← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

١١٧ - الخشوع * لغة: الخشوع يراد به الانخفاض والذل والسكون. يقال: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت (١). قال ابن قاسم ﵀: "الخشوع: التطامن والتذلل وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والبصر والصوت" (٢). وفي الشرع: قال ابن عثيمين ﵀: "الخشوع: الذل والتطامن لعظمة الله بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي" (٣). وقيل: "الخشوع: الانقياد للحق" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح" (٥). وقيل: الخشوع: ضراعة القلب، وطمأنينته وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلًا، وافتقارًا، وإيمانًا به وبلقائه. قال ابن القيم: "والحق أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل

стр. 772

والانكسار" (١). ومحل الخشوع: القلب، وثمرته: تظهر على الجوارح، ولذا قيل: إذا ضرع القلب، خشعت الجوارح، وذلك لأن القلب ملك البدن، وأمير الأعضاء، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. والخشوع عبادة قلبية يجب صرفها لله وحده. * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. وعلق الله بها أسباب الفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. * الدليل من السنة: دعاء الرسول ﷺ في ركوعه: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي" (٢). وعن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها" (٣). فوائد: ١ - سبب الخشوع: قال الحافظ ابن رجب ﵀: "وأصل الخشوع الحاصل في القلب: إنما هو معرفة الله، ومعرفة عظمته، وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف فهو له أخشع. ويتفاوت الخشوع في القلب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له، وبحسب

стр. 773

تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع. فمن خاشع لقوة مطالعته لقرب الله من عبده، واطلاعه على سره وضميره المقتضي للاستحياء من الله تعالى، ومراقبته في الحركات والسكنات. ومن خاشع لمطالعته لكماله وجماله المقتضي للاستغراق في محبته والشوق إلى لقائه ورؤيته. ومن خاشع لمطالعته شدة بطشه وانتقامه وعقابه المقتضي للخوف منه وهو : جابر المنكسرة قلوبهم من أجله .. " (١). والعلم النافع إذا وقر في القلب فإنه يُثمر لصاحبه خشوعًا في قلبه وإجلالًا لمولاه ، قال ابن رجب ﵀: "وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين: أحدهما: على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضا بقضائه والصبر على بلائه. الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال. فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما به محبة الله ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع فمتى كان العلم نافعا ووقر في القلب فقد خشع القلب لله وانكسر له وذل هيبة وإجلالًا وخشية ومحبة وتعظيما ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا" (٢).

стр. 774

٢ - خشوع النفاق: خشوع النفاق هو خشوع الرياء والسمعة. قال الحافظ ابن رجب ﵀: "ومتى تكلف الإنسان تعاطي الخشوع في جوارحه وأطرافه مع فراغ قلبه من الخشوع وخُلُوِّه منه كان ذلك خشوع النفاق وهو الذي كان السلف يستعيذون منه، كما قال بعضهم: استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: ما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع. ونظر عمر إلى شاب قد نكس رأسه فقال له: يا هذا ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب، فمن أظهر خشوعًا غير ما في قلبه فإنما هو نفاق على نفاق" (١).

стр. 775

١١٨ - الخشية * في اللغة: قال ابن منظور: "الخشية: هي الخوف، يقال: خشي الرجل يخشى خشية أي خاف". في الشرع: الخشية خوف يشعر به تعظيم وهيبة (١). قال ابن عثيمين ﵀: "الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي العلماء بعظمته وكماله وسلطانه" (٢). * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة:١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. * الدليل من السنة: روى الترمذي في السنن: "أن مُعَاوِيَةُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلا تُكْثِرِي عَلَيَّ، قال: فَكَتبَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى مُعَاوِيةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ .. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ

стр. 776

بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ" وَالسَّلامُ عَلَيْكَ (١). فالخشية عبادة يجب إخلاصها لله وحده، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ بيان وجوب إخلاص الخشية لله وحده. قال السعدي ﵀ في بيان أهمية الخوف: "فالخوف يمنع العبد عن محارم الله وتشاركه الخشية في ذلك. وقال: فإن خشية الله جالبة لكل خير مانعة من كل شر (٢) ". * الفرق بين الخشية والخوف: قال الراغب: "الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه ولذلك خُصَّ العلماء بها" (٣). وقال ابن القيم ﵀: "الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فهي خوف مقرون بمعرفة" (٤). وقال الشيخ ابن قاسم ﵀: "الخشية: فعلة من خشيه خافه واتقاه، فهي بمعنى الخوف، لكنها أخص منه، وهي: من أجل أنواع العبادة وصرفها لغير الله شرك أكبر" (٥). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٢] أي العلماء بعظمته وكمال سلطانه فهي أخص من الخوف، ويتضح

стр. 777

الفرق بينهما بالمثال فإذا خفت من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم لا فهذا خوف، وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية. ويقال في أقسام أحكام الخشية ما يقال في أقسام أحكام الخوف" (١). فالخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله والخوف قد يكون من الجاهل (٢). ١١٩ - الخط انظر: (الطَّرْق) و (الرمال) في باب: (التميمة).

стр. 778

١٢٠ - الخُلة * قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الخلة هي: كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه" (١). وقال ابن القيم ﵀: "ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى لمحبه سعةٌ لغير محبوبه" (٢). وقد بَيَّن شارحُ الطحاوية: "أن الخلة أعلى مراتب المحبة" (٣). ولما ذكر مراتب المحبة العشر قال: "والعاشرة: الخلة وهي المحبة التي تخللّت رُوح المُحِب وقلبه" (٤). * الأدلة من السنة: ثبت في الصحيحين من غير وجه أنه قال ﷺ : "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (٥). وقال ﷺ : "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة

стр. 779

خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله" (١). * فائدة: قال شارح الطحاوية: "واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخُلَّة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى" (٢). * العلاقة بين الخلة والعبودية: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولفظ "العبودية" يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب، والتيم التعبد، وتيم الله عبده، وهذا أعلى الكمال حصل لإبراهيم ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ولهذا لم يكن له من أهل الأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة، فإنه كما قيل في المعنى: قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سُمي الخليل خليلا بخلاف أصل الحب فإنه ﷺ قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: "اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما". وسأله عمرو بن العاص: "أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال أبوها". وقال لعلي ﵁: "لأعطينَّ الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، وأمثال ذلك كثير. وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين ويحب المحسنين ويحب المقسطين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، وقال ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]. فقد أخبر بمحبته

стр. 780

لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وأما الخلة فخاصة، وقول بعض الناس إن محمدًا حبيب الله وإبراهيم خليل الله وظنه أن المحبة فوق الخلة قول ضعيف" (١). وقال ابن القيم: "وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد ﷺ حبيب الله، فمن جهلهم، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، قال: وقد أخبر النبي ﷺ أن الله قد اتخذه خليلًا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب ﵃ وغيرهم، وأيضا فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويجب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وفيه جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك" (٢). ١٢١ - الخوارق الشيطانية هي التي تكون على يد ساحر أو كاهن. والخارق للعادة قد يكون معجزة أو كرامة وقد يكون من صنع الكهان والعرافين والسحرة والسحرة والمشعوذين وسوف يأتي الكلام عن ذلك في باب: "الكرامة".

стр. 781

١٢٢ - الخوف * لغة: الفزع يقال: خافه يخافه خوفًا وخيفة ومخافة (١). وفي الشرع: قال الجرجاني: "الخوف: توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب" (٢). وقال القرطبي: "الخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار" (٣). وقال ابن عثيمين: "الخوف: هو الذعر وهو انفعال يحصل بتوقع ما فيه هلاك أو ضرر أو أذى وقد نهى الله عن خوف أولياء الشيطان وأمر بخوفه وحده" (٤).

стр. 782

وعرفه الجنيد بأنه: "توقع العقوبة على مجاري الأنفاس" (١). والخوف من أنواع العبادة قال ابن القيم: "الخوف عبودية القلب فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب" (٢). وقد تقدم ذكر الفرق بينها وبين الخشية (٣). * الدليل من الكتاب: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمرك:١٧٥]، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]. * الدليل من السنة: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ: فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ فُلَانٌ: فَنَزَلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ " (٤). * أقسام الخوف: قسم العلماء ﵀ الخوف إلى أربعة أقسام. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: (أحدها: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف

стр. 783

بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا، لأن هذا من لوازم الإلهية فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك، وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل ﵊ فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨٠ - ٨١]. وقال تعالى عن قوم هود أنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ [هود: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد. ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدر على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله. ولا ريب أن هذا ما بلغ إليه شرك الأولين، بل جهد أيمانهم اليمين بالله تعالى، وكذلك لو أصاب أحدا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب. وإذا أراد أن يظلم أحدا فاستعاذ بالله أو ببيته لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحدا ولم يتعرض له بالأذى حتى ان بعض الناس أخذ من التجار أموالا عظيمة أيام موسم الحاج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: المظلوم فما تعرض له أحد بمكروه خوفا من سر المظلوم وأشباه هذا من الكفر، وهذا الخوف

стр. 784

لا يكون العبد مسلما إلا بإخلاصه لله تعالى وإفراده بذلك دون من سواه. الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا لخوف من الناس، فهذا محرم (١) وهو الذي نزلت فيه الآية المترجم لها (٢) وهو الذي جاء فيه الحديث: "إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر أن لا تغيره فيقول: يارب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى" رواه أحمد (٣). الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة وهو الذي قال الله فيه: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان ونسبة الأول إليه كنسبة الإسلام إلى الإحسان وإنما يكون محمودا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله ولهذا قال شيخ الإسلام: هذا الخوف ما حجزك عن معاصي الله فما زاد على ذلك فهو غير محتاج إليه. الرابع: وهو الخوف الطبيعي كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك فهذا لا يذم. وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ

стр. 785

مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] " (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "لكن إذا كان هذا الخوف (٢) سببًا لترك واجب أو فعل محرم كان حرامًا؛ لأن ما كان سببًا لترك واجب أو فعل محرم فهو حرام ودليله قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] " (٣). وهناك خوف وهمي كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا وهذا مذموم. يقول الشيخ السعدي ﵀ في بيان هذه الأقسام: "اعلم أن الخوف والخشية تارة يقع عبادة وتارة يقع طبيعة وعادة، وذلك بحسب أسبابه ومتعلقاته. فإن كان الخوف والخشية خوف تأله وتعبد وتقرب بذلك الخوف إلى من يخافه، وكان يدعو إلى طاعة باطنه وخوف سري يزجر عن معصية من يخافه كان تعلقه بالله من أعظم واجبات الإيمان. وتعلقه بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لأنه أشرك في هذه العبادة التي هي من أعظم واجبات القلب غير الله مع الله، وربما زاد خوفه من غير الله على خوفه لله. وأيضا فمن خشي الله وحده على هذا الوجه فهو مخلص موحد، ومن خشي غيره فقد جعل لله ندًا في الخشية كمن جعل لله ندًا في المحبة، وذلك كمن يخشى من صاحب القبر أن يوقع به مكروها أو يغضب عليه فيسلبه نعمه أو نحو ذلك مما هو واقع من عباد القبور. وإن كان الخوف طبيعيا كمن يخشى من عدو أو سبع أو حية أو نحو ذلك مما يخشى ضرره الظاهري، فهذا النوع ليس عبادة، وقد يوجد من كثير من المؤمنين،

стр. 786

ولا ينافي الإيمان، وهذا إذا كان خوفا محققًا قد انعقدت أسباب الخوف فليس بمذموم. وإن كان هذا خوفًا وهميًا كالخوف الذي ليس له سبب أصلًا، أو له سبب ضعيف فهذا مذموم يدخل صاحبه في وصف الجبناء، وقد تعوذ ﷺ من الجبن فهو من الأخلاق الرذيلة" (١). * تنبيه: على العبد أن لا يفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجل الناس، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا منهم، ولا يلتمس رضا الناس بسخط الله بل يرج الله ويخافه ويلتمس رضاه سبحانه ويفعل ما أمر به وإن كره الناس منه ذلك. قال شيخ الإسلام: "والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخاف الله فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: "أرج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله". أي لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفا منهم، بل ارج الله، ولا تخفهم في الله فيما تأتي وتذر، بل افعل ما أمرت وإن كرهوه" (٢). وقال ﵀: "كلما قويت محبة العبد لمولاه صغرت عنده المحبوبات وقلت وكلما ضعفت كثرت محبوباته ونتشرت، وكذا الخوف والرجاء وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا سواه قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩]، وإذا نقص خوفه خاف

стр. 787

من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفى الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله تعالى" (١). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "ومن خافه واتقاه آمنه مما يخاف ويحذر وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] فلا تستبطيء نصره ورزقه وعافيته فإن الله تعالى بالغ أمره وقد جعل الله لكل شيء قدرًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر ومن لم يخفه أخافه من كل شيء وما خاف أحدا غير الله إلا لنقص خوفه من الله قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل:٩٨ - ١٠٠]، وقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] أي يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم فلا تخافوهم وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم" (٢). وقال ابن عثيمين ﵀: "يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف، وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه فالعاقبة له، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله انقلبت عليه الأحوال ولم ينل مقصوده بل حصل له على مقصوده، وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس" (٣).

стр. 788

* تحصيل أسباب الخوف من الله: من أعظم الأسباب في ذلك معرفة أسماء الله وصفاته والتزود منها علمًا وإدراكا وإيمانا ويقينا، وبقدر نقص هذه المعرفة والإيمان بها يكون النقص في الخوف من الله، ولذلك يقول ابن القيم: "ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به فأعرف الناس بالله أخشاهم لله ... وهو ينشأ من ثلاثة أمور: أحدها: معرفة الجناية وقبحها. الثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. الثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه" (١). أحكام وفوائد: ١ - حد الخوف الواجب: يقول ابن القيم ﵀: "والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (٢). وقال ابن رجب ﵀: "ولا ننكر أن خشية الله وهيبته وعظمته في الصدور وإجلاله مقصود أيضًا، ولكن القدر النافع من ذلك ما كان عونًا على التقرب إلى الله بفعل ما يحبه وترك ما يكرهه ومتى صار الخوف مانعًا ذلك وقاطعا فقد انعكس المقصود منه ولكن إذا حصل ذلك عن غلبة كان صاحبه معذورًا" (٣).

стр. 789

وقال قبل ذلك: "والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتبسط في فضول الحاجات كان ذلك فضلًا محمودًا. فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضا أو موتا أو همًا لازما بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله لم يكن ذلك محمودًا. ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن وصار صاحب فراش؛ وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصودا لذاته إنما هو سوط يساق به المتوانى عن الطاعة إليها. ومن هنا كانت النار من جملة نعم الله على عباده الذين خافوه واتقوه، ولهذا المعنى عدها الله سبحانه من جملة آلائه على الثقلين في سورة الرحمن" (١). وقال ابن عثيمين ﵀: "والخوف العدل هو الذي يرد عن محارم الله فقط، وإن زدت على هذا فإنه يوصلك إلى اليأس من روح الله، ومن الناس من يفرط في خوفه بحيث لا يردعه عما نهى الله عنه" (٢). ٢ - الفرق بين الخوف والوجل والفزع: قال ابن قاسم ﵀ في حاشية ثلاثة الأصول: "الخوف عبادة من العبادات القلبية، بل هو: ركن العبادة الأعظم، ولا يستقيم إخلاص الدين لله، الذي أمر الله به عباده، إلا به. والخوف مصدر خاف، فزع ووجل، لكن الخوف يتعلق بالمكروه، والفزع بما فاجأ منه، وهو انزعاج القلب، بتوقع مكروه عاجل. والوجل من غير متعد، والخوف من متعد" (٣).

стр. 790

٣ - المؤمن بين الحب والخوف والرجاء: يجب على العبد أن يجمع بين الحب والخوف والرجاء لأنها من المقامات التي يجب اجتماعها في قلب كل عبد مؤمن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وعمل القلب من التوكل والخوف والرجاء وما يتبع ذلك والصبر واجب بالاتفاق" (١). وجاء عن السلف التحذير من إفراد أحدهما عن الآخر. قال ابن رجب ﵀: "قال ابن المبارك: أنبأني عمر بن الرحمن بن مهدي سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله أن أعبده رجاء ثواب الجنة أي فقط فأكون كالأجير السوء إن أُعطى عمل وإن لم يُعطَ لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار أي فقط، فأكون كعبد السوء إن رهب عمل وإن لم يرهب لم يعمل، وإنه يستخرج حبه مني لا يستخرجه مني غيره. خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ. وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته وهو أنه ذم العباد على وجه الرجاء وحده أو على وجه الخوف وحده، وهذا حسن. وكان بعض السلف يقول: من عَبَد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن. وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة المحبة والخوف والرجاء ولا بد له، ومن أخل ببعضها فقد أخل بعض واجبات الإيمان، وكلام هذا الحكيم يدل على أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء" (٢).

стр. 791

وقال ابن رجب ﵀: "قال حذيفة المرعشي: "إن عبدًا يعمل على خوف لعبد سوء وإن عبدا يعمل على رجاء لعبد سوء كلاهما عندي سواء"، ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر" (١). وقال القرطبي ﵀: "وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان" (٢). ويُعرف وجوب اجتماعهم بمعرفة أهمية كل واحد منهم: * أهمية الخوف: قال ابن القيم ﵀: "منزلة الخوف وهي من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد" (٣). وقال أيضًا ﵀: "قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلبا إلا خرب. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها. وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق" (٤). وقال ابن رجب ﵀: " ... ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها" (٥). * أهمية الرجاء: قال ابن القيم ﵀: "لولا رَوْح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح

стр. 792

وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، بل لولا رَوْح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة - ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات ولى من أبيات: لولا التعلق بالرجاء تقطعت ... نفس المحب تحسرا وتمزقا وكذاك لولا برده بحرارة الـ ... أكباد ذابت بالحجاب تحرقا أيكون قط حليف حب لا يرى ... برجائه لحبيبه متعلقا أم كلما قويت محبته له ... قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا لولا الرجا يحدو المطي لما سرت ... بحمولها لديارهم ترجو اللقا (١) وقال ﵀: "الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف فكل راج خائف، وكل خائف راج؛ ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣] قال كثير من المفسرين: المعنى ما لكم لا تخافون لله عظمة قالوا: والرجاء بمعنى الخوف، والتحقيق أنه ملازم له، فكل راج خائف من فوات مرجوه والخوف بلا رجاء يأس وقنوط" (٢). وإذا كانت هذه هي أهمية الخوف والرجاء فإنهما لا يتأتيان إلا بالمحبة قال ابن القيم ﵀: "فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشه بخلاف خوف المسئ ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحب من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما، وبالجملة فالرجاء ضروري

стр. 793

للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو إصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله واستقامة يرجو حصولها ودوامها وقرب الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها" (١). وبهذا يتبين أن الحب عبادة والخوف عبادة والرجاء عبادة والجمع بينهم واجب شرعًا، ولكل مقام من الثلاثة وظيفة يؤديها. قال شيخ الإسلام: "فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه" (٢). وقال ابن القيم ﵀: "إن الرجاء حاد يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد، فإن الخوف وحده لا يحرك العبد وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء" (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "بالمحبة يكون امتثال الأمر وبالخوف يكون اجتناب النهي" (٤). ٤ - هل الأفضل للإنسان أن يُغلِّبَ جانب الخوف أو يُغلِّبَ جانب الرجاء ؟ قال الشيخ ابن عثيمين: "اختلف في ذلك: فقيل: ينبغي أن يغلب جانب الخوف، ليحمله ذلك على اجتناب المعصية ثم

стр. 794

فعل الطاعة. وقيل يغلب جانب الرجاء، ليكون متفائلا، والرسول ﷺ كان يعجبه الفأل. وقيل في فعل الطاعة: يغلب جانب الرجاء، فالذي من عليه بفعل هذه الطاعة سيمن عليه بالقبول، ولهذا قال بعض السلف: إذا وفقك الله للدعاء، فانتظر الإجابة، لأن الله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وفي فعل المعصية يغلب جانب الخوف، لأجل أن يمنعه منها ثم إذا خاف من العقوبة تاب. وهذا أقرب شيء، ولكن ليس بذاك القرب الكامل؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، أي: يخافون أن لا يقبل منهم، لكن قد يقال هذه الآية يعارضها أحاديث أخرى، كقوله ﷺ في الحديث القدسي عن ربه: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني". وقيل: في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، فهذه أربعة أقوال. وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا؛ (١) فأيهما غلب هلك صاحبه، أي: يجعلهما كجناحي الطائر، والجناحان للطائر إذا لم يكونا متساوين سقط" (٢). والقول بأن الخوف والرجاء ينبغي أن يستويان هو قول كثير من السلف وقد جاء في الأثر "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا". قال المحدث العلجوني ﵀: "قال في اللآلئ: هذا مأثور بعض السلف، وهو كلام صحيح. وقال في المقاصد وتبعه في الدرر لا أصل في المرفوع وإنما

стр. 795

يؤثر عن بعض السلف فرواه البيهقي عن مطرف قال لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه بميزان ما كان بينهما خيط شعرة (١). ورواه أيضًا عن شعبة قال: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه ما زاد خوفه على رجائه ولا رجاؤه على خوفه (٢). ومعناه صحيح" (٣). قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال: خوفًا وطمعًا قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر (٤). وقال الشوكاني ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال: "وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفًا وجلًا طامعًا في إجابة الله لدعائه فإنه إذا كان عند الدعاء جامعًا بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه" (٥). وقال أبو علي الروذباري: "الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص واحد منهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا جميعا صار الطائر في حد الموت لذلك قيل لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا" (٦). وقال سهل بن عبد الله: "الرجاء والخوف زمانان على الإنسان فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر" (٧). وبوب الإمام البخاري في كتابه الصحيح فقال: "باب: الرجاء مع الخوف"؛ ثم

стр. 796

ذكر حديث أبي هريرة ﵀: "أن الله خلق مائة رحمة؛ وفيه: فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار" (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قوله "باب الرجاء مع الخوف" أي استحباب ذلك، فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف ولا في الخوف عن الرجاء لئلا يفضي في الأول إلى المكر وفي الثاني إلى القنوط وكل منهما مذموم" (٢). وقال ابن تيمية: "وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غلب هلك صاحبه ونص عليه الإمام أحمد لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله" (٣)، نقل هذا القول ابن القيم (٤)، واختاره السهسواني (٥). وقال ابن رجب ﵀: "فأما الخوف والرجاء فأكثر السلف أنهما يستويان لا يرجح أحدهما على الآخر قاله مطرف والحسن، وأحمد وغيرهم" (٦). وذكر أهل العلم أيضا أنهما يتساويان ولكن يغلب جانب الرجاء عند المرض، ومفارقة الدنيا وقد رجحه كثير من العلماء (٧).

стр. 797

ودليل ذلك حديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قبل موته بثلاث أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحُسِن الظنَّ بالله " (١). وقال إبراهيم بن يزيد النخعي: "كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحُسِن ظنَّه بربه" (٢). وعن المعتمر بن سليمان قال: قال لي أبي حين حضرته الوفاة: "يا معتمر" حدثني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به" (٣). وقال القرطبي ﵀: "قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف والرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلَّب الرجاء قال النبي ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" (٤). وقال النووي ﵀: "اعلم أن المختار للعبد في حالة صحته أن يكون خائفًا راجيًا ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض يمحض الرجاء وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة وغير ذلك متظاهرة على ذلك" (٥). وقال ابن مفلح ﵀: "وينبغي أن يكون رجاء المريض أكثر، وقطع به صاحب "النظم" (٦) " (٧). وقال ابن رجب: "ومنهم من رجح الخوف على الرجاء وهو يحكى عن

стр. 798

الفضيل وأبي سليمان الدارني" (١). وقال ابن القيم: "فصلٌ: القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال: ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه" (٢). وقال ابن حجر ﵀: "وقيل الأَوْلَى أن يكون الخوف في الصحة أكثر وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته، ويؤيده حديث "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، ... ". وقال آخرون لا يهمل جانب الخوف أصلًا بحيث يجزم أنه آمن ويؤيده ما أخرج الترمذي عن أنس: أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال له:"كيف تجدك؟ ". فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ :"لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" (٣).

стр. 799

ومن هذه الأقوال يتبين أهمية كل واحد منها إذ لا غنى للعبد عنها وعلى المسلم أن ينظر فيما يصلح نفسه قال الحسن البصري: "نفوسكم مطاياكم فأصلحوا مطاياكم تُبلغكم إلى ربكم ". قال ابن رجب ﵀ مبينا كلام الحسن: "فالمراد بإصلاح المطايا الرفق بها وتعاهدها بما يصلحها من قوتها والرفق بها في سيرها فإذا أحس بها بتوقف في السير تعاهدها تارة بالتشويق وتارة بالتخويف حتى تسير. قال بعض السلف: الرجاء قائد، والخوف سائق، والنفس بينهما كالدابة الحرون (١)، فمتى فتر قائدها وقصّر سائقها وقفت فتحتاج إلى الرفق بها، والحدو لها حتى يطيب لها السير كما قال حادي الإبل بالوادي: بشرها دليلها وقال لها ... غدا ترين الطلح والجبالا ولما كان الخوف كالسوط فمتى ألحّ بالضرب وبالسوط على الدابة تلفت فلا بدَّلها مع الضرب من حادي الرجاء يطيب لها السير بحدائه حتى تقطع. قال أبو زيد: "ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك" (٢). * قال ابن القيم: "وللسالك نظران: نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره، ونظر يفتح عليه باب الرجاء، ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله" (٣). وقال أيضًا: "والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان ونوع غرور مذموم: فالأولان: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه. ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه

стр. 800

وجوده وحلمه وكرمه. والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والذي عندي في هذه المسألة أن هذا يختلف باختلاف الأحوال، وأنه إذا خاف إذا غلب جانب الخوف أن يقنط من رحمة الله وجب عليه أن يردّ ويقابل ذلك بجانب الرجاء، وإذا خاف إذا غلب جانب الرجاء أن يأمن من مكر الله فليرد ويغلب جانب الخوف، والإنسان في الحقيقة طبيب نفسه إذا كان قلبه حيًا، أما صاحب القلب الميت الذي لا يعالج قلبه ولا ينظر أحوال قلبه فهذا لا يهمه الأمر" (٢). وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "والتحقيق: أن ذلك على حالين: الأولى: إذا كان العبد في حال الصحة والسلامة فإنه إما أن يكون مسددًا مسارعًا في الخيرات، فهذا ينبغي أن يتساوى في قلبه الخوف والرجاء، فيخاف ويرجو، لأنه من المسارعين في الخيرات. وإذا كان في حال الصحة والسلامة وكان من أهل العصيان، فالواجب عليه أن يغلب جانب الخوف حتى ينكفّ عن المعصية. الحال الثانية: إذا كان في حال المرض المخوف فإنه يجب أن يُعظِّم جانب الرجاء على الخوف، فيقوم في قلبه الرجاء والخوف، ولكن يكون رجاؤه أعظم من خوفه، وذلك لقول النبي ﵊: "لا يمت أحدكم إلا وهو يُحسَن الظن بربه تعالى"، وذلك من جهة رجائه في الله ﷻ . ومن هنا اختلفت كلمات أهل العلم، فتجد بعضهم يقول: يجب أن يتساوى

стр. 801

الخوف والرجاء، وبعض السلف قال: يُغلِّب جانب الخوف على جانب الرجاء، وبعض السلف قال: يُغلِّب جانب الرجاء على جانب الخوف، وهي أقوال متباينة ظاهرًا، لكنها متفقة في الحقيقة، لأن كل قول منها يرجع إلى حالة مما ذكرنا. فمن قال: يُغلِّب جانب الخوف على الرجاء فهو في حق الصحيح العاصي. ومن قال: يُغلِّب جانب الرجاء على الخوف فهو في حق المريض الذي يخاف الهلاك أو من يخاف الموت. ومن قال: يساوي بين الخوف والرجاء فنظر إلى حال المسددين المسارعين في الخيرات، الذين وصفهم الله - جل وعلا - بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله - جل وعلا - في سورة الإسراء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] وهذا ظاهر" (١). ١٢٣ - الخيط انظر باب (التميمة). تحت عنوان (لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه)

стр. 802

١٢٤ - الدعاء * التعريف: قال الخطابي: "معنى الدعاء استدعاء العبد ربه العناية واستمداده إياه المعونة" (١). وفي القاموس: "الدعاء: الرغبة إلى الله تعالى" (٢). وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بقوله: "هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهن" (٣).

стр. 803

والدعاء عبادة يجب صرفها لله وحده لا شريك له بل هي من أفضل الطاعات وآكد العبادات وأعظمها شأنا وأجلها قدرا وإذا كان الشرك أكبر الكبائر وأعظم الموبقات فإن دعاء الله والإخلاص فيه من أقرب القربات عند الله وأهم المنجيات من عذابه ويشمل الدعاء دعاء المسألة ودعاء العبادة ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. قال ابن سعدي ﵀: "أي أستجب طلبكم وأقبل أعمالكم" (١). *الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن:٢٠ - ٢١] وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. * الدليل من السنة: وردت في السنة أحاديث كثيرة في الترغيب في الدعاء منها: حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ (الدعاء هو العبادة. وتلا قوله

стр. 804

تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (٢) وعند ابن ماجه بلفظ: "من لم يدع الله ... " (٣). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" (٤). وعن ابن مسعود مرفوعًا: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل" (٥). وفي حديث ابن عباس ﵁ الطويل قال فيه ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (٦). * أقوال بعض السلف: قال ابن عباس ﵄: "أفضل العبادة الدعاء" وقرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٧). وقال مطرف: "تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير، الصلاة والصيام، وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن تسأله فيعُطيك فإذا جماع الخير الدعاء" (٨).

стр. 805

وقال ابن سعدي في تفسيره: " ... وكل القربات الظاهرة والباطنة تدخل في دعاء العبادة، لأن المتعبد لله طالب بلسان مقاله ولسان حاله من ربه قبول تلك العبادة والإثابة عليها" (١). وقال أيضا في بيان أهميته عند قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]: "فوضع كلمة الدين موضع كلمة العبادة، وهو في القرآن كثيرا جدا، يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة" (٢). أحكام وفوائد: ١ - دعاء العبادة ودعاء المسألة: للدعاء عند الإطلاق نوعان: الأول: دعاء عبادة: وهو مطلق التعبد كالصلاة والصيام والزكاة إذا فعلها العبد يريد بذلك الثواب والنجاة من العقاب. الثاني: دعاء مسألة: وهو طلب ما ينفعه أو طلب دفع ما يضره وكلاهما لا يجوز صرفه لغير الله (٣). ومن أمثلة دعاء المسألة ما رواه الشيخان عن ابن مسعود قال: التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: "لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام ولكن قولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا

стр. 806

عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو " (١)، فالمراد بقوله: "من الدعاء" دعاءُ المسألة لأنه من أول الصلاة لا زال في دعاء العبادة. ٢ - التلازم بين دعاء المسألة ودعاء العبادة: يقول ابن القيم: "الدعاء نوعان: دعاء عبادة، دعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضرر والنفع فإنه هو المعبود حقا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا ... وهذا في القرآن كثير. يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة مستلزم لدعاء العبادة" (٢). ٣ - مسألة: إذا ورد في القرآن لفظ الدعاء فهل يراد به دعاء العبادة أم دعاء المسألة ؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره ودفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر" (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "القاعدة الحادية والخمسون: كلما ورد في

стр. 807

القرآن الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين تناول دعاء المسألة ودعاء العبادة" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج: ٧٣] وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة ... " (٢). ٤ - أقسام الدعاء: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والدعاء ينقسم إلى قسمين: ١ - ما يقع عبادة: فصرفه لغير الله شرك وهو المقرون بالرهبة والرغبة والحب والتضرع. ٢ - ما لا يقع عبادة: فهذا يجوز أن يُوجَّه إلى المخلوق قال النبي ﷺ "من دعاكم فأجيبوه" (٣)، وقال: "إذا دعاك فأجبه" (٤) " (٥). ٥ - للدعاء شروط وآداب: من ذلك الإخلاص في الدعاء والبداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على نبيه ﷺ ومنها حضور القلب، ورفع اليدين، وأن يكون على طهارة لا يتعدى في الدعاء ولا يتجاوز فيه الحد مع كون القلب خائفًا طامعًا متضرعًا خاشعًا راغبًا راهبًا لا غافلًا ولا آمنًا، وأن يجزم في دعائه ويستيقن الإجابة

стр. 808

ويلح على مولاه مع خفض الصوت واختيار الوقت، ويعترف بذنبه ويقرُّ به أمام الله، ويختار الدعاء المناسب، ويظهر افتقاره إلى الله، ويتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولا يتكلف السجع، وغير ذلك من الآداب تراجع في غير هذا، والله أعلم. ٦ - حكم ترك الدعاء استسلامًا للقضاء: يقول ابن تيمية ﵀: "والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات، فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه فائدة فيه أصلًا، فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء، أو لا تكون قد اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء. وقال قوم ممن تكلم في العلم: بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق. والصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة وسواء سمي سببًا أو شرطًا أو جزءًا من السبب فالمقصود هنا واحد، فإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما قال الخطاب ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا أُلهمت الدء فإن الإجابة معه كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه" (١). وقال الخطابي ﵀: "ومن أبطل الدعاء: فقد أنكر القرآن، ورده ولا خفاء

стр. 809

بفساد قوله وسقوط مذهبه" (١). ٧ - حكم الدعاء للمشركين: الدعاء للمشركين منه ما يكون ممنوعا ومنه ما يكون جائزا ويتضح ذلك بما يلي: ١ - ما يمنع منه كالدعاء بالمغفرة للمشركين، وذلك لقوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]. وجاء في سبب نزولها أن عليًّا ﵁ قال: "سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان!؟ فقال: أوَليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢). قال النووي - رحمه الله تعالى -: "الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع" (٣). وكذلك من زار قبورهم فإنه لا يدعو لهم. قال الإمام ابن باز ﵀: "أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار، ولكن لا يُدعى لهم ولا يستغفر لهم، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها" (٤).

стр. 810

٢ - الجائز منها كالدعاء للمشركين بالهداية فهذا جائز، فقد ثبت في البخاري أن الطفيل بن عمرو قدم على الرسول ﷺ فقال: "يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت فادع عليها. فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: "اللهم اهد دوسا وائت بهم" (١). ومنهم من يخصص ذلك بمن تُرجى هدايته. وكان أبو هريرة يدعو أمه للإسلام وهي مشركة فأبت عليه فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكرهه، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة". وفي ختام الحديث قال أبو هريرة للرسول ﷺ : "قد استجاب الله في دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا" (٢). ٨ - حكم دعاء غير الله دعاء غير الله شرك أكبر (٣)، سواء طَلَبَ ميتًا أو بعيدًا عن الداعي واعتقد أنه يعلم الغيب، أو أن له تصرفًا في الكون (٤)، أو طلب من غير الله لا يقدر عليه إلا الله كغفران الذنب، وهداية القلوب، وإنزال الغيث، وإنبات النبات، وكشف الضر الذي لا يكشفه إلا الله فهذا كله شرك أكبر (٥). قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: "إسناد إلى إلى غير الله في شيء من الأمور بياء النداء إذا كان يشتمل على رغبة أو رهبة، فهذا هو الدعاء الذي صرفه لغير الله شرك" (٦).
следующие страницы →