← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ثلاثًا فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولأن المقصود منه استبصاره في الدين ورجوعه إلى الحق، وذلك مما يحتاج فيه إلى الارتياء والفكر، فأمهل بما يقدر في الشرع من مدة أقل الكثير وأكثر القليل وذلك ثلاثة أيام" (١). ويُستثنى من ذلك على الصحيح مَنْ سب النبي ﷺ فقد جاء عن الإمام أحمد: "إن كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب" (٢). ٧ - كيف تكون توبة المرتد ؟ تكون توبة المرتد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن كانت ردته بجحود عبادة من العبادات؛ كالصلاة والصيام مثلا، لم تزل عنه الردة حتى يقر بما صار به مرتدًا، بالإضافة إلى النطق بالشهادتين - كما مر - وإن كانت ردته باستحلال شيء من المحرمات كالزنا والخمر ونحوهما، فإن توبته بالإقرار بتحريم ذلك، بعد النطق بالشهادتين (٣). ٨ - فائدة: في توبة من تكررت ردته: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفقهاء إذا تنازعوا في قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق فذاك إنما هو في الحكم الظاهر لأنه لا يوثق بتوبته أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله في الباطن فإنه يدخل في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ

стр. 877

الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا شرعًا ولا قدرًا" (١). ٩ - فائدة: في قوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" هو خاص بالمسلمين دون سواهم وهو الذي عليه جمهور العلماء فمن بدل دينه من أهل الإسلام فجزاؤه القتل أما أهل الملل الأخرى فالصحيح أن الحديث لا يشملهم لأنه انتقل من كفر إلى كفر مثله والكفر ملة واحدة. يقول القرطبي: "واختلفوا من خرج من كفر إلى كفر فقال مالك: وجمهور الفقهاء: لا يتعرض له لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه" (٢). قال الإمام أحمد: "من بدل دينه فاقتلوه من المسلمين، لو أن يهوديا تنصر أو نصرانيا تهود لم يقتل" (٣). ١٣٢ - الرسل عليهم الصلاة والسلام انظر باب: (الإيمان بالرسل) وهو من أصول الإيمان. ١٣٣ - الرضا بقضا الله وقدره انظر باب (الصبر) (أعمال القلوب).

стр. 878

١٣٤ - الرغبة * جاء في جمهرة اللغة: "رغبت في الشيء رغبًا ورغبة إذا مِلت إليه (١). والرغبة في الأشياء الإرادة لها (٢). وفي اللسان: "الرغباء الضراعة والمسألة" (٣). قال الفيروزأبادي: "رغب فيه: أراده بالحرص عليه" (٤). وفي الشرع: قال ابن رجب: "الرغبة في الشيء هي ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه" (٥). قال ابن عثيمين: "الرغبة: محبة الوصول إلى الشيء المحبوب" (٦). * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] وقال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء. ٩٠]. * الدليل من السنة: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِب قَال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجهي

стр. 879

إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ" (١). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "في هذه الآية الكريمة (٢) وصف الله تعالى الخلص من عباده بأنهم يدعون الله تعالى رغبًا ورهبًا مع الخشوع له، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فهم يدعون الله رغبة فيما عنده وطمعا في ثوابه مع خوفهم من عقابه وآثار ذنوبهم، والمؤمن ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء (٣)، ويغلب الرجاء في جانب الطاعة لينشط عليها ويؤمل قبولها، ويغلب الخوف إذا هم بالمعصية ليهرب منها وينجو من عقابها. قال بعض العلماء: يغلب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة؛ لأن المريض منكسر ضعيف النفس وعسى أن يكون قد اقترب أجله فيموت وهو يحسن الظن بالله ، وفي حال الصحة يكون نشيطا مؤملا طول البقاء فيحمله ذلك على الأشر والبطر فيغلب جانب الخوف ليسلم من ذلك. وقيل: يكون رجاؤه وخوفه واحدا سواء لئلا يحمله الرجاء على الأمن من مكر الله، والخوف على اليأس من رحمة الله وكلاهما قبيح مهلك لصاحبه" (٤). فالرغبة من أنواع العبادة التي يجب صرفها الله وحده. قال ابن قاسم في الرغبة والرهبة والخشوع أنها: "عبادات قلبية من أجل العبادات وصرفها لغير الله شرك أكبر" (٥).

стр. 880

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالرغبة يجب أن تكون إليه كما قال تعالى: ﴿(٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (١). * فائدة: يقول ابن القيم: "والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء، فإنه إذا رجا الشيء طلبه والرغبة من الرجاء كالهرب من الخوف فمن رجا شيئا طلبه ورغب فيه ومن خاف شيئا هرب منه" (٢).

стр. 881

١٣٥ - الرقى * التعريف: قال الفيروزآبادي: "الرقية بالضم: العُوذة جمعها: رُقىً ورقاه رَقيًا ورُقيًا ورُقيةً فهو رقاء: نفث في عوذته" (١). وعرفها ابن الأثير بقوله: "الرقية العوذه التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات" (٢). وقال الحجاوي: "الرقى جمعٌ، مُفردُهُ: رُقيةٌ وهي العزائم" (٣). وقال الجوهري: "العزائم هي الرقى" (٤).

стр. 882

وسميت بالعزائم لأن القارئ يعزم فيها ويكون عنده قوة اندفاع في حال القراءة. قال ابن فارس: "العزم: عقد القلب على الشيء تريد أن تفعله، وكذلك العزيمة. والعزائم الآيات تُقرأ على المريض رجاء بركتها" (١). وقال الأزهري: "قال الليث: العزيمة من الرُّقى: التي يُعزم بها على الجن والأرواح. وقال غيره: عزمتُ عليك لتفعلنَّ أي أقسمت، وعزم الراقي والحوّاء كأنه أقسم على الداء والحية" (٢). وقال الفيروزآبادي: "العزائم أي الرقى أو هي آيات من القرآن تُقرأ على ذوي الآفات رجاء البرء" (٣). * الدليل من السنة: عَنْ زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله قَالَتْ كَان عَبْدُ الله إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَاب تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَي شَيْءٍ يَكْرَهُهُ قَالَتْ: وَإِنَهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَنَحْنَحَ قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنْ الْحُمْرَةِ فَأَدْخَلْتُهَا تَحْتَ السَّرِيرِ فَدَخَل فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا قالَ مَا هَذَا الْخَيْطُ قَالَتْ قُلْتُ خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ قَالَتْ فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ آلَ عَبْدِ الله لأغْنِيَاءُ عَنْ الشِّرْكِ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ" (٤). وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: "كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: "اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لا بَأْسَ بالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ"" (٥).

стр. 883

* أقوال بعض السلف: قال ابن التين: "الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني" (١). وفي حديث المرأة السوداء التي تصرع وطلبت من الرسول ﷺ أن يدعو لها، قال الشوكاني: "فيه دليل على أن التداوي بالدعاء مع الالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير ولكن إنما ينجح بأمرين: أحدهما جهة العليل والأخرى من جهة المداوي وهو توجه قلبه إلى الله وقوتُه بالتقوى والتوكل على الله" (٢). أحكام وفوائد: ١ - حكم الرقية: رقية المريض بقراءة القرآن والأذكار والدعوات النبوية الثابتة عنه ﵊ مشروعة (٣). قال الشيخ ابن عثيمين: "الرقية على المريض المصاب بسحر أو غيره من الأمراض لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم أو من الأدعية المباحة فقد ثبت عن النبي ﷺ ، أنه كان يرقي أصحابه، ومن جملة ما يرقاهم به: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، وأمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أنزل رحمة من من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع" فيبرأ. ومن الأدعية المشروعة: "بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك".

стр. 884

ومنها أن يضع الإنسان يده على الألم الذي يؤلمه من بدنه فيقول: "أعوذ بالله وعزته من شر ما أجد وأحاذر" إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم من الأحاديث الواردة عن الرسول ﷺ " (١). وقالت اللجنة الدائمة: "أذن النبي ﷺ في الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية ما لم تكن شركًا أوكلامًا لا يفهم معناه لما روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك قال كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا عليّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا" وقد أجمع العلماء على جواز الرقى إذا كانت على الوجه المذكور آنفًا مع اعتقاد أنها سبب لا تأثير له بتقدير الله تعالى، أما تعليق شيء بالعنق أو ربطه بأي عضو من أعضاء الشخص فإن كان من غير القرآن فهو محرم بل شرك ... وإن كان ما علقه من آيات القرآن فالصحيح أنه ممنوع أيضًا لثلاثة أمور: الأول: عموم أحاديث نهي النبي ﷺ عن التمائم ولا مخصص لها. الثاني: سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. الثالث: أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله في حال قضاء الحاجة والاستنجاء" (٢). قال ابن باز: "والمراد بالرقى المنهي عنها هي الرقى التي تكون بلسان غير معروف المعنى، أو تشمل على معان محرمة، أما إذا كانت الرقى بكلمات معروفة المعنى، وليس فيها محذور شرعًا؛ كالرقى بالآيات القرآنية والدعوات النبوية أو الدعوات الطيبة التي ليس فيها ما يحرمه الشرع المطهر ولم عليها الراقي ولا المرقي، وإنما يعتقدان جميعًا أنها سبب من الأسباب، والشفاء من الله سبحانه

стр. 885

وتعالى لا شفاء إلا شفاؤه، فلا بأس بها بالشرط المذكور" (١). وقال أيضًا: "الرقى المنهي عنها هي الرقى التي فيها شرك أو توسل بغير الله، أو ألفاظ مجهولة لا يُعرف معناها. أما الرقى السليمة من ذلك فهي مشروعة، ومن أعظم أسباب الشفاء، لقول النبي ﷺ : "لا بأس بالرقى مما لم تكن شركًا"، وقوله ﷺ : "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" خرجهما مسلم في صحيحه، وقال النبي ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حمة" معناه لا رقية أولى وأشفى من الرقية من هذين الأمرين. وقد رَقَى النبي ﷺ ، ورُقِي" (٢). وقد سبق في باب التميمة زيادة إيضاح حول تعليق الرقى. ٢ - شروط جواز الرقية: قال ابن حجر: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى" (٣). وهذه الشروط ذكرها أهل العلم وشراح كتاب التوحيد (٤) عند كلامهم عن الرقى والعزائم. وقال النووي: "وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى. قال المازري: جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره (٥). ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه لجواز أن يكون فيه كفر" (٦).

стр. 886

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناها وأنه الصحيح لكره أن يدعو الله بغير الأسماء العربية (١) " (٢). وقال ﵀: "بل نهى العلماء عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك" (٣). وقال ﵀: "وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن. ولهذا نهى علماء المسلمين. الرقى التي لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك" (٤). وقال: "وأما معالجة المصروع بالرقى، والتعوذات فهذا على وجهين: فإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها، ومما يجوز في دين الإسلام أن يتكلم بها الرجل، داعيًا ﷺ ، ذاكرًا له، مخاطبًا لخلقه ونحو ذلك، فإنه يجوز أن يرقي بها المصروع، ويعوذ، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : أنه أذن في الرقى، ما لم تكن شركًا. وقال: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" وإن كان في ذلك كلمات محرمة مثل أن يكون فيها شرك، أو كانت مجهولة المعنى، يحتمل أن يكون فيها كفر، فليس لأحد أن يرقى بها ولا يعزم، ولا يقسم، وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها، فإن ما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه" (٥).

стр. 887

وقال شيخ الإسلام: "وليس للعبد أن يدفع كل ضرر بما شاء، ولا يجلب كل نفع بما شاء، بل لا يجلب النفع إلا بما فيه تقوى الله، ولا يدفع الضرر إلا بما فيه تقوى الله، فإن كان ما يفعله من العزائم والأقسام والدعاء والخلوة والسهر ونحو ذلك مما أباحه الله ورسوله فلا بأس به، وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله لم يفعله" (١). تنبيه: كما يجب أن يكون الراقي موثوقًا به ليس من أهل الشعوذة، ويجب أن ينهى كذلك عن الخلوة بالمرأة دون محرم. ٣ - حكم رقية أهل الكتاب للمسلمين: يرى بعض العلماء جواز رقي أهل الكتاب مستدلين بما رواه مالك في الموطأ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَشْتكِي وَيهُودِيَّةٌ تَرْقِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "ارْقِيهَا بِكِتَابِ الله" (٢). وقال النووي: "قال المازري: واختلفوا في رقية أهل الكتاب فجوّزها أبو بكر الصديق ﵀، وكرهها مالك خوفًا أن يكون مما بدلوه، ومن جوزها قال: الظاهر أنهم لم يبدلوا الرقى فإنهم لهم غرض في ذلك بخلاف غيرها مما بدلوه" (٣). قال ابن عبد البر: "وقد جاء عن أبي بكر الصديق كراهية الرقية بغير كِتَاب الله وعلى ذلك العلماء، وأباح لليهودية أن ترقى عائشة بكتاب الله" (٤). وقال الزرقاني في معنى قول أبي بكر أرقيها بكتاب الله: "المقصود القرآن إن رجى إسلامها، أو التوراة إن كانت مُعرَّبة بالعربي أو أمن تغييرهم لها" (٥).

стр. 888

قال الربيع: "سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله. قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ فقال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله، فقلت: وما الحجة في ذلك؟ قال: حجة، فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكًا أخبرنا وذكر الأثر السابق وقول أبي بكر: ارقيها بكتاب الله، فقلت للشافعي: فإنا نكره رقية أهل الكتاب، فقال: وأنتم تروون هذا عن أبي بكر ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النبي ﷺ خلافه، وقد أحل الله جل ذكره طعام أهل الكتاب ونساءهم وأحسب الرقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخلف" (١). وأما كلام أهل العلم الذين كرهوا رقية أهل الكتاب إنما كرهوها لأمرين: ١ - احتمال أن تكون رقيتهم بما بُدِّل. ٢ - احتمال أن يرقوا برقية لا يُعرف معناها. وقالوا أيضًا: أن الأثر المذكور عن أبي بكر مرسل فقد رواه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وعمرة بنت عبد الرحمن لم تدرك أبا بكر، ثم إن قوله: "ارقيها بكتاب الله" فيه غموض وإجمال، وسبب آخر كذلك أنهم غير مأمونين في استخدام الطلاسم والأمور الشركية والشعوذة، ويضمرون العداء لأهل الإسلام ويوقعون بهم ضررًا، وقالوا أيضًا: إن الذهاب إليهم تعظيم لأمرهم، وعند المسلمين غنية عنهم لكن إن صحت الرقية وكانت بكتاب الله وذكره فإنهم لا يستطيعون تبديلها؛ لأنهم إن بدلوها لا تؤدي المطلوب وتبطل رقاهم ولا يلتفت إليهم أحدًا" (٢). وقال الحافظ ابن حجر: "والحق أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال" (٣).

стр. 889

٤ - مسائل متنوعة في الرقية: أولًا: تعريف النفث والتفل في الرقية: النفث: نفخ يسير مع ريق يسير، وهو أقل من التفل، وقيل إنه بلا ريق (١). والتفل: شبيه بالبزاق وهو أقل منه (٢). ثانيًا: متى يكون النفث حال القراءة ؟: الجواب: وقع ذلك في أحاديث منها: ١ - حديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ... " (٣). ٢ - في رواية أخرى: "كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ "قل هو الله أحد" وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده" (٤). قال ابن حجر: "يقرؤها وينفث حالة القراءة كأنه معها" (٥). ٣ - قصة المعتوه الذي رقاه أحد الصحابة قال الراوي: فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل ... (٦). قال ابن أبي جمرة: محل التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمر عليها الريق فتحصل البركة في الريق الذي يتفله (٧).

стр. 890

ثالثًا: الخلاف في كراهية النفث وإباحته: ذهب بعض أهل العلم إلى كراهية النفث في الرقية عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي (١)، وبعضهم كره النفث مطلقًا كالأسود بزيد (٢). قال بدر الدين العيني: "وكرهه أيضًا عكرمة والحكم وحماد" (٣). وممن روى عنه الكراهة أيضًا الضحاك (٤). وقال ابن مفلح: "ويكره التفل بالريق والنفخ بلا ريق وقيل في كراهة النفث في الرقية وإباحته مع الريق وعدمه روايتان. وذكر السامري أن أحمد ﵀ التفل في الرقى وأنه لا بأس بالنفخ. قال ابن منصور لأبي عبد الله: يكره التفل في الرقية؟ قال أليس يقال إذا رقى نفخ ولم يتفل. قال إسحاق بن راهويه كما قال وجزم بعض متأخري الأصحاب باستحباب النفخ والتفل لأنه إذا قويت كيفية نفس الراقي كانت أتم تأثيرا وأقوى فعلا ولهذا تستعين به الروح الطيبة والخبيثة فيفعله المؤمن والساحر. وفي شرح مسلم أن الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم استحبوا النفث. قال القاضي عياض وكان مالك ينفث إذا رقى نفسه ... " (٥). وقد استدل المانعون بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]؛ قالوا لأن الله أمر بالاستعاذة من النفث ومن فاعله، ويجاب عن هذان المراد الاستعاذة من نفث أهل الباطل. قال القرطبي: "إنما أريد به السحر المضر بالأرواح، وهذا النفث لاستصلاح

стр. 891

الأبدان فلا يقاس ما ينفع بما يضر" (١). والراجح مشروعية النفث والتفل في الرقية كما دلت عليه النصوص فمن ذلك: ١ - حديث عائشة أن رسول الله ﷺ "كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها" (٢). ٢ - حديث اللديغ وفيه "فانطلق فجعل يتفل ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] " وأقره الرسول ﷺ (٣). والنصوص في ذلك كثيرة. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين (٤). رابعًا: حكم الرقية بدون نفث: تجوز الرقية بدون نفث وتفل ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان إذا عاد مريضا قال: "أذهب الباس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا" (٥). وكان أنس يرقي بتلك الرقية ذكر ذلك البخاري (٦). وكذلك رقية جبريل للنبي ﷺ لم يذكر فيها نفث كما في حديث أبي سعيد "أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد اشتكيت فقال: نعم. قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك" (٧).

стр. 892

خامسًا: حكم شرب الرقية المكتوبة: قال ابن تيمية: "ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئًا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره" (١). وقال ابن القيم: "ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض. ومثله عن أبي قلابة ويذكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها" (٢). وفي فتاوى اللجنة ما نصه: "كتابة شيء من القرآن في جام أو ورقة وغسله وشربه يجوز لعموم قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وحديث "خير الدواء القرآن" (٣) " (٤). وفي فتاوى اللجنة: "أن الأولى تركه وأن يُستغنى عنه بما ثبت في الرقية الشرعية" (٥). أما قراءة القرآن في الماء للمريض وشربه إياه فلا بأس به. قال محمد بن مفلح: "وقال صالح بن الإمام أحمد: ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحًا فيه ماء فيقرأ عليه ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك. ونقل عبد الله أنه رأى أباه يعوذ في الماء ويقرأ عليه ويشرب، ويصب على نفسه منه.

стр. 893

قال عبد الله: ورأيته قد أخذ قصعة النبي ﷺ فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها، ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم، فيستشفي به ويمسح به يديه ووجهه. وقال يوسف بن موسى: أن أبا عبد الله كان يؤتى بالكوز ونحن بالمسجد فيقرأ عليه ويعوذ" (١). وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ عن النفث في الماء فأجاب: "لا بأس بذلك فهو جائز، بل قد صرح العلماء باستحبابه. وبيان حكم هذه المسألة مدلول عليه بالنصوص النبوية، وكلام محققي الأئمة" (٢). وقال ابن باز ﵀: "وإن قرأ في الماء وشربه المريض أو رش عليه به نفعه ذلك بإذن الله" (٣). وقال ﵀: "وكذلك الرقية في الماء لا بأس بها، وذلك بأن يقرأ في الماء ويشربه المريض، أو يصب عليه، فقد فعل ذلك النبي ﷺ ، فإنه ثبت في سنن أبي داود في كتاب الطب أنه ﷺ قرأ في ماء لثابت بن قيس بن شماس ثم صب عليه، وكان السلف يفعلون ذلك. فلا بأس به" (٤). وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن حكم النفث في الماء؟ فأجاب بقوله: "النفث في الماء على قسمين: القسم الأول: أن يراد بهذا النفث التبرك بريق النافث فهذا لا شك أنه حرام ونوع من الشرك، لأن ريق الإنسان ليس سببًا للبركة والشفاء ولا أحد يتبرك بآثاره إلا محمد ﷺ ، أما غيره فلا يتبرك بآثاره.

стр. 894

القسم الثاني: أن ينفث الإنسان بريق تلا فيه القرآن الكريم مثل أن يقرأ الفاتحة - الفاتحة رقية وهي من أعظم ما يرقى به المريض - فيقرأ الفاتحة وينفث في الماء فإن هذا لا بأس به وقد فعله بعض السلف وهو مجرب ونافع بإذن الله وقد كان النبي ﷺ ، ينفث في يديه عند نومه بقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده - صلوات الله وسلامه عليه - والله الموفق" (١). وقال ابن القيم ﵀: "ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بالفاتحة، آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مرارًا ثم أشربه، فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع" (٢). وقال أيضًا: "ولقد جربن أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة، ولا سيما مدة المقام بمكة، فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني، وذلك في أثناء الطواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة وأمسح بها على محل الألم، فكأنه حصاة تسقط، جربن ذلك مرارًا عديدة، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا، فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء، والأمر أعظم من ذلك، لكن بحسب قوة الإيمان وصحة اليقين والله المستعان" (٣). أما استخدام إناء فيه آيات منقوشة أو كتابة ثابتة في أصل الإناء ولا تتحلل بدخول الماء فهذا يُمنع إذ لا يجوز امتهان الإناء إذا كان فيه آية ولا يجوز إدخاله الحمام أو إصابته بشيء من ذلك وسد الطرق في مثل هذا واجب.

стр. 895

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن كتابة بعض آيات القرآن الكريم مثل آية الكرسي على أواني الطعام والشراب لغرض التداوي بها؟ فأجاب ﵀ بقوله: "يجب أن نعلم أن كتاب الله أعز من أن يمتهن إلى هذا الحد ويبتذل إلى هذا الحد، كيف تطيب نفس مؤمن أن يجعل كتاب الله وأعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي أن يجعلها في إناء يشرب فيه ويمتهن ويرمي في البيت ويلعب به الصبيان؟! هذا العمل لا شك أنه حرام، وأنه يجب على من عنده شيء من هذه الأواني أن يطمس هذه الآيات التي فيها، بأن يذهب بها إلى الصانع فيطمسها، فإن لم يتمكن من ذلك فالواجب عليه أن يحفر لها في مكان طاهر ويدفنها، وأما أن يبقيها مبتذلة ممتهنة يشرب بها الصبيان ويلعبون بها، فإن الاستشفاء بالقرآن على هذا الوجه لم يرد عن السلف الصالح ﵃ " (١). وسئل الشيخ صالح آل الشيخ عن الحكم في بعض الأواني التي يكتب عليها بعض الآيات، والتي تباع في بعض المحلات التجارية؟. فأجاب: "أن هذه الأواني يختلف حالها فإن كان يستخدمها لأجل أن يتبرك بما كتب فيها من الآيات، فيجعل فيها ماءً ويشربه؛ لأن الماء يلامس هذه الآيات، فهذا من الرقية غير المشروعة؛ لأن الرقية المشروعة تكون بقراءة الآيات في الماء، وهذه الآيات لم تنحل في الماء؛ بل هي مكتوبة في ذلك الإناء المعدني أو النحاسي، والتصاق الماء بتلك الكتابات من الآيات أو الأدعية لا يجعل الماء - بذلك - مباركًا أو مقروءًا فيه، فإذا اتخذت هذه الأواني لذلك: فالرقية بها غير مشروعة" (٢). سادسًا: خلط بعض التراب مع الريق: وطريقة ذلك: أن ينفث على الإصبع بشيء من الريق ثم يوضع في التراب

стр. 896

ويمسح به المريض في أثناء الرقية. ويدل على هذه الكيفية ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول للمريض: "بسم الله، تربةُ أرِضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا" (١). وفي رواية مسلم عن أبي عمر عن سفيان زيادة في أوله: "كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي ﷺ بإصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها: باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا" (٢). وقال القرطبي: "وهذا يدل على استحباب ذلك" (٣). والمراد بقوله ﷺ : "أرضنا" قال النووي: "قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا الأرض عمومًا، وقيل: أرض المدينة خاصة ... " (٤). وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن فتوى له تفيد أن التبرك بريق أحد غير النبي ﷺ حرام ونوع من الشرك باستثناء الرقية بالقرآن وأن هذا يشكل مع ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ، كان يقول في الرقية: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا" فنرجو من فضيلتكم التكرم بالتوضيح؟ فأجاب بقوله: "ذكر بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله ﷺ ، وبأرض المدينة فقط وعلى هذا فلا إشكال. ولكن رأي الجمهور أن هذا ليس خاصًا برسول الله، ﷺ ، ولا بأرض المدينة بل هو عام في كل راق وفي كل أرض ولكنه ليس من باب التبرك بالريق المجرده

стр. 897

بل هو ريق مصحوب برقية وتربة للاستشفاء وليس لمجرد التبرك" (١). سابعًا: حكم أخذ الأجرة على الرقية: دلت الأحاديث على جواز أخذ الأجرة على الرقية، فقد جاء في البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" (٢). وقال ﷺ لمن قرأ على المعتوه: "كُلْ فلَعمْري لَمَنْ أكلَ برُقيةٍ باطل لقد أكلت برقَيْةِ حقٍّ" (٣). ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري الذي قرأ على الملدوغ وفيه: " ... فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فكأنما نشط فأعطوهم قطيعا من الغنم فذكروا ذلك للرسول ﷺ فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا" فضحك النبي ﷺ " (٤). قال النووي: "هذا الراقي هو أبو سعيد الخدري" (٥). قال ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: "نعم وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مصاب بعقله فقرأ عليه بعضهم فاتحة الكتاب فبرأ، وقال: إن سياقه وسببه مختلف عن حديث أبي سعيد ... مما يدل على أنهما قصتان" (٦). ٦ - فائدة: العين حق وأدلة ذلك كثيرة معلومة. قال الإمام ابن القيم ﵀: "هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن، نحو المحسود والمعيون، تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه

стр. 898

أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذرًا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها" (١). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع تحصل للمنظور منه ضرر" (٢). قال ابن عثيمين ﵀: "هي ما يسميها العامة الآن "النحاتة" وبعضهم يسميها "النفس" وبعضهم يسميها "الحسد"" (٣). ومن أدلة القرآن على إثبات العين: قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]. قال ابن كثير ﵀: "وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله " (٤). ومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد: "إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر بهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه" (٥). ومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]. قال ابن القيم ﵀: "فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنًا، فلما كان

стр. 899

الحاسد أعم من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن" (١). ومن السنة حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله يأمرني أن أسترقي من العين" (٢). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "العين حق ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق ونهى عن الوشم" (٤). وعن أم سلمة ﵁ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة" (٥). وسوف نتناول هنا الطرق المشروعة في علاج إصابة العين بعد وقوعها ولذلك حالتان: الحالة الأولى: أن يُعرف العائن وفي هذه الحالة يؤمر العائن بالاغتسال للمعين ودليل ذلك حديث ابن عباس السابق: "وإذا استغسلتم فاغسلوا" (٦). والمنصود طُلب منكم الاغتسال وقال ﷺ لعامر بن ربيعة: "اغتسل له". ومما جاء في صفة الاغتسال: اغتسال عامر بن ربيعة حيث غسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح ثم صب على سهل بن حنيف فراح سهل مع الناس ليس به بأس (٧). وجاءت صفات أخرى غير هذا والاغتسال يزيل أضرار العين بإذن الله.

стр. 900

وحكم اغتسال العائن واجب وهو رأي ابن عبد البر (١) للحديث السابق ولا صارف عن الوجوب. قال المازري: "يجب على العائن ذلك ويقضى عليه به إذا طلب منه ذلك لاسيما إذا خيف على المعين الهلاك" (٢). الحالة الثانية: إذا لم يُعرف العائن فإنه يُداوم على الرقى الشرعية لحديث عائشة قالت: "أمرني النبي ﷺ أو أمر - أن يُسترقَى من العين" (٣). وهذا عام لكل رقية مشروعة، فجميع الرقى المشروعة طريقة لعلاج هذا الداء (٤). وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن العين هل هي تصيب الإنسان؟ وكيف تعالج؟ وهل التحرز منها ينافي التوكل؟ فأجاب ﵀ بقوله: "رأينا في العين أنها حق ثابت شرعًا وحسًّا قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١] قال ابن عباس ﵄ وغيره في تفسيرها أي يعينوك بأبصارهم، ويقول النبي ﷺ : "العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين وإذا استغسلتم فاغسلوا". رواه مسلم. ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: "لم أر كاليوم ولا جلد مُخبَّأة" فما لبث أن لُبِطَ به فأُتي به رسول الله ﷺ ، فقيل له: أدرك سهلًا صريعًا فقال: "من تتهمونه؟ " قالوا عامر بن ربيعة، فقال النبي ﷺ : "علام يقتل أحدكم أخاه، إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة" (٥). ثم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه

стр. 901

إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه، وفي لفظ: يكفأ الإناء من خلفه. والواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره. وفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي (١): ١ - القراءة: فقد قال النبي ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حمة" (٢). وقد كان جبريل يرقي النبي ﷺ ، فيقول: "باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك" (٣). ٢ - الاستغسال: كما أمر النبي ﷺ عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب. أما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل، وكذلك الأخذ من أثره، وإنما الوارد ما سبق غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطافيته وثوبه، والله أعلم. والتحرز من العين مندمًا لا بأس به ولا ينافي التوكل بل هو التوكل؛ لأن التوكل الاعتماد على الله سبحانه مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وكان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة". ويقول هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉. رواه البخاري" (٤). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وقد جرت العادة عندنا أنهم يأخذون من العائن ما يباشر جسمه من اللباس مثل الطاقية وما أشبه ذلك ويربصونها بالماء ثم

стр. 902

يسقونها المصاب ورأينا ذلك يفيد حسبما تواتر عندنا من النقول فإذا كان هذا هو الواقع فلا بأس باستعماله؛ لأن السبب إذا ثبت كونه سببًا شرعًا أو حسًا فإنه يعتبر صحيحًا" (١). وقال ﵀: "ويستعمل للعين طريقة أخرى غير الرقية، والاستغسال، وهي أن يؤتى بالعائن ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب، ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله. وهناك طريقة أخرى، ولا مانع منها أيضًا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب؛ كالثياب، والطاقية، والسروال، وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مجرب" (٢). ٦ - الطرق الشرعية لاتقاء العين قبل وقوعها: أولًا: بالنسبة لمن يخاف العين: ١ - المداومة على الأذكار ومنها: أ - قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة قال ﷺ : "من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (٣). ب - قراءة آية الكرسي جاء في ذلك حديث أبي هريرة عند البخاري (٤). ج - المعوذتان لحديث أبي سعيد كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنس حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما (٥).

стр. 903

قال ابن القيم: "فإن لهاتين السورتين تأثيرًا خاصًا في دفع السحر والعين وسائر الشرور" (١). د - الأذكار النبوية المعروفة. ومن ذلك ما رواه ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ، يُعَوِّذ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ يَقُولُ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ، وَيَقُول، هَكَذَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَيْهِ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ. أو قال: إسماعيل ويعقوب" (٢). وقيل للنبي ﷺ إن فلانًا لدغته عقرب فلم ينم ليلته فقال: "أما لو قال، حين أمسى: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ما ضره لدغ عقرب حتى يصبح" (٣). وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: "أما لو قلت حين أمسيت، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك" (٤). قال سهيل (راوي الحديث): فكان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم، فلم تجد وجعًا (٥). وقال القرطبي: "هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة" (٦). ٢ - ستر محاسن من يخاف عليه العين . قال ابن القيم: "وقال الخطابي ﵀، في غريب الحديث له. عن عثمان (بن عفان) ﵁: أنه رأى صبيًا تأخذه العين فقال: دسموا نونته. فقال أبو عمر: سألت

стр. 904

أحمد بن يحيى عنه فقال: أراد بالنونة النقرة التي في ذقنه والتدسيم: التسويد. أراد: سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين" (١). * حكم تلبيس الصبيان الملابس الرثة خوفًا من العين: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفًا من العين فهل هذا جائز؟ قال: الظاهر أنه لا بأس به، لأنه يفعل شيئًا، وإنما ترك شيئًا وهو التحسين والتجميل" (٢). ثم استدل ﵀ بموقف التدسيم لعثمان بن عفان ﵁. ثانيًا: بالنسبة للعائن: ١ - من الطرق المشروعة لاتقاء العين التبريك من العائن إذا رأى ما يعجبه لقول النبي ﷺ لعامر بن ربيعة عندما أصاب سهل بن حنيف: "ألا بركت" (٣). وقوله ﷺ : "إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يعجبه فليدع بالبركة فإن العين حق" (٤). ويفهم من قوله ﷺ "ألا بركت". وقوله: "فليدع بالبركة" أن التبريك لا تضر معه عين العائن وإنما تضر إذا لم يبرك. وليس للتبريك صفة معينة بل يدعو بما فيه بركة.

стр. 905

قال ابن عبد البر: "والتبريك: أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه" (١). وقال ابن عثيمين: "بارك الله عليك" (٢). ومثلها اللهم بارك عليه، أو بارك الله فيه. قال ابن القيم: "ومما يدفع به إصابة العين قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله روى هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: "ما شاء الله" لا قوة إلا بالله"" (٣). ٢ - يجب على من عرف من نفسه ذلك أن يصرف بصره عما يهيج النفس حتى لا يتضرر أحد ويجب عليه أن يكف أذاه أو يلزم بذلك. قال القرطبي: "من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعًا لضرره، وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، ويكف أذاه عن الناس، وقيل إنه ينفى، وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال، فإنه ﵇ لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون الرجل الصالح عائنًا". وقال ابن مفلح: "وللإمام حبس العائن، ذكره في "الترغيب"، وفي "الرعاية": من عرف بأذى الناس حتى بعينه ولم يكف حُبس حتى يموت؛ فظاهره يجب أو يستحب لما فيه من المصلحة وكف الأذى، ونفقته من بيت المال، لكن النبي ﷺ لم يحبسه، وفي "الأحكام السلطانية": للوالي فعله ليدفع ضرره لا للقاضي. قال القاضي عياض: ينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس، ويأمره بلزوم بيته، ويرزقه إن كان فقيرًا، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي ﷺ دخول المسجد، ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر والعلماء بعدم الاختلاط

стр. 906

بالناس، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها، بحيث لا يتأذى بها أحد، قال أبو زكريا النووي: هذا صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه". ٧ - أثر الرقية والاسترقاء على التوكل: الرقية معناها فعل الرقية بنفسه أو بغيره دون طلب. أما الاسترقاء: فهو طلب الرقية. وقد تبين في أول الباب مشروعية الرقى السليمة وأنها من أعظم أسباب الشفاء، لقول النبي ﷺ : "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا" وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهية الرقى معتمدين على حديث ابن عَبَّاسٍ في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أنهم: "الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (١). وبوّب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الطب، قال: باب (من لم يرق) (٢)، ولكن الذي ثبت في الصحيحين لفظ: "هم الذين لا يسترقون" وفي رواية مسلم لفظ "ولا يرقون". قال ابن تيمية: "فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك. قد روي فيه "ولا يرقون" وهو غلط فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة وكان النبي ﷺ يرقي نفسه وغيره ولم يكن يسترفي فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء ولغيره وهذا مأمور به" (٣). وفي التيسير: "قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ : "لا يرقون"، لأن الراقي محسن إلى أخيه. وقد قال ﷺ وقد سئل عن الرقى قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" وقال: "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا"

стр. 907

قال: وأيضا فقد رقى جبريل النبي ﷺ ، ورقى النبي ﷺ أصحابه" (١). وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة: "سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: " ... والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع" .. قلت (٢): والنبي ﷺ لا يجعل ترك الإحسان المأذون فيه سببًا للسبق إلى الجنان، وهذا بخلاف ترك الاسترقاء، فإنه توكل على الله ورغبة عن سؤال غيره، ورضا بما قضاه وهذا شيء وهذا شيء" (٣). ومن هنا فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ذهب إلى التفريق بين "لا يسترقون" وهو طلب الرقية من غيرهم وبين "لا يرقون" وهو فعل الرقية بنفسه أو بغيره من غير طلب وكذلك ابن القيم (٤) وأئمة الدعوة واحتجوا لذلك بالتفريق بين الروايتين فالأصل رواية "لا يسترقون". أما ما ورد في رواية سعيد بن منصور عِنْدَ مسلم "ولا يرقون" فهي غلط (٥). وقد نصر القولَ بزيادة "لا يرقون" الشيخُ سليمانُ بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ورد على من زعم أن المراد لا يرقون بما كان شركا فقال: "ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلا وأيضًا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية على غيره؛ فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركًا" (٦). وقال الشيخ ابن عثيمين: "قراءة الإنسان على نفسه وقراءته على إخوانه المرضى

стр. 908

لا تنافي التوكل وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات، وثبت أنه كان يقرأ على أصحابه إذا مرضوا" (١). ومن مجموع ما سبق نعلم أن الكراهة خاصة بالاسترقاء والاكتواء من بين سائر الأدوية؛ لحديث السبعين ألفًا (٢) وحديث العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" (٣). فالاسترقاء يقدح في تمام التوكل. قال الحافظ: "إن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة عن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه" (٤). وقال الخطابي: "المراد من ذلك ترك الاسترقاء على جهة التوكل على الله والرضا بقضائه وبلائه، وهذه أرفع درجات المحققين للإيمان" (٥). وقال النووي: "والظاهر من معنى الحديث أن هؤلاء كمل تفويضهم إلى الله ، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم، ولا شك في فضيلة هذه الحالة ورجحان صاحبها" (٦). وقد جاءت أحاديث فيها الأمر بالاسترقاء كما في حديث عائشة قالت: "أمرني

стр. 909

النبي ﷺ أو أمر - أن يسترقى من العين" (١). وحديث أم سلمة: "أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بها نظرة"" (٢). وهذا يحمل على الرخصة، والترك يحمل على الكمال، جمعًا بين النصوص، فإعمالها جميعا خير من إهمال بعضها (٣). الركوع انظر باب: "الانحناء". الرمال انظر باب: "الكهانة".

стр. 910

١٣٦ - الرَّهْبَةُ * قال ابن قاسم: "الرهبة: الخوف والفزع" (١). وقال الراغب: "مخافة مع تحرز واضطراب" (٢). وقال ابن عثيمين: "الرهبة هي: الخوف المثمر للهرب من المخوف فهي خوف مقرون بعمل" (٣). وهي من العبادات القلبية. * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. * الدليل من السنة: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأيمَنِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِليَكَ، وَوَجَّهْتُ وَجهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةَ وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ (٤).

стр. 911

١٣٧ - الرياء * [الإخلاص - إرادة الإنسان بعمله الدنيا] الرياء لغة: مصدر راءى يرائي. وهو مشتق من الرؤية. قال ابن فارس: "الراء، والهمزة، والياء، أصل يدل على نظر، وإبصار بعين، أو بصيرة، فالرأي ما يراه الإنسان في الأمر ... وتراءى القوم، إذا رأى بعضهم بعضًا. وراءى فلان يرائي، وفعل ذلك رئاء الناس، وهو أن يفعل شيئًا ليراه الناس" (١). وقال ابن منظور: "راءيت الرجل مراءاة ورياء أي: أريته أني على خلاف ما أنا عليه" (٢).

стр. 912

وفي الشرع: قال ابن حجر: "الرياء هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدوا صاحبها" (١). وقال الجرجاني: "هو ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله فيه" (٢). وقوله: "العمل"، يخص الأعمال الصالحة أما الأعمال الدنيوية فلو عملها ليمدحه الناس فهذا ليس من الرياء. فتعريف الرياء: تحسين العبادة في الظاهر أو إظهارها أو الإخبار عنها بقصد رؤية الناس وكسب الثناء منهم. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨] وقال تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون:٧]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "قال الله ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكتُهُ وَشِرْكَهُ" (٣).

стр. 913

وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ" قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الرِّيَاء، يَقُولُ الله لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" (١). وعن سلمة قال: سمعت جُندبًا يقول: قال النبي ﷺ ولم أسمع أحدًا يقول قال النبي ﷺ غيرَه - فدنوتُ منه فسمعتُه يقول: قال النبي ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يرائي الله به" (٢). وانظر للاستزادة في الأدلة باب (الإخلاص). * أقوال السلف في الرياء: قال يوسف بن الحسين الرازي: "أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهدُ في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر" (٣). وقال ابن الجوزي ﵀: "ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرًا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وقال تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة" (٤). وقال محمد بن زياد: "رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي ويدعو فقال أنت أنت لو كان هذا في بيتك" (٥). وقال الفضيل بن عياض: "من واقى خمسًا فقد وقي شر الدنيا والآخرة العجب والرياء والكبر والإزراء والشهوة" (٦).

стр. 914

وقال الخطابي: "من عمل عملًا على غير إخلاص إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه" (١). وقال ابن الجوزي: "وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء" (٢). وقال الإمام ابن القيم: "لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص - فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه - عامله الله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المخلص يُعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجَّل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانَهُ الله بين الناس، لأنه شان باطنه عند الله" (٣). أحكام وفوائد: ١ - الفرق بين الرياء والسمعة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: "الرياء: مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها. والسمعة: مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر" (٤). وقال أيضًا: "لكن قد يستحب إظهاره ممن يُقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة. قال ابن عبد السلام: يُستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليُقتدى به أو ليُنتفع به ككتابة العلم" (٥).

стр. 915

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع، ويدخل فيه أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس" (١). وفي بيان معنى التسميع المذكور في قوله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به" (٢) قال النووي ﵀: "التسميع: هو أن يعمل لله في الخلوة ثم يحدّث الناس بما عمل ... قال العلماء: فإن كان عالمًا يقتدى به، وذكر ذلك تنشيطا للسامعين ليعملوا به فلا بأس" (٣). وقال أيضًا: "كما أن الرياء محبط للعمل كذلك التسميع" (٤). وبعضهم يدخل السمعة في تعريف الرياء؛ لأن الجزاء واحد وهو حبوط العمل. وقال الصنعاني: "الرياء أن يفعل الطاعة، ويترك المعصية، مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه" (٥). وقال الشيخ ابن عثيمين في الرياء: "ويدخل في ذلك (٦) من عمل العمل ليسمعه الناس ويقال له مسمع وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به" (٧). ٢ - الرياء شرك: يطلق العلماء على يسير الرياء الشرك الأصغر قال المروزي: "وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا
следующие страницы →