← Акыда

Акыда · id 603

معجم التوحيد

إبراهيم بن سعد أبا حسين

Полный текст (1 832 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الثاني: يكره. قال ابن عبد البر: "ولقد كره أكثر العلماء خروجهن إلى الصلوات فكيف إلى المقابر" (١). قال ابن حجر: "واختلف من قال بالكرهية في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه" (٢). والمشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أن الكراهة لا تصل إلى التحريم لحديث أم عطية "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" (٣) والقول بكراهة التنزيه يصدق لو كانت أدلة الإباحة صحيحة غير متعقبة، لكنها مع صحتها غير صريحة في الإباحة أو الكراهة. الثالث: تحريمها عليهن. لحديث: "لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور" (٤). وحديث "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" (٥). قال ابن حجر: "وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو (٦) وبحديث: "لعن الله زوارات القبور"" (٧). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "ولا يعارض هذا - أي حديث: "لعن الله زوارات القبور" - حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها" رواه مسلم

стр. 947

وغيره. لأن هذا إن سلم دخول النساء فيه، فهو عام والأول خاص، والخاص مقدم عليه، وأيضا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "وأما الجواب عن حديث المرأة، وحديث عائشة، أن المرأة لم تخرج للزيارة قطعًا، لكنها أصيبت ومن عظم المصيبة عليها لم تتمالك نفسها لتبقي في بيتها ولذلك خرجت وجعلت تبكي على القبر مما يدل على أن في قلبها شيئًا عظيمًا لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها ﷺ أن تصبر لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة، فالحديث ليس صريحًا بأنها خرجت للزيارة وإذا لم يكن صريحًا فلا يمكن أن يُعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح. وأما حديث عائشة: فإنها قالت للرسول ﷺ : "ماذا أقول؟ فقال: "قولي السلام عليكم" فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحًا فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها، ﵄ فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا، لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور لكنا ننظر بماذا ستجيبه؟ فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عامًا، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول إن عائشة ﵂ استدلت بلفظ العموم فهي كغيرها من العلماء لا يُعارض

стр. 948

بقولها قول الرسول ﷺ علي أنه روي عنها أنها قالت: "لو شهدتك ما زرتك" وهذا دليل على أنها ﵂ خرجت لتدعو له؛ لأنها لم تشهد جنازته لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء وقال إنها لا تصح عن عائشة ﵂ لكننا نبقي على الرواية الأولى الصحيحة إذ ليس فيها دليل على أن الرسول ﷺ نسخه، وإذا فهمت هي فلا يُعارض بقولها قول الرسول ﷺ " (١). والذي عليه أئمة التحقيق في هذه المسألة: تحريم زيارة النساء للقبور. وقد ألّف الشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله - رسالة لطيفة سماها "جزء في زيارة النساء للقبور" وجاء فيها: "قال أبو العباس علي بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما نصه: "ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم فيه قولان: وظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي ﷺ زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق علي حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن". وقال صاحب المهذب: "ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور". وقال السيوطي في كتابه: زهر الرّبى على المجتبي للنسائي عند الحديث المتكلم عليه في النهي: "وبقين أي النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جزعهن". وقال السندي: "وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر"" (٢).

стр. 949

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله - رحمهما الله -: "وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط، لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التميز بين نوع ونوع. ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، فتحرم سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة، لأنه ليس في زيارتها إلا دعواها للميت أو اعتبارها به، وذلك ممكن في بيتها" (١). وقال صاحب المرعاة: ""قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهي ورد خاصا بالنساء، والإباحة لفظها عام، والعام لا ينسخه الخاص بل الخاص حاكم عليه ومقيد له". وقال الساعاتي في الفتح الرباني: "قال صاحب المدخل المالكي قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: وذكر هذه الأقوال ثم قال: "اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان، أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة الدين بجوازه". وقال العلامة صديق خان القنوجي في كتابه حُسْنُ الأسوة: "الراجح نهي النساء عن زيارة القبور وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثّر الله سوادهم"" (٢). وقال ابن باز ﵀: "ثبت عن رسول الله ﷺ أنه لعن زائرات القبور. من حديث ابن عباس ومن حديث أبي هريرة ومن حديث حسان بن ثابت الأنصاري ﵃ جميعًا. وأخذ العلماء من ذلك أن الزيارة للنساء للقبور محرمة؛ لأن اللعن لا يكون إلا على محرم، بل يدل على أنه من الكبائر؛ لأن العلماء ذكروا أن

стр. 950

المعصية التي يكون فيها اللعن أو فيها وعيد تعتبر من الكبائر. فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط. والسبب في ذلك - والله أعلم - أنهن في الغالب قليلات الصبر، فقد يحصل منهن من النياحة ونحوها ما ينافي الصبر الواجب، وهن فتنة، فزيارتهن للقبور واتباعهن للجنائز قد يفتتن بهن الرجال وقد يفتنّ بالرجال، والشريعة الإسلامية الكاملة جاءت بسد الذرائع المفضية إلى الفساد والفتن، وذلك من رحمة الله بعباده ... وقول بعض الفقهاء: إنه استثني من ذلك قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄ قول بلا دليل، والصواب أن المنع يعم الجميع، يعم جميع القبور حتى قبر النبي ﷺ وحتى قبر صاحبيه ﵄. وهذا هو المعتمد من حيث الدليل" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "والصحيح القول الأول - يعني: تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب" (٢). ٤ - حكم زيارة المرأة لقبر النبي ﷺ -: قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين: "لا يشرع للمرأة زيارة قبر النبي ﷺ ، لأنه ﷺ حذر من زيارة المرأة للقبور فقد لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. فعلى هذا لا تزور المرأة قبره ﷺ ، ويكفيها إذا صلت المرأة عليه في مكانها وسلمت عليه في مكانها فإن ذلك يبلغه مهما كان مكانها" (٣).

стр. 951

١٤٠ - السؤال الأصل في السؤال والطلب أن يتوجه به إلى الله وحده القادر على كل شيء لقول الرسول ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله"، فإذا سألت غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك والعياذ بالله وهذا الباب يشبه باب (الدعاء) فيراجع هناك أيضا. * الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. * الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، اخفَظْ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظْ الله تَجِدُه تُجاهكَ، إِذَا سَألتَ فَاسْأَلْ الله، وَإِذَا اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتبَه الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بشيءٍ قَدْ كَتبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَت الأَقْلَامَ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" (١). وعن ابن مسعود مرفوعًا: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج" (٢). وقد جاء في النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة. منها حديث قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلالِيِّ قَالَ: "تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَسْألهُ فِيهَا فَقَالَ: "أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَة فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا" قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ إِن الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّت لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ

стр. 952

يُمْسِك، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِن عَيشٍ -، وَرَجُلٌ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّت لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ - أوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيشِ -، فَمَا سِوَاهُنَّ مِن الْمَسْأَلةِ يَا قَبيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صاحِبُهَا سُحْتًا"" (١). وعن أبي العالية عن ثوْبَانُ قَالَ: وكان ثوبانُ مَوْلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن تَكَفَّلَ لِي أَن لا يَسْأَل الناس شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ" فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لا يَسْألُ أَحَدًا شَيْئًا (٢). وعَنْ سَمُرَةَ بن جندب عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَي وَجْههِ وَمَن شَاءَ تَرَكَ إِلّا أَنْ يَسْأَل الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ يَجِدُ مِنهُ بُدًّا" (٣). وعَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الأمِينُ أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأشْجَعِيُّ قَالَ: "كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ الله تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟ " وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ الله؟ " فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله - ثُمَّ قَالَ: "أَلا تُبَايعُونَ رَسُولَ الله؟ " قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ الله، فَعَلام نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "عَلَى أَن تَعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وَتطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْألوا النَّاسَ شَيئًا" فَلَقَدْ

стр. 953

رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأل أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ" (١). وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "كَانَ رُبَّمَا سَقَطَ الْخِطَامُ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ فَيَضْرِبُ بِذِرَاعِ نَاقَتِهِ فَيُنِيخُهَا فَيَأْخُذُهُ قَالَ فَقَالُوا لَهُ: أَفَلا أَمَرْتَنَا نُنَاوِلُكَهُ فَقَالَ: إِنَّ حَبِيبِي رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَنِي أَنْ لا أَسْأَل النَّاسَ شَيْئًا" (٢). وعَنْ أَبِي قتادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ قَالا أتَيْنَا عَلَي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فقلنا هل سمعت من رسول الله شيئا قَالَ نعم، سمعته يقول: "إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لله إِلَّا بدّلكَ الله به ما هو خَيْر لك مِنْهُ" (٣). • ذم سؤال الخلق: يقول شيخ الإسلام: "وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلا على الله أفضل" (٤). وعلل ذلك بقوله: "فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاثة مفاسد: ١ - مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك. ٢ - ومفسدة إيذاء المسئول وهي من نوع ظلم الخلق. ٣ - وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس. فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة" (٥). والضرورة التي أبيحت لأجلها المسألة، يوضحها حديث قبيصة السابق (٦). وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "والمسألة في الأصل حرام. وإنما أبيحت

стр. 954

للحاجة والضرورة؛ لأنها ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤل، وظلم في حق السائل" (١). قال زين الدين بن رجب: "واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهارُ الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضارّ، ولا يصح الذلُّ والافتقار إلا للهُ وحده؛ لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد ﵀ يدعو: "اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك"" (٢). وقال ابن عثيمين: "إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد، لأن من أذل وجهه لأحد فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه إذا اضطر إلى أن يجيبه ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ازهد فيما عند الناس يحبك الناس" (٣)، فالسؤال أصلا مكروه إلا لحاجة" (٤). وقال ابن تيمية في الاستغاثة: "وأما نفس سؤال الناس، فسؤالهم في الأصل محرم بالنصوص المحرمة له، وإنما يباح عند الضرورة. وتنازع العلماء هل يجب سؤالهم عند الضرورة؟ فالمنصوص عن أحمد أنه لا يجب سؤال الخلق، مع إيجابه مع غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم الأكلَ من الميتة عند الضرورة، فإن الله لم يوجب سؤال الخلق، بل قد وصى النبي ﷺ طائفة من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا فكان أحدهم إذا سقط سوطه لا يقول لأحد ناولني إياه، منهم أبو بكر الصديق ﵁

стр. 955

وصاحب الفاقة إذا سأل الله تعالى أنزلها بالغني المليّ العليم القدير وقيل يجب السؤال، وهذا منقول عن الثوري وهو اختيار أبي الفرج بن الجوزي" (١). وقال ابن عثيمين: "فأما سؤال ما يسوغ مثله من العلم فليس من هذا الباب لأن المخبر لا ينقص الجواب من علمه بل يزداد بالجواب والسائل محتاج إلي ذلك قال ﷺ : "هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال" ولكن من المسائل ما ينهى عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وكنهيه عن أغلوطات المسائل ونحو ذلك" (٢). * حكم سؤال الغير أن يدعو له: عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة فأذن لي. وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا" (٣). وفي حديث عكاشة المشهور قال: "ادع الله أن يجعلني منهم" فقال: "أنت منهم". وفي رواية البخاري: "فقال اللهم اجعله منهم". وكذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري مثله. وفي بعض الروايات أنه قال: "منهم أنا يا رسول الله؟ " قال: "نعم". قال الحافظ: ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا، فدعا له ثم استفهم هل أجيب؟ وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: "وفيه طلب الدعاء من الفاضل" (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له وإن كان الداعي دون المدعو له، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له" (٥).

стр. 956

وقال أيضًا: "ويشرع للمسلم أن يطلب الدعاء من فوقه وممن هو دونه، فقد روي طلب الدعاء من الأعلى والأدنى" (١). وقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن طلب الدعاء من شخص يُرجي فيه الصلاح فقال: "طلب الدعاء من شخص ترجى إجابة دعائه: إن كان لعموم المسلمين فلا بأس به مثل أن يقول شخص لآخر: ادع الله أن يعز المسلمين وأن يصلح ذات بينهم، وادع الله أن يصلح ولاتهم وما أشبه ذلك. أما إذا كان خاصًا بالشخص السائل الطالب من أخيه أن يدعو له فهذا قد يكون من المسألة المذمومة إلا إذا قصد الإنسان بذلك نفع أخيه الداعي له؛ وذلك لأن أخاه إذا دعا له بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله. وكذلك إذا دعا له أخوه فإنه قد أتى إحسانًا إليه، والإحسان يثاب عليه، فينبغي عليه أن يلاحظ من طلب من أخيه أن يدعو له فائدة الأخ الداعي. علي أن طلب الدعاء من الغير قد يترتب عليه مفسدة، وهي أن هذا الغير يعجب بنفسه ويرى أنه أهل لإجابة الدعاء، وفيه أيضًا: أن هذا الطالب من الغير أن يدعو له قد يعتمد على دعاء المطلوب فلا يلح هو على ربه بالدعاء؛ بل يعتمد علي دعاء غيره، وكلا المفسدتين شر. والذي أنصح به إخواني أن يكونوا هم الذين يدعون الله ؛ لأن الدعاء عبادة، والدعاء مصلح للقلب، لما فيه من الالتجاء إلى الله والافتقار إليه" (٢). * فائدة: قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: "وما جاءه من مال بلا إشراف نفس ولا مسألة وجب أخذه، نقله جماعة منهم الأثرم والمروذي. قال في رواية الأثرم: إذا

стр. 957

جاءه من غير مسألة ولا إشراف كان عليه أن يأخذه لقول النبي ﷺ : "خذ" ثم ذكر الحديث، ثم قال: ينبغي أن يأخذه، ويضيق عليه إذا لم يكن له إشراف أن يرده" (١). وقال: "فإن استشرفت نفسه إليه، فنقل عنه عبد الله: لا بأس أن يردها، وكذا نقل الكحال عنه: إن شاء رده، وكذا نقل محمد بن يوسف: له أن يردها. ونقل المروذي: فإن استشرفت نفسه ردها، وقال له الأثرم: فليس عليه أن يرده كما يرد المسألة قال: ليس عليه، ونقل عنه أبو داود: ولا بأس أن يردها، قال أبو داود: وكأنه اختار الرد، ونقل عنه إسحاق بن إبراهيم: لا يأخذه. وذكر القاضي أبو الحسين: أنه لا تختلف الرواية أنه لا يحرم لعدم المسألة وقال في الرعاية: كره له أخذه ولم يحرم، وقيل: له أَخذُه، وَرَدُّهُ أولى ... واستشراف النفس أن تقول: سيبعث لي فلان، أو لعله يبعث لي، وإن لم يتعرض أو يعرض بقلبك عسي أن يفعل، نص عليه. وذكر أحمد حديث عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال له: "إذا أتاك من هذا المال من غير مسألة، ولا استشراف نفس فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك"" (٢). * فائدة أخرى: قال الإمام ابن مفلح المقدسي: "ولا بأس بمسألة الماء، نص عليه واحتج بأن النبي ﷺ مر بقربة معلقة فاستسقى، فشرب. ونقل أبو داود عنه وسئل الرجل يكون بين الناس عطشان فلا يستسقي - وأظنه قال: في الورع - ما يكون؟ قال: أحمق، نقل جعفر عن أحمد في الرجل يستعير الشيء لا يكون مسألة" (٣).

стр. 958

١٤١ - السؤال بالله * * الدليل من السنة: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ اسْتَعَاذ بِاللهِ فَأَعِيذُوه، وَمَنْ سَأَلكُمْ بِالله فَأَعْطُوه، وَمَنْ اسْتَجَارَ باللهِ فَأَجِيرُوه، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوه، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ" (١). وهذا الحديث أصل الباب فمن تعظيم الله إعطاء من سأل بالله وإعاذة من استعاذ بالله وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" (٢). قال الطيبي في معني حديث ابن عمر: "أي: من استعاذ بكم وطلب منكم دفع شركم أو شر غيركم قائلًا بالله عليك أن تدفع عني شرك فأجيبوه وادفعوا عنه الشر تعظيما لاسم الله تعالى فالتقدير من استعاذ منكم متوسلا بالله مستعطفا به ويحتمل أن يكون الباء صلة استعاذ أي من استعاذ بالله فلا تتعرضوا له بل أعيذوه وادفعوا عنه الشر" (٣). وقال الصنعاني: "والحديث دليل على أن من استعاذ بالله من أي أمر طلب منه غير واجب عليه فإنه يعاذ ويترك ما طلب منه أن يفعل وأنه يجب إعطاء من سأله بالله ... فمن سأل من المخلوقين بالله شيئًا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيا عن إعطائه" (٤).

стр. 959

أحكام وفوائد: ١ - أقسام السؤال بالله: قال ابن عثيمين: "والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين: أحدهما: السؤال بالله بالصيغة مثل أن يقول: أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك: "أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرًا". الثاني: السؤال بشرع الله أي يسأل سؤالا يبيحه الشرع كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم وما شابه ذلك" (١). ٢ - حكم السؤال بالله: قال الشيخ ابن عثيمين: "السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدًا شيئًا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي ﷺ أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا .. فالسؤال أصلًا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة" (٢). ٣ - حكم إجابة السؤاك بالله: جاء في الحديث قوله ﷺ : "من سأل أي بالله فأعطوه" (٣) والمعني أي: أعطوه ما سأل ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم وفي هذا الأمر بإعطاء من سأل بالله وعدم رده وأن ذلك من كمال التوحيد فلا يرد من سأل بالله إجلالا لله وتعظيمًا له. قال ابن عثيمين: "الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا علي المسؤول لأن في إعطائه إجابة لحاجته وتعظيما لله الذي سأل به" (٤). وقال الشيخ ابن قاسم: "لأن منع من سأل بالله، أو بوجه الله من عدم إعظام الله

стр. 960

وإجلاله وقد جاء الوعيد على ذلك" (١)، ويقصد بالوعيد ما جاء في حديث أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا" (٢). وقال ابن عثيمين: "حكم رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسؤول والسائل" (٣). وقال ﵀: "أن يسأل بالله فهذا تجيبه، وإن لم يكن مستحقا، لأنه سأل بعظيم فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، فإنه لا يجاب" (٤). والمشهور عن الفقهاء أن من سأل بالله استحب إجابته وكره رده. قال النووي في الأذكار: "يكره منع من سأل بالله وتشفع به" (٥). وقال ابن قدامة: "ويستحب إجابة من سأل بالله لما روى ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (٦). وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، أما الذين يحبهم الله فرجل سأل قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فتخلف

стр. 961

رجل بأعقابهم فأعطاه سرًا لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام يتملقني ويتلوا آياتي، ورجل كان في سرية فلقوا العدو فهزموا فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله الشيخ الزاني والفقير المختال والغني الظلوم (١) "" (٢). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "الأحاديث السابقة دالة علي إجابة من سئل بالله أو أقسم به ولكن قال شيخ الإسلام: إنما تجب على معين فلا تجب علي سائل يقسم علي الناس، وظاهر كلام الفقهاء أن ذلك مستحب كإبرار القسم والأول أصح" (٣). ومراد شيخ الإسلام ﵀ بحالة الوجوب: أن يتوجه السؤال المعين في أمر معين يعني: ألا يكون السائل سأل عددًا من الناس بالله، ليحصل على شيء فلهذا لم يدخل فيه السائل الفقير الذي يأتي فيسأل هذا ويسأل هذا، كما لم يدخل فيه من يكون كاذبًا في سؤاله (٤). ٤ - إجابة من أقسم عليك بالله: ذكر الجصاص ﵀ حديث البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع منها: "إبرار القسم" (٥) ثم قال: "وهذا يدل على مثل ما دل عليه قوله ﷺ من سألكم بالله فأعطوه" (٦). وقال الفاكهاني في شرح عمدة الأحكام في كتاب اللباس في شرح قوله ﷺ : "وإبرار القسم": "والمقسم به فيه معنيان: أحدهما أن الحالف إذا حلف على شيء

стр. 962

مأمور أن يبر في يمينه؛ وهذا لا خلاف في وجوبه أو ما يقوم مقام الوفاء بذلك وهو الكفارة. الثاني: أن يكون المراد أن تبر يمين من حلف عليك وهذا على قسمين: تارة يشوبه معنى السؤال كقوله بالله إلا ما فعلت كذا. وتارة لا يشوبه كأن يقول: والله لتفعلن ونحو ذلك. وسواء في هذا الإثبات والنفي وهو مندوب في الوجهين أن يبر قسمه لكنه يتأكد في الثاني لوجوب الكفارة عليه دون الأول وذلك إضرار به. وهذا كله مع عدم المعارض الشرعي فإن وجد معارض عمل بمقتضاه كما ثبت أن أبا بكر ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرته ﷺ فقال: "أصبت بعضا وأخطأت بعضًا" فقال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني، فقال: "لا تقسم" ولم يخبره" (١). قال ابن قدامة: "وثبت أن النبي ﷺ أمر بإبرار المقسم رواه البخاري وهذا والله أعلم على سبيل الندب لا على سبيل الإيجاب بدليل أن أبا بكر قال: قال: أقسمت عليك يا رسول الله ﷺ لتخبرني بما أصبت مما أخطأت فقال النبي ﷺ : "لا تقسم يا أبا بكر ولم يخبره" ولو وجب عليه إبراره لأخبره ويحتمل أنه يجب عليه إبرار إذا لم يكن فيه ضرر ويكون امتناع النبي ﷺ من إبرار أبي بكر لما علم من الضرر فيه وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذر المعنى فحسن فإنه روى عن النبي ﷺ أن العباس جاءه برجل ليبايعه على الهجرة فقال النبي ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح" وقال العباس: أقسمت عليك يا رسول الله ﷺ لتبايعنه فوضع النبي ﷺ يده في يده وقال: "أبررت قسم عمي ولا هجرة" وأجابه إلى صورة المبايعة دون ما قصد بيمينه" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب إبرار القسم على معين" (٣).

стр. 963

١٤٢ - السؤال بالجاه أو بالحق * سؤال الله تعالى بجاه فلان أو حرمته توسل بدعي ممنوع كما بينا في باب التوسل. قال ابن تيمية: "فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونقل عن بعضهم جوازه" (١). وممن منعه أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما من أئمة الحنفية، قال الإمام ابن القيم: "قال أبو الحسين القدوري في شرح كتاب الكرخي: قال بشرُ بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. قال: وأكره أن يقول: أسألك بمَعْقِدِ العز من عرشك. وأكره أن يقول: بحقِّ فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام". قال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم؛ لأنه لا حق لغير الله عليه وإنما الحق لله علي خلقه. وقال ابن بلدَجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك؛ لأنه لا حقّ للمخلوق علي خالقه، أو يقول في دعائه: أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن أبي يوسف جوازه. وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه "أكره كذا" هو عند محمد حرام. وعند أبي

стр. 964

حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم فيه أغلب" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال أبو يوسف: وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام" (٢).

стр. 965

١٤٣ - السؤال بوجه الله * وجه الله صفة ذاتية ثابتة لله في كتابه وأحاديث نبيه محمد ﷺ . قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢]. وقال قوّام السنة الأصفهاني: "ذكر إثبات وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] " (١). وجاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ حين قَالَ له رَسُولُ الله ﷺ : "وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ الله إِلا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ" (٢). وورد النهي عن السؤال بوجه الله الكريم الأمورَ الحقيرةَ وحوائجَ الدنيا إجلالا لله وتعظيما له سبحانه ولا يستثني من ذلك إلا الجنة التي هي غاية المطالب لشرفها وعظمها ويستثنى كذلك ما هو وسيلة إلى الجنة (٣). وإذا سأل بوجه الله غير الجنة وما يقرب إليها فهذا ينافي كمال التوحيد الواجب. * الدليل من السنة: عَنْ جَابرٍ بن عبد الله ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يُسْأل بِوَجْهِ الله إِلا الْجَنَّةُ" (٤). وقال الطيبي: "أي لا تسألوا من الناس شيئا بوجه الله مثل أن تقولوا أعطني

стр. 966

شيئا بوجه الله أو بالله فإن اسم الله أعظم من أن يسأل به متاع الدنيا بل اسألوا به الجنة أو لا تسألوا الله متاع الدنيا بل رضاه والجنة" (١). وفي المعجم الكبير عن أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع أن رسول الله ﷺ قال: "ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجهه فمنع سائله" (٢). وعن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا" (٣). قال الصنعاني: "هجرًا بضم الهاء وسكون الجيم أي أمرا قبيحا لا يليق ويحتمل ما لم يسأل سؤالا قبيحا أي بكلام يقبح ولكن العلماء حملوا هذا الحديث علي الكراهة ويحتمل أنه يراد به المضطر ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله أقبح وأفظع ويحمل لعن السائل علي ما إذا ألحَّ في المسألة حتى أضجر المسؤول" (٤). وقال في مغني المحتاج: "يكره للإنسان أن يسأل بوجه الله غير الجنة وأن يمنع من يسأل بالله وتشفع به لخبر: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" (٥). وقد بوب لها أبو داود والبيهقي بقوله: "باب: كراهية المسألة بوجه الله ". قال في عون المعبود: "إذ كل شيء أحقر دون عظمته تعالى والتوسل بالعظيم في الحقير تحقير له" (٦). وسئل الشيخ ابن عثيمين عن المراد بقول النبي ﷺ : "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" فأجاب ﵀ بقوله: "اختلف في المراد به علي قولين:

стр. 967

القول الأول: أن المراد لا تسألوا أحدًا من المخلوقين بوجه الله فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين لا تسأله بوجه الله، لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون علي إعطاء الجنة، فإذًا لا يسألون بوجه الله مطلقًا. القول الثاني: أنك إذا سألت الله فإن كان الجنة وما يستلزم دخولها فاسأل بوجه الله، وإن كان من أمور الدنيا فلا تسأل بوجه الله، فأمور الآخرة تسأل بوجه الله كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار. والنبي ﷺ ، استعاذ بوجه الله لما نزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: أعوذ بوجهك: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال هذه أهون أو أيسر. ولو قيل إنه يحتمل المعنيين جميعًا لكان له وجه" (١). قال الشيخ سليمان بن عبد الله: "والظاهر أن كلا المعنيين صحيح" (٢). • مسألة: قول "يا وجه الله ": سُئل عنها المفتي محمد بن إبراهيم فأجاب: "ما تنبغي وممكن مقصودهم الذات" (٣). * مسألة: يشكل علي هذا ورود أحاديث فيها سؤال بوجه الله لأمور غير الجنة. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: "وهنا سؤال: وهو أنه قد ورد في دعاء النبي ﷺ عند مُنصرفه من الطائف، حين كذَّبه أهل الطائف ومن في الطائف من أهل مكة، فدعا ﷺ بالدعاء المأثور "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني علي الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَنْ تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملَّكته أمري؟ إن لم يك بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غبت أن

стр. 968

عافيتك هي أوسعُ لي"، وفي آخره: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة: أن يَحُلَّ عليَّ غضبُك، أو ينزل بي سخطك، لك العُتبى حتى ترضي، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١) والحديث المروي في الأذكار "اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد - وفي آخره - أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض" (٢). وفي حديث آخر "أعوذ بوجه الله الكريم، وباسم الله العظيم وبكلماته التامة، ومن شر السّامة واللّامة، ومن شر ما خلقت أي ربِّ، ومن شر هذا اليوم ومن شر ما بعده ومن شر الدنيا والآخرة" وأمثال ذلك في الأحاديث المرفوعة بالأسانيد الصحيحة أو الحسان. فالجواب: أنَّ ما ورد من ذلك فهو في سؤال ما يُقرِّب إلى الجنة، أو ما يمنعه من الأعمال التي تمنع من الجنة، فيكون قد سأل بوجه الله وبنور وجهه ما يُقرِّبُ إلى الجنة؛ كما في الحديث الصحيح "اللهم إني أسألك الجنة وما يقرب إليها من قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل". بخلاف ما يختصُّ بالدنيا، كسؤاله المال والرزق والسعة في المعيشة رغبةً في الدنيا، مع قطع النظر عن كونه أراد بذلك ما يعينه على عمل الآخرة فلا ريب أن الحديث يدلُّ علي المنع من أن يسأل حوائج دنياه بوجه الله. وعلي هذا: فلا تعارض بين الأحاديث، كما لا يخفي، والله أعلم" (٣).

стр. 969

١٤٤ - سب الأنبياء والملائكة * السب: الشتم (١). وقال في مختار الصحاح: "السب: الشتم والقطع والطعن" (٢). والشتم: قبيح الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف بحق المسبوب ويرجع معرفة الأذى والسب والشتم إلى العرف وله أنواع متعددة (٣). قال إبراهيم الحربي: "السباب: فوق الشتم وهو أن يقول الرجل ما فيه وما ليس فيه ويعيبه بذلك" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هو الكلام الذي يُقصد به الانتقاص والاستخفاف وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس علي اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح وهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] " (٥). • حكم سب الأنبياء والملائكة: قال مالك: "من سب أحدا من الأنبياء والرسل أو جحد ما أنزل عليه أو جحد منهم أحدا أو جحد ما جاء به فهو بمنزلة من سب رسول الله ﷺ ، يُصنع فيه ما يصنع فيه هو؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ

стр. 970

كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة:١٣٦]، ثم قال تعالى علي أثرها: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧]، وقال في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] " (١). قال محمد بن عبد الحكم: "أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سبَّ النبي ﷺ أو غيره من النبيين مسلمًا كان أو كافرًا، قُتِل ولم يُستَتَب" (٢). وقال القاضي عياض: "وحكم من سب أنبياء الله تعالى وملائكته، واستخف بهم أو كذبهم فيما أتوا به، أو أنكرهم وجحدهم، حكم نبينا ﷺ " (٣). وقال شيخ الإسلام: "والحكم في سب سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كالحكم في سب نبينا ﷺ ، فمن سب نبيًا مسمي باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة - مثل أن يذكر في حديث أن نبيا فعل كذا أو قال كذا، فيسب ذلك القائل أو الفاعل، مع العلم بأنه نبي، وإن لم يعلم من هو، أو يسب نوع الأنبياء على الإطلاق - فالحكم في هذا كما تقدم؛ لأن الإيمان بهم

стр. 971

واجب عموما، وواجب الإيمان خصوصا بمن قصه الله علينا في كتابه، وسبهم كفر وردة إن كان من مسلم، ومحاربة إن كان من ذمي" (١). وعند النظر في قوله: "فمن سب نبيًا مسمي باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة" تعلم أن هذا الحكم خاص بمن قُطع بنبوته أو بأنه من الملائكة وأما من اُختُلِف فيه فلا يتناوله ذلك الحكم. قال شيخ الإسلام: "ولا ريب أن جرم سابِّه أعظم من جرم سابِّ غيره كما أن حرمته أعظم من حرمة غيره، وإن شاركه سائر إخوانه من النبيين والمرسلين في أن سابَّهم كافر محارب حلال الدم، فأما إن سبَّ نبيًا غير معتقدٍ لنبوته فإنه يُستتاب من ذلك إذا كان ممن علمت نبوته بالكتاب والسنة؛ لأن هذا جحد لنبوته إن كان ممن يجهل أنه نبي فإنه سبّ محض فلا يقبل قوله إني لم أعلم أنه نبي" (٢). وقال القاضي: "فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه، ولا وقع الإجماع علي كونه من الملائكة أو الأنبياء ... فليس الحكم في سابِّهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه، إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة، ولكن يزجر من تنقصهم وآذاهم، ويؤدب بقدر الحال المقول فيهم، لا سيما من عرفت صدِّيقَيَّتَهُ وفضله منهم، وإن لم تثبت نبوته، وأما إنكار نبوتهم أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، فإن عاد أُدِّب، إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا، وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العلم فكيف للعامة" (٣).

стр. 972

١٤٥ - سب أمهات المؤمنين * يقول الإمام إسماعيل الصابوني ﵀، ضمن ذكره لعقيدة أهل السنة والجماعة: "وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅ والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين" (١). وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤]. "هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، خرج مخرج الغالب، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵂، وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن" (٢). * حكم سب عائشة ﵂ -: قال شيخ الإسلام: "فأما من سبَّ أزواج النبي ﷺ فقال القاضي أبو يعلي: من

стр. 973

قذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكي الإجماع علي هذا غير واحد. وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم، فرُوي عن مالك: من سب أبا بكر جُلد، ومن سب عائشة قُتل. قيل له: لِمَ؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن؛ لأن الله تعالى قال ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ " (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين ﷺ في الدنيا والآخرة، كما صح ذلك عنه، فهو من ضرب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين ولسان حال رسول الله ﷺ يقول: يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن آذاني في أهلي ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨] فأين أنصار دينه ليقولوا: نحن نعذرك يا رسول الله" (٢). كما أن الطعن بها ﵂ فيه تنقيص برسول الله ﷺ من جانب آخر، حيث قال الله : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ... ﴾ والآيات [النور: ٢٦]. • حكم قذف بقية أمهات المؤمنين: القول في قذف سائر زوجات النبي ﷺ كالقول في سب عائشة ﵂. قال القاضي عياض: "ومن سب غير عائشة من أزواج النبي ﷺ ففيها قولان:

стр. 974

أحدهما: يقتل؛ لأنه سبّ النبي ﷺ بسبِّ حليلته. والآخر: أنها كسائر الصحابة؛ يُجلد حدّ المفتري؛ قال (١): وبالأول أقول" (٢). وقال شيخ الإسلام: "وأما من سبّ غير عائشة من أزواجه ﷺ ففيه قولان: أحدهما: أنه كسابِّ غيرهن من الصحابة عليما سيأتي. والثاني: وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة، وقد تقدم معنى ذلك عن ابن عباس، وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة علي رسول الله ﷺ ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن بعده، وقد تقدم التنبيه علي ذلك فيما مضي عند الكلام علي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية والأمر فيه ظاهر" (٣). وقال أحمد بن حجر الهيتمي المكي: "وأما الوقيعة في عائشة ﵂، فموجب للقتل. إما لأن القرآن شهد ببراءتها فقذفها تكذيبٌ له وتكذيبُه كفرٌ، وإما لكونها فراشًا له ﷺ ، والوقيعة فيها تنقيصٌ له، وتنقيصُه كفرٌ، وينبني وعلي ذلك حكم الوقيعة في بقية أمهات المؤمنين، فعلى الأول لا يكون كفرًا، وعلي الثاني يكون كفرًا، وهو الأرجح عند بعض المالكية، وإنما لم يقتل ﷺ قذفة عائشة لأن قذفهم كان قبل نزول القرآن فلم يتضمن تكذيب القرآن، ولأن ذلك نزول بعد نزول الآية، فلم ينعطف حكمه علي ما قبلها" (٤).

стр. 975

١٤٦ - سب الدين أو الرب * تقدم فيما سبق معنى الدين. والرب. قال ابن الأثير: "يطلق في اللغة علي المالك والسيد والمدبر والمربي والقيِّم ولا يطلق غير مضاف إلا علي الله تعالى" (١). وقد تقدم في باب (توحيد الربوبية) زيادة إيضاح في ذلك وهنا نتكلم عن حكم من تلفظ والعياذ بالله بسب أحدهما وبابه حكم المرتد وانظر ما ترجمناه في باب الردة فهو داخل في الردة القولية. قال السفاريني: "والزنادقة هم الذين يسبون الله أو واحدًا من أنبيائه وكذلك من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو شبهه بشيء علي طريق التشويه أو الازدراء عليه أو التصغير لشأنه، قال في الفروع: ويقتل من سب الله أو رسوله، نقل حنبل عن الإمام أحمد ﵁: أو تنقصه ولو تعريضًا. وقال: من عرض بشيء من ذكر الرب فعليه القتل مسلمًا كان أو كافرًا. قال: وهو مذهب أهل المدينة. وسأله ابن منصور: ما الشتيمة التي يقتل بها؟ قال نحن نرى في التعريض الحد. وفي فصول ابن عقيل عن الأصحاب لا تقبل توبته إن سب النبي ﷺ لأنه حق آدمي لم يعلم إسقاطه وأما إن سب الله فتقبل توبته لأنه يقبل التوبة في خالص حقه" (٢). وقال ابن باز ﵀: "أجمع العلماء قاطبة علي أن المسلم متى سب الدين أو

стр. 976

تنقصه أو سب الرسول ﷺ أو تنقصه أو استهزء به فإنه يكون مرتدا كافرا حلال الدم والمال يستتاب فإن تاب وإلا قتل ... " (١). قال ابن باز ﵀: "سب الدين من أعظم الكبائر ومن أعظم المنكرات وهكذا سب الرب وهذان الأمران من أعظم نواقض الإسلام، ومن أسباب الردة عن الإسلام، فإذا كان من سب الرب سبحانه أو سب الدين ينتسب للإسلام فإنه يكون مرتدًا بذلك عن الإسلام ويكون كافرًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل من جهة ولي أمر البلد بواسطة المحكمة الشرعية، وقال بعض أهل العلم إنه لا يستتاب بل يقتل، لأن جريمته عظيمة، ولكن الأرجح أنه يستتاب لعل الله يمن عليه بالهداية فيلزم الحق، ولكن ينبغي أن يعزر بالجلد والسجن حتى لا يعود لمثل هذه الجريمة العظيمة، وهكذا لو سب القرآن أو سب الرسول ﷺ أو غيره من الأنبياء فإنه يستتاب فإن سب الدين أو سب الرسول أو سب الرب من نواقض الإسلام، وهكذا الاستهزاء بالله أو برسوله أو بالجنة أو بالنار أو بأوامر الله كالصلاة والزكاة، فالاستهزاء بشيء من هذه الأمور من نواقض الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] " (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين: "الحكم فيمن سب الدين الإسلامي أنه يكفر فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله وبدينه" (٣). ١٤٧ - سب الدهر انظر باب (الدهر).

стр. 977

١٤٨ - الرسول ﷺ - * سبق تعريف السب وأنه الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وسأتناول بشيء من التفصيل حكم من سب الرسول ﷺ أو تنقَّصه أو شتمه أو عابه أو استهزأ به. قال صاحب الإنصاف: "من سب الله تعالى أو رسوله ﷺ كفر" (١). ثم قرر أن: "حكم من تنقص النبي ﷺ حكم من سبه صلوات الله وسلامه عليه" (٢). قال أبو مصعب (٣): "سمعنا مالكًا يقول -: من سبَّ النبي ﷺ أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه قتل، مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يستتاب" (٤). وقال ابن وهب: "قال مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ وسخ أراد عيبه، قُتل" (٥).

стр. 978

وقال أبو بكر بن المنذر: "أجمع عوام (١) أهل العلم علي أن من سبَّ النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك مالك بن أنس، والليث، وأحمد، وإسحق، وهو مذهب الشافعي. قال القاضي عياض: وهو مقتضي قول أبي بكر الصديق ﵁، ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم" (٢). وقال الإمام إسحاق بن راهويه: "أجمع المسلمون علي أن من سب الله أو سب رسوله ﷺ أو دفع شيئا مما أنزل الله ؛ أو قتل نبيا من أنبياء الله : أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله" (٣). وقال القاضي: "قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر. وقال أبو سليمان الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا" (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف علي أن التنقص له كفر مبيح للدم" (٥). وقال ابن باز: "كل من سب الله سبحانه بأي نوع من أنواع السب أو سب الرسول محمدا ﷺ ، أو غيره من الرسل بأي نوع من أنواع السب أو سب الإسلام أو تنقص أو استهزأ بالله أو برسوله ﷺ ، فهو كافر مرتد عن الإسلام إن كان يدّعي الإسلام أو تنقص

стр. 979

بإجماع المسلمين لقول الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] " (١). وقال في الشفا: "قال أبو حنيفة وأصحابه من برئ من محمد ﷺ أو كذب به فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع" (٢). وقال القاضي عياض: "أن يكون القائل لما قال في جهته ﵇ غير قاصد للسب، والإزراء، ولا معتقد له. ولكنه تكلم في جهته ﵇ بكلمة الكفر من لعنه، أو سبه، أو تكذيبه أوإضافة ما لا يجوز عليه، أو نفي ما يجب له مما هو في حقه ﷺ نقيصه مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة. أو مداهنة في تبليغ الرسالة. أو في حكم بين الناس. أو يغض من مرتبته أو شرف نسبه أو وفر علمه، أو زهده، أو يكذب بما اشتهر به من أمور أخبر بها وتواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره. أو يأتي بسفه من القول، وقبيح من الكلام، ونوع من السب في حقه. وإن ظهر بدليل حاله، أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه. إما لجهالة حملته علي ما قاله. أو الضجر، أو سكر اضطره إليه، أو قلة مراقبة وضبط للسانه، وعجرفة، وتهور في كلامه. فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل. وإن تلعثم. إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة، ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليمًا، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" (٣). وقوله: "إذ لا يُعذر أحد في الكفر بالجهالة" لأن سب الرسول ﷺ مما لا يتصور جهله بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة. يقول السبكي: "وفي هذا بحث زائد وهو أن القتل هل هو لعموم الردة أو

стр. 980

لخصوص السَّبِّ؟ أو لهما معا؟ ... ولا شك أن الردة موجبة للقتل بالإجماع والنصوص، وخصوصُ السبِّ موجبٌ للقتل بحديث: "من سب نبيا فاقتلوه" ويترتب الحكم على الأذى وبترتيب الحكم علي خصوص الوصف يشعر بأنه هو العِلّة، وقد وُجِد في السابّ المسلم المعنيان جميعًا، أعني: الردة والسب فيكون اجتمع علي قتله علتان، كل منهما موجبة للقتل، والقتلَ حدٌّ لكل منهما، وقد تجتمع عِلّتان شرعيتان علي معلول واحد؛ ولهذا البحث أثر يظهرُ فيما إذا صدر السَّبُّ من كافر فإنه انفرد فيه السبُّ عن الارتداد وفيما إذا تاب السابُّ وأسلم" (١). وهذا الإجماع الذي نقلناه عن العلماء منصوص في قتل الساب سواء كان مسلمًا أو ذميًا. إلا أن أبا حنيفة وأصحابه خالفوا الإجماع في قتل الذمي وانتقاض عهده بالسب (٢). وذكروا أن ما هم عليه من الشرك أعظم. وقولهم مردود؛ لأنه مخالف للنص والإجماع. أما الإجماع فقد تقدم ذكره وأما النص فقد ثبت في سنن أبي داود عن عبد الله بن عباس ﵄: "أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ فَيَنْهَاهَا فَلا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلا تَنزجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: "أَنْشُدُ الله رَجُلا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ" فَقَامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلا تَنتهِي وَأَزْجُرُهَا فَلا تَنزجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ

стр. 981

فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قتلْتُهَا فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ"" (١). قال الخطابي ﵀ عند شرحه لهذا الحديث: "وفيه بيان أن ساب النبي ﷺ مقتول "مهدر الدم"، وذلك أن السب منها لرسول الله ﷺ ارتداد عن الدين، ولا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله" (٢). أحكام وفوائد: ١ - الفرق بين سب الله وسب رسوله ﷺ -: قال الخطابي: "ويحكي عن مالك أنه كان لا يرى لمن سب النبي ﷺ توبة، ويقبل توبة من ذكر الله سبحانه بسب أو شتم ويكف عنه، وأخبرني بعض أهل العلم من أهل الأندلس أن هذه القضية جارية فيما بينهم وأن أمراءهم والقضاة يحكمون بها علي من فعل ذلك، وربما بقي أسراء الروم في أيديهم فيطول مقامهم بينهم فيطلبون الخلاص بالموت فيجاهرون بشتم النبي ﷺ فعند ذلك لا ينهون أن يقتلوا، والغالب علي بلاد الأندلس ونواحي الغرب رأي مالك" (٣). قال ابن تيمية ﵀: "ومن فرَّق بين سب الله وسب الرسول قالوا: سب الله تعالى كفر محض وهو حق لله وتوبة من لم يصدر منه إلا مجرد الكفر الأصلي أو الطارئ مقبولة مسقطة للقتل بالإجماع ... فإن الرجل لو أتي من الكفر والمعاصي بملء الأرض ثم تاب تاب الله عليه وهو سبحانه لا تلحقه بالسب غضاضة ولا معرة وإنما يعود ضرر السب علي قائله، وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن تنتهكها جرأة الساب، وبهذا يظهر الفرق بينه وبين الرسول فإن السب هناك قد

стр. 982

تعلق به حق آدمي والعقوبة الواجبة لآدمي لا تسقط بالتوبة والرسول تلحقه المعرة والغضاضة بالسب فلا تقوم حرمته، ولا تثبت في القلوب مكانته إلا باصطلام سابه لما أن هجوه وشتمه ينقص من حرمته عند كثير من الناس فإن لم يحفظ هذا الحمى بعقوبة المنتهك وإلا أفضي الأمر إلى الفساد، وهذا الفرق يتوجه بالنظر إلى أن حد سب الرسول حق لآدمي كما يذكره كثير من الأصحاب بالنظر إلى أنه حق لله أيضا فإن ما انتهكه من حرمة الله لا ينجبر إلا بإقامة الحد فأشبه الزاني والسارق والشارب إذا تابوا بعد القدرة عليهم" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: " ... سابّ الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله بخلاف من سب الله فإنها تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول ﷺ فإنه يتعلق به أمران: الأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب. الثاني: أمر شخصي، لكونه من المرسلين، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه ﷺ ويقتل بعد توبته علي أنه مسلم، فإذا قتل غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ألف كتابا في ذلك اسمه: "الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول". وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ وكذا لو قذفه فإنه يقتل ولا يجلد. فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ وقبل منه وأطلقه؟ أجيب: بلى هذا صحيح لكن هذا في حياته ﷺ وقد أسقط حقه، أما بعد موته فلا

стр. 983

ندري فننفذ ما نراه واجبًا في حق من سبه ﷺ " (١). قال شيخ الإسلام: "إن الذي عصم دم ابن أبي السرح عفو النبي ﷺ ، وأنه بالإسلام والتوبة انمحى عنه الإثم، وبعفو النبي ﷺ احتقن الدم، وليس للأمة أن يعفوا عن حقه" (٢). ٢ - مما يلحق بهذا الباب لمز الرسول ﷺ -: واللمز: الطعن باللسان (٣). قال في مختار الصحاح: ""اللمز": العيب. وأصله الإشارة بالعين ونحوها ورجل "لمّاز" و"لُمزة" أي: عيّاب" (٤). ففي لمز الرسول ﷺ عيبُه وتنقيصه. وهذا داخل في سبه ﷺ لأن السب: "هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف ... " (٥). قال الطبري: "القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. يقول تعالي ذكره: ومن المنافقين الذين وصفت لك يا محمد صفتهم في هذه الآيات من يلمزك في الصدقات يقول يعيبك في أمرها ويطعن عليك فيها يقال منه لمز فلانًا يلمزه ويلمِزُه إذا عابه وقرصه، وكذلك همزه. ومنه قيل: فلان هُمزة لُمزة" (٦). وهذه الآية نزلت في ذي الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قال أَبو سَعِيدٍ بَيْنَا

стр. 984

النَّبيُّ ﷺ يَقْسِمُ جَاءَ عَبْدُ الله بْنُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: "ويلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ" قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: "دَعْه، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِ، وَصِيَامَهُ مع صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ فِي قُذَذِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَصْلِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيِّهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدَيْهِ - أَوْ قَالَ ثَدْيَيْهِ - مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، - أَوْ قَالَ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ - يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ أَشْهَدُ سمِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قتلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فَنزَلَتْ فيه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ " (١). قال الشوكاني في فتح القدير: "ومعنى الآية: ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات: أي في تفريقها وقسمتها" (٢). وقال الإمام تقي الدين: "فثبت أن كل من لمز النبي ﷺ في حكمه أو قسمه فإنه يجب قتله كما أمر به ﷺ في حياته وبعد موته وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد" (٣). وقال ﵀: "فإن لمز النبي ﷺ وأذاه لا يفعله من يعتقد أنه رسول الله حقا أنه أولى به من نفسه وأنه لا يقول إلا الحق ولا يحكم إلا بالعدل وأن طاعته طاعة الله

стр. 985

وأنه يجب علي جميع الخلق تعزيره وتوقيره وإذا كان دليلا علي النفاق نفسه فحيثما حصل حصل النفاق. وأيضًا فإن هذا القول لا ريب أنه محرم فإما إن يكون خطيئة دون الكفر أو يكون كفرا والأول باطل لأن الله سبحانه قد ذكر في القران أنواع العصاة من الزاني والقاذف والسارق والمطفف والخائن ولم يجعل ذلك دليلًا علي نفاق معين ولا مطلق فلما جعل أصحاب هذه الأقوال من المنافقين علم أن ذلك لكونها كفرا لا لمجرد كونها معصية؛ لأن تخصيص بعض المعاصي يجعلها دليلًا علي النفاق دون بعض لا يكون حتى يختص دليل النفاق بما يوجب ذلك وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح فثبت أنه لا بد أن يختص هذه الأقوال بوصف يوجب كونها دليلًا علي النفاق وكلما كان كذلك فهو كفر" (١). ٣ - ويلحق بهذا الباب إيذاء الرسول ﷺ - (٢): وهذه من صفات المنافقين قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦١ - ٦٣]. قال الشوكاني ﵀ في تفسير هذه الآية: "قوله: ﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ علي
следующие страницы →