحو ذلك" (٤).
стр. 762
وكذلك يكون الغلو في رفع القبور وتشييدها والبناء عليها قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "فالحكم في هذه الأمور أنها لا تجوز، فقد صرحت الأحاديث بالنهي عن ذلك والتحذير منه وتحريمه، فإن هذا من الغلو الذي تكاثرت الأحاديث بالنهي عن عنه، فإنه أعظم وسائل الشرك وأسبابه، وبسببه وقع الشرك كما في الصحيح من حديث ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣] " (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "الغلو في الصالحين وبناء المساجد على القبور والغلو في القبور كل هذا من الوسائل المفضية إلى الشرك وقد نهى النبي ﷺ عنها سدا للطريق الموصل إلى الشرك" (٢).
٢ - الموافقة الظاهرة للكفار:
قال ابن القيم ﵀: "وقد حمى ﷺ جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعبّاد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح، لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين سجد المشركون فيهما للشمس" (٣).
وقال أيضًا ﵀: "الوجه الرابع عشر أنه ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وكان من حكمة ذلك أنهما وقت سجود المشركين للشمس وكان النهي عن الصلاة لله في ذلك الوقت سدا لذريعة
стр. 763
المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة إلى المشابهة في القصد مع بعد هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة" (١).
قال السعدي ﵀: "والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم ومن هذا السبب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعارهم وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم وجميع ما يختص بهم إبعادا للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر التي هي وسيلة قريبة للميل والركون إليهم حتى أنه نهى عن الصلاة النافلة في أوقات النهي التي يسجد المشركون فيها لغير الله خوفا من التشبه المحذور" (٢).
* ومن الموافقة الظاهرة للكفار تعظيم أماكن الجاهلية وأعيادهم:
جاء في حديث ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ : "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٣).
فدل الحديث على أن المؤمن ينبغي له أن يبتعد عن أماكن الجاهلية ولا يخصها بعبادة حتى لا يتشبه بهم وينسب إليهم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "وقد صرح العلماء بتحريم الذبح في المقبرة لما فيه من مشابهة المشركين، ولأنه وسيلة إلى الشرك بالذبح للموتى والتقرب إليهم" (٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أما بالنسبة للصلاة في الكنيسة فإن الصلاة
стр. 764
تخالف صلاة أهل الكنيسة فلا يكون الإنسان متشبها بهذا العمل بخلاف الذبح مكان يذبح فيه لغير الله، فإن الفعل واحد بنوعه وجنسه ولهذا لو أراد إنسان أن يصلي في مكان يذبح فيه لغير الله لجاز ذلك لأنه ليس من نوع العبادة التي يفعلها المشركون في هذا المكان" (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان: "فالرسول ﷺ حمى حدود التوحيد حماية بليغة، بحيث أنه نهى عن كل سبب أو وسيلة توصل إلى الشرك، ولو كانت هذه الوسيلة في أصلها مشروعة كالصلاة، إذا فعلت عند القبور، فهو وسيلة إلى الشرك، ولو حسنت نية فاعلها، فالنية لا تبرر ولا تزكي العمل إذا كان يؤدي إلى محذور، والدعاء مشروع، ولكن إذا دعا عند القبر، فهذا ممنوع، لأنه وسيلة إلى الشرك بهذا القبر، هذا سد الوسائل.
فالرسول نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء عند القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تفضي إلى الشرك، وهي ليست شركا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله ، ولذلك منعها ﷺ " (٢).
٣ - السؤال بالخلق أو بالجاه:
قال ابن باز: "قول القائل: أسأل الله بحق أوليائه أو بجاه أوليائه أو بحق النبي أو بجاه النبي هذا ليس من الشرك ولكنه بدعة عند جمهور أهل العلم ومن وسائل الشرك" (٣).
стр. 765
٤ - اتخاذ الصور:
يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ولقد بلغ من سد النبي ﷺ ذرائع الشرك ووسائله أن لا يترك في بيته صورة شيء يعبد من دون الله تعالى أو يعظم تعظيم عبادة. ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن النبي ﷺ يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه ...
إلى أن قال: فكان من هدي النبي ﷺ إزالة كل ما فيه تصاليب حماية لجانب التوحيد وإبعادًا عن مشابهة غير المسلمين ولقد كانت بلادنا هذه والحمد لله من أعظم البلاد الإسلامية محافظة على توحيد الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ بما منّ الله عليها من علماء مبينين وولاة منفذين وصارت عند أعداء الإسلام قلعة الإسلام فغزوها من كل جانب بكل شكل من أشكال الغزو حتى كثرت الفتن فيها وصارت صور الصلبان على بعض الألعاب للأطفال بل وعلى الفرش لتكون نصب أعين المسلمين صبيانهم وكبارهم فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون" (١).
وقد ورد استفتاء إلى الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ قال فيه المستفتي: "تقوم بعض المحلات التجارية ببيع صورة مكبرة لقبر الرسول ﷺ وصاحبيه ﵄، ويقوم بعض الناس بتعليقها على الجدران، والسؤال: هل يجوز بيع تلك الصور وتعليقها؟ أم لا؟.
الجواب: هذه الصورة لا تجوز، وبيعها لا يجوز، لأن ذلك من وسائل الغلو فيه ﷺ وفي صاحبيه ﵄، ومن أسباب الشرك بالله ﷺ . فالواجب ترك ذلك، ولا يجوز ذلك ولا بيعه لكونه وسيلة للغلو والشرك. وفق الله المسلمين جميعًا للفقه في
стр. 766
دينه، والسلامة من أسباب غضبه، إنه خير مسؤول" (١).
وأما نَصْبُ النُّصُب ووضع التماثيل واتخاذها فإنه أشد من اتخاذ الصور قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح:٢٣]: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وَسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت" (٢).
٥ - تعليق الحروز من القرآن:
قال الشيخ ابن باز ﵀: "القول بجواز تعليق ما كان من القرآن أو الأدعية المباحة والأذكار الشرعية استثناء بغير حجة ووسيلة إلى تعليق التمائم الأخرى الشركية، ومعلوم أن الأخذ بالعموم متعين ما لم يرد ما يخصه، كما أن من المعلوم من الشريعة المطهرة وجوب سد الذرائع المفضية إلى الشرك أو إلى ما دونه من المعاصي؛ ولأنها إذا علقت صارت وسيلة إلى تعلق القلوب بها والاعتماد عليها ونسيان الله ، فمن حكمة الله في هذا أنه ونهى عنها حتى تكون القلوب معلقة به سبحانه لا بغيره، وتعليق القرآن وسيلة لتعليق غيره، فلهذا وجب منع الجميع وأن لا يعلق شيء على المريض، ولا على الصبي لا من القرآن ولا من غيره" (٣).
стр. 767
١١٥ - الحنيفية *
قال الإمام ابن تيمية ﵀: "ذكر الثعلبي ومن اتبعه كالبغوي وغيره عن ابن عباس قال: الحنيف: المائل عن الأديان إلى دين الإسلام قالوا: وأصله من حنف الرجل وهو ميل وعوج في القدم، ومنه قيل للأحنف بن قيس ذلك لأنه كان أحنف القدم" (١).
وفسرت الحنيفية بـ: الإخلاص والإسلام.
قال محمد بن كعب: "الحنيف: المستقيم". وقال أبو قلابة: "الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم". وقال مجاهد: "متبعًا". وقال: "أتباع إبراهيم". وفسرت: بالحج (٢).
قال الضحاك: "إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن معه فهو المسلم" (٣).
قال أبو عروبة: "الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله" (٤).
قال ابن تيمية ﵀: "الحنيفية هي الاستقامة بإخلاص الدين لله" (٥).
стр. 768
وقال أيضًا: "والقرآن كله يدل على أن الحنيفية هي ملة إبراهيم، وأنها عبادة الله وحده والبراءة من الشرك، وعبادته سبحانه إنما تكون بما أمر به وشرعه، وذلك يدخل في الحنيفية، ولا يدخل فيها ما ابتدع من العبادات، كما ابتدع اليهود والنصارى عبادات لم يأمر بها الأنبياء، فإن موسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل ومن اتبعهم كانوا حنفاء بخلاف من بدل دينهم فإنه خارج عن الحنيفية" (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين" (٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: "الحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك، المبنية على الإخلاص لله " (٣).
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥]، وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، [النساء: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ
стр. 769
الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد فرض الله على الناس أن يكونوا حنفاء؛ فرضه الله على أهل الكتاب، ثم على أمة محمد. وأوجب عليه وعليهم أن يتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا، فقال تعالى في أهل الكتاب ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] وهذا أمر لجميع الخلق من المشركين، وأهل الكتاب وغيرهم" (١).
وقال أيضًا ﵀: "فالقلب إن لم يكن حنيفيًا مقبلا على الله معرضا عما سواه وإلا كان مشركًا ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].
وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة للحنفاء المخلصين أهل محبة الله وعبادته وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم، قال تعالى في إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٢ - ٧٣].
وقال في فرعون وقومه ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا
стр. 770
يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١ - ٤٢].
ولهذا يصير أتباع فرعون أولًا إلى أن لا يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود هذا وجود هذا، ويقول محققوهم الشريعة فيها طاعة ومعصية والحقيقة فيها معصية بلا طاعة والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية، وهذا تحقيق مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق وأنكروا تكليمه لعبده موسى وما أرسله به من الأمر والنهي" (١).
وقد تقدم في باب (تحقيق التوحيد) لماذا سمي إبراهيم ﵇ بإمام الحنفاء.
١١٦ - الخروج عن الشريعة
انظر باب (اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇.
стр. 771
١١٧ - الخشوع *
لغة: الخشوع يراد به الانخفاض والذل والسكون. يقال: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت (١).
قال ابن قاسم ﵀: "الخشوع: التطامن والتذلل وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والبصر والصوت" (٢).
وفي الشرع: قال ابن عثيمين ﵀: "الخشوع: الذل والتطامن لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي" (٣).
وقيل: "الخشوع: الانقياد للحق" (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح" (٥).
وقيل: الخشوع: ضراعة القلب، وطمأنينته وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلًا، وافتقارًا، وإيمانًا به وبلقائه.
قال ابن القيم: "والحق أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل
стр. 772
والانكسار" (١).
ومحل الخشوع: القلب، وثمرته: تظهر على الجوارح، ولذا قيل: إذا ضرع القلب، خشعت الجوارح، وذلك لأن القلب ملك البدن، وأمير الأعضاء، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.
والخشوع عبادة قلبية يجب صرفها لله وحده.
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦].
وعلق الله بها أسباب الفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
* الدليل من السنة: دعاء الرسول ﷺ في ركوعه: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي" (٢).
وعن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها" (٣).
فوائد:
١ - سبب الخشوع:
قال الحافظ ابن رجب ﵀: "وأصل الخشوع الحاصل في القلب: إنما هو معرفة الله، ومعرفة عظمته، وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع.
ويتفاوت الخشوع في القلب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، وبحسب
стр. 773
تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع. فمن خاشع لقوة مطالعته لقرب الله من عبده، واطلاعه على سره وضميره المقتضي للاستحياء من الله تعالى، ومراقبته في الحركات والسكنات. ومن خاشع لمطالعته لكماله وجماله المقتضي للاستغراق في محبته والشوق إلى لقائه ورؤيته. ومن خاشع لمطالعته شدة بطشه وانتقامه وعقابه المقتضي للخوف منه وهو : جابر المنكسرة قلوبهم من أجله .. " (١).
والعلم النافع إذا وقر في القلب فإنه يُثمر لصاحبه خشوعًا في قلبه وإجلالًا لمولاه ، قال ابن رجب ﵀: "وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:
أحدهما: على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على بلائه.
الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال.
فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما به محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع فمتى كان العلم نافعا ووقر في القلب فقد خشع القلب لله وانكسر له وذل هيبة وإجلالًا وخشية ومحبة وتعظيما ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا" (٢).
стр. 774
٢ - خشوع النفاق:
خشوع النفاق هو خشوع الرياء والسمعة.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: "ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخُلُوِّه منه كان ذلك خشوع النفاق وهو الذي كان السلف يستعيذون منه، كما قال بعضهم: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: ما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع.
ونظر عمر إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق" (١).
стр. 775
١١٨ - الخشية *
في اللغة: قال ابن منظور: "الخشية: هي الخوف، يقال: خشي الرجل يخشى خشية أي خاف".
في الشرع: الخشية خوف يشعر به تعظيم وهيبة (١).
قال ابن عثيمين ﵀: "الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي العلماء بعظمته وكماله وسلطانه" (٢).
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة:١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١].
* الدليل من السنة: روى الترمذي في السنن: "أن مُعَاوِيَةُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلا تُكْثِرِي عَلَيَّ، قال: فَكَتبَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى مُعَاوِيةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ .. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ