← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

١٣٧ - الرياء * [الإخلاص - إرادة الإنسان بعمله الدنيا] الرياء لغة: مصدر راءى يرائي. وهو مشتق من الرؤية. قال ابن فارس: "الراء، والهمزة، والياء، أصل يدل على نظر، وإبصار بعين، أو بصيرة، فالرأي ما يراه الإنسان في الأمر ... وتراءى القوم، إذا رأى بعضهم بعضًا. وراءى فلان يرائي، وفعل ذلك رئاء الناس، وهو أن يفعل شيئًا ليراه الناس" (١). وقال ابن منظور: "راءيت الرجل مراءاة ورياء أي: أريته أني على خلاف ما أنا عليه" (٢).

стр. 912

وفي الشرع: قال ابن حجر: "الرياء هو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس فيحمدوا صاحبها" (١). وقال الجرجاني: "هو ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله فيه" (٢). وقوله: "العمل"، يخص الأعمال الصالحة أما الأعمال الدنيوية فلو عملها ليمدحه الناس فهذا ليس من الرياء. فتعريف الرياء: تحسين العبادة في الظاهر أو إظهارها أو الإخبار عنها بقصد رؤية الناس وكسب الثناء منهم. * الدليل من الكتاب: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [النساء: ٣٨] وقال تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون:٧]. * الدليل من السنة: عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "قال الله ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكتُهُ وَشِرْكَهُ" (٣).

стр. 913

وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ" قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الرِّيَاء، يَقُولُ الله لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً" (١). وعن سلمة قال: سمعت جُندبًا يقول: قال النبي ﷺ ولم أسمع أحدًا يقول قال النبي ﷺ غيرَه - فدنوتُ منه فسمعتُه يقول: قال النبي ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يرائي الله به" (٢). وانظر للاستزادة في الأدلة باب (الإخلاص). * أقوال السلف في الرياء: قال يوسف بن الحسين الرازي: "أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهدُ في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر" (٣). وقال ابن الجوزي ﵀: "ولخوف الرياء ستر الصالحون أعمالهم حذرًا عليها وبهرجوها بضدها، فكان ابن سيرين يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وقال تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة" (٤). وقال محمد بن زياد: "رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي ويدعو فقال أنت أنت لو كان هذا في بيتك" (٥). وقال الفضيل بن عياض: "من واقى خمسًا فقد وقي شر الدنيا والآخرة العجب والرياء والكبر والإزراء والشهوة" (٦).

стр. 914

وقال الخطابي: "من عمل عملًا على غير إخلاص إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه" (١). وقال ابن الجوزي: "وأكثر ما يلبس به إبليس على العباد والزهاد خفي الرياء" (٢). وقال الإمام ابن القيم: "لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص - فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه - عامله الله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المخلص يُعجَّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجَّل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانَهُ الله بين الناس، لأنه شان باطنه عند الله" (٣). أحكام وفوائد: ١ - الفرق بين الرياء والسمعة: قال الحافظ ابن حجر ﵀: "الرياء: مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها. والسمعة: مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر" (٤). وقال أيضًا: "لكن قد يستحب إظهاره ممن يُقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة. قال ابن عبد السلام: يُستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليُقتدى به أو ليُنتفع به ككتابة العلم" (٥).

стр. 915

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع، ويدخل فيه أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس" (١). وفي بيان معنى التسميع المذكور في قوله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به" (٢) قال النووي ﵀: "التسميع: هو أن يعمل لله في الخلوة ثم يحدّث الناس بما عمل ... قال العلماء: فإن كان عالمًا يقتدى به، وذكر ذلك تنشيطا للسامعين ليعملوا به فلا بأس" (٣). وقال أيضًا: "كما أن الرياء محبط للعمل كذلك التسميع" (٤). وبعضهم يدخل السمعة في تعريف الرياء؛ لأن الجزاء واحد وهو حبوط العمل. وقال الصنعاني: "الرياء أن يفعل الطاعة، ويترك المعصية، مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها، أو يحب أن يطلع عليها لمقصد دنيوي من مال أو نحوه" (٥). وقال الشيخ ابن عثيمين في الرياء: "ويدخل في ذلك (٦) من عمل العمل ليسمعه الناس ويقال له مسمع وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: من راءى راءى الله به، ومن سمَّع سمَّع الله به" (٧). ٢ - الرياء شرك: يطلق العلماء على يسير الرياء الشرك الأصغر قال المروزي: "وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا

стр. 916

يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] " (١). يريد بذلك المراءاة بالأعمال الصالحة. وقال ابن القيم: "وأما الشرك الأصغر؛ فكيسير الرياء والتصنع للخلق ... إلخ" (٢). وقال الشيخُ سليمان بن عبد الله: "ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء فدل على أن كثيره أكبر ... " (٣). ومن الأدلة على ذلك حديث معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: "اليسير من الرياء شرك" (٤). وقال ابن عثيمين: "الرياء من الشرك الأصغر؛ لأن الإنسان قصد بعبادته غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثَّل ابن القيم للشرك الأصغر فقال: "مثل يسير الرياء" وهذا يدل على أن الرياء كثيره قد يصل إلى الأكبر" (٥). وتارة يطلقون عليه الشرك الخفي. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "سمي الرياء شركًا خفيًا، لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك الجلي. وفي حديث محمود بن لبيد الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك الأصغر. وعن شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله، الشرك الأصغر رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير في التهذيب. والطبراني والحاكم وصححه. فظاهره أنه من

стр. 917

الأصغر مطلقا، وهو ظاهر قول الجمهور" (١). ودل على تسميته بالشرك الخفي قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ... " (٢). ويسمى أيضًا شرك السرائر لما روى ابن خزيمة عن محمود بن لبيد قال خرج النبي ﷺ فقال: "ثم أيها الناس إياكم وشرك السرائر" قالوا: يا رسول الله، وما شرك السرائر؟ قال: "يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر" (٣). ٣ - الرياء على درجتين (٤): الدرجة الأولى: رياء المنافقين، بأن يظهر الإسلام ويبطن الكفر لأجل رؤية الخلق، وهذا منافٍ للتوحيد من أصله وكفر أكبر بالله ﷻ ؛ ولهذا وصف الله المنافقين بقوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: "إذا كان لا يأتي بأصل العبادة إلا رياء ولولا ذلك ما صلى ولا صام ولا ذكر ولا قرأ القرآن فهو مشرك شركا أكبر وهو من المنافقين الذين قال تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... ﴾ الآية [النساء: ١٤٢] " (٥). وقال الشاطبي: "والثالث: ما يرجع إلى المراءاة فأصل هذا إذا قصد به نيل

стр. 918

المال أو الجاه، فهو الرياء المذموم شرعا وأدهى ما في ذلك فعل المنافقين الداخلين في الإسلام ظاهرا بقصد إحراز دمائهم وأموالهم" (١). الدرجة الثانية: قال الشيخ صالح آل الشيخ: "أن يكون الرجل مسلمًا أو المرأة مسلمةً، ولكن يرائي بعمله أو ببعض عمله، فهذا شرك خفي وذلك الشرك منافٍ لكمال التوحيد، والله - جل وعلا - قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] على قول من قال: إن قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يدخل فيه الشرك الخفي والأصغر" (٢). ٤ - حكم العبادة إذا خالطها الرياء: لقد فصَّل العلماء في حكم العبادة إذا خالطها الرياء، وفيما يلي بعض أقوالهم: قال الإمام ابن القيم ﵀: "الأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول: ما كان لله خالصًا وللسنة موافقًا. والمردود: ما فقد منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عُمِل لوجهه وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها بل يمقتها ويمقت أهلها، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الفضيل بن عياض: "هو أخلص العمل وأصوبه". فسُئِل عن معنى ذلك فقال "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم

стр. 919

قرأ قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ " فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول والعمل لله وحده مقبول فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون الله محضًا ولا للناس محضًا فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله؟ أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاث: أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه فهذا المعول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها أعني قطع ترك استصحاب حكمها. الثاني: عكس هذا وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله ثم يعرض له قلب النية لله فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل ويحتسب له من حين قلب نيته، ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة كالصلاة وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف. الثالث: أن يبتدئها مريدًا بها الله والناس فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس وهذا كمن يصلي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلَّى ولكنه يصلي لله وللأجرة وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال فلان حج، أو يعطي الزكاة كذلك فهذا لا يقبل منه العمل، وإن كانت النية شرطًا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود ولم يؤمر إلا بهذا وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر، وقد دلت السنة الصريحة على ذلك كما في قوله ﷺ : "يقول الله عز وجل

стр. 920

يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به" وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ " (١). وقال الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام، فتارة يكون رياء محضًا، فلا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وكذلك وصف الله الكفار بالرياء المحض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه، ثم ذكر أحاديث تدل على ذلك، منها حديث أبي هريرة السابق، وحديث شداد بن أوس مرفوعًا: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك، فإن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي فمن أشرك بي شيئًا فإن جسده وعمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني" رواه أحمد. وحديث الضحاك بن قيس مرفوعا إن الله يقول: "أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا، فهو لشريكه

стр. 921

أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له ولا تقولوا: هذا لله والرحم فإنها للرحم وليس لله منه شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم وليس لله منه شيء" رواه البزار وابن مردويه والبيهقي بسند قال المنذري: لا بأس به. وحديث أبي أمامة الباهلي أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء له" فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله ﷺ : "لا شيء له"، ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه" خرجه النسائي بإسناد جيد (١)، وخرج الحاكم من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله إنى أقف الموقف أريد به وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا حتى نزلت ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] ومن يروي عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلًا طائفة من السلف منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء"، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافًا وإن كان فيه خلاف عند بعض المتأخرين. فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئًا تم لهم أجرهم"، وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضًا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.

стр. 922

وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره. وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعلًا على الجهاد: إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه فإن أعطي شيئًا أخذه. وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: "إذا جمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما إن أحَدَكُم إن أعطي درهمًا غزا وإن منع درهمًا مكث فلا خير في ذلك". وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسًا وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من أجورهم شيء. وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازي على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى وهو مروي عن الحسن البصري وغيره، ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني أن رجلًا قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم الشهيد؟ قال: "كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا". وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية.

стр. 923

وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أُحدِّث بحديث ولي نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات. ولا يرِد على هذا الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني، فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج، فأما إذا عمل العمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضره ذلك، وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي ﷺ أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن "خرجه مسلم، وخرجه ابن ماجه وعنده "الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه"؛ ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وابن جرير الطبري وغيرهم، وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله الرجل يعمل فيُسِرُّه فإذا اطلع عليه أعجبه فقال: "له أجران أجر السر وأجر العلانية"، ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية" (١). وفي المنثور للزركشي يقول: "والرياء آفة كل عبادة، قال الحليمي: ثبت بالكتاب والسنة أن كل عمل أمكن أن يراد به وجه الله تعالى إذا لم يعمل لمجرد التقرب به إليه وابتغاء رضاه حبط ولم يستوجب ثوابًا، إلا أن فيه تفصيلًا وهو أن العمل إذا كان فرضًا فمن أداه وأراد به الفرض غير أنه أداه بنية الفرض ليقول الناس أنه فعل كذا لا طلبًا لرضا الله سقط عنه الفرض، ولم يؤاخذ به في الآخرة، ولم يعاقب بما يعاقب به تاركًا البتة ولكنه لا يستوجب ثوابًا، وإنما ثوابه ثناء الناس عليه في الدنيا - وإن كان تطوعًا ففعله يريد به وجه الناس فإن أجره يحبط ولا

стр. 924

يحصل من عمله على شيء يكون له كما حصل الأول سقط الفرض ثم العقاب لأجل أنه عمل لغير الله تعالى" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "اتصال الرياء بالعمل على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل كمن قام يصلي لله مراءاة الناس من أجل أن يحمده الناس على صلاته فهذا مبطل للعبادة. الوجه الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة أثنائها: بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل، مثال ذلك رجل عنده مائة ريال يريد أن يتصدق بها فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة، ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقية فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الباقية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص. الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين: الأمر الأول: أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئًا لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم". الأمر الثاني: أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذ تبطل جميع العبادة لأن أولها مرتبط بآخرها. مثال ذلك أن يبتدئ الصلاة مخلصا بها لله تعالى ثم يطرأ عليها الرياء في الركعة الثانية فتبطل الصلاة كلها لارتباط أولها بآخرها. الوجه الثالث: أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها لأنها تمت صحيحة فلا تفسد بحدوث الرياء بعد ذلك. وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، وليس من الرياء أن يسر الإنسان بفعل الطاعة، لأن ذلك دليل

стр. 925

إيمانه قال النبي ﷺ : "من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن". وقد سئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"" (١). وقال الشيخ صالح آل الشيخ: "العلماء فصلوا في ذلك فقالوا: الرياء - إذا عزَّض للعبادة - له أحوال: الحالة الأولى: أن يعرض للعبادة من أولها، فإذا عرض للعبادة من أولها فإن العبادة كلها باطلة، كأن ينشئ الصلاة لنظر فلان، فهو لم يرد أن يصلي، لكن لما رأى فلان ينظر إليه صلى، فهذا عمله حابط يعني أن الصلاة التي صلاها حابطة وهو مأزور على مراءاته ومرتكب الشرك الخفي، الشرك الأصغر. والحالة الثانية: أن يكون أصل العبادة لله، ولكن خلط ذلك العابد عمله رياء، كمن أطال الركوع وأكثر التسبيح وأطال القراءة والقيام لأجل من يراه، فأصل العبادة - والتي كانت لله - له، وما عدا ذلك فهو حابط؛ لأنه راءى في الزيادة على الواجب فيحبط ذلك الزائد وهو آثم عليه، لا يؤجر عليه ولا ينتفع منه ويؤزر على إشراكه وعلى مراءاته في العبادات البدنيه، أما العبادات المالية فيختلف الحال عن ذلك. قوله: "من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه": يعني بجميع أنواع الأعمال؛ لأن "عملًا" في قوله: "من عمل عملًا" نكرة جاءت في سياق الشرط، فعمت جميع الأعمال: الأعمال البدنية، والأعمال المالية، والأعمال التي اشتملت على مال وبدن، فالبدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة والصدقة والمشتملة على بدن ومال: كالحج والجهاد ونحو ذلك، والمقصود من قوله: "من عمل عملًا" أنه أنشأه "أشرك فيه معي غيري" جعله الله جميعًا، فإن الله - جل وعلا - أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل إلا ما كان له وحده " (٢).

стр. 926

٥ - الأمور التي يقع فيها الرياء: الأمور التي يقع فيها الرياء كثيرة، لكنها كلها تدور ضمن خمسة أقسام، هي مجامع ما يتزيّن به العبد للناس، كما يقول أبو حامد الغزالي (١)، وهي: "البدن، والزيّ، والقول، والعمل، والاتباع". قال ابن جزي في القوانين الفقهية: "وما يتعلق بالرياء تسميع الناس بالعمل والتزين للناس بإظهار الخير في القول أو في الفعل أو في اللباس أو غير ذلك" (٢). فأما الرياء بالبدن: فيفعل ما يوهم شدة الاجتهاد في العبادة، والسهر، وقيام الليل، وكل ذلك لتحصيل الثناء من الخلق. وأما الرياء بالزِّي والهَيئَة: فيكون بعدة أمور منها لبس خشن الثياب ولبس الصوف لإظهار التزهد وكسب ثناء الناس بإظهار أنه متبع للسنة، وينبغي أن يفرق بين من فعل ذلك بقصد الاتباع، وبين أن يفعل ذلك بقصد إظهار الاتباع، فالأول محمود يثاب فاعله، والثاني مذموم آثم صاحبه لأنه أراد بعمله مراءاة الخلق. نسأل الله السلامة. والرياء بالقول كثير يصعب حصر أنواعه، فيكون بأمور: كالوعظ، والتذكير، وإظهار الغزارة في العلم، ليقال عالم، أو ليعرف الناس عنه ذلك، وأنه حريص على وعظ الناس وتذكيرهم، فأصبح مقصده أن يعرف الناس عنه ذلك ليحصل ثناءهم وتوفيرهم، وهذا هو الرياء. كما تكون المراءاة بقراءة القرآن ورفع الصوت به، وتسميع الناس به ليقال قارئ، ويثنى عليه بذلك. وهذا الصنف من أول من يقضى عليهم يوم القيامة، ففي حديث أبي هريرة ﵁:

стр. 927

"إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهد فأُتي به فعرّفه نعمته فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. قال كذبن ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار ... " (١). قال ابن تيمية ﵀: "ومنهم من يرفع غيره رياء فيرفع نفسه فيقول: لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان لما بلغني عنه كيت وكيت؛ ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده أو يقول فلان بليد الذهن قليل الفهم وقصده مدح نفسه وإثبات معرفته وإنه أفضل منه" (٢). وقال ابن رجب ﵀ في شرح حديث ما ذئبان جائعان: "وها هنا نكتة دقيقة وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء، وقد نبه عليه السلف الصالح، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: كفى بالنفس إطراء أن تذمها على الملأ كأنك تريد بذمها زينتها، وذلك عند الله سفه" (٣). أما الرياء بالعمل: فصوره كثيرة، كمراءاة المصلي بطول القيام، ومد الظهر، وإطالة السجود، والركوع، وإظهار الخشوع في الصلاة، وتصنع ذلك، لملاحظة العباد له.

стр. 928

كما يكون في الصوم، بإظهار علاماته، وإشعار الحاضرين بأنه صائم ليقال صوام. أو يقول لصاحبه أدعوك اليوم لتفطر معي يريد تعريفه أنه صائم، ويكون في الحج، كمن يحج لتحصيل لقب حاج، ولينال مكانة عند الناس بذلك. ويكون في الصدقة، بإظهارها ليقال: جواد، وليقال: محسن، كما في حديث أبي هريرة المتقدم: " ... ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت ولكنك فعلت ذلك ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار" (١). وكذلك تكون المراءاة بالغزو والجهاد، كمن يقاتل ويجاهد ليقال: مجاهد، أو ليقال شجاع، وكمن يوهم سامعيه أو الحاضرين أنه لقي شيخًا مشهورًا من أهل العلم، وأنه أخذ عنه، لتحصيل الجاه والمنزلة عند الحاضرين (٢). ٦ - بين المرائي والمعجب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب فالرياء من باب الإشراك بالخلق والعجب من باب الإشراك بالنفس وهذا حال المستكبر فالمرائي لا يحقق قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، والمعجب لا يحقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فمن حقق قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ خرج عن الرياء ومن حقق ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرج عن الإعجاب وفي الحديث المعروف ثلاث مهلكات: "شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه"" (٣).

стр. 929

٧ - علاج الرياء: ١ - أن يترك النظر والاهتمام بالناس لا فعلًا ولا تركًا، ويعلم أنهم لا يغنون عنه من الله شيئًا، ويُعوِّد نفسه على أن تكون العبادة خالصة لله وأن تكون سواءً في بيته وعند الناس ولذلك جاء في تعريف الإخلاص أنه "استواء أحوال العبد في الظاهر والباطن" (١). قال الشيخ السعدي ﵀: "وعلى العبد أن يجتهد في تنمية الإخلاص في قلبه وتقويته وذلك بكمال التعلق بالله تألها وإنابة وخوفا ورجاء وطمعا وقصدا لمرضاته وثوابه في كل ما يفعله العبد وما يتركه من الأمور الظاهرة والباطنة فإن الإخلاص بطبيعته يدفع الشرك الأكبر والأصغر وكل من وقع منه نوع من الشرك فلضعف إخلاصه" (٢). ٢ - الإكثار من الدعاء في ذلك فقد جاء حديث أبي بكر: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلمه، وأستغفرك مما لا أعلمه" (٣). ٣ - مشاهدة منة الله عليه وفضله وتوفيقه، وأنه بالله لا بنفسه، فكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته. فحقَّ أن يُراد بالعمل وجهه ولا يهتم بنظر الناس. ٤ - مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره في عمله، وما فيه من حظ النفس، ونصب للشيطان. ٥ - خوف مقت الله تعالى. إذا نظر إليك حال العبادة وأنت تشرك معه غيره. ٦ - تذكير النفس دائما بخطر الرياء وعاقبته ومعرفة مداخله وخفاياه وتذكير النفس أن الله هو خير من يجازي على العمل أما من راءيت من أجله فلا يملك نفعا ولا يدفع ضرا بل قد يتحول مدحه مقتًا وسخطًا. يقول الشيخ السعدي ﵀:

стр. 930

"والرياء آفة عظيمة يحتاج إلى علاج شديد وتمرين النفس على الإخلاص ومجاهدتها في مدافعة خواطر الرياء والأعراض الضارة والاستعانة بالله على دفعها لعل الله يخلص إيمان العبد ويحقق توحيده" (١). ٨ - هل ترك العمل من أجل الناس رياء: قال الفضيل بن عياض: "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما" (٢). جاء في فتاوى اللجنة الدائمة توضيح لقول الفضيل بن عياض ﵀ وهذا نصه: "أما قوله "إن العمل من أجل الناس شرك" فهو صحيح لأن الأدلة من الكتاب والسنة تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وتحريم الرياء وقد سماه النبي ﷺ الشرك الأصغر وذكر أنه أخوف ما يخاف على أمته ﷺ . وأما قوله إن ترك العمل من أجل الناس رياء فليس على إطلاقه بل فيه تفصيل، والمعول على ذلك على النية لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" مع العناية بتحري موافقة الشريعة في جميع الأعمال لقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، فإذا وقع الإنسان حالة ترك فيها العمل الذي لا يجب عليه لئلا يظن به ما يضره فليس هذا من الرياء بل هو من السياسة الشرعية، وهكذا لو ترك بعض النوافل عند بعض الناس خشية أن يمدحوه بما يضره أو يخشى الفتنة به، أما الواجب فليس له أن يتركه إلا لعذر شرعي" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء فنهيه مردود عليه من وجوه:

стр. 931

أحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفا من الرياء بل يؤمر بها وبالإخلاص فيها ونحن إذا رأينا من يفعلها أقررناه وإن جزمنا أنه يفعلها رياء. فالمنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]، فهؤلاء كان النبي ﷺ والمسلمون يقرونهم على ما يظهرونه من الدين وإن كانوا مرائين ولا ينهونهم عن الظاهر لأن الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهار رياء كما أن فساد ترك إظهار الإيمان والصلوات أعظم من الفساد في إظهار ذلك رياء ولأن الإنكار إنما يقع على الفساد في إظهار ذلك رئاء الناس. الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة وقد قال رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم" وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: من أظهر لنا خيرا أحببناه وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك، ومن أظهر لنا شرًا أبغضناه عليه وإن زعم أن سريرته صالحة". الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا مسنونًا قالوا هذا مراء فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم وذمهم فيتعطل الخير ويبقى لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر ولا أحد ينكر عليهم وهذا من أعظم المفاسد. الرابع: أن مثل هذا من شعائر المنافقين وهو يطعن علي من يظهر الأعمال المشروعة قال تعالى: ﴿(٧٨) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩]، فإن النبي ﷺ لما حض على الإنفاق عام تبوك جاء بعض

стр. 932

الصحابة بصرة كادت يده تعجز من حملها فقالوا هذا مراء وجاء بعضهم بصاع فقالوا لقد كان الله غنيًا عن صاع فلان فلمزوا هذا وهذا فأنزل الله ذلك وصار عبرة فيمن يلمز المطيعين لله ورسوله - والله أعلم - " (١). ٩ - مسألة: لو أن هناك إنسان لم يعتد على عمل صالح كقيام الليل وحضر عنده ناس يقومون الليل فقام معهم فهل هذا من الرياء ؟. الجواب: إن هذا ليس من الرياء؛ لأنه ما قام يريد مدحهم، ولكنه نشط لهذه العبادة لما جالسهم يدل على ذلك حديث حنظلة الأسيدي وكان من كُتّاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ (٢) عين فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرًا. فقال رسول الله: "والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة" ثلاث مرات" (٣).

стр. 933

١٣٨ - الزنديق * [النفاق] قال في القاموس المحيط: "الزنديق بالكسر من الوثنية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة، وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان" (١). وقال ثعلب: "ليس في كلام العرب زنديق وإنما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال أي: بدوام الدهر، وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن" (٢). وفي الفتح: "قال أبو حاتم السجستاني وغيره: الزنديق فارسي معرب أصله: "زندة كرداي"، يقول بدوام الدهر لأن زندة الحياة وكرد العمل ... وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية (٣)، كذا قال، وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك، والتحقيق ما

стр. 934

ذكره من صنف في الملل أن أصل الزنادقة أتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك الأول وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس، وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال في قصيدته المشهورة: وكم لظلامِ الليلِ عندكَ من يدٍ ... تُخَبِّرُ أن المانويةَ تكذبُ وكان بهرام جد كسرى تحيل على مانى حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور وقام الإسلامُ والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل" (١). وفي العصر الإسلامي أطلقت هذه الكلمة على كل من أسرَّ الكفر وأظهر الإسلام، وبذا عرّف الإمام أحمد الزنديق في كتابه "الرد على الزنادقة". وقد أطلقت هذه الكلمة على الجهمية والمعتزلة أيضًا وقد أثر عن الإمام أحمد ما يفيد هذا (٢). وكذا تطلق هذه الكلمة على الملاحدة المنكرين وجود الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي ﷺ . وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم. أو كان معطلا جاحدًا للصانع، والمعاد والأعمال الصالحة. ومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي

стр. 935

تكلم الفقهاء في حكمه: هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك أو أسرّه. وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين، وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة فإن الله أخبر بزيادة الكفر كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. وتارك الصلاة وغيرها من الأركان، أو مرتكبي الكبائر. كما أخبر بزيادة عذاب بعض الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]. فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب. فإن كثيرا ممن تكلم في "مسائل الإيمان والكفر" - لتكفير أهل الأهواء - لم يلحظوا هذ الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ومن تدبر هذا علم أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به الرسول ﷺ . وقد يكون منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن" (١). * حكم توبة الزنديق: قال الخرقي: "ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء، وكان بالغًا عاقلًا، دُعي إليه ثلاثة أيام، وضيّق عليه فإن رجع وإلا قتل" ا. هـ قال ابن قدامة ﵀: "الفصل الخامس: أن مفهوم كلام الخرقي أنه إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل أيَّ كُفْرٍ كان، وسواءٌ كان زنديقًا يستسر بالكفر أو لم يكن وهذا مذهب الشافعي والعنبري، ويروى عن علي وابن مسعود وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار أبي بكر الخلال وقال إنه أولى على مذهب أبي عبد الله، والرواية

стр. 936

الأخرى لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته هو قول مالك والليث وإسحاق وعن أبي حنيفة روايتان كهاتين وأخبار أبو بكر أنه لا تقبل توبة الزنديق لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته لأنه كان مظهرًا للإسلام مسرًّا للكفر فإذا وقف على ذلك فأظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الإسلام" (١). وقال أيضًا: "وقول أصحابنا لا تقبل توبة الزنديق معناه لا يسقط عنه القتل الذي توجه عليه لعدم علمنا بحقيقة توبته؛ لأن أكثر ما فيه أنه أظهر إيمانه وقد كان دهره يظهر إيمانه ويستر كفره فأما عند الله فإنها تصح إذا علم منه حقيقة الإنابة وصدق التوبة واعتقاد الحق" (٢). وأما من تكررت ردته فقد قال تعالى: ﴿(١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧]. وفي الجملة: فالخلاف بين الأئمة في قبول توبته في الظاهر من أحكام الدنيا من ترك قتله وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرًا أو باطنًا فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦]. قال شيخ الإسلام: "لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذ أظهر التوبة: هل تقبل توبته فلا يقتل؟ أم يقتل؛ لأنه لا يعلم صدقه؛ فإنه ما زال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه يُستتاب فلا يُقتل، وأفتى الأكثرون بأنه يُقتل وإن أظهر التوبة، فإن كان

стр. 937

صادقًا في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا، وكان الحد تطهيرًا له، كما لو تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لابد من إقامة الحد عليهم؛ فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم، ومن كان كاذبًا في التوبة كان قتله عقوبة له" (١). وفي قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذه الآية أنزلها الله قبل الأحزاب وظهور الإسلام وذل المنافقين فلم يستطيعوا أن يظهروا بعد هذا ما كانوا يظهرونه قبل ذلك قبل بدر وبعدها وقبل أحد وبعدها فأخفوا النفاق وكتموه فلهذا لم يقتلهم النبي، وبهذا يجيب من لم يقتل الزنادقة ويقول إذا أخفوا زندقتهم لم يمكن قتلهم ولكن إذا أظهروها قتلوا بهذه الآية بقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ " (٢).

стр. 938

١٣٩ - زيارة الْقبور * الزيارة من الزَّور والزَّور: أعلى الصدر. وزرت فلانًا: تلقيته بزوري أي بصدري، أو قصدت زوره أي صدره، وزاره يزوره زورًا وزيارة أي عاده (١). والزيارة: معناها هنا قصد زيارة القبر الخروج إلى المنابر. أحكام وفوائد: ١ - زيارة المقابر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: زيارة بدعية وشركية وشرعية، وتفصيلها كما يلي: ١ - زيارة بدعية: وهي التي يشد الرحل إليها أو يصاحبها هجر أو غير ذلك من

стр. 939

البدع كاتخاذها أعيادًا والعكوف عندها، والطواف بها وهي إما بدع كفرية مخرجة من الملة أو هي وسائل للشرك أو بدع محدثة (١). قال ابن القيم: "فبدَّل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم: بدلوا الدعاء للميت بدعائه لنفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به. وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانًا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر، وتذكيرا بالآخرة، سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار" (٢). ٢ - زيارة شركية: وهي التي وقع صاحبها في نوع من أنواع الشرك بالله كدعاء غير الله أو الذبح للقبور أو النذر لهم أو الاستغاثة بهم أو الاستعانة بهم أو الاستعاذة بهم. قال ابن القيم ﵀: "وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذة عن عباد الأصنام. قالوا الميت المعظم، الذي لروحه قربٌ ومنزلةٌ ومزيةٌ عند الله تعالى، لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات. فإذا علَّق الزائر روحه به، وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها. كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقي فيه التفات إلى غيره. وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم، كان أقرب إلى انتفاعه به. وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها.

стр. 940

وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية. فاض عليها منها النور. وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها. وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها. وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه. فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده. وكان ﷺ في شق، وهؤلاء في شق. وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور: هو: الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى. قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المغرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه. وصار بينه وبينه اتصال. يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاهٍ وحظوة وقُربٍ من السلطان. فهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام. وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم. وأباح دماءهم وأموالهم، وسبي ذراريهم. وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم" (١). ٣ - زيارة شرعية: وهي التي شرعها الإسلام بالشرطين التاليين: أ - أن لا يشد الرحال إليها. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله: "لا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إلَّا إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأقصَى" (٢).

стр. 941

ب - أن لا يقول الزائر هجرًا. عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله: "إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة" (١). وفي رواية: "فزوروها ولا تقولوا ما يسخط الرب" (٢). وعن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هُجرًا" (٣). قال مالك: "يعني: لا تقولوا سوءًا" (٤). وقال ابن الأثير: "أي فحشا يقال أهجر في منطقِهِ يُهجَر إهجارًا إذا أفحش وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي" (٥). وقال المناوي: " (هجرًا) بالضم أي: قبيحًا أو فحشًا" (٦). وعن سبب نهيه ﷺ عن زيارة القبور يقول المناوي: "لحدثان عهدكم بالكفر، وأما الآن حيث انمحت آثار الجاهلية واستحكم الإسلام وصرتم أهل يقين وتقوى (فزوروا القبور) أي بشرط أن لا يقترن بذلك تمسح بالقبر أو تقبيل أو سجود عليه أو نحو ذلك" (٧). وقال الألباني: "ولا يخفى أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه، لهو من أكبر الهجر والقول الباطل، فعلى العلماء أن يبينوا لهم حكم الله في ذلك؛ ويفهموهم الزيارة المشروعة والغاية منها" (٨).

стр. 942

وقال الصنعاني ﵀ بعد أن ذكر أحاديث الإذن بزيارة القبور: "والكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان الحكمة فيها وأنها للاعتبار فإنه في لفظ حديث ابن مسعود: "فإنها عبرة وذكر للآخرة والتزهيد في الدنيا" فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعًا" (١). وقال ابن القيم ﵀: "أما زيارة الموحدين: فمقصودها ثلاثة أشياء: أحدها: تذكر الآخرة، والاعتبار، والاتعاظ. وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" (٢). الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسرّ بذلك، فالميت أولى. لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية: من دعاء، أو صدقة، أو أهدى قُربة. ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له. ولهذا شرع النبي للزائرين أن يدعوا لأهل القبور بالمغفرة والرحمة وسؤال العافية، فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا أن يدعوا بهم، ولا يصلّى عندهم. الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ ، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور" (٣). وقسَّم ابن سعدي زيارة القبور إلى نوعين: مشروع وممنوع، فقال ﵀: "أما المشروع فهو ما شرعه الشارع من زيارة القبور على الوجه الشرعي من غير شد رحل، يزورها المسلم متبعا للسنة فيدعو لأهلها عموما ولأقاربه ومعارفه خصوصًا، فيكون محسنا إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم،

стр. 943

ومحسنًا إلى نفسه باتباع السنة وتذكرة الآخرة والاعتبار بها والاتعاظ. وأما الممنوع فإنه نوعان: أحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلي الله بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة. والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم" (١). ٢ - حكم زيارة قبر المشرك: يقول الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀: "ويجوز زيارة قبر من مات على غير الإسلام للعبرة فقط. وفيه حديثان: الأول: عن أبي هريرة قال: "زار النبي قبر أمه، فبكي، وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" (٢). الثاني: عن بريدة "كنا مع النبي في سفر، - وفي رواية -: في غزوة الفتح، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر بن الخطاب، ففداه بالأب والأم، يقول: يا رسول الله ما لك؟ قال: "إني سألت ربي في الاستغفار لأمي. فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا"" (٣). وفي قوله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" قال النووي ﵀: "فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم

стр. 944

بعد الوفاة، لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، ففي الحياة أولى وقد قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار، قال القاضي عياض ﵀: سبب زيارته ﷺ قبرها أنه قصد قوة الموعظة الذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث: فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت" (١). وبالجملة فزيارة القبور جائزة. قال ابن تيمية: "حتى قبور الكفار" (٢). ٣ - حكم زيارة النساء للقبور (٣): عن أبي هريرة ﵁ قال: "لعن رسول الله زوارات القبور" (٤). وعَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" (٥). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور أي: من

стр. 945

النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة" (١). * أقوال العلماء في حكم زيارة النساء للقبور: وفي ذلك خلاف بين أهل العلم على ثلاثة أوجه حكاها النووي (٢) وغيره ونذكرها على وجه التفصيل: أولًا: يباح ويستدل له بحديث عائشة وفيه: قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله. قال: قولي: "السلام على أهل الديار ... " الحديث (٣). وبحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (٤). ويجاب عن هذا بأن: "نهيتكم" ضمير ذكور فلا يدخل فيه النساء على المذهب الصحيح المختار في الأصول (٥). قال ابن حجر: "واختلف في النساء فقيل: دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله إذا أمنت الفتنة. ويؤيد الجواز حديث الباب - وهو ما رواه أنس قال: مر النبي بامرأة تبكي عند قبر. فقال: "اتقي الله واصبري". قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي ﷺ . فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوابين. فقالت: لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروي الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر عبد الرحمن فقيل لها: أليس قد نهى النبي عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها" (٦).

стр. 946

الثاني: يكره. قال ابن عبد البر: "ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات فكيف إلى المقابر" (١). قال ابن حجر: "واختلف من قال بالكرهية في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه" (٢). والمشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أن الكراهة لا تصل إلى التحريم لحديث أم عطية "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" (٣) والقول بكراهة التنزيه يصدق لو كانت أدلة الإباحة صحيحة غير متعقبة، لكنها مع صحتها غير صريحة في الإباحة أو الكراهة. الثالث: تحريمها عليهن. لحديث: "لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور" (٤). وحديث "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" (٥). قال ابن حجر: "وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو (٦) وبحديث: "لعن الله زوارات القبور"" (٧). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا يعارض هذا - أي حديث: "لعن الله زوارات القبور" - حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها" رواه مسلم

стр. 947

وغيره. لأن هذا إن سلم دخول النساء فيه، فهو عام والأول خاص، والخاص مقدم عليه، وأيضا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "وأما الجواب عن حديث المرأة، وحديث عائشة، أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعًا، لكنها أصيبت ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقي في بيتها ولذلك خرجت وجعلت تبكي على القبر مما يدل على أن في قلبها شيئًا عظيمًا لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها ﷺ أن تصبر لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة، فالحديث ليس صريحًا بأنها خرجت للزيارة وإذا لم يكن صريحًا فلا يمكن أن يُعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح. وأما حديث عائشة: فإنها قالت للرسول ﷺ : "ماذا أقول؟ فقال: "قولي السلام عليكم" فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحًا فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها، ﵄ فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا، لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور لكنا ننظر بماذا ستجيبه؟ فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عامًا، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول إن عائشة ﵂ استدلت بلفظ العموم فهي كغيرها من العلماء لا يُعارض

стр. 948

بقولها قول الرسول ﷺ علي أنه روي عنها أنها قالت: "لو شهدتك ما زرتك" وهذا دليل على أنها ﵂ خرجت لتدعو له؛ لأنها لم تشهد جنازته لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء وقال إنها لا تصح عن عائشة ﵂ لكننا نبقي على الرواية الأولى الصحيحة إذ ليس فيها دليل على أن الرسول ﷺ نسخه، وإذا فهمت هي فلا يُعارض بقولها قول الرسول ﷺ " (١). والذي عليه أئمة التحقيق في هذه المسألة: تحريم زيارة النساء للقبور. وقد ألّف الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - رسالة لطيفة سماها "جزء في زيارة النساء للقبور" وجاء فيها: "قال أبو العباس علي بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما نصه: "ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم فيه قولان: وظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي ﷺ زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق علي حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن". وقال صاحب المهذب: "ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور". وقال السيوطي في كتابه: زهر الرّبى على المجتبي للنسائي عند الحديث المتكلم عليه في النهي: "وبقين أي النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن". وقال السندي: "وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر"" (٢).

стр. 949

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله -: "وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط، لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التميز بين نوع ونوع. ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، لأنه ليس في زيارتها إلا دعواها للميت أو اعتبارها به، وذلك ممكن في بيتها" (١). وقال صاحب المرعاة: ""قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهي ورد خاصا بالنساء، والإباحة لفظها عام، والعام لا ينسخه الخاص بل الخاص حاكم عليه ومقيد له". وقال الساعاتي في الفتح الرباني: "قال صاحب المدخل المالكي قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: وذكر هذه الأقوال ثم قال: "اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة الدين بجوازه". وقال العلامة صديق خان القنوجي في كتابه حُسْنُ الأسوة: "الراجح نهي النساء عن زيارة القبور وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثّر الله سوادهم"" (٢). وقال ابن باز ﵀: "ثبت عن رسول الله ﷺ أنه لعن زائرات القبور. من حديث ابن عباس ومن حديث أبي هريرة ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري ﵃ جميعًا. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء للقبور محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر؛ لأن العلماء ذكروا أن

стр. 950

المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من الكبائر. فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط. والسبب في ذلك - والله أعلم - أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب، وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتنّ بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن، وذلك من رحمة الله بعباده ... وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄ قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم الجميع، يعم جميع القبور حتى قبر النبي ﷺ وحتى قبر صاحبيه ﵄. وهذا هو المعتمد من حيث الدليل" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "والصحيح القول الأول - يعني: تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب" (٢). ٤ - حكم زيارة المرأة لقبر النبي ﷺ -: قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين: "لا يشرع للمرأة زيارة قبر النبي ﷺ ، لأنه ﷺ حذر من زيارة المرأة للقبور فقد لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. فعلى هذا لا تزور المرأة قبره ﷺ ، ويكفيها إذا صلت المرأة عليه في مكانها وسلمت عليه في مكانها فإن ذلك يبلغه مهما كان مكانها" (٣).
следующие страницы →