أحكام وفوائد:
١ - في قوله "قرب ولو ذبابًا" ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مُكره وأن شرع من قبلنا لا يعذرون بالإكراه ويعضدون ذلك بقصة أصحاب الأخدود والحديث الذي فيه: "فيشق الرجل نصفين لا يرده عن دينه".
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه فعل ذلك طواعية من غير إكراه لأن المكره له أن يكفر مع اطمئنان قلبه.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فإن قوله: "قرب ولو ذبابًا" يقتضي أنه فعله قاصدًا التقرب، أما لو فعله تخلصًا من شرهم فإنه لا يكفر لعدم قصد التقرب، ولهذا قال الفقهاء: لو أكره على طلاق امرأته فطلق تبعًا لقول المكرِه؛ لم يقع الطلاق، بخلاف ما لو نوى الطلاق؛ فإن الطلاق يقع، وإن طلق دفعا للإكراه؛ لم يقع، وهذا حق لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات".
وظاهر القصة أن الرجل ذبح بنية التقرب ... ولو فعله بقصد التخلص ولم ينو التقرب لهذا الصنم لا يكفر لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (١).
٢ - فائدة: في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قد جمع تعالى بين هاتين العبادتين، اللتين هما أفضل العبادات وأفضل القربات لله. ففي قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص لربك الصلاة، ونحر البدن ونحوها، على اسمه وحده.
فالصلاة: أفضل العبادات البدنية، والذبح أفضل العبادات المالية. وإنما كان الذبح أفضلها، لأنه يجتمع فيه أمران: الأول: أنه طاعة لله. والثاني: أنه بذل ماله
стр. 842
وطابت نفسه، والبذل مشترك في جنس المال، لكن زاد الذبح على غيره، من حيث أن الحيوانات محبوبة لأربابها. يوجد لذبحها ألم في النفوس من شدة محبتها، فإذا بذله لله، وسمحت نفسه بإيذاق الحيوان الموت، صار أفضل من مطلق العبادات المالية، وكذلك ما يجتمع له عند النحر، إذا قارنه الإيمان والإخلاص، من قوة اليقين، وحسن الظن بالله أمر عجيب، فصرفه لغير الله شرك أكبر (١).
٣ - أقسام الذبح من حيث الحكم الشرعي:
ذكر العلماء للذبح أقسامًا منها ما هو عبادة، ومنها ما هو عادة، ومنها ما هو بدعة:
الأول: ما كان عبادة ويقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه فصرفه لغير الله شرك، فلو تقرب بالذبح لشخص أو سلطان أو غيره لوقع في الشرك. قال الشيخ ابن عثيمين: "أن يقع الذبح عبادةً بأن يقصد تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه؛ فهذا لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وصرفه لغير الله شرك أكبر ودليله قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ " (٢).
والذبح التعبدي يكون في أربعة أشياء: الأضحية، والعقيقة، والهدي، والإيفاء بالنذر وهذا القسم نوعان:
أ - ذبح واجب كالإيفاء بالنذر.
ب - وذبح مستحب كالأضحية على الصحيح وقد حكى ابن حزم إجماع الصحابة على أنها مستحبة غير واجبة كما في المحلى.
стр. 843
* حكم الذبح لغير الله:
الذبح لغير الله شرك، وله ثلاث صور (١):
١ - شرك من جهة العبادة: كمن يذبح لغير الله فيتوجه بالذبح للبدوي أو المسيح، فمن ذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا فهو مشرك شركًا أكبر مخرج من الملة.
٢ - شرك من جهة الاستعانة: وذلك إذا ذكر عند الذبح غير اسم الله.
٣ - شرك في الاستعانة والعبادة: وذلك إذا ذبح باسم غير الله لغير الله، ومثال ذلك أن يذبح باسم البدوي للبدوي أو باسم عيسى لعيسى.
قال النووي: "وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم أو للكعبة ونحو ذلك فكل هذا حرام، ولا تحل الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا نصَّ عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا" (٢).
قال شيخ الإسلام: "فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة لغيره والنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسم غيره في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والنجوم ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان" (٣).
стр. 844
فالذبح لغير الله تقربًا أو تعظيمًا كله شرك أكبر، وليس في الذبح شرك أصغر.
وقد ذكرنا أن حد الشرك الأكبر هو: أن يصرف العبد نوعا أو فردا من أفراد العبادة لغير الله. فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به في الشرع فصرفه الله وحده عبادة وتوحيد، وصرفه لغيره شرك وكفر وتنديد.
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "ومن ذبح لغيره من الجن والأصنام والقبور فهو كمن صلى وعبد غير الله لأن كلا من الصلاة والذبح عبادة حيث قرن الله بينهما" (١).
ويدخل في ذلك الذبح للجن على عتبة الباب قبل نزول المنزل الجديد ابتغاء إرضاءهم فهذه عادة جاهلية حيث إن بعضهم إذا أسس دارا ذبح عند الأساس أو عندما يحفرون القواعد يذبح باسم الجن حتى تحميهم أو حتى لا تأتيهم ولا تضرهم فهذا يعتبر شركا أكبر للحديث المتقدم: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب) حتى لو ذبح على العتبة عصفورا أو دجاجة وكان ذبحه للجن حتى لا تأتيه أو تأتي أهله صدق عليه أنه ذبح لغير الله.
وجاء في فتاوى اللجنة عن حكم هذه العادة ما نصه: "إذا كانت هذه العادة من أجل إرضاء الجن وتجنب المآسي والأحداث الكريهة فهي عادة محرمة بل شرك وهذا هو الظاهر من تقديم الذبح على النزول بالبيت وجعله على العتبة على الخصوص. وإن كان القصد من الذبح إكرام الجيران الجدد والتعرف عليهم وشكر الله على ما أنعم به من السكن الجديد وإكرام الأقارب والأصدقاء بهذه المناسبة وتعريفهم بهذا المسكن فهذا خير يحمد عليه فاعله لكن ذلك إنما يكون عادة بعد نزول أهل البيت فيه لا قبل ولا يكون ذبح الذبيحة أو الذبائح عند عتبة الباب أو مدخل البيت على الخصوص - وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم" (٢).
стр. 845
وأفتت اللجنة الدائمة لمن ذبح للجن بعد أن حج أن يحج من جديد، فالذبح للجن شرك بالله ، ولو مات فاعله عليه دون توبة منه لكان خالدًا مخلدًا في النار، فلا يصح مع الشرك عمل، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن الذبح عند اكتمال البناء أو انتصافه فقال: "هذا التصرف فيه تفصيل؛ فإن كان المقصود من الذبيحة اتقاء الجن أو مقصدًا آخر يقصد به صاحب البيت أن هذا الذبح يحصل به كذا وكذا كسلامته وسلامة ساكنيه فهذا لا يجوز، فهو من البدع، وإن كان للجن فهو شرك أكبر؛ لأنه عبادة لغير الله، أما إن كان من باب الشكر على ما أنعم الله به عليه من الوصول إلى السقف أو عند إكمال البيت فيجمع أقاربه وجيرانه ويدعوهم لهذه الوليمة فهذه لا بأس بها، وهذا يفعله كثير من الناس من باب الشكر لنعم الله حيث منَّ عليهم بتعمير البيت والسكن فيه بدلًا من الاستئجار، ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس عند القدوم من السفر يدعو أقاربه وجيرانه شكرًا لله على السلامة فإن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر نحر جزورًا ودعا الناس لذلك ﵊" (٢).
القسم الثاني من أقسام الذبح: "أن يذبح لغير الله فرحا وإكراما فهذا لا يخرج من الملة بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانا وغير مطلوبة أحيانا فالأصل أنها مباحة ... " (٣).
وقال ابن عثيمين ﵀ في شرح ثلاثة الأصول: "أن يقع - الذبح - إكرامًا لضيف أو وليمة لعرس أو نحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابا لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، وقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف:
стр. 846
"أولم ولو بشاة"" (١).
الثالث: أن يقع على وجه التمتع بالاكل أو الاتجار به ونحو ذلك فهذا من قسم المباح، فالأصل فيه الإباحة لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١ - ٧٢]، وقد يكون مطلوبًا أو منهيًا عنه حسبما يكون وسيلة له (٢).
٤ - ويحرم أكل ما ذبح للسلطان تعظيمًا بخلاف الإكرام والضيافة .
قال النووي ﵀: "وذكر الشيخ إبراهيم المروذي من أصحابنا أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله" (٣). فمدار ذلك على القصد والنية. وعلامة ذلك أنه يذبح في وجهه، أو يقصد أن يريق الدم عند قدميه مثلًا وفي نيته التعظيم له بإراقة الدم، فالمسألة فيها تفصيل، إن كان نحرها للمضيفات وإطعام الناس فهذا لا بأس به وهو عمل مشروع، أما إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظمين تعظيمًا لهم فهذا شرك لأنه ذبح لغير الله.
والذابح عند قدوم السلطان لا يقول عند ذبحه باسم السلطان، وهذا مما ليس في حرمته نزاع (٤).
قال النووي في شرح مسلم: "فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا. انتهى" (٥).
стр. 847
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "فلو قدم السلطان إلى بلد فذبحنا له فإن كان تقربًا وتعظيمًا فإنه شرك أكبر وتحرم هذه الذبائح وعلامة ذلك: أننا نذبحها في وجهه ثم ندعها.
أما لو ذبحنا له إكرامًا وضيافة وطبخت وأكلت فهذا من باب الإكرام وليس بشرك" (١).
٥ - ومن البدع المحدثة أن يتقرب إلى الله بالذبح في مكانٍ بعينه ابتغاء البركة . وقد ذكروا من ذلك سوق الغنم والبقر ليذبحها في أماكن بعينها معتقدين بركتها، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من يسوق الغنم والبقر إلى قبة الصخرة وبيَّنَ أن هذا من البدع والضلالات (٢).
٦ - في حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "لا عقر في الإسلام " (٣). قال عبد الرزاق بن همام: "كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة" (٤).
قال النووي: "وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس (٥) " (٦).
وقال الألباني: "وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى، وأما إذا كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. أي والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا هو الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله ﴿أَوْ فِسْقًا
стр. 848
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] " (١).
وقال شيخ الإسلام: "وأما الذبح هناك - يعني عند القبور - فمنهي عنه مطلقا. ذكره أصحابنا وغيرهم لهذا الحديث ... قال أحمد في رواية المروزي قال النبي ﷺ "لا عقر في الإسلام". كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك. وكره أبو عبد الله أكل لحمه (٢). قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه" (٣).
قال ﵀ أيضًا: "وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة، فإنها شِبه ما ذُبِحَ لغير الله" (٤).
وقال ﵀ أيضًا: "ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها. فإن في سنن أبي داود عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن العقر عند القبر" حتى كره أحمد الأكل مما يذبح عند القبر؛ لأنه يشبه ما يذبح على النصب. فإن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها"، وقال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة، والحمام" فنهى عن الصلاة عندها؛ لئلا يشبه من يصلي لها. وكذلك الذبح عندها يشبه من ذبح لها.
وكان المشركون يذبحون للقبور، ويقربون لها القرابين، وكانوا في الجاهلية إذا مات لهم عظيم ذبحوا عند قبره الخيل، والإبل، وغير ذلك، تعظيمًا للميت. فنهى
стр. 849
النبي ﷺ عن ذلك كله" (١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: "وقد صرح العلماء بتحريم الذبح في المقبرة لما فيه من مشابهة المشركين، ولأنه وسيلة إلى الشرك بالذبح للموتى والتقرب إليهم" (٢).
الذبح لله تعالى بمكان يذبح فيه لغير الله:
لا يجوز الذبح في المكان الذي فيه وثن للمشركين أو عيد من أعيادهم لأمور: أولًا:
حديث ثابت بن الضحاك أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًال ببوانة فسأل النبي ﷺ فقال: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ " قالوا: لا. قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالوا: لا. فقال: "أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٣).
ثانيًا: لقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ووجه الدلالة: إذا منع النبي ﷺ عن القيام لله تعالى في مسجد الضرار مع أنه لا يقوم فيه إلا لله تعالى، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله تعالى لا يذبح فيها الموحد لله؛ لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به.
ثالثًا: أنه وسيلة إلى عبادة غير الله تعالى، وفيه تعظيم لتلك الأماكن التي يذبح فيها لغير الله تعالى، كما أن فيه تلبيس على الناس، فإذا رأى بعض العامة من يذبح في ذلك المكان الذي عرف أنه مكان يذبح فيه لغير الله أن يفعلوا مثل فعله.
٧ - حكم أكل ما ذبح لغير الله:
جاء في الدرر السنية ما نصه: "وصرح الشيخ تقي الدين، في: اقتضاء الصراط المستقيم، بأن من ذبح للجن، فالذبيحة حرام، من جهتين؛ من جهة: أنها مما أهل
стр. 850
لغير الله به؛ ومن جهة: أنها ذبيحة مرتد، فهي: كخنزير مات، من غير ذكاة؛ ويقول؛ ولو سمى الله عند ذبحها، إذا كانت نيته ذبحها للجن، ورد على من قال: إنه إن ذكر اسم الله، حل الأكل منها، مع التحريم" (١).
وكذلك ما ذبح على الأضرحة لا يجوز أكله، كما جاء في فتاوى اللجنة (٢) ومن كل منها فهو آثم لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣]. وإذا ذبح باسم الله لغير الله فقد أشرك في العبادة ولا يجوز أكل هذه الذبيحة حيث قام فيها أنها ذبيحة مشرك ولم تذبح لله.
وكذلك ما ذبح في المولد جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: "ما ذبح في مولد نبي أو ولي تعظيمًا له فهذا مما ذبح لغير الله وذلك شرك فلا يجوز الأكل منه" (٣).
وقالت اللجنة ما نصه: "الذبح لغير الله شرك وحكم الذبيحة حكم الميتة ولا يجوز أكلها ولو ذكر عليها اسم الله إذا تحقق أنها ذبحت لغير الله ومن أكل منها اجتهادا منه يبين له الحكم ومن أكل منها بعد العلم فلا ينبغي أن يكون إماما بل تلتمس الصلاة خلف غيره" (٤).
٨ - أما ذبيحة أهل الكتاب فيجملها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في قوله: "ذبيحة الكتابي لها خمس حالات لا سادس لها:
الأولى: أن يعلم أنه سمَّى الله عليها، وفي هذه تؤكل بلا نزاع، ولا عبرة بخلاف الشيعة في ذلك؛ لأنهم لا يُعتدُّ بهم في الإجماع.
стр. 851
الثانية: أن يعلم أنه أهلّ بها لغير الله، ففيها خلاف، وقد قدَّمنا أن التحقيق أنها لا تؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
الثالثة: أن يعلم أنه جَمَع بين اسم الله واسم غيره، وظاهر النصوص أنها لا تؤكل أيضًا؛ لدخولها فيما أُهِلَّ لغير الله به.
الرابعة: أن يعلم أنه سكت ولم يسمِّ الله ولا غيره، فالجمهور على الإباحة وهو الحق، والبعض على التحريم كما تقدّم.
الخامسة: أن يجهل الأمر لكونه ذبح حالة انفراده، فتؤكل، على ما عليه جمهور العلماء، وهو الحق إن لم يُعرَف الكتابي بأكل الميتة كالذي يسلُّ عنق الدجاجة بيده، فإن عُرف بأكل الميتة لم يُؤكل، على ما عليه عند بعض العلماء، وهو مذهب مالك ... إلخ" (١).
٩ - حكم ذبيحة الكافر:
قال ابن باز ﵀: "لا يجوز أكل ذبائح الكفار غير أهل الكتاب من اليهود والنصارى سواء كانوا مجوسًا أو وثنيين أو شيوعيين أو غيرهم من أنواع الكفار ولا ما خالط ذبائحهم من المرق وغيره، لأن الله سبحانه لم يبح لنا من أطعمة الكفار إلا طعام أهل الكتاب في قوله : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وطعامهم هو ذبائحهم كما قال ابن عباس وغيره، أما الفواكه ونحوها فلا حرج فيها، لأنها غير داخلة في الطعام المحرم" (٢).
стр. 852
١٢٨ - ذِمَّة الله وَذِمَّة نبِيِّهِ *
الذمة لغة: العهد والأمان.
قال ابن الأثير: "الذمة والذمام" هما بمعنى العهد والأمان الضمان والحُرمة والحق وسُميّ أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم" (١).
وذمة الله تعالى وذمة نبيه ﷺ "يجب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له فهو قدح في التوحيد" (٢).
* الدليل من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
* الدليل من السنة: عن بريدة قال: "كان رسول الله ﷺ ، إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين،
стр. 853
يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري: أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ " (١).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ... " الحديث. الذمة: العهد. وتخفر: تنقض. يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد، كجهلة الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقضٌ من متعد، كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله تعالى. والله أعلم" (٢).
ومعنى "تجعل لهم ذمة الله" أي: تجعل لهم عهد الله وميثاقه. وفي الحديث في دليل على وجوب حفظ العهد والوفاء به والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله.
قال السعدي: "فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركًا لتعظيم الله، وارتكابًا لأكبر المفسدتين كما نبه عليه ﷺ ، وفي ذلك تهوين لدين الإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود خصوصا المؤكدة بأغلظ المواثيق من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى
стр. 854
تفضيله واتباعه" (١).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "فإنه إذا كان يعطي بعهد الله ثم يخفر فقد خفر عند الله - جل وعلا - وفجر في ذلك، وهذا مناف لكمال التوحيد الواجب؛ لأن الواجب على العبد أن يعظم الله ﷻ وألا يخفر عهده وذمته لأنه إذا أعطى ذمة الله فإنه يجب عليه أن يوفي بهذه الذمة مهما كان؛ حتى لا يُنسب النقص لذمة الله ﷻ لهذا كان إعطاء مثل هذه الكلمة مثل كثرة الحلف، فلا يجوز أن تجعل في العهد ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ،كما لا يجوز كثرة الأيمان؛ لأن في كل منهما نقصًا في تعظيم الرب ﷻ (٢).
وقال ابن عثيمين ﵀: "ولنا مع المشركين ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك.
الحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم لقوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٧]، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤].
الحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا وبينهم لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨] " (٣).
١٢٩ - ذو الخَلَصة
صنم من أصنام الجاهلية انظر باب (صنم).
стр. 855
١٣٠ - الرجاء *
الرجاء في اللغة: هو التوقع والأمل، قال في مختار الصحاح: الرجاء من الأمل ممدود يقال: (رجاهُ) من باب عَدَا و (رجاءً) و (رجاوةً).
وقال في اللسان: "الرجاء من الأمل نقيض اليأس ... وقد تكرر في الحديث ذكر الرجاء بمعنى التوقع والأمل" (١).
وقال الراغب: "الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة" (٢).
وفي الشرع: قيل: "هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه. وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى" (٣).
قال الشيخ ابن عثيمين: "الرجاء طمع الإنسان في أمر قريب المنال، وقد يكون في بعيد المنال تنزيلا له منزلة القريب" (٤).
وقيل: "هو تعلق القلب بمرغوب في حصوله مع الأخذ بالأسباب. فإن لم يأخذ بالأسباب فطمع، وهو مذموم شرعًا، قال الحافظ ابن الجوزي: إن مثل الراجي مع الإصرار على المعصية، كمثل من رجا حصادا وما زرع، ورجا ولدا وما نكح" (٥).
стр. 856
* الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦].
* في الدليل من السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد" (١).
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " (٢).
وفي الصحيحين عن أبي ﵁ يقول الله : "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني ... وذكر الحديث" (٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي .. " (٤).
стр. 857
أحكام وفوائد:
١ - قال ابن قاسم ﵀ في حاشية ثلاثة الأصول: "الرجاء: عبادة قلبية، من أجل العبادات، فصرفه لغير الله شرك أكبر " (١).
وقال ابن عثيمين ﵀: "والرجاء المتضمن للذل والخضوع لا يكون إلا الله وصرفه لغير الله تعالى شرك إما أصغر، وإما أكبر بحسب ما يقوم بقلب الراجي" (٢).
أما إذا كان الرجاء غير متضمن للذل والخضوع وكان في شيء يقدر عليه المخلوق فإن إطلاقه على غير الله ليس بشرك ولا محرم.
يقول العلامة المحدِّث محمد بشير السهسواني الهندي: "ولكن لابد من أن يعلم هناك أن من الرجاء ما هو مختص بالله تعالى بمعنى أن المرجو فيه لا يصلح إلا الله تعالى كرجاء كشف الضر والسوء وتحويله وإجابة المضطر إذا دعاه، وإنزال الماء من السماء وشفاء المريض وبسط الرزق وإعطاء الأولاد ومغفرة الذنوب وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ... ، ومنه ما هو جائز في حق رسولنا ﷺ في حياته بمعنى أن المرجو منه فيه يصلح للنبي ﷺ ، وهو ما يقدر عليه الأنبياء ﵈ سيما نبينا ﷺ من صلة الرحم، وحمل الكَلِّ، وكسب المعدوم، وقرى الضيف، والإعانة على نوائب الحق، والرحمة بالمؤمنين، والجود والشجاعة والبركة، وقضاء حوائج الأرملة والمساكين واليتامى، وعدم انتقامه لنفسه في شيء قط، وعدم اللوم على شيء قط أتى فيه على يدي أحد، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة دعوة المملوك، والخلق العظيم، وتعليم الأمة الكتاب والحكمة وتزكيتهم، ودعوتهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتبليغ رسالات الرب تعالى، ونصح الأمة، والاستغفار لهم عند صدور الذنوب عنهم، والدعاء لهم في حاجاتهم، وأمرهم
стр. 858
بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، والجهاد مع أعداء الله، وتعظيم شعائر الله، وإعزاز المؤمنين، وإذلال الكافرين، وغير ذلك.
وأما كونه ﷺ رجاء بمعنى المرجو بعد الموت فما ثبت منه بالكتاب والسنة المطهرة فهو على الرأس والعين كالشفاعة يوم القيامة، وأما ما لم يثبت بواحد منهما فهو مردود؛ إذا تقرر هذا فاعلم أن معنى ما في المرثية: إنا كنا نرجو برك ورحمتك وشفقتك، يدل عليه قولها "وكنت بنا برًا ولم تك جافيًا" وقولها: "وكان بنا برًا رحيمًا نبينا"، والبر والرحمة والشفقة مما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته فيجوز رجاء البر والرحمة والشفقة منه ﷺ ، فيكون ﷺ على هذا مرجوًا منه، والبر والرحمة والشفقة مرجوا فيكون الرجاء في الشعر بمعنى المرجو الذي أريد منه المرجو منه من المرجو ثابتة كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ [هود:٦ ٢] " (١).
٢ - استعمال كلمة "أرجوك ":
في سؤال للشيخ محمد بن إبراهيم عن استعمال كلمتي أشكرك وأرجوك، أجاب ﵀: "أما كلمة أرجوك في شيء يقدر عليه ذلك المخلوق فليس بشرك ولا محرم. ومن حسن الأدب ترك استعمال هذه الكلمة مع المخلوق" (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين: "لا بأس أن تقول لفلان (أرجوك) في شيء يستطيع أن يحقق رجاءك به" (٣).
٣ - المؤمن بين الرجاء والخوف:
يقول الكرماني: "إن المكلف ينبغي له أن يكون بين الخوف والرجاء حتى لا يكون مفرطا في الرجاء بحيث يصير من المرجئة القائلين لا يضر مع الإيمان شيء ولا في
стр. 859
الخوف بحيث لا يكون من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد صاحب الكبيرة إذا مات من غير توبة في النار بل يكون وسطا بينهما كما قال تعالى ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]. ومن تتبع دين الإسلام وجد قواعده أصولها وفروعها كلها في جانب الوسط" (١). وقد تقدم الكلام عن ذلك في باب (الخوف).
٤ - الفرق بين الرجاء والتمني:
يقول ابن القيم ﵀: "والفرق بين الرجاء والتمني: أن الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل، أما التمني فيكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد؛ ولذا أجمع العلماء على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل" (٢).
وقال شارح الطحاوية: "والرجاء المحمود: رجاء رجُل عَمِل بطاعة الله على نور من الله فهو راجٍ لثوابه، أو رجل أذنب ذنبًا، ثم تاب منه إلى الله فهو راجٍ لمغفرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]. أما إذا كان الرجل متماديًا في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب" (٣).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "واعلم أن الرجاء المحمود لا يكون إلا لمن عمل بطاعة الله ورجاء ثوابها، أو تاب من معصية ورجا قبول توبته، فأما الرجاء بلا عمل فهو غرور وتمنٍ مذموم" (٤).
٥ - ماذا يستلزم الرجاء ؟
يقول ابن القيم ﵀: "وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وأن حسن الظن إن حمل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه فهو صحيح وإن دعا إلى
стр. 860
البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه جاذبًا إلى الطاعة زاجرًا له عن المعصية فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء أو رجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٨]. فتأمل كيف جعل رجاءهم بإتيانهم بهذه الطاعات ... وسر المسألة أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لا يكله إليها وأن يجعلها مُوصِولةً إلى ما ينفعه ويصرف ما يُعَرِّضُها للحبوط ويُبطِل أثرها ... ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:
أحدها: محبته ما يرجوه.
الثاني: خوفه من فواته.
الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان، وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء، والأماني شيء آخر فكل راج خائف الله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن" (١).
وقد ذكر ابن القيم إحدى عشرة فائدة للرجاء، أهمها: إظهار العبودية والفاقة، والحاجة، ومنها الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله مما يوجب التعلق بذكره، ودوام الالتفات إليه بملاحظة أسمائه وصفاته (٢).
стр. 861
١٣١ - الردة *
الردة في اللغة: التحول، تقول ارتد، وارتد عنه، بمعنى تحول (١) والارتداد: الرجوع، ومنه " المُرتَدّ" و "الرِدَّة" (٢).
قال الماوردي: "أما الردة في اللغة فهي الرجوع عن الشيء إلى غيره" (٣) قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١].
وفي الشرع: "هي الرجوع عن الإسلام إلى الكفر" (٤).
قال المناوي: "الردة شرعًا: قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل مكفِّر" (٥).
قال في معجم مقاييس اللغة: "وسمي المرتد لأنه رد نفسه إلى الكفر" (٦). وقيل: بأنها كفر المسلم بقول صريح، أو بفعل يتضمنه كإلقاء مصحف أو شد زنار أو نحو ذلك (٧). وسيأتي مزيد بيان لذلك في أقسام الردة من هذا الباب.
стр. 862
* الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
* الدليل من السنة:
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه" (١).
وروى عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا فيقتل بها" (٢).
* أقوال السلف:
قاتل أبو بكر الصديق بعد رسول الله ﷺ أهل الردة ووضع فيهم السيف حتى أسلموا (٣). فعن أبي هريرة ﵁ قال: توفي رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر، كيف تقتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله"، فقال أبو بكر: والله، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا
стр. 863
كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكافر المرتد أسوأ حالًا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره" (٢).
فوائد وأحكام:
* بم تحصل الردة ؟
الردة قد تكون بالاعتقاد أو بالقول أو بالعمل أو بالشك.
قال البهوتي في تعريف المرتد شرعًا: "هو الذي يكفر بعد إسلامه نطقا، أو اعتقادا، أو شكا، أو فعلًا" (٣).
وقال في مغني المحتاج: "الردة قطع استمرار الإسلام ودوامه، بنية كفر أو فعل مكفر، أو قول مكفر سواء قاله استهزاء أو عنادًا أو اعتقادًا" (٤).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "اعلم رحمك الله: أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد، وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق وترك النطق بالكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث، كفر وارتد" (٥).
وقد سئلت اللجنة الدائمة عن الردة وأنواعها فأجابت بما يأتي: "الردة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته أو صفة من صفاته أو بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله أو جحد شيئا من المحرمات المجمع على تحريمها أو استحله أو جحد
стр. 864
وجوب ركن من أركان الإسلام الخمسة أو شك في وجوب ذلك أو في صدق محمد ﷺ أو غيره من الأنبياء أو شك في البعث أو سجد لصنم أو كوكب ونحوه فقد كفر وارتد عن دين الإسلام، وعليك بقراءة أبواب حكم الردة من كتب الفقه الإسلامي فقد اعتنوا به ﵏ وبهذا تعلم من الأمثلة السابقة الردة القولية والعملية والاعتقادية وصورة الردة في الشك" (١).
وهذه الأقسام التي نذكرها مأخوذة من كلام العلماء عن الردة لا سيما ما ورد في كتب الفقه عن حكم المرتد فإنهم تكلموا هناك عن الأسباب التي يرتد بها المسلم عن دينه. فالكفر يكون بالقول وبالعمل وبالاعتقاد والشك وسوف نورد نصوصا من أقوال العلماء في ذلك:
١ - الكفر بالاعتقاد:
كمن يعتقد بقلبه أن الله فقير أو أنه بخيل أو أنه ظالم فقد كفر ولو لم يتكلم، أو يعتقد بقلبه أن محمدًا ﷺ كاذب، أو أحد الأنبياء، أو يعتقد بقلبه أنه لا بأس أن يعبد مع الله غيره، فهذ كله ردة عن الإسلام لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. فمن زعم أنه يجوز أن يعبد مع الله غيره ونطق بذلك صار كافرا بالقول والعقيدة جميعا.
قال ابن الوزير اليمني ﵀ "واعلم أن أصل الكفر، هو التكذيب المتعمد لشيء من كتب الله تعالى المعلومة، أو لأحد من رسله، أو لشيء مما جاؤوا به، إذا كان الأمر المكذّب به معلوما من الدين بالضرورة. ولا خلاف أن هذا القدْر كفر،
стр. 865
ومن صدر عنه فهو كافر" (١).
٢ - الكفر بالقول:
مثل سب الله، وسب الرسول ﷺ ، أو نسب العيب إلى الله كأن يقول: إن الله فقير، أو إن الله ظالم، أو يقول: إن الله بخيل، أو يقول: إن الله لا يعلم بعض الأمور - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - أو جحد الصلاة فقال: إن الله لم يوجب علينا الصلاة، فهذه ردة يستتاب فإن تاب وإلا قتل. قال أبو ثور ﵀: "ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك، وليس بمؤمن" (٢).
قال القاضي عياض: "وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولا يُتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصّحابة" (٣).
ويقول ابن حزم: "ومما يتبين أن الكفر يكون بالكلام، قول الله : ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٧]. إلى قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢]. فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى، إذ شك في البعث" (٤).
ويقول أيضًا: "لم يختلف أهل العلم بأن في القرآن التسمية بالكفر، والحكم بالكفر قطعا على من نطق بأقوال معروفة، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
стр. 866
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤]. فصح أن الكفر يكون كلامًا" (١).
ويقول ابن تيمية ﵀: "إن سبّ الله، أو سبّ رسوله كفر ظاهرا وباطنا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء، وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (٢).
ومما يدل على أن الكفر يكون قولًا باللسان، قوله تعالى في شأن المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥ - ٦٦].
قال ابن تيمية: "فقد أخبر الله تعالى أنهم كفروا بعد إيمانهم، قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام" (٣).
ويقول ابن نجيم: "إن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا، أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده" (٤).
٣ - الكفر بالعمل:
مثل من يستهين بالمصحف بوطئه ونحو ذلك، أو يسجد لصنم.
قال القاضي عياض: "وكذلك نكفّر بفعل أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرِّحا بالإسلام مع فعله كالسجود للصنم، أو الشمس، والقمر، والصليب، والنار. والسعي إلى الكنائس والبِيَع مع أهلها، والتزيّي بزيّهم
стр. 867
من شد الزنانير ... الخ" (١).
وقال ابن القيم: "وهنا أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد؛ فكفر الجحود أنه يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان" (٢).
٤ - الكفر بالشك:
مثل من يقول: أنا لا أدري هل الله حق أو ليس بحق، أو يقول: أنا لا أدري هل محمد صادق، أو كاذب أو يقول: أنا لا أدري هل البعث حق، أو غير حق، فهذا يكون كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
قال القاضي عياض: "وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه ... فهو كافر بإجماع" (٣).
وقال أيضًا: " ... ولهذا نكفّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك" (٤).
قال الشيخ عبد الرحمن أبا بطين: "فقد دل القرآن: على أن الشك في الجملة كفر، كما في قوله تعالى في الكفار ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾
стр. 868
[الجاثية: ٣٢]. وغير ذلك من الآيات الصريحة، والشك غير العناد، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى.
ومما يبين لك: مراد الشيخ تقي الدين ﵀ ما ذكره في بعض كتبه، بقوله: "من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك الأمر محرم عُرِّفَ ذلك، فإن أصر صار مرتدا؛ وقال: من سب الصحابة أو واحدا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا نشك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره".
وقال أيضا: "ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر" (١).
وقال الشيخ أبا بطين: "فانظر تكفيره الشاك، مع القطع بأن سبب الشك هو الجهل، وأطلق على من ذكر مع العلم القاطع بأن أكثر هؤلاء أو كلهم جهال لم يعلموا أن ما قالوه كفر" (٢).
وقال ابن تيمية في رده على أهل الحلول والاتحاد: "فهذا كفر باطنا وظاهرا بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين" (٣).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الإسلام: الثالث: "من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا" (٤).
стр. 869
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله " ... فإن كان شاكا في كفرهم أو جاهلا بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر" (١).
٢ - تنبيه:
ذكرنا طائفة من أقوال العلماء في باب (الإيمان) وبينا أن ترك العمل بالكلية كفر بالله ، وذكرنا هناك نقل الشافعي الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات" (٢).
ومما يحسن ذكره هنا: حكم ترك الصلاة كسلًا وتهاونًا لا جحودًا ومعلوم إجماع الصحابة على كفر من ترك الصلاة كسلا وذكر الإجماع على ذلك التابعي الجليل عبد الله بن شقيق ﵁ وهو قول سعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي والأوزاعي وأيوب السختياني وغيرهم كثير، وبه يفتي علماؤنا ولهم أدلة على ذلك من الكتاب والسنة وآثار السلف.
* ومن أدلة الكتاب: قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدئر:٣٨ - ٤٧]. وقوله تعالى عن المشركين ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا
стр. 870
الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. قال ابن عثيمين: "مفهوم الآية: أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا إخوانا لنا - ولا تنتفي الأخوة الدينية بالمعاصي وإن عظمت ولكن تنتفي بالخروج عن الإسلام" (١).
* ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٢).
وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٣).
وروى عبد الله بن شقيق العقيلي قال: "كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٤).
قال عمر ﵁: "لا إسلام لمن ترك الصلاة" وفي لفظ آخر: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (٥).
قال ابن عثيمين: "والحظ: النصيب وهو هنا نكرة في سياق النفي فيكون عاما لا نصيب لا قليل ولا كثير"" (٦).
وقال الإمام ابن القيم: "وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة ﵃: أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد" (٧).
قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي ﵀ في كتابه في الصلاة: "ذهب جملة من الصحابة
стр. 871
- ﵃ ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصلاة متعمدا لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر وأبو الدرداء. هؤلاء من الصحابة ومن غيرهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والحكم بن عيينة وأبو داود الطيالسي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة زهير بن حرب" (١).
وفي كتاب الصلاة لابن القيم: "قال علي بن الحسن بن شقيق سمعت عبد الله بن المبارك يقول: "من قال إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من حمار". وقال يحيى بن معين: "قيل لعبد الله بن المبارك إن هؤلاء يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان. فقال عبد الله لا نقول نحن ما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر".
وقال ابن أبي شيبة: قال النبي ﷺ : "من ترك الصلاة فقد كفر" فيقال له ارجع عن الكفر، فإن فعل وإلا قتل بعد أن يؤجله الوالي ثلاثة أيام" (٢).
وقال الإمام أحمد: "ومن ترك الصلاة فقد كفر وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة من تركها فهو كافر" (٣).
وفي كتاب السنة له ورسالة الإصطخري عنه قال: "والكف عن أهل القبلة ولا نكفر أحدا منهم بذنب ولا نخرجهم من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث فيروي الحديث كما جاء وكما روي نصدقه ونقبله ونعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة" (٤).
وقال أبو بكر المروذي: "سألت أبا عبد الله عن الرجل يدع الصلاة استخفافًا ومجونًا فقال: سبحان اللهُ إذا تركها استخفافًا ومجونًا فأي شيء بقي. قلت: إنه
стр. 872
يسكر ويمجن. قال: هذا تريد تسأل عنه. قال النبي ﷺ : بين العبد وبين الكفر ترك. الصلاة. قلت: ترى أن تستتيبه. فأعدت عليه فقال: إذا تركها استخفافا ومجونا فأي شيء بقي" (١).
قال الحافظ ابن رجب: "وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي وغيره عنهم.
وممن قال بذلك: ابن المبارك، وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق، وحكى عليه إجماع أهل العلم. وقال أيوب: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه" (٢).
وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتاوى واضحة في ذلك منها قولهم: "إن الذي يترك الصلاة لا يخلو من إحدى حالتين:
الأولى: أن يتركها جاحدًا لوجوبها فهذا يكفر إجماعًا، لأنه ترك ركنا من أركان الإسلام معلوما بالضرورة جاحدا لوجوبه.
الثانية: أن يتركها تهاونًا وكسلًا مع إقراره بوجوبها، فهذا يكفر في أصح قولي العلماء لقوله ﷺ : "من ترك الصلاة متعمدًا برئت منه ذمة الله ورسوله" (٣) وهذا يدل على إباحة قتله، وقوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة" (٤) فهذا يدل على كفره" (٥).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يذكر كثيرًا أن من مات من المكلفين وهو لا يصلي ومثله يعلم الحكم الشرعي فهو كافر لا يُغسل ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه المسلمون بل ماله لبيت مال المسلمين في أصح
стр. 873
قولي العلماء (١) وقد أصدر الشيخ ابن عثيمين في تقرير ذلك رسالة استوفى فيها ذكر الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف.
٣ - الأعمال التي تبطلها الردة:
تُبطِلُ الردةُ صلاةَ المرتدِّ وصيامه وزكاته وحجه إذا مات على ردَّته، أما إن رجع عن الردة إلى الإسلام فقد جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: "من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه لا يحبط ما سبق أن عمله أيام إسلامه من الأعمال الصالحات لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ " (٢).
٤ - ما يترتب على المرتد من آثار:
إذا ارتد المسلم عن دينه ترتب على ذلك آثار منها:
١ - أن زوجته المسلمة لا يحل لها البقاء معه، بل يجب التفريق بينهما لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع.
٢ - يجب أن ينفّذ فيه حكم المرتد وهو القتل بنص حديث رسول الله ﷺ ويكون قتله بضرب عنقه بالسيف حتى يهلك (٣) وذلك بعد أن يستتاب وتقام عليه الحجة.
٣ - إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويحرم دخوله مكة وحرمها، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يحل ما ذكاه، ولا يورث، وباقي ماله ينقل إلى بيت المال فيئًا (٤).
٤ - لا يُدعى له بالرحمة ولا يستغفر له قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
стр. 874
الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد استقرت السنَّة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة؛ منها:
أن المرتد يُقتل بكل حال، ولا يُضرب عليه جزية، ولا تُعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي.
ومنها: أن المرتد يُقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يُقتل، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد.
ومنها: أن المرتد لا يرث، ولا يُناكح، ولا تُؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي. إلى غير ذلك من الأحكام، وإذا كانت الردَّة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدِّين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه" (٢).
٥ - شروط الحكم بالردة:
ذكر أهلُ العلم ثلاثةَ شروط يجب توفرها حتى يحكم بردة المرتد:
الشرط الأول: البلوغ على خلاف فيه.
الشرط الثاني: العقل: فلا تصح ردة المجنون ومن في حكمه.
الشرط الثالث: أن يكون مختارًا من غير إكراه ولا يحكم بردته إلا بإقراره بنفسه أو بعد شهادة الشهود عليه (٣). وإذا أنكر شهادة الشهود فالقول قوله كما نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم (٤).
стр. 875
٦ - استتابة المرتد:
اتفقت المذاهب الأربعة على استتابة المرتد إن ثبتت ردته ثم اختلفوا في مدة الاستتابة، فقيل ثلاث مرات في يوم، وقيل إن التوبة تطلب منه ثلاث أيام متتالية، وقيل مرة فإن تاب المرتد برجوعه للإسلام لا يقتل (١).
قال الشافعي وأصحابه: "إن امتنع المرتد عن التوبة يقتل في الحال ساعة يأبى إظهار الإيمان، ولو ترك أياما ثم أظهر الإيمان حقن دمه" (٢).
وقال أبو حنيفة بقول الشافعي إلا أنه زاد: "أن المرتد إذا طلب أن يؤجل أجل ثلاثا" (٣).
والمشهور عن أحمد: "استتابته ثلاثا على روايتين في وجوبها أو استحبابها والأول أشهر" (٤).
يقول ابن قدامة: " ... لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا هذا قول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وعطاء والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن أحمد رواية أخرى أنه لا تجب استتابته لكن تستحب وهذا القول الثاني للشافعي" (٥).
قال الماوردي: "ودليل تأجيله ثلاثا قول عمر ﵁ حين أخبر بقتل المرتد: "هلا حبستموه ثلاثًا، اللهم لم أحضر ولم آمر ... " (٦)، ولأن الله قضى بعذاب قوم ثم أنظرهم
стр. 876
ثلاثًا فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلى الحق، وذلك مما يحتاج فيه إلى الارتياء والفكر، فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام" (١).
ويُستثنى من ذلك على الصحيح مَنْ سب النبي ﷺ فقد جاء عن الإمام أحمد: "إن كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب" (٢).
٧ - كيف تكون توبة المرتد ؟
تكون توبة المرتد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن كانت ردته بجحود عبادة من العبادات؛ كالصلاة والصيام مثلا، لم تزل عنه الردة حتى يقر بما صار به مرتدًا، بالإضافة إلى النطق بالشهادتين - كما مر - وإن كانت ردته باستحلال شيء من المحرمات كالزنا والخمر ونحوهما، فإن توبته بالإقرار بتحريم ذلك، بعد النطق بالشهادتين (٣).
٨ - فائدة: في توبة من تكررت ردته:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق فذاك إنما هو في الحكم الظاهر لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
стр. 877
الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا ولا قدرًا" (١).
٩ - فائدة:
في قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" هو خاص بالمسلمين دون سواهم وهو الذي عليه جمهور العلماء فمن بدل دينه من أهل الإسلام فجزاؤه القتل أما أهل الملل الأخرى فالصحيح أن الحديث لا يشملهم لأنه انتقل من كفر إلى كفر مثله والكفر ملة واحدة.
يقول القرطبي: "واختلفوا من خرج من كفر إلى كفر فقال مالك: وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه" (٢).
قال الإمام أحمد: "من بدل دينه فاقتلوه من المسلمين، لو أن يهوديا تنصر أو نصرانيا تهود لم يقتل" (٣).
١٣٢ - الرسل عليهم الصلاة والسلام
انظر باب: (الإيمان بالرسل) وهو من أصول الإيمان.
١٣٣ - الرضا بقضا الله وقدره
انظر باب (الصبر) (أعمال القلوب).
стр. 878
١٣٤ - الرغبة *
جاء في جمهرة اللغة: "رغبت في الشيء رغبًا ورغبة إذا مِلت إليه (١).
والرغبة في الأشياء الإرادة لها (٢).
وفي اللسان: "الرغباء الضراعة والمسألة" (٣).
قال الفيروزأبادي: "رغب فيه: أراده بالحرص عليه" (٤).
وفي الشرع: قال ابن رجب: "الرغبة في الشيء هي ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه" (٥).
قال ابن عثيمين: "الرغبة: محبة الوصول إلى الشيء المحبوب" (٦).
* الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] وقال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء. ٩٠].
* الدليل من السنة: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجهي
стр. 879
إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "في هذه الآية الكريمة (٢) وصف الله تعالى الخلص من عباده بأنهم يدعون الله تعالى رغبًا ورهبًا مع الخشوع له، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فهم يدعون الله رغبة فيما عنده وطمعا في ثوابه مع خوفهم من عقابه وآثار ذنوبهم، والمؤمن ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء (٣)، ويغلب الرجاء في جانب الطاعة لينشط عليها ويؤمل قبولها، ويغلب الخوف إذا هم بالمعصية ليهرب منها وينجو من عقابها.
قال بعض العلماء: يغلب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة؛ لأن المريض منكسر ضعيف النفس وعسى أن يكون قد اقترب أجله فيموت وهو يحسن الظن بالله ، وفي حال الصحة يكون نشيطا مؤملا طول البقاء فيحمله ذلك على الأشر والبطر فيغلب جانب الخوف ليسلم من ذلك.
وقيل: يكون رجاؤه وخوفه واحدا سواء لئلا يحمله الرجاء على الأمن من مكر الله، والخوف على اليأس من رحمة الله وكلاهما قبيح مهلك لصاحبه" (٤).
فالرغبة من أنواع العبادة التي يجب صرفها الله وحده.
قال ابن قاسم في الرغبة والرهبة والخشوع أنها: "عبادات قلبية من أجل العبادات وصرفها لغير الله شرك أكبر" (٥).
стр. 880
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١).
* فائدة:
يقول ابن القيم: "والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء، فإنه إذا رجا الشيء طلبه والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف شيئا هرب منه" (٢).