← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسُّنَّة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد" (١). ثانيًا: إنكاره على المشركين تسمية أصنامهم وأوثانهم بأنهم آلهة، وأنها مجرد أسماء لا حقيقة لها، ولا نصيب لها من خصائص الإلهية شيء البتة، وهذا الإنكار من الله تعالى عليهم يدل على أن العبرة بحقائق الأشياء وما هي عليه من الصفات الثابتة، أما مجرد إطلاق الأسماء والألفاظ على ما هو عار وخواء من الحقائق والمعاني التي دلت عليها الألفاظ فلا اعتبار له، كما أن هذا التغيير في الألفاظ والأسماء لا أثر له في تغيير الحقائق البتة. وعليه فهذه الأصنام والأوثان حقيقتها أنها حجارة، وهؤلاء المعبودون غايتهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، بل وأموات قد استحالوا ترابًا ورفاتًا، فمهما بالغوا في تعظيمهم، وإلباسهم لباس العزة، وتسميتهم بأسماء العظمة، ووصفهم بأخص خصائص الإلهية، لم تكن سوى أسماء جوفاء، وألفاظ عارية فقيرة، متناقضة غاية التناقض مع حقيقة الحال. يقول الإمام ابن تيمية: "ومن هذا الباب تسمية المعبودين آلهة، سموها بما لا تستحقه، كما يسمى الجاهل عالمًا، والعاجز قادرًا، وِالكذاب نبيًّا فلهذا قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] " (٢). وقال أيضًا: "أخبر سبحانه أن الأسماء التي سماها المشركون أسماء ابتدعوها، لا حقيقة لها، فهم إنما يعبدودن أسماء لا مسميات لها؛

стр. 982

لأنه ليس في المسمى من الألوهية، ولا العزة، ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله سلطانًا بهذه الأسماء، إن يتبع المشركون إلا ظنًا لا يغني من الحق شيئًا في أنها آلهة تنفع وتضر " (١). ويقول الشيخ السعدي في معنى قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]: "أي: كيف تجادلون على أمور لا حقائق لها، وعلى أصنام سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الإلهية فيها، ولا مثقال ذرة" (٢). ثالثًا: قصة ذات أنواط التي حدثت في خروج النبي ﷺ مع أصحابه إلى خيبر فمر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سُنَّة من كان قبلكم" (٣). فلم يكن استبدالهم للفظ الآلهة بذات أنواط مؤثرًا ما دامت الحقيقة واحدة في كلتا الصورتين، فدل ذلك على أن الحقائق لا تتغير وإن تغيرت الأسماء والألفاظ. يقول الشيخ سليمان آل الشيخ عقب ذكره للقصة: "وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء؛ ولهذا جعل النبي ﷺ طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه؛ كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح لهم، والنذر، ونحو ذلك تعظيمًا ومحبة فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه وقس على ذلك" (٤).

стр. 983

رابعًا: من المعلوم أن التفريق في الحكم بين الشيئين المتفقين في الحقيقة والمعنى والصفة لمجرد اختلاف الأسماء من الظلم العظيم الذي نهى الله عنه، بل هو تفريق بين المتماثلين، والله تعالى قد أمر بالعدل والاعتبار الذي هو القياس الشرعي، وهو التسوية في الحكم بين المتماثلين في الحقيقة والمعنى ولو اختلفت الألفاظ، وتنوعت الأسماء، فلا فرق بين شرك وشرك، ولا بين شراب مسكر وآخر مثله باسم آخر، وهكذا (١). خامسًا: كما لا يخفى أن التحريم الشرعي إنما يكون تابعًا للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة بسبب شرب الخمر، وكذا سوء الظن وقلة الأدب مع الله، وتشبيه المخلوق بالخالق، والتنقص لعظمة الألوهية والربوبية الحاصل بسبب الإشراك في عبادة الله تعالى لا يزول، ولا يتغير بتبديل الأسماء والصور، وهل هذا إلا من سوء الفهم، وعدم الفقه عن الله ورسوله (٢). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لقد حرص أهل العلم أشد الحرص على بيان هذه القاعدة الشرعية، واستعملوها في ردِّهم لكثير من البدع والحيل، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال تؤيد معنى القاعدة، وتقرر مفهومها الذي دلت عليه: يقول الإمام ابن القيم: "فإن الحقائق لا تتغير بتغير الألفاظ" (٣).

стр. 984

ويقول الإمام الصنعاني في كلامه على فعل المشركين: "وإنما الجاهلية سموه صنمًا ووثنًا، وهؤلاء القبوريون يسمونه وليًّا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية؛ فإن من شرب الخمر وسماها ماء، ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية" (١). ويقول العلامة السهسواني الهندي في معرض كلامه على التوسل بالأعمال الصالحة: " وهذا التوسل هو عين دين الإسلام، لا يجحده أحد من المسلمين، لكن هذا التوسل في الحقيقة هو التوسل بالأعمال الصالحة، وإن سماه أحد توسلًا بالأنبياء والصالحين، فلا يتغير حكمه بهذه التسمية، فإن العبرة للمُسَمَّى والمُعَنْوَن لا للاسم والعنوان" (٢). ويقول الشيخ السعدي: " ولا فرق في هذا بين أن يسمي تلك العبادة التي صرفها لغير الله عبادة، أو يسميها توسلًا، أو يسميها بغير ذلك من الأسماء، فكل ذلك شرك أكبر؛ لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها" (٣). ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم" (٤). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها لقد فرَّعَ أهل العلم بعض الفروع والجزئيات والمسائل على هذه القاعدة، واستفادوا منها في إبطال كثير من البدع والضلالات، وفيما

стр. 985

يأتي أتناول بعض ما ذكره أهل العلم من فروع ومسائل متعلقة بالقاعدة، أو ظهر لي من خلال كلامهم: أولًا: دلت القاعدة على ثبات الحقائق والمعاني للألفاظ والأسماء، إذ إن جميع الأحكام الشرعية إنما بنيت على الحقائق والمعاني، وهي بلا شك مرتبطة بأسمائها الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية في القرآن والسُّنَّة، فالعبرة والمعول على الحقائق والمعاني، فهي التي عليها مدار الأحكام، وبها يكون الحكم والقضاء، ولا ينكر أهمية المحافظة على الألفاظ والأسماء الشرعية، وأن تغييرها مع اعتبار الحقيقة الأولى يعد من التحريف والكذب على الله تعالى. ويستخلص من ذلك: أن حكم الشيء تابع لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه ولا لاعتقاد فاعله: يوضح ذلك: أن من أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا وإلهًا ومعبودًا من دون الله، كما قال تعالى في شأن اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]، وقد قال عديّ بن حاتم لما قدم على النبي ﷺ وهو يقرأ هذه الآية فقال للنبي ﷺ : إنهم لم يعبدوهم فقال ﷺ : "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرموه" (١). فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية لم يسمّوا أحبارهم

стр. 986

ورهبانهم أربابًا ولا آلهة، ولا معبودين، ولا كانوا يعتقدون أو يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم، ولهذا استعظم عدي هذا وقال: إنهم لم يعبدوهم، ومع ذلك سمَّاهم الله أربابًا وبيَّن النبي ﷺ أن فعلهم هذا عبادة وتأليه لهم، ولم يكن عدم ظنهم هذا عذرًا لهم، ولا مزيلًا لاسم فعلهم ولا رافعًا لحقيقته وحكمه. وفي هذا دلالة على أن حكم الشيء تابع لحقيقته وما هو عليه، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله. ثانيًا: فيها الرد على من أجاز الشرك الواضح الذي لا شك فيه بحجة أنه توسل إلى الله تعالى بأهل الخير والصلاح، وأنه من محبة الأولياء ومن حقهم علينا، والقاعدة تبطل هذا المفهوم الشركي، بل هذا هو عين الإشراك بالله ﵎. يقول الإمام ابن القيم في كلامه على حكم الساحر: "والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان فهو عبادة له، وإن سماه بما سماه به" فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه، فمن سجد لمخلوق، وقال ليس هذا بسجود له، وهذا خضوع وتقبيل الأرض بالجبهة كما أقبلها بالنعم، أو هذا إكرام لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه سجودًا لغير الله فليسمه بما شاء" (١). ويقول الإمام الشوكاني: "إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه؛ سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم" (٢).

стр. 987

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: "هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء" (١). كما أبطل الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ ﵀ مقالة من قال: إن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله يسمى توسلًا عنده وتشفعًا. فقال: "وهذا فرار منه أن يسميه شركًا وكفرًا، وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات ... ، وأن التوسل صار مشتركًا في عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركًا وعبادة لغيره في مواضع من كتابه ... ، فإياك أن تغتر بالإلحاد وتغيير الأسماء؛ فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون، عبَّاد قبور، لا يستريب في ذلك إلّا جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت به الرسل الكرام" (٢). ولقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على من سواه، ويسمون ذلك توسلًا، وتشفعًا، وتغيير الأسماء، لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء، ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس، واستبداله باسم آخر، ولما علم الشيطان أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألهًا، أخرجه في قالب آخر، تقبله النفوس، فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق، فمن ارتكب شيئًا من الأمور الشركية، فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلًا، وتشفعًا (٣).

стр. 988

وذكر العلامة محمود شكري الألوسي حقيقة واقع أهل القبور، وما وقعوا فيه من التلبيس والتدليس بتغييرهم للأسماء، وبين ﵀ أن هذا التغيير لا يغير من الحقيقة شيئًا، وأن العبرة بحقائق أفعالهم وأعمالهم؛ فقال ما ملخصه: "ونذكر لك طرفًا من معتقد هؤلاء وحقيقة ما هم عليه من الدين؛ ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن؛ إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعًا وتوسلًا واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق. من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبًا للغوث واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية وجماهيرهم -لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم - لا يكاد يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضًا عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى، وكل هذا رأيناه وسمعناه عنهم، فهل سمعت عن جاهلية العرب، مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب. والكلام مع ذكي القلب، يقظ الذهن، قوي الهمة، العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحقيقة التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة،

стр. 989

ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق بما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة، معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج. إلى أن قال ﵀: وباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام حتى سلكه جمهور من يدعي الإسلام من أهل البسيطة وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء، وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى فعاد الأمر إلى الشرع في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله أنهم يعترفون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية، والتدبير على ما أنكروه من الإلهية. ولا يمانع هذا إلا مكابر في الحسيات وإن فقد بعض أنواع في بعض البلاد فكم له من نظائر، ... ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد علي والحسين وموسى الكاظم، ومحمد الجواد ﵃ عند رافضتهم، والشيخ عبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم ﵃ عند سنتهم: من العبادات وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الضلالات حتى يعبد وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها" (١). ويبين الشيخ عبد العزيز بن باز استشكال من يقول: إن المتأخرين لم يدعوا عبادة الأولياء أو الصالحين، وإنما هم يتبركون بهم، فقال:

стр. 990

"الاعتبار بالحقائق والمعنى لا باختلاف الألفاظ، فإذا قالوا: ما نعبدهم وإنما نتبرك بهم، لم ينفعهم ذلك، ما داموا فعلوا فعل المشركين من قبلهم، وإن لم يسموا ذلك عبادة، بل سموه توسلًا أو تبركًا، فالتعلق بغير الله، ودعاء الأموات، والأنبياء، والصالحين، والذبح لهم، أو السجود لهم، أو الاستغاثة بهم، كل ذلك عبادة ولو سموها خدمة، أو سموها غير ذلك؛ لأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء كما تقدم" (١). ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "والآن عَبَدَة القبور يقولون: هذا ليس بشرك، هذا توسُّل، وهذا محبة للأولياء والصالحين. إن أولياء الله الصالحين لا يرضون بهذا العمل، ولا يرضون أن تُجعل قبورهم أوثانًا تُعبد من دون الله، والنبي ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢)، فدلّ على أن تعظيم القبور والتبرك بها يجعلها أوثانًا تُعبد من دون الله. فالحاصل؛ أن هذا فيه دليل على أن العبرة في المعاني لا في الألفاظ، فاختلاف الألفاظ لا يؤثر، وإن سموه توسّلًا، أو سموه إظهارًا لشرف الصالحين، أو وفاءً بحقهم علينا -كما يقولون-، هذا هو الشرك، سواء بسواء، فالذي يتبرّك بالحجر أو بالشجر أو بالقبر قد اتخذه إلهًا، وإن كان يزعم أنه ليس بإله، فالأسماء لا تغير الحقائق، إذا سمّيت الشرك، توسلًا، أو محبة للصالحين، أو وفاءً بحقهم، نقول: الأسماء لا

стр. 991

تغير الحقائق" (١). ثالثًا: هذه القاعدة بمثابة السد المنيع، والباب المغلق أمام جميع أهل الباطل من أصحاب الديانات المحرفة، أو من أهل الأهواء المضلة والبدع المغوية والمبعدة عن هدي القرآن والسُّنَّة، ولو فتح هذا الباب لتبدلت الشرائع، وفسدت الأحكام، ولم يوثق بعدها بنص أو تنزيل. يقول الإمام ابن القيم: "ولو أوجب تبديلُ الأسماء والصور تبدلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة، وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها، وأي شيء نفعهم تسمية الإشراك بالله تقربًا إلى الله، وأي شيء نفع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسمية ذلك تنزيهًا، وأي شيء نفع الغلاة من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها من دون الله تسمية ذلك تعظيمًا واحترامًا، وأي شيء نفع نفاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه، ورسله، وملائكته، وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلًا، وأي شيء نفعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدًا، وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله. لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يعلم شيئًا من الموجودات، ولا أرسل إلى الناس رسلًا يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة، وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلًا معيشيًا، وقدحهم في عقل من لم ينافق نفاقهم، ويداهن في دين الله، وأي شيء نفع المكسة تسمية ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانية، وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرعَ الديوان. وأي شيء نفع أهل البدع والضلال تسمية شبهم الداحضة عند

стр. 992

ربهم، وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات، وبراهين، وتسمية كثير من المتصوفة الخيالات الفاسدة، والشطحات حقائق، فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]. وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي، والمطرب، والقوال، وكما يسمي الديوث بالمصلح، والموفق، والمحسن، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات، ويسمى ذلك وضع الرأس للشيخ، قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء، فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم" (١). ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي في رده على من سمى إثبات صفات الله تركيبًا: "هم سموه تركيبًا لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة، ولئن سموا إثبات الصفات تركيبًا فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم، فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرًا لم يحرم بهذه التسمية" (٢). رابعًا: ومما يعد من دلالات أو فروع القاعدة: أن الحقائق لا تتغير بتغير الشعارات والعناوين والألقاب والانتسابات، فليس كل من انتسب إلى السُّنَّة، أو رفع شعارها صحت نسبته، وبورك شعاره، وإن كان مخالفًا للسُّنَّة، متنكرًا لها، معاديًا لأهلها أين ما كانوا، ومبغضًا لحملتها أين ما حلوا، فتسميته وانتسابه لا يغير في حقيقة أمره شيئًا.

стр. 993

ولذا يقول أبو البقاء الكفوي: "العبرة للمعاني دون الصور والمباني" (١). خامسًا: ومما يستفاد من القاعدة: استعمالها في وزن أقوال الناس وآرائهم ونتائج عقولهم، بحيث لا يغتر بالأقوال والعبارات والألفاظ، إلا بعد تفحصها، ومعرفة حقيقتها، والوصول إلى مضمونها، وملاحظة ما تؤول إليه، وبعد ذلك تعرض على ميزان الكتاب والسُّنَّة، فما وافقهما منها قُبِلَ وإن كانت عبارته ركيكة، وألفاظه منفرة، وما خالفهما من تلك الأقوال رُدَّ وأُبعد وإن كانت ألفاظها منمقة، وأسلوبها مبهرجًا. يقول الشيخ السعدي: "وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية، والألباب الرزينة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة؛ فإن كانت حقًا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات رديئة، وألفاظًا غير وافية، وإن كانت باطلًا ردوها على من قالها، كائنًا من كان، ولو أُلْبِسَت من العبارات المستحسنة ما هو أرق من الحرير" (٢). ويقول أيضًا في معنى قوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]: "أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه فى أحسن صورة ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلًا والباطل حقًا" (٣).

стр. 994

المبحث الثالث قاعدة تعظيم شعائر الله هو تعظيم لله وعبادة له، فهو تابع لتعظيم الله وإجلاله وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة أولًا: معنى التعظيم: التعظيم مشتق من أصل لغوي ثلاثي هو (عظم)، والعين والظاء والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على كِبَر وقُوّة، فالعِظَم: مصدر الشَّيء العظيم، تقول: عَظُمَ يَعْظُم عِظَمًا، وعَظَّمَه تَعْظِيمًا وأعْظَمَهُ: فَخَّمَهُ، وكَبَّرَهُ، فإذا عَظُم في عينيك قلت: أعْظَمْتُهُ واسْتَعْظَمْتُه، ومن الباب العَظْم، سمِّي بذلك لقوّته وشِدّته (١). ثانيًا: معنى شعائر الله: الشعائر على وزن فَعَائِل، وأصلها من الفعل الثلاثي (شعر)، ومفردها: (شَعِيرَة) على وزن (فَعِيلة)؛ فقيل هي بمعنى (مُشْعِرَة) بصيغة

стр. 995

اسم فاعل، وقيل: بمعنى مفعولة؛ أي: (مُشْعرٌ بها)، ثم إن مادة (شعر) تتضمن أصلين: أحدهما الثَبَات، والآخر عِلْم وعَلَم (١). فمن الأول: (الشَّعْر) وجمعه أَشْعار والواحدة (شعرة)، ورجل أشعر: طويل شعر الجسد، ومن الثاني: قولهم شعرت بالشيء إذا علمته وفطنت له، وليت شعري؛ أي: ليتني علمت، ومنه سمي الشاعر؛ لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره (٢)، ومنه الشِّعار: الذي يتنادَى به القومُ في الحرب ليَعرِف بعضُهم بعضًا، ومشاعر الحج: مواضع المناسك، سميت بذلك، لأنَّها ظاهرة للحواس (٣). فالشعائر إذًا كل ما جعل علمًا على شيء، أو كان علامة على أمر بحيث يكون ظاهرًا للحواس (٤). وأما معنى الشعائر في الشرع فقد اختصت بعدة أمور بيَّنها أهل العلم في ثنايا كلامهم في بيان معنى الشعائر التي أمر الله بتعظيمها: فجاء عن ابن عباس ﵄ بأن الشعائر هي الهدي والبدن، قال وتعظيمها يكون باستحسانها، واستسمانها، وقيل: هي الجمار، وقيل: هي الصفا والمروة، وقيل: هي الركن والبيت، وقيل: الوقوف بعرفة

стр. 996

ومزدلفة (١). وبعد أن ذكر الإمام الطبري هذه الأقوال وغيرها تعقبها بقوله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره وهي ما جعله أعلامًا لخلقه فيما تعبدهم به من مناسك حجهم؛ من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم، لم يخصص من ذلك شيئًا فتعظيم كل ذلك من تقوى القلوب" (٢). والناظر في كلام أهل العلم في معنى (الشعائر) يجد بعضهم قد فسرها بحسب معناها في الآية، كما جاء عن ابن عباس وغيره، ومنهم من فسرها بما هو أعم من ذلك، وقد يمثلون بشيء مما مرَّ ذكره. والصحيح أن الشعائر هي كل ما أشعر الله به عباده وأعلمهم بتعظيمه وتعبدهم بذلك، فهي أعلام الدين، وشعائر الملة، أعم من كونها أعلامًا للحج، وإن كانت شعائر الحج تدخل في ذلك دخولًا أوليًا (٣)، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في بيان معنى الشعائر: فعن عطاء: "أنه سئل عن شعائر الله، فقال: حرمات الله، اجتناب سخط الله، واتباع طاعته، فذلك شعائر الله" (٤). وجاء عنه بأنها: "جميع ما أمر به أو نهى عنه" (٥). وقال الإمام الطبري: "وأما قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها؛

стр. 997

إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها" (١). وعرَّفها الرازي بقوله: "فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علمًا من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله" (٢). وقال الجصَّاص في معنى الشعائر: "الشعائر: هي معالم للطاعات والقرب" (٣). وقال الزجاج في بيان معنى الشعائر: " يعْنِي بها جَميعَ مُتَعَبَّداتِه التي أَشْعَرَها الله: أَي جَعَلَها أَعلامًا لنا، وهي كلُّ ما كان من مَوْقفٍ، أَو مَسْعًى، أَو ذَبْحٍ، وإِنّما قيل شَعائِرُ لكُلّ عَلَمٍ ممّا تُعَبِّدَ به؛ لأنّ قَوْلَهُمْ شَعَرْتُ به: عَلِمْتُه، فلهذا سُمِّيَتِ الأَعلامُ التي هي مُتَعَبَّداتُ اللّهِ تعالى شَعَائِرَ" (٤). ويقول العلامة عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]: "يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان: من شعائر الله: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد الله بها عباده" (٥). ويقول الشيخ ابن عاشور في تفسير معنى الشعائر: "والشعائر: جمع شعيرة، وهي أمكنة، وأزمنة، وذوات؛ فالصفا والمروة، والمشعر الحرام: من الأمكنة، والشهر الحرام: من الشعائر الزمانية، والهدي والقلائد: من الشعائر الذوات" (٦).

стр. 998

ويقول الشيخ العثيمين: "والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي التي تكون عَلَمًا في الدين؛ يعني: من معالم الدين الظاهرة؛ لأن العبادات منها خفية: بَيْن الإنسان وربه؛ ومنها أشياء عَلَم ظاهر بيِّن، وهي الشعائر" (١). ويقول الشيخ أحمد شاه الدهلوي: "وأعني بالشعائر: أمورًا ظاهرة محسوسة، جعلت ليعبد الله بها، واختصت به حتى صار تعظيمها عندهم تعظيمًا لله، والتفريط في جنبها تفريطًا في جنب الله، وركز ذلك في صميم قلوبهم، لا يخرج منه إلا أن تقطع قلوبهم" (٢). ويظهر مما سبق أن الشعائر عامة في كل ما أشعر الله ﵎ به عباده، وبين لهم مكانته وأهميته وشرفه، وتعبدهم بكل ذلك، وأنها مشتملة على أمكنة وأزمنة وذوات وأقوال وأفعال. ولذا يقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]: "هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة" (٣). ويقول الشيخ الدهلوي أيضًا: "وإنما ينبغي أن يجعل من الشعائر: ما كثر وجوده، وتكرر وقوعه، وكان ظاهرًا، وفيه فوائد جمة، تقبله

стр. 999

أذهان الناس أشد القبول" (١). * المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة لا يخفى على المتأمِّل في حال الأمم، وسائر الأديان اهتمامهم بأمر الشعائر، -سواء كانت مما أنزله الله إليهم أو اخترعوه بأنفسهم- فهي التي تميّزهم عن غيرهم، إذ كل ديانة من الديانات إنما تعرف وتتميّز بما لها من الشعائر الخاصة بها، بل إن مبنى الشرائع على تعظيم شعائر الله تعالى، والتقرب بها إليه تعالى (٢). والقاعدة أشارت إلى أن تعظيم شعائر الله، وإجلالها، ومحبتها من العبادات القلبية العظيمة التي تستتبع أعمال الجوارح، فهذا التعظيم لهذه الشعائر من الأمور التي يتقرب بها العبد إلى ربه ، ويرجو بسببها رحمة الله وجنته، كما أشارت القاعدة إلى أن هذا التعظيم لشعائر الله هو فرع عن تعظيم الله تعالى، فتعظيم الله تعالى هو الأصل الذي يَنْتُجُ عنه تعظيم جميع ما أشعر الله بتعظيمه وأخبر عباده بمكانته ومنزلته، إذ تعظيم المأمور به وتبجيله يلزم منه تعظيم الآمر به. والقاعدة دلت على أن تعظيم الشعائر عبادة لله تعالى، وعليه فيكون تعظيمها بإجلالها بالقلب ومحبتها، وتكميلها وتحسينها، وباعتقاد أن التقرب بها من أجل القربات، وأعظم الطاعات (٣). يقول الإمام ابن القيم: "وروح العبادة: هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت" (٤).

стр. 1000

ومن أعظم شعائر الدين وأركان الملة كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إذ هي الفارقة بين أهل الإسلام وعبدة الأوثان، وهي شعار الدين ودِثاره، وأوله وآخره، فلا يستقيم دين، ولا تصح ملة بدون تعظيمها وإجلالها ومحبتها وإقامتها. يقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومن عرف ما جاء به الشيخ ودعا إليه؛ من توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والبراءة من كل معبود سواه، وعرف أن هذا أصل الأصول، وأكبر القواعد، وأظهر الشعائر، وأن القرآن من أوله إلى آخره دال عليه، آمر به، مقرر له، محتج عليه، مبين له" (١). * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة يمكن الاستدلال لهذه القاعدة بما يلي: أولًا: قوله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، ووجه دلالة الآية: أن الله تعالى جعل تعظيم الشعائر ناتجًا عن التقوى، ومن المعلوم أن تقواه سبحانه واجبة على جميع الخلق، وكل ما كان سببًا للتقوى، أو مسببًا عنها كان مما يحبه الله تعالى ويرضى عنه، فإن تقوى الله لا تصدر إلا عن عبادة لله وتقواه، ولا يصدر عن التقوى إلا عبادة وتقوى، فظهر كون تعظيم الشعائر من العبادات التي يحبها الله ومن أعمال القلوب العظيمة المستتبعة لأعمال الجوارح (٢). ثانيًا: إن شعائر الله تعالى هي ما أشعر الله عباده بها، وأظهر أهميتها ومكانتها، وبيَّن فضلها وعظمتها، وما يترتب عليها من الرحمة والرضوان، والثواب والإحسان، فهو الذي أمر بتعظيمها في كتابه

стр. 1001

العزيز، وعلى لسان رسوله ﷺ في سنته المطهرة، ولا شك أن تعظيم المأمور به يلزم منه تعظيم الآمر، فتعظيم شعائر الله هي أكبر دليل وأجلى برهان على عظمة وجلال من أمر بتعظيمها وإجلالها. يقول الإمام ابن القيم: "فلا يتم الإيمان إلا بتعظيمه ، ولا يتم تعظيمه إلا بتعظيم أمره ونهيه، فعلى قدر تعظيم العبد لله سبحانه يكون تعظيمه لأمره ونهيه، وتعظيم الأمر دليل على تعظيم الآمر" (١). * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لقد قرر أهل العلم هذه القاعدة، وعبروا عنها بعبارات عديدة، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك: يقول الشيخ السعدي: "فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله وإجلاله" (٢). وقال الشيخ الدهلوي: "المصالح المرعية في الحج أمور: منها تعظيم البيت، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى " (٣). ولقد قرر بعض أهل العلم أن جميع العبادات المتعلقة بالخلق؛ من المحبة والطاعة، والتعظيم فإن أصلها محبة الله وطاعته وتعظيمه وهي تابعة لهذا الأصل ولهذا يقول الإمام ابن القيم ﵀ في مسألة المحبة: "فإن تعظيم الرسول، وإجلاله، ومحبته، وطاعته، تابع لتعظيم مرسله سبحانه، وإجلاله، ومحبته، وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة، والطاعة، والتعظيم، والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا

стр. 1002

لمحبة الله، وتعظيمه، وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله، ومحبته محبة لله، وتعظيمه تعظيم لله، ونصرته نصرة لله؛ فإنه رسوله، وعبده الداعي إليه، وإلى طاعته، ومحبته وإجلاله، وتعظيمه، وعبادته وحده لا شريك له" (١). ويقول ﵀ أيضًا في شرحه لكلام الهروي: "الثاني: تعظيم الخدمة وإجلالها، وذلك تبع لتعظيم المعبود، وإجلاله، ووقاره، فعلى قدر تعظيمه في قلب العبد، وإجلاله، ووقاره، يكون تعظيمه لخدمته، وإجلاله لها، ورعايته لها" (٢). * المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها لهذه القاعدة العظيمة العديد من الفوائد، أذكر فيما يأتي بعض ما ظهر لي من ذلك: أولًا: إن تعظيم العبد لشعائر الله تعالى ليس هو في مرتبة تعظيمه لربه سبحانه؛ إذ تعظيم الرب هو الأصل والمؤثر الذي ينتج عنه تعظيم الشعائر، بل العلاقة بين التعظيمين علاقة طردية عكسية؛ فكلما زاد تعظيم الرب وتقواه في القلب زاد تعظيمه لشعائره، كما أن تعظيم الشعائر -بتكميلها والمحافظة عليها- مما يزيد في تقوى القلوب، ويكبر به تعظيم الرب في قلب العبد، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. وقد بيَّن الشيخ السعدي التعظيم الخاص بالرب تعالى بقوله: "من معاني عظمته تعالى: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يُعَظَّم كما

стр. 1003

يُعَظَّم الله، فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته، والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته، ومن تعظيمه أن يتقى حق تقاته؛ فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]، و ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومن تعظيمه أن لا يُعْتَرض على شيء مما خلقه أو شرعه " (١). ثانيًا: تعظيم الشعائر يتضمن أمرين: تعظيم هو من عمل القلب، وهو الأصل، وتعظيم تابع لذلك، وهو الظاهر على الجوارح -من إحسان العمل وتكميله وإتقانه- وهذا فرع عن تعظيم القلب، وبذلك يظهر لنا أن أعمال القلوب هي الأصل لأعمال الجوارح، فإذا ثبت في القلب التعظيم، تبعته الجوارح في ذلك ولا بد، وهذا أمر مطرد، لكنه قد لا ينعكس؛ إذ يمكن أن يظهر على الجوارح من الأفعال الدالة على التعظيم والتوقير ما يكون القلب خاليًا منه (٢). ويقول الإمام ابن تيمية: "فالمقصود تقوى القلوب لله، وهو عبادتها له وحده دون ما سواه، بغاية العبودية له، والعبودية فيها: غاية المحبة، وغاية الذل، والإخلاص، وهذه ملة إبراهيم الخليل، وهذا كله مما يبين

стр. 1004

أن عبادة القلوب هي الأصل كما قال النبي ﷺ : "إنَّ في الجسد مُضغَة إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهْيَ القَلبُ" (١) " (٢). ويقول ابن العربي في معنى كون تعظيم الشعائر من تقوى القلوب: "يريد: فإن حالة التعظيم إذا كست العبد باطنًا وظاهرًا، فأصله تقاة القلب بصلاح السر، وإخلاص النية؛ وذلك لأن التعظيم فعل من أفعال القلب، وهو الأصل لتعظيم الجوارح بالأفعال" (٣). ويقول ابن عاشور في تعليل إضافة التقوى إلى القلوب من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]: " وإضافة (تقوى) إلى (القلوب)؛ لأنّ تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل" (٤). ثالثًا: إن التحقير والاستهانة والاستهزاء بالله تعالى أو برسوله أو بدين الإسلام كفر مخرج عن ملة الإسلام كما سبق تقرير. يقول الشيخ السعدي: "فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظم الله، وتعظيم دينه، ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة" (٥).

стр. 1005

أما التحقير والاستهانة بشعيرة من شعائر الرب ﵎ ففيه تفصيل؛ فإن كان قاصدًا في احتقاره واستهانته لذات الشعيرة نفسها فلا شك أن هذا العمل من أعظم الذنوب، وأقبح المعاصي التي يستحق صاحبها شديد العذاب وأليم العقاب. وأما إن كان قصده الاستهانة بها وبالله تعالى الذي شرعها وأشعر بها عباده فلا شك في كفر من تلبس بهذه النية وهذا العمل، وهذا من أكبر البراهين على خلو القلب من تعظيم الله وتوقيره، إذ المُعَظِّم لله والمُبَجِّل له لا يستهزئ بما عظمه ربه وبجله، بل الواجب أن يكون معظمًا له غاية التعظيم والتبجيل. يقول الحافظ ابن حجر: "اِنْتَهَاك حُرْمَة الحَرَم بِالْمَعْصيَةِ تَسْتَلزِم اِنْتَهَاك حُرمَة الله لِأَنَّ تَعْظِيم الْحَرَم مِنْ تَعْظِيم الله، فَصارَتْ الْمَعْصيَة فِي الْحَرَم أَشَدَّ مِنْ الْمَعْصِيَة فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ اِشْتَرَكَ الْجَمِيع فِي تَرْكِ تَعْظِيم الله تَعَالى، نَعَمْ مَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ قَاصِدًا الِاسْتِخْفاف بِالْحَرَمِ عَصى، وَمَنْ هَمَّ بِمَعصِيَة الله قَاصِدًا الِاستِخْفَاف بِاللّهِ كَفَرَ، وَإِنَّمَا الْمَعْفُوّ عَنْهُ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَاهِلًا عَنْ قَصْد الِاسْتِخْفافَ، وَهَذَا تَفْصِيل جَيِّد" (١). رابعًا: إن تعظيم شعائر الله لا بد أن يكون بالطريقة الشرعية، وبالكيفية التي جاء بها كتاب الله وسُنة رسوله ﷺ وعلى نهج أصحابه وسلف الأمة، فلا يكون تعظيم الشعائر بآراء الناس وأذواقهم، وما تستحسنه عقولهم، بل ذلك كله إلى الشرع، فلا يُعَظِّم إلا ما عظَّمه الشرع، وبالكيفية التي جاء بها. يقول ابن عبد الهادي في معرض مناقشته لأهل التعظيم البدعي: "أتوجبون كل تعظيم للرسول ﷺ ، أو نوعًا خاصًا من التعظيم، فإن

стр. 1006

أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره، وتقبيله، واستلامه، والطواف به؛ لأنه من تعظيمه، وقد أنكر ﷺ على من عَظَّمَه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، ... فمن عَظَّمَه بما لايحب فإنما أتى بضد التعظيم" (١). ويقول ابن الحاج: "لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - وَقَدْ بَيَّنَ ﵊ مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وأَوَانٍ، وَأَيْضًا فَيَسَعُنَا فِيهَا مَا وَسِعَ السَّلَفَ إنْ كُنَّا صَالِحينَ؛ لِأنَّ تَعْظِيمُ الشَّعَائِرِ وَاحْتِرَامَها عَنْهُم يُؤْخَذُ وَمِنْهُمْ يُتَلَقَّى، لَا بِمَا سَوَّلَتْ لَنَا أَنْفُسُنَا، وَمَضتْ عَلَيْهَا عَادَتُنَا؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، فَهُوَ الَّذِي يُتَّبَعُ لَا الْعَوَائِدُ، أَعَاذَنَا اللهُ مِنْ بَلَائِهِ بِمَنِّهِ" (٢). ويقول ﵀ أيضًا في معرض مناقشته لبعض أهل العلم في مسألة القام للقادم: "وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ﵀ (٣) مُسَلَّمٌ لَا يُنَازَعُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ تَعْظِيمَ الْحُرَمَاتِ وَالشَّعَائِرِ قَدْ عُرِفَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْقِيَامِ فِيهَا مَجَالٌ" (٤). ولا يكفي في ذلك كون نية الشخص صالحة، وأنه أراد بهذا العمل تعظيم الله تعالى؛ لأن التعظيم إذا لم يكن أصله شرعيًا، موافقًا للكتاب والسُّنَّة انقلب إلى تنقيص وتحقير، ولا مجال للنية الصالحة مع المخالفة (٥). خامسًا: إن القطع بكون هذا المكان، أو الزمان من شعائر الله لا بد فيه من دليل شرعي يثبت ذلك، بحيث يكون علمًا ظاهرًا للحواس،

стр. 1007

مشتهرًا بين الناس، تَعَبَّدَ الله به عباده، وأمرهم بتعظيمه، وعليه فلا مجال للآراء والأذواق في اختيار الأمكنة والأزمنة، وتخصيصها بالعبادة، وإشهار ذلك، وجعلها من شعائر الله، بل مرجع ذلك إلى الشرع الحكيم، فما جعله الله من الشعائر، وأشهره وأظهره، وأذن بتعظيمه كان تعظيمه من تعظيم شعائر الله. يقول الشيخ حافظ الحكمي: " (كمن يَلُذ ببقعة): أي: يعوذ بها، ويختلف إليها، ويتبرك بها، ولو بعبادة الله تعالى عندها، وتقدم تقييد ذلك بما لم يأذن به الله، فيخرج بهذا القيد ما أذن الله تعالى بتعظيمه؛ كتعظيم بيته الحرام بالحج إليه، وتعظيم شعائر الله من المشاعر، والمواقف، وغيرها، فإن ذلك تعظيم لله الذي أمر بذلك لا لتلك البقعة ذاتها (١) ... وكذلك التعظيم أيضًا نفسه إنما أردنا منع تعظيم لم يأذن الله به، لا المأذون فيه" (٢). سادسًا: إن تعظيم شعائر الله من الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والأعلام هو تعظيم لله، وتعظيم لذات هذه الشعائر؛ وذلك لما تميّزت به عن غيرها، نعم الباعث على هذا التعظيم هو اصطفاء الله تعالى لها دون غيرها، فهو المخصص لها، والآمر عباده بتعظيمها، فحقيقة التعظيم راجعة إليه أصلًا ومآلًا، ولذات الشعائر نصيب من التعظيم تبعًا. لكن يبقى أن يقال -كما سبق تقريره-: إن الكيفية التي تُعَظَّم بها شعائر الله تعالى، وأعلام دينه، يجب أن تكون مطابقة وموافقة للطريقة التي كان عليها -أعظم البشرية تعظيمًا لشعائر ربه- رسول الله ﷺ ، ثم صحابته الكرام الذين ساروا على دربه، ورضي الله عنهم بذلك.

стр. 1008

يقول الإمام ابن القيم: "فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته. فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص، وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصفطاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وما أَبْيَنَ بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساوٍ لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله ﷺ مساوية لذات غيره، وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها" (١). ويقول أيضًا: "والتفاوت البَيِّن بين الأَمكنة الشريفة وأضدادها، والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير؛ فبين ذات موسى ﵇ وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضًا بكثير، فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة، والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات والأذكار والدعوات. ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا، والله سبحانه لا يخصص شيئًا، ولا يفضله ويرجحه، إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله، نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه، وربك يخلق ما يشاء ويختار" (٢).

стр. 1009

سابعًا: إن من تعظيم شَعَائِر الله وإجلالها أن لا تجتمع مع شعائر الشرك والكفر، بل الواجب إزالة ومحو جميع شَعَائِر الكفر والشرك؛ إذ في بقائها وإقرارها تعظيم لها، ورفع من شأنها، وتحقير لشعائر الله وإهانة لها، وذلك يستلزم الاستهانة بالله تعالى وبأمره (١). يقول الإمام ابن القيم في معرض ذكره للفوائد المستفادة من غزوة الطائف: "ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، والتبرك، والنذر، والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "فعلم بذلك أن بناءها -أي: المساجد على القبور- لا يجوز مطلقًا، وما ذلك إلا لكونها من أعظم وسائل الشرك، ومن أظهر أعلامه وشعائره، وهي سنة اليهود والنصارى التي نُهِينَا عن اتِّبَاعِهَا، وَحُذِّرْنَا من سُلُوكِهَا" (٣). وقال الإمام ابن تيمية في شأن شَعَائِر أهل الكتاب: "فهذا من شَعائِر الكفر التي نحن مأمورون بإزالتها، والمنع منها في ديار الإسلام،

стр. 1010

فلا يجوز إعانتهم عليها" (١). ويقول ابن القيم فيما يحرم على أهل الذمة إظهاره: "لما كان الصليب من شَعَائِرِ الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره" (٢). ومما ينبغي أن يعلم أنه لا بأس من إقامة شَعَائِر الإسلام في نفس المكان الذي كانت فيه شعائر الكفر والشرك، وذلك بعد محوها وإزالتها، فيصبح المكان شعيرةً من شعائر الله، وبيتًا من بيوته، بعد أن كان معلمًا من معالم الكفر والشرك، كما فعل النبي ﷺ في بناء مسجده بعد أن أزال مقابر المشركين، وكما أمر ببناء مسجد الطائف في مكان اللات والعزى (٣). يقول الإمام ابن القيم: "قصد النبي ﷺ إظهار شَعَائِرِ الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته - صلوات الله وسلامه عليه - أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي ﷺ أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى " (٤). ولا تعارض بين فعله هذا، وبين قوله ﷺ للرجل الذي قال له: (إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي ﷺ : " هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد "، قالوا: لا، قال: "هل كان فيها عيد من أعيادهم"،

стр. 1011

قالوا: لا، قال رسول الله ﷺ : " أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم") (١). فإن هذا الحديث قد دلَّ على أن الذبح بموضع كان فيه وثن يعبد، أو فيه عيد من أعياد الجاهلية معصية لله تعالى لا يجوز بحال (٢)؛ لكن المقصود المنع من ذلك مع بقاء معالم ذاك المكان، وكونه معلمًا من معالم الكفر، وشعيرة من شَعائِر الشرك، أما إذا تحوَّلت معالمه، وصار من شَعَائِر الله تعالى، وأُزيلت عنه معالم الشرك، وشعائر الكفر زال عنه المنع، وتغير الحكم، وأبيحت فيه سائر العبادات المشروعة في مثله، فإذا كان الموضع فيه صنم يعبد، أو فيه عيد من أعياد أهل الشرك، ثم أزيلت وبني في مكانه مسجد للمسلمين، جازت فيه الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، والوفاء بالنذور الجائزة في مثله. ثامنًا: كل ما كان من شَعَائِر الله المكانية أو الزمانية فلا بد فيه من عبادة الله تعالى ترتبط به، ولا تنفك عنه، ولا يكمل تعظيمها بدون القيام بهذه العبادة، إضافة إلى التعظيم القلبي الذي هو أصل تعظيم جميع الشعائر، وذلك يختلف باختلاف درجة تلك العبادة من حيث الوجوب، أو الاستحباب. يقول الإمام ابن تيمية: "وكل ما كان من شَعَائِر الله فلا بد من نسك واجب بهما، كسائر الشعائر؛ من عرفة، ومزدلفة، ومنى، والبيت؛

стр. 1012

فإن هذه الأمكنة جعلها الله يذكر فيها اسمه، ويتعبد فيها له، وينسك، حتى صارت أعلامًا، وفرض على الخلق قصدها، وإتيانها، فلا يجوز أن يجعل المكان شَعِيرَة لله، وعلمًا له، ويكون الخلق مخيرين بين قصده، والإعراض عنه؛ لأن الإعراض عنه مخالف لتعظيمه، وتعظيم الشعائر واجب، لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها، ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده، ولذا كان ترك الحج بالكلية ترك لتعظيم الأماكن، التي شَرَّفَهَا الله، وترك تعظيمها من فجور القلوب بمفهوم الآية" (١).

стр. 1013

الفصل الرابع القواعد المتعلقة بإبطال الشرك وحقيقة المشركين وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: قاعدة: المشركون ما قصدوا من معبوداتهم إلا القربة والشفاعة ... المبحث الثاني: قاعدة: الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، وإنما وضعت في الأصل لما كان غائبًا من معبودات المشركين. المبحث الثالث: قاعدة: المشركون الأولون يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة ... المبحث الرابع: قاعدة: دين الحنفاء ليس فيه واسطة بين الله وخلقه في الربوبية والألوهية ...

стр. 1014

المبحث الأول قاعدة المشركون ما قصدوا من معبوداتهم إلا القربة والشفاعة ويقولون نريد من الله لا منهم لكن بشفاعتهم والتقرب إلى الله بهم وتشتمل على عدة مسائل: * المسألة الأولى * بيان معنى القاعدة أشارت القاعدة إلى مقاصد المشركين ونياتهم في توجهاتهم وعبادتهم لغير الله تعالى، وأنهم ما أرادوا من معبوداتهم إلا التسبّب والتشفّع والتقرب، ولم يدعوا لآلهتهم التصرف والاستقلال بالتأثير في شيء من الكون، وإن كان ذلك لازمًا لهم من جهة إشراكهم في توحيد العبادة كما سبق بيانه من قبل. فالذي أوقع المشركين في الشرك بالله تعالى هو قولهم واعتقادهم هذا، وصرفهم العبادة لغير الله ممن لا يضر ولا ينفع، قصدًا للزلفى والشفاعة، فاعتقدوا أن صرف العبادة لهذه المعبودات يجلب محبتها، ومن ثم تقرّبهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده، بل جعلوا هذا من تعظيم المعبودات الذي يحبه الله تعالى ويرضى عنهم بسببه، فجعلوا تلك

стр. 1015

المعبودات واسطة بينهم وبين الله تعالى، والحاصل أن مجرد اعتقاد أن هناك واسطة بين الله تعالى وبين عباده في شأن عباداتهم وتوجهاتهم إليه سبحانه شرخ مخرج عن الدين. والمقصود أن صرف العبادة لغير الله تعالى شرك أكبر سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهًا للعالم وخالقًا للكون، أو اعتقد أن عبادته تقرّبه إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام (١). يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "واعلم أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ صفة إشراكهم أنهم يدعون الله، ويدعون معه الأصنام والصالحين، مثل عيسى وأمه والملائكة، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهم يقرون أن الله سبحانه هو النافع الضار المدبر كما ذكر الله عنهم" (٢). * المسألة الثانية * أدلة القاعدة المتدبّر لكتاب الله تعالى يجد تقرير معنى القاعدة في كثير من آيات القرآن المجيد، وما ذاك إلا لعظمها وأهميتها، إذ هي من أعظم المسائل، بل هي أعظم مسألة خالف فيها رسول الله ﷺ مشركي العرب، واستوجبوا بذلك سفك دماءهم، واستحلال أموالهم. يقول الشيخ محمود شكري الألوسي في شرحه لمسائل الجاهلية للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "المسألة الأولى: أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله تعالى وعبادته، ويرون ذلك من

стр. 1016

تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون بذلك شفاعتهم عند الله؛ لظنهم أنهم يحبون ذلك ... وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ فأتى بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأخبر أن من فعل ما يستحسنونه فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد" (١). وفيما يلي أذكر بعض الأدلة الدالة على صحة القاعدة: قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨]. بيَّن الله تعالى ذكره في هذه الآية صفة عبادة المشركين، لأوثانهم، وأنهم تجاوزوا الله تعالى إلى عبادة غيره مع عبادتهم له سبحانه، فأشركوا معبوداتهم مع الله تعالى في العبادة، مع كونها لا تملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، معتقدين وقاصدين بتلك العبادة التقرّب إلى الله تعالى، وحصول الشفاعة عنده ، فأبطل سبحانه قولهم بأنه لا يعلم في السموات ولا في الأرض شفيعًا يشفع بدون إذنه ورضاه. يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله ... وكان المشركون يزعمون أنها تشفع لهم عند الله، فقال الله لنبيه ﷺ : قل لهم أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السماوات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما، وذلك باطل لا تعلم حقيقته وصحته، بل يعلم الله أن ذلك خلاف ما تقولون، وأنها لا تشفع لأحد ولا تنفع ولا تضر" (٢).

стр. 1017

ويقول الرازي في معنى الآية: "فاعلم أن من الناس من قال: إن أولئك الكفار توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله ، فقالوا: ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى، بل نحن نشتغل بعبادة هذه الأصنام وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى" (١). ويقول الإمام ابن تيمية: "وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ [يونس: ١٨] " (٢). ويقول الشيخ السعدي في بيان معنى الآية: "أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى مبطلًا لهذا القول: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: الله تعالى هو العالم الذي أحاط علمًا بجميع ما في السموات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله معه" (٣). ثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣]. دلت الآية الكريمة على أن الله تعالى لا يقبل دينًا إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأن الذين أشركوا في عبادة الله تعالى قد اتخذوا من دونه أولياء يتولونهم بصرف العبادة لهم والتوجه إليهم، مع اعترافهم بأنهم

стр. 1018

لم يعبدوهم إلا من أجل أن يقربوهم إلى الله زلفى، فكان عذرهم هذا هو عين الشرك بالله تعالى. يقول الإمام الطبري في تأويل الآية: "لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكًا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئًا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه، والشفاعة لمن يشفع له من رسلي، وأوليائي، وأهل طاعتي" (١). ويقول الإمام الشوكاني: "فالتوحيد هو دين العالم أوله وآخره وسابقه ولاحقه ومن خالف في ذلك فجعل لله شريكًا، وَعَبَدَ الأصنام فإنه كما أرشد إليه القرآن حكاية عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ مقر بأنه إيمان، وإنما جعل الشريك وصلة إلى الرب سبحانه، ووسيلة إلى التقريب إليه" (٢). ويقول الشيخ الشنقيطي: "ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده بيّن شبهة الكفار التي احتجوا بها للإشراك به تعالى في قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة" (٣). ثالثًا: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨].

стр. 1019

يقول الإمام السمعاني: "وقوله: ﴿قُرْبَانًا﴾ إنما قال ذلك لأنهم كانوا يقولون إن عبادتنا لها تقربنا إلى الله" (١). ويقول الإمام الطبري: "فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم، وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانًا يتقربون بها فيما زعموا إلى ربهم منا، إذ جاءهم بأسنا فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون، وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد ﷺ على مشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئًا، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها" (٢). ويقول الرازي في بيان معنى الآية: "ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ أي: اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (٣). ويقول أبو السعود في تفسير الآية: "فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربًا بها إلى الله تعالى، حيث كانوا يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، هؤلاء شفعاؤنا عند الله" (٤).

стр. 1020

* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة لقد تضافرت أقوال أهل العلم، وتنوعت عباراتهم في بيان القاعدة وتقريرها لما لها من الأهمية العظمى في بيان حقيقة مقاصد المشركين في عبادتهم لغير الله تعالى، وفيما يلي أذكر بعضًا مما وقفت عليه من ذلك: يقول الإمام ابن تيمية: "والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله" (١). ويقول ﵀ أيضًا: "وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم" (٢). ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القواعد الأربع: " القاعدة الثانية: أنهم - أي: المشركون - يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة، والشفاعة، ونريد من الله لا منهم، لكن بشفاعتهم، والتقرب إلى الله بهم" (٣). ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ: "وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله" (٤). ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "ومن له أدنى نهمة في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا
следующие страницы →