← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو " (١)، فالمراد بقوله: "من الدعاء" دعاءُ المسألة لأنه من أول الصلاة لا زال في دعاء العبادة. ٢ - التلازم بين دعاء المسألة ودعاء العبادة: يقول ابن القيم: "الدعاء نوعان: دعاء عبادة، دعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضرر والنفع فإنه هو المعبود حقا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا ... وهذا في القرآن كثير. يبين أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر فهو يدعى للنفع والضر دعاء مسألة ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة وكل دعاء مسألة مستلزم لدعاء العبادة" (٢). ٣ - مسألة: إذا ورد في القرآن لفظ الدعاء فهل يراد به دعاء العبادة أم دعاء المسألة ؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان، فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره ودفعه وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لابد أن يكون مالكًا للنفع والضر" (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "القاعدة الحادية والخمسون: كلما ورد في

стр. 807

القرآن الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير الله والثناء على الداعين تناول دعاء المسألة ودعاء العبادة" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية [الحج: ٧٣] وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء المسألة ... " (٢). ٤ - أقسام الدعاء: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والدعاء ينقسم إلى قسمين: ١ - ما يقع عبادة: فصرفه لغير الله شرك وهو المقرون بالرهبة والرغبة والحب والتضرع. ٢ - ما لا يقع عبادة: فهذا يجوز أن يُوجَّه إلى المخلوق قال النبي ﷺ "من دعاكم فأجيبوه" (٣)، وقال: "إذا دعاك فأجبه" (٤) " (٥). ٥ - للدعاء شروط وآداب: من ذلك الإخلاص في الدعاء والبداءة بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على نبيه ﷺ ومنها حضور القلب، ورفع اليدين، وأن يكون على طهارة لا يتعدى في الدعاء ولا يتجاوز فيه الحد مع كون القلب خائفًا طامعًا متضرعًا خاشعًا راغبًا راهبًا لا غافلًا ولا آمنًا، وأن يجزم في دعائه ويستيقن الإجابة

стр. 808

ويلح على مولاه مع خفض الصوت واختيار الوقت، ويعترف بذنبه ويقرُّ به أمام الله، ويختار الدعاء المناسب، ويظهر افتقاره إلى الله، ويتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولا يتكلف السجع، وغير ذلك من الآداب تراجع في غير هذا، والله أعلم. ٦ - حكم ترك الدعاء استسلامًا للقضاء: يقول ابن تيمية ﵀: "والناس قد اختلفوا في الدعاء المستعقب لقضاء الحاجات، فزعم قوم من المبطلين متفلسفة ومتصوفة أنه فائدة فيه أصلًا، فإن المشيئة الإلهية والأسباب العلوية إما أن تكون قد اقتضت وجود المطلوب وحينئذ فلا حاجة إلى الدعاء، أو لا تكون قد اقتضته وحينئذ فلا ينفع الدعاء. وقال قوم ممن تكلم في العلم: بل الدعاء علامة ودلالة على حصول المطلوب وجعلوا ارتباطه بالمطلوب ارتباط الدليل بالمدلول لا ارتباط السبب بالمسبب بمنزلة الخبر الصادق والعلم السابق. والصواب ما عليه الجمهور من أن الدعاء سبب لحصول الخير المطلوب أو غيره كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة وسواء سمي سببًا أو شرطًا أو جزءًا من السبب فالمقصود هنا واحد، فإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببا للخير الذي قضاه له كما قال الخطاب ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، فإذا أُلهمت الدء فإن الإجابة معه كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه" (١). وقال الخطابي ﵀: "ومن أبطل الدعاء: فقد أنكر القرآن، ورده ولا خفاء

стр. 809

بفساد قوله وسقوط مذهبه" (١). ٧ - حكم الدعاء للمشركين: الدعاء للمشركين منه ما يكون ممنوعا ومنه ما يكون جائزا ويتضح ذلك بما يلي: ١ - ما يمنع منه كالدعاء بالمغفرة للمشركين، وذلك لقوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]. وجاء في سبب نزولها أن عليًّا ﵁ قال: "سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان!؟ فقال: أوَليس استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢). قال النووي - رحمه الله تعالى -: "الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع" (٣). وكذلك من زار قبورهم فإنه لا يدعو لهم. قال الإمام ابن باز ﵀: "أما قبور الكفار فلا مانع من زيارتها للذكرى والاعتبار، ولكن لا يُدعى لهم ولا يستغفر لهم، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له، وذلك أنها ماتت في الجاهلية على دين قومها" (٤).

стр. 810

٢ - الجائز منها كالدعاء للمشركين بالهداية فهذا جائز، فقد ثبت في البخاري أن الطفيل بن عمرو قدم على الرسول ﷺ فقال: "يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت فادع عليها. فظن الناس أنه يدعو عليهم فقال: "اللهم اهد دوسا وائت بهم" (١). ومنهم من يخصص ذلك بمن تُرجى هدايته. وكان أبو هريرة يدعو أمه للإسلام وهي مشركة فأبت عليه فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكرهه، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة". وفي ختام الحديث قال أبو هريرة للرسول ﷺ : "قد استجاب الله في دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا" (٢). ٨ - حكم دعاء غير الله دعاء غير الله شرك أكبر (٣)، سواء طَلَبَ ميتًا أو بعيدًا عن الداعي واعتقد أنه يعلم الغيب، أو أن له تصرفًا في الكون (٤)، أو طلب من غير الله لا يقدر عليه إلا الله كغفران الذنب، وهداية القلوب، وإنزال الغيث، وإنبات النبات، وكشف الضر الذي لا يكشفه إلا الله فهذا كله شرك أكبر (٥). قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ ﵀: "إسناد إلى إلى غير الله في شيء من الأمور بياء النداء إذا كان يشتمل على رغبة أو رهبة، فهذا هو الدعاء الذي صرفه لغير الله شرك" (٦).

стр. 811

وفي تيسير العزيز الحميد يقول الشيخ سليمان بن عبد الله قال: "قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة السنية: "فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل". وقد نص الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المقريزي صاحب كتاب "الخطط" في كتاب له في التوحيد على: "أن دعاء غير الله شرك". وقال شيخ الإسلام: "من جعل بينه وبيبن الله وسائط يتوكل عليهم يدعوهم ويسألهم، كفر إجماعا، نقله عنه غير واحد مقررين له، منهم ابن مفلح في "الفروع" وصاحب" الإنصاف" وصاحب "الغاية" وغيرهم" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "فثبت أن الدعاء عبادة من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله كما تقدم، فإن لم يكن الإشراك فيه شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة، ويتقربون إليهم ليشفعوا لهم عند الله" (٢). وقال ابن باز ﵀: "من أمثلة دعاء الجن أن يقول: افعلوا كذا، أو أعطوني كذا، أو افعلوا بفلان كذا. وهكذا من يدعو أصحاب القبور، أو يدعو الملائكة ويستغيث بهم، أو ينذر لهم فهذا كله من الشرك الأكبر نسأل الله السلامة والعافية" (٣).

стр. 812

وقال ابن سعدي: "ومن دعا غير الله من نبي أو ملك أو لي أو غيرهم أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر" (١). وقال ابن عثيمين ﵀: "فمن دعا غير الله بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا. ومن دعا حيا بما يقدر عليه مثل أن يقول يا فلان اطعمني يا فلان اسقني فلا شيء فيه، ومن دعا ميتا أو غائبا بمثل هذا فإنه مشرك لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا" (٢). ٩ - الفرق بين الدعاء والاستعانة: بين دعاء المسألة والاستعانة تشابه كبير حتى قيل أنهما مترادفان وبالنظر والتأمل يتبين أن الدعاء أعم من الاستعانة. والفرق بين الدعاء والاستغاثة أن الاستغاثة هي طلب كشف الشدة. يقول الشيخ عبد الرحمن قاسم ﵀: "والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، وأما الدعاء فهو أعمُّ منها؛ لأنه يكون من المكروب وغيره، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء استغاثة" (٣). ١٠ - الفرق بين الدعاء والنداء: يثير القبوريون شبهة التفريق بين الدعاء والنداء ليخلصوا بذلك إلى أن مجرد النداء لمن لا يعتقدون ألوهيته وتأثيره ليس عبادة ولو كان ميتا أو غائبًا (٤).

стр. 813

وهذا تمويه وتضليل ودعاوى باطلة. من فعله فقد أشرك بالله إذا كان نداؤه متضمنًا الدعاء والطلب لأن من نادى غائبا أو ميتا على هذا الوجه فإنه يدعوه. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "ومما يوضح ترادف النداء والدعاء وأنهما بمعنى واحد، ما أخبر الله تعالى عن نوح ﵇ بقوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] فأخلص القصد لله بندائه في كربه وشدته فاستجاب الله له. وقال في الآية الأخرى ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١]. فسماه تعالى دعاء" (١). وقال الشيخ أبا بطين ﵀: "ومن العجب قول بعض من ينسب إلى علم ودين، أن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاء لهم بل هو نداء، أفلا يستحي هذا القائل من الله إذا لم يستح من الناس من هذه الدعوى الفاسدة السّمجة التي يروج بهها على رعاع الناس. والله قد سمى الدعاء نداء، كما في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربه حاجة، وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب، بأن الأول يسمى دعاء والثاني نداء؟ وما أسمج هذا القول وأقبحه. وهو قول يُستحَى من حكايته لولا أنه يروج على الجهال" (٢). ١١ - دعاء أصحاب القبور وطلب الحوائج منهم: هذا من أعظم ما ابتدع عند القبور حيث إن من أصحاب البدع من يستغيث بالأموات، ويطلب منهم الحاجات الدينية أو الدنيوية.

стр. 814

يسأل أحدهم المقبور الميت كما يسأل الحي الذي لا يموت، يقول: يا سيدي فلان اغفر لي وارحمني وتب عليّ، أو يقول: اقضي عني الدين، اشف مريضي، وانصرني على فلان، ونحو ذلك (١). ولا شك أن هذه الأعمال ونحوها شرك أكبر، مخرج من الملة موجب للخلود في النار لمن مات عليه. وفي تيسير العزيز الحميد يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في "شرح المنازل": "من أنواعه أي: الشرك، طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم". وقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب كتاب "الفنون": "لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزّى. نقله غير واحد مقررين له، راضين به منهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي، والإمام ابن مفلح صاحب كتاب "الفروع" وغيرهما" (٢). وهذا كله من حيل الشيطان وكيده الذي يتدرج بالجهال وضعفاء العقول للوصول بهم إلى هذه الغاية، يقول الإمام ابن القيم ﵀: "والمقصود: أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده، وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجة أخرى: من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم

стр. 815

عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك (١). ١٢ - أحوال سؤال السائل للميت: يتعلق بعض الناس بالأموات ويعلق دعاءه بهم، ولذلك أحوال، فمنهم من يسأل الميت حاجته، ومنهم من يسأل الله تعالى بالميت، ومنهم من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، ومنهم من يطلب من الميت الدعاء، وسنفصل الكلام في الأحوال السابقة: الحالة الأول: من يسأل الميت حاجته. وهؤلاء من جنس عباد الأصنام وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧]. ومثاله الاستغاثة بغير الله، كأن يقول: يا سيدي فلانا أغثني، أدركني، أعني، أو ارزقني، انصرني على عدوي، أو على من ظلمني، مددا يا سيدي، شيئا لله يا أهل الله، نظرة إلينا بعين الرضا، أو أنا في حسبك، وغير ذلك من الصور الكثيرة؛ فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. قال ابن باز: "أما دعاء الميت والاستغاثة به وطلب المدد منه فكل ذلك من الشرك الأكبر. وهو من عمل عباد الأوثان في عهد النبي ﷺ من اللات والعزى ومناة وغيرها من أصنام الجاهلية وأوثانها" (٢). الحالة الثانية: أن يسأل الله تعالى بالميت. وهو من البدع المحدثة في الإسلام وهذا ليس كالذي قبله فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر. فقول بعض الناس: أتوسل إليك بنبيك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحق الشيح

стр. 816

فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم كل هذه الأمور من البدع المحدثة المنكرة (١). الحالة الثالثة: أن يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك فإن هذا من المنكرات إجماعا ولم نعلم في ذلك نزاعا بين أئمة الدين. وهذا أمر لم يشرعه الله، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب ولم يجيئوا عند قبر النبي ﷺ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى بدعائه وقد كان السلف ينهون عن الدعاء عند القبور (٢). الحالة الرابعة: أن تطلب من الميت أن يدعو لك (٣). ومثاله أن يقال للميت من الأنبياء أو الصالحين: ادع الله لي، أو سله لي، أو ما شابه ذلك. قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وإذا لم يشرع دعاء الملائكة لم يشرع دعاء من مات من الأنبياء والصالحين ولا أن نطلب منهم الدعاء والشفاعة وإن كانوا يدعون ويشفعون لوجهين: أحدهما: أن ما أمرهم الله به من ذلك هم يفعلونه وإن لم يطلب منهم وما لم يؤمروا به لا يفعلونه ولو طلب منهم فلا فائدة في الطلب منهم. الثاني: أن دعاءهم وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال يفضى إلى الشرك بهم

стр. 817

ففيه هذه المفسدة فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة فكيف ولا مصلحة فيه بخلاف الطلب منهم في حياتهم وحضورهم فإنه لا مفسدة فيه؛ فإنهم ينهون عن الشرك بهم بل فيه منفعة، وهو أنهم يثابون ويؤجرون على ما يفعلونه حينئذ من نفع الخلق كلهم فإنهم في دار العمل والتكليف وشفاعتهم في الآخرة فيها إظهار كرامة الله لهم يوم القيامة" (١). وذكر المراتب الثلاث في الأدعية البدعية عند القبور ثم قال: "الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين ادع الله لى أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا أيضًا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التى لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا ومخاطبتهم جائزة كما كان النبي يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم" (٢). وقال ﵀ بعد ذلك: " ... فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكي إليه شئ من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشكي إليه ذلك في حياته فإن ذلك في حياته لا يفضى إلى الشرك وهذا يفضي إلى الشرك لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب وبعد الموت ليس مكلفًا بل ما يفعله من ذكر لله تعالى ودعاء ونحو ذلك، كما أن موسى يصلى في قبره وكما صلَّى الأنبياء خلف النبي ﷺ ليلة المعراج ببيت المقدس، وتسبيح أهل الجنة والملائكة. فهم يمتعون

стр. 818

بذلك وهم يفعلون ذلك بحسب ما يسره الله لهم ويقدره لهم ليس هو من باب التكليف الذي يمتحن به العباد. وحينئذ فسؤال السائل للميت لا يؤثر في ذلك شيئًا؛ بل ما جعله الله فاعلا له هو يفعله وإن لم يسأله العبد؛ كما يفعل الملائكة ما يؤمرون به، وهم إنما يطيعون أمر ربهم لا يطيعون أمر مخلوق كما قال : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧] فهم لا يعملون إلا بأمره . ولا يلزم من جواز الشئ في حياته جوازه بعد موته، فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة وكان يجوز أن يجعل مسجدًا، ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجدًا كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" -يحذر ما فعلوا ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. وفي صحيح مسلم وغيره عنه أنه ﷺ قال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"، وقد كان ﷺ في حياته يصلى خلفه وذلك من أفضل الأعمال، ولا يجوز بعد موته أن يُصلى الرجل خلف قبره وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتى وأن يقضى، ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته وأمثال ذلك كثير" (١). وقال ﵀ في موضع آخر: "فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلوا الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا، أو يهدينا. وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله، يا رسول الله! ادع الله لي، سل الله لي، استغفر الله لي، سل الله لي أن يغفر الله لي أو يهديني أو ينصرني أو يعافيني، ولا يقول أشكو إليك ذنوبي

стр. 819

أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني ... فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يشرع هذا لأمته" (١). وقال ﵀: "وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول ادع لنا ولا اسأل لنا ربك ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين ولا أمر به أحد من الأئمة ولا ورد فيه حديث بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر ﵁ استسقى بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" فيسقون ولم يجيئوا إلى قبر النبي ﵌ قائلين يا رسول الله "ادع الله لنا واستسق لنا ونحن نشكوا إليك مما أصابنا ونحو ذلك لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان" (٢). وقال أيضًا: "وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ﷺ ، ولا قبر الخليل، ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين. وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين" (٣). وقال في الاقتضاء: "فإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء

стр. 820

لله وحده خالصًا عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم فكيف إذا وجد ما هو نوع (١) الشرك من الرغبة إليهم سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى" (٢). وقال أيضًا: "ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركًا كدعاء غيره أن يفعل أو دعائه أن يدعو ونحو ذلك - لا يحصل به غرض صاحبه ولا يورث حصول الغرض إلا في الأمور الحقيرة فأما الأمور العظيمة كإنزال الغيث عند القحوط وكشف العذاب النازل فلا ينفع فيه هذا الشرك ... " (٣). وقال ﵀: "المرتبة الثالثة: أن يسأل صاحب القبر أن يسأل الله له وهذا بدعة باتفاق أئمة المسلمين، وقد أخبر الله عن إخوة يوسف أنهم خرّوا له سجدًا وكذلك سجد له أبواه وهذا السجود ليس مشروعًا لنا فلا يجوز لأحد أن يسجد لأحد حتى قال النبي ﷺ : "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (٤). قال الشيخ بكر أبو زيد مبيِّنًا الصور الشركية والبدعية للاعتداء في الدعاء: "النوع الثاني: سؤال حيٍّ لميت بأن يدعو الله له، وفي هذا النوع فوعان: ١ - سؤال حي لميت، وهو غائب عن قبره، بأن يدعو الله له. وهذا النوع لا يختلف المسلمون بأنه شرك أكبر، وأنه من جنس شرك النصارى في مريم وابنها ﵉ بدعائهما، وأنهما يعلمان ما يفعله العباد حسب مزاعم النصارى.

стр. 821

٢ - سؤال حي لميت بحضرة قبره بأن يدعو الله له. مثل قول عُبَّاد القبور مخاطبين لها: "يا فلان، ادع الله لي بكذا أو كذا" أو "أسألك أن تدعو الله لي بكذا وكذا". فهذه لا يختلف المسلمون بأنها وساطة بدعية ووسيلة مفضية إلى الشرك بالله، ودعاء الأموات من دون الله، وصرف القلوب عن الله تعالى، لكن هذا النوع يكون شركًا أكبر في حال ما إذا أراد الداعي من صاحب القبر الشفاعة، والوساطة الشركية، على حدِّ عمل المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] " (١). فمن كان بهذا يقصد طلب الشفاعة من صاحب القبر معتقدًا أن له حظوة وخاصية عند الله كما تكون للخادم عند الملك فهو كافر بالله العظيم. قال الإمام ابن تيمية: "وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه فالله إنما يهدى عباده ويرزقهم بتوسطهم فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر، مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مُشبِّهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا الله أندادًا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى. فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة: إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه، ومن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بتلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا

стр. 822

يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين. الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعون يعينونه فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه. والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١] وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك، والله تعالى ليس له شريك في الملك بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. والوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه ... " (١). قال الإمام ابن تيمية: "فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين" (٢)

стр. 823

وقال الشيخ صالح الفوزان: "أما اتخاذ الأنبياء والعلماء وسائط عند الله في قضاء الحاجات وقبول الدعوات فهي وساطة باطلة ومن أثبتها فهو كافر بالله ؛ لأن الله لم يجعل بيننا وبينه وسائط في هذا الشأن، بل حكم بكفر من اعتقد ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (١). ١٣ - شبهة: قال الإمام ابن تيمية: "ومنهم من يتأول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ويقولون إذا طلبنا منه الإستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر المسلمين، فإن أحدًا منهم لم يطلب من النبي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخرى الفقهاء وحكوا حكاية مكذوبة على مالك ﵁ سيأتي ذكرها وبسط الكلام عليها إن شاء الله تعالى، فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم، هو من الدين الذي

стр. 824

لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولًا ولا أنزل به كتابًا وليس هو واجبًا ولا مستحبا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكايات ومنامات، فهذا كله من الشيطان" (١). وحكم الدعاء بجاه النبي ﷺ بدعة كما قررنا ذلك في باب التوسل (٢). فراجعه هنالك ففيه زيادة إيضاح. ١٤ - فائدة: لا يلزم لمن زار المقابر الزيارة الشرعية أن يستقبل القبلة حال الدعاء للميت أو السلام عليه. وقد سُئل الشيخ ابن باز ﵀ السؤال الآتي: س: هل ينهى عن استقبال القبر حال الدعاء للميت؟. فأجاب: "لا يُنهى عنه؛ بل يُدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي ﷺ وقف على القبر بعد الدفن وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل". ولم يقل استقبلوا القبلة، فكله جائز سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر، والصحابة ﵃ دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر" (٣). وسئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ السؤال التالي: "فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى - هل يشرع استقبال القبلة عند السلام على الميت؟. فأجاب فضيله بقوله: لا، يسلم على الميت تجاه وجهه ويدعو له وهو قائم هكذا بدون أن ينصرف إلى القبلة" (٤).

стр. 825

١٥ - مسألة: الدعاء عند قبر النبي ﷺ -: إذا دعا عند قبر الرسول ﷺ أو غيره معتقدًا أن دعاءه مستجاب لقرب القبر أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين" (١). وقال أيضًا ﵀ في حكم الدعاء عند القبر النبوي: "ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه فإن هذه بدعة ولم يكن أحد من الصحابة يقف عند القبر يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده" (٢). وقال أيضًا: "ومذهب الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي ﷺ ، وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة" (٣). هيئة الداعي عِندَ قبر النبي ﷺ -: قال ابن القيم ﵀: "ولقد جرّد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلّم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء، استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا، فقال سلمة بن وردان: "إن أنس بن مالك ﵁ يسلّم على النبي ﷺ ، ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو". ونص على ذلك الأئمة الأربعة: أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عِنْدَ القبر، فإن الدعاء عبادة" (٤). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة

стр. 826

والسلام عليه عِنْدَ قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان عضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر ﵄ يفعل، قال عبيد بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف. قال عبيد الله: "ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر"، وهذا يدل على أنه لا يقف عِنْدَ القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير". قال شيخ الإسلام: "إن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، فكان بدعة محضة" وفي "المبسوط" قال مالك: "لا أرى أن يقف عِنْدَ قبر النبي ﷺ ولكن ليسلم ويمضي". والحكاية التي رواها القاضي عياض بإسناده عن مالك في قصته مع المنصور وأنه قال لمالك: "يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أو أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك". فهذه الرواية ضعيفة، أو موضوعة، لأن في إسنادها من يتهم - محمد بن حميد - ومن يجهل حاله. ونص أحمد أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد التحية والسلام عليه، فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام. وذكر أصحاب مالك أنه يدعو مستقبلًا القبلة يوليه ظهره. وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر" (١).

стр. 827

١٢٥ - الدهر * يتعلق الكلام هنا بسب الدهر، والسب: الشتم، والتقبيح، والذم، وما أشبه ذلك، والدهر: الزمان والوقت (١). والمراد بسب الدهر نسبة ما يصيبهم من المكاره التي تنزل بهم إليه، وشتمه؛ وسبب ذلك اعتقادهم أنه الطارق بالنوائب، فكانوا يقولون: أهلكنا الدهر، وأصابتنا قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وبؤسًا للدهر، وتبًا له ونحو ذلك (٢). ويشبهه في وقتنا الحاضر قولهم: تبًا لهذا الزمان، وأهلكنا هذا الزمان، ولعن الله اليوم أو الساعة التي جرى فيها كذا وكذا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا (٣).

стр. 828

* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]. * الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : "قال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر. فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتها" (١). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، أُقَلِّبُ الليل والنهار" (٢)، وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". وقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ فيسبون الدهر، فقال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أُقَلِّبُ الليل والنهار" (٣). قوله: "وأنا الدهر" قال الخطابي: "معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور" (٤). قال ابن تيمية ﵀: "قوله في الحديث "بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار والزمان هو الليل

стр. 829

والنهار فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرِّفه كما دل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣، ٤٤] " (١). وقال ﵀: "وأصل هذا الخبر أنه ورد على سبب وهو أن الجاهلية كانت تقول أصابني الدهر في مالي بكذا ونالتني قوارع الدهر ومصائبه فيضيفون كل حادث يحدث بما هو جار بقضاء الله وقدره وخلقه وتقديره من مرض أو صحة أو غنى أو فقر أو حياة أو موت إلى الدهر ويقولون لعن الله هذا الدهر والزمان ولذلك قال قائلهم: أمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال تعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠]. أي ريب الدهر وحوادثه وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]. فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نسبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر فقال النبي ﷺ : "لا تسبوا الدهر" أي: إذا أصابتكم المصائب لا تنسبوها إليه فإن الله هو الذي أصابكم بها لا الدهر وأنكم إذا سببتم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر. وقال أبو بكر الخلال سألت إبراهيم الحربي عن قول النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر" (٢). وعن: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" (٣) قال كانت الجاهلية تقول: الدهر هو الليل والنهار يقولون الليل والنهار فعل بنا كذا فقال الله تعالى أنا أفعل ليس الدهر" (٤). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولهذا قال في الحديث: "وأنا الدهر بيدي

стр. 830

الأمر أُقَلِّبُ الليل والنهار"، وفي رواية لأحمد: "بيدي الليل والنهار أُجِدْهُ وأبليه وأذهب بالملوك"، وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، الأيام والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك"، قال الحافظ: وسنده صحيح. فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذ غلط فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] مصيبين" (١). * وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يصف الدهر بالشدة أو الغلظة ويقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم، أو برده ما أشبه ذلك، لأن الأعمال بالنيات ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧] (٢). ومنه أيضا قوله تعالى ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦] ويدخل فيه أيضا قول القائل: عام الحزن وعام المجاعة لأنه من باب الإخبار. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "وأما وصف الدهر بالشدة والرخاء والخير والشر فلا بأس بذلك كقوله سبحانه: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾، وقوله: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ وقوله ﷺ : "لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه"، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا" (٣). الثاني: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن

стр. 831

يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا لأنه نسب الحوادث إلى غير الله وكل من اعتقد أن مع الله خالقًا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلهًا يستحق أن يعبد، فإنه كافر" (١). الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين، لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه، لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر ويكون فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلًا، وليس هذا السبب يُكفِّر، لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة (٢). ويدخل في ذلك من الأمثلة قولهم: هذا يوم أسود على وجه التضجر ويوم أغبر أو قولهم هذا يوم شؤم وغير ذلك من الأمثلة. قال ابن حجر: "قال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكنه يكره له ذلك، لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق. وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم: مطرنا بكذا" (٣). وقال أيضا نقلًا عن الشيخ أبي محمد بن أبي حمزة: "لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب صانعها، فمن سبّ نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلب ما يقع من الناس، وهو الذي يعطيه سياق الحديث، حيث نفى عنهما التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك. وأما الحوادث فمنها ما يجري بواسطة العاقل المكلف فهذا

стр. 832

يضاف شرعا ولغة إلى الذي جرى على يديه، ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره، فأفعال العباد من أكسابهم، ولهذا ترتّبت عليها الأحكام، وفي الابتداء خلق الله. ومنها ما يجري بغير وساطة، فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس للّيل والنهار فعل ولا تأثير لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا، وهو المعنى في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل" (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: (والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقًا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم يعتقد ذلك، كما يقع كثيرًا ممن يعتقد الإسلام. كقول المعتز: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا وقول أبي الطيب: قبحًا لوجهك يا زمان كأنه ... وجه له من كل قبح برقع وقال الحريري: ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخنى عليه ونابه ونحو هذا كثير. وكل هذا داخل في الحديث" (٢). ومن ذلك أيضًا قول الأعشى بكر: يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم وسلبتنا ما ليس تعقبنا ... يا دهر ما أنصفتنا في الحكم (٣)

стр. 833

قال ابن القيم ﵀: "وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة: أحدها: سبه من ليس أهلًا للسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان. وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه. الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبة لله ، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى ... فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من إحداهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى" (١). قال الشيخ محمد بن إبراهيم: "وأما سبّ الدهر فهو الذي وردت الأدلة بالنهي عنه والتحذير منه وتحريمه" (٢). * فائدة: أشار ابن أبي حمزة إلى أن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلق، إلا ما أذن الشرع فيه؛ لأن العلة واحدة.

стр. 834

١٢٦ - الدين * هو الإسلام وهو الطاعة والتوحيد وجميع ما يتعبد به وكل هذا حق الله وحده لا يصرف إلا له قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وقال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وفي حديث الخوارج: "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية). قال الخطابي: "أراد بالدين الطاعة" (١). وسمي دين الإسلام توحيدا لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في ألوهيته وعبادته لا ند له. قال الراغب: "والدين كالملّة لكنه يقال اعتبارا بالطاعة والانقياد للشريعة" (٢). * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال : ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٤٦]، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] يعني الإسلام لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. * الدليل من السنة: قوله ﷺ : "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوهم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ... إلى أن ... فيقولان له:

стр. 835

من ربك؟ فيقول ربي الله. فيقولان له: ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول: هو رسول الله ﷺ " (١). والدين له مراتب ثلاث وهي: الإسلام، الإيمان، الإحسان (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال دنته فدان أي: أذللته، فذل، ويقال ندين الله وندين لله أي نعبد الله ونطيعه ونخضع له. فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له" (٣). وقال أيضًا ﵀: "وجماع الدين أصلان: أن لا يُعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع كماقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله. ففي الأولى أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية أن محمدا هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]. وكما أنا مأمورون أن لا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا في الله ولا نستعين إلا بالله وأن لا تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به" (٤).

стр. 836

قال الطحاوي: "ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر وبين الأمن والإياس" (١) وعلق عليه شارح الطحاوية بقوله: "ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد"، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عامّ في كل زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فدين الإسلام هو ما شرعه الله لعباد على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجمي، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وأنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو ردّ لما أنزل، أو شك فيما نفى عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه" (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والدين الإسلامي متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة متميز عليها بكونه صالحا لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونه صالحا لكل زمان ومكان وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان أو مكان، بل هو صلاحها، وليس معناه أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة، فدين الإسلام يأمر بكل عمل صالح وينهى عن كل سيء، فهو يأمر

стр. 837

بكل خلُق فاضل، وينهى عن كل خلُق سافل" (١). فوائد: ١ - كل عبادة يقوم بها الإنسان تسمى دينًا ولو كانت عبادة باطلة ولا يقبل الله من ذلك إلا الدين الحق وهو دين الإسلام وفي ذلك يقول الشيخ ابن باز ﵀: "كل ما يدين به الناس ويتعبدون به يسمى دينًا، وإن كان باطلا كالبوذية والوثنية واليهودية والهندوسية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة قال سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. فسمَّى ما عليه عبَّاد الأوثان دينًا، والدين الحق هو الإسلام وحده، كما قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. والإسلام هو عبادة الله وحده دون كل ما سواه، وطاعة أوامره وترك نواهيه والوقوف عند حدوده، والإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله مما كان وما يكون، وليس شيء من الأديان الباطلة منزلًا من عند الله ولا مرضيا له، بل كلها محدثة غير منزلة من عند الله" (٢). ٢ - الفرق بين الدين والملة والمذهب: قال الجرجاني: "الدين والملة: متحدان بالذات، ومختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع، تسمى: دينًا، ومن حيث إنها تجمع، تسمى: ملة، ومن

стр. 838

حيث إنها يرجع إليها، تسمى مذهبًا" (١). وقيل: الفرق بين الدين والملة والمذهب: أن الدين منسوب إلى الله تعالى، والملة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد (٢). قال الراغب: "ولا تستعمل الملة إلا في جملة الشرائع دون آحادها، فيقال: ملة الإسلام ولا يقال ملة الصوم، لكن الدين يستعمل في جملة الشرائع وآحادها فيقال: دين الإسلام، ويقال الصوم دين، والصلاة دين، وحب الصحابة دين".

стр. 839

١٢٧ - الذبح * الذبح في اللغة: القطع أو الشق أو ما دل عليه. وفي الشرع: إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص (١)، والذبح إذا وقع على سبيل التعظيم لله عبادة مالية وقربة بل من أعلى العبادات المالية (٢) بعد الزكاة فصرفه لله توحيد وصرفه لغير الله شرك أكبر يخرج من الملة. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وقال سبحانه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]. * الدليل من السنة: عن علي ﵁ قال: "حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن (٣)

стр. 840

الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا (١)، لعن الله من غَيَّر منار (٢) الأرض" (٣). وعن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي قال: "دخل رجلٌ الجنة في ذباب، ودخل النارَ رجلٌ في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرِّب قال: ليس عندي شيء. فقالوا له: قَرِّب ولو ذبابًا، فقَرَّب ذبابًا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرِّب ذبابًا، قال: ما كنت لأُقرِّبَ لأحد شيئًا من دون الله فضربوا عنقه، فدخل الجنة" (٤).

стр. 841

أحكام وفوائد: ١ - في قوله "قرب ولو ذبابًا" ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مُكره وأن شرع من قبلنا لا يعذرون بالإكراه ويعضدون ذلك بقصة أصحاب الأخدود والحديث الذي فيه: "فيشق الرجل نصفين لا يرده عن دينه". وذهب بعض أهل العلم إلى أنه فعل ذلك طواعية من غير إكراه لأن المكره له أن يكفر مع اطمئنان قلبه. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فإن قوله: "قرب ولو ذبابًا" يقتضي أنه فعله قاصدًا التقرب، أما لو فعله تخلصًا من شرهم فإنه لا يكفر لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعًا لقول المكرِه؛ لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق؛ فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعا للإكراه؛ لم يقع، وهذا حق لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". وظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب ... ولو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (١). ٢ - فائدة: في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قد جمع تعالى بين هاتين العبادتين، اللتين هما أفضل العبادات وأفضل القربات لله. ففي قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص لربك الصلاة، ونحر البدن ونحوها، على اسمه وحده. فالصلاة: أفضل العبادات البدنية، والذبح أفضل العبادات المالية. وإنما كان الذبح أفضلها، لأنه يجتمع فيه أمران: الأول: أنه طاعة لله. والثاني: أنه بذل ماله

стр. 842

وطابت نفسه، والبذل مشترك في جنس المال، لكن زاد الذبح على غيره، من حيث أن الحيوانات محبوبة لأربابها. يوجد لذبحها ألم في النفوس من شدة محبتها، فإذا بذله لله، وسمحت نفسه بإيذاق الحيوان الموت، صار أفضل من مطلق العبادات المالية، وكذلك ما يجتمع له عند النحر، إذا قارنه الإيمان والإخلاص، من قوة اليقين، وحسن الظن بالله أمر عجيب، فصرفه لغير الله شرك أكبر (١). ٣ - أقسام الذبح من حيث الحكم الشرعي: ذكر العلماء للذبح أقسامًا منها ما هو عبادة، ومنها ما هو عادة، ومنها ما هو بدعة: الأول: ما كان عبادة ويقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه فصرفه لغير الله شرك، فلو تقرب بالذبح لشخص أو سلطان أو غيره لوقع في الشرك. قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يقع الذبح عبادةً بأن يقصد تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه؛ فهذا لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وصرفه لغير الله شرك أكبر ودليله قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ " (٢). والذبح التعبدي يكون في أربعة أشياء: الأضحية، والعقيقة، والهدي، والإيفاء بالنذر وهذا القسم نوعان: أ - ذبح واجب كالإيفاء بالنذر. ب - وذبح مستحب كالأضحية على الصحيح وقد حكى ابن حزم إجماع الصحابة على أنها مستحبة غير واجبة كما في المحلى.

стр. 843

* حكم الذبح لغير الله: الذبح لغير الله شرك، وله ثلاث صور (١): ١ - شرك من جهة العبادة: كمن يذبح لغير الله فيتوجه بالذبح للبدوي أو المسيح، فمن ذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا فهو مشرك شركًا أكبر مخرج من الملة. ٢ - شرك من جهة الاستعانة: وذلك إذا ذكر عند الذبح غير اسم الله. ٣ - شرك في الاستعانة والعبادة: وذلك إذا ذبح باسم غير الله لغير الله، ومثال ذلك أن يذبح باسم البدوي للبدوي أو باسم عيسى لعيسى. قال النووي: "وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام، ولا تحل الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا" (٢). قال شيخ الإسلام: "فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسم غيره في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والنجوم ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان" (٣).

стр. 844

فالذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا كله شرك أكبر، وليس في الذبح شرك أصغر. وقد ذكرنا أن حد الشرك الأكبر هو: أن يصرف العبد نوعا أو فردا من أفراد العبادة لغير الله. فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به في الشرع فصرفه الله وحده عبادة وتوحيد، وصرفه لغيره شرك وكفر وتنديد. وقال الشيخ ابن باز ﵀: "ومن ذبح لغيره من الجن والأصنام والقبور فهو كمن صلى وعبد غير الله لأن كلا من الصلاة والذبح عبادة حيث قرن الله بينهما" (١). ويدخل في ذلك الذبح للجن على عتبة الباب قبل نزول المنزل الجديد ابتغاء إرضاءهم فهذه عادة جاهلية حيث إن بعضهم إذا أسس دارا ذبح عند الأساس أو عندما يحفرون القواعد يذبح باسم الجن حتى تحميهم أو حتى لا تأتيهم ولا تضرهم فهذا يعتبر شركا أكبر للحديث المتقدم: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب) حتى لو ذبح على العتبة عصفورا أو دجاجة وكان ذبحه للجن حتى لا تأتيه أو تأتي أهله صدق عليه أنه ذبح لغير الله. وجاء في فتاوى اللجنة عن حكم هذه العادة ما نصه: "إذا كانت هذه العادة من أجل إرضاء الجن وتجنب المآسي والأحداث الكريهة فهي عادة محرمة بل شرك وهذا هو الظاهر من تقديم الذبح على النزول بالبيت وجعله على العتبة على الخصوص. وإن كان القصد من الذبح إكرام الجيران الجدد والتعرف عليهم وشكر الله على ما أنعم به من السكن الجديد وإكرام الأقارب والأصدقاء بهذه المناسبة وتعريفهم بهذا المسكن فهذا خير يحمد عليه فاعله لكن ذلك إنما يكون عادة بعد نزول أهل البيت فيه لا قبل ولا يكون ذبح الذبيحة أو الذبائح عند عتبة الباب أو مدخل البيت على الخصوص - وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم" (٢).

стр. 845

وأفتت اللجنة الدائمة لمن ذبح للجن بعد أن حج أن يحج من جديد، فالذبح للجن شرك بالله ، ولو مات فاعله عليه دون توبة منه لكان خالدًا مخلدًا في النار، فلا يصح مع الشرك عمل، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن الذبح عند اكتمال البناء أو انتصافه فقال: "هذا التصرف فيه تفصيل؛ فإن كان المقصود من الذبيحة اتقاء الجن أو مقصدًا آخر يقصد به صاحب البيت أن هذا الذبح يحصل به كذا وكذا كسلامته وسلامة ساكنيه فهذا لا يجوز، فهو من البدع، وإن كان للجن فهو شرك أكبر؛ لأنه عبادة لغير الله، أما إن كان من باب الشكر على ما أنعم الله به عليه من الوصول إلى السقف أو عند إكمال البيت فيجمع أقاربه وجيرانه ويدعوهم لهذه الوليمة فهذه لا بأس بها، وهذا يفعله كثير من الناس من باب الشكر لنعم الله حيث منَّ عليهم بتعمير البيت والسكن فيه بدلًا من الاستئجار، ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس عند القدوم من السفر يدعو أقاربه وجيرانه شكرًا لله على السلامة فإن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر نحر جزورًا ودعا الناس لذلك ﵊" (٢). القسم الثاني من أقسام الذبح: "أن يذبح لغير الله فرحا وإكراما فهذا لا يخرج من الملة بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانا وغير مطلوبة أحيانا فالأصل أنها مباحة ... " (٣). وقال ابن عثيمين ﵀ في شرح ثلاثة الأصول: "أن يقع - الذبح - إكرامًا لضيف أو وليمة لعرس أو نحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابا لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، وقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف:
следующие страницы →