بين الأشياء؛ في الكثرة، والقلة، والأعداد، والأحجام، ونحو ذلك. وهذا عند المسلم والكافر، وليس له علاقة بالديانة.
الثاني: عقل رشد: وهو الذي يعلم به صاحبه فيعمل، وهو العقل الصحيح الذي يقبل الحق إذا علمه، ويبتعد عن الشر إذا عرفه، فالذي يعلم الحق ولا يعمل به ليس لديه عقل رشد، وإنما لديه عقل إدراك، حيث أدرك به العلم، ولم يسترشد بذلك ويرشد.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضًا قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دل القرآن، .. وإذا كان كذلك؛ فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم" (١).
فهؤلاء الكفار لديهم عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، ولكنهم فقدوا عقل الرشد بسبب عدم اتباعهم الحق بعد أن تبين لهم.
فالعقل النافع الممدوح هو العلم المستلزم للعمل المصاحب للانقياد والتطبيق، وهو بخلاف الذكاء الذي هو سرعة البديهة وبخلاف مطلق التمييز كذلك.
يقول الإمام ابن حزم (٢): "والعقل هو استعمال الطاعات والفضائل، وهو غير التمييز؛ لأنَّهُ استعمال ما ميز الإنسان فَضلَهُ، فكل
стр. 107
عاقل مميز، وليس كل مميز عاقلًا (١).
وقال ﵀ أيضًا: "لأن العقل على الحقيقة إنما هو استعمال الطاعات، واجتناب المعاصي، وما عدا هذا فليس عقلًا بل هو سخف وحمق" (٢).
فالعاقل إذًا لا بد أن يجمع بين العلم بالحق والعمل به.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل، والعقل يتضمن العلم والعمل، فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلًا؛ ولهذا لا يعد عاقلًا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره، فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يُلْقِي نفسه في المهالك، وقد يفر مما ينفعه" (٣).
ويقول الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (٤): "وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه" (٥).
والقلب هو مكان التعقل، ولذا ربما جاء التعبير بالقلب مرادًا به العقل، وهو أسلوب عربي معروف، فيطلق المحل ويراد الحال فيه.
ولذا عرَّف بعضهم القلب بقوله: "وهو النور الذي خص اللَّه تعالى به نوع الإنسان، وشرفه به، وجعله مناط توجيه الأمر والنهي، والإبانة
стр. 108
والعقوبة" (١).
وبذلك يظهر تفاوت العقول فيما بينها، وتفاضل بعضها على بعض، وذلك بحسب ما يقترن بها من مؤثرات، وبحسب نصيبها من استعمال الفضائل، والتزود بالطاعات، وفعل المأمورات وترك المنكرات.
يقول الشيخ السعدي: "وإذا أردت معرفة مقادير عقول الخلق على الحقيقة فانظر إلى عقول المهتدين بهداية القرآن والسُّنَّة، وإلى عقول المنحرفين عن ذلك تجد الفرق العظيم.
ولا تحسبن العقل هو الذكاء، وقوة الفطنة، والفصاحة اللفظية، وكثرة القيل والقال، وإنما العقل الصحيح أن يعقل العبد في قلبه الحقائق النافعة، عقلًا يحيط بمعرفتها، ويميز بينها وبين ضدها، ويعرف الراجح من الأمور فيؤثره، والمرجوح أو الضار فيتركه" (٢).
يقول الشيخ محمود محمد شاكر: "فإن العقل هبة اللَّه لكل حي، وَلَكِن أساليب تَفْكِيرِهِ كسبٌ يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة" (٣).
* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة
دلَّت القاعدة على أن الشرع مبناه على أمرين:
الأول: تكميل أديان الخلق وصيانتها عن الانحراف، والمحافظة
стр. 109
عليها لكيلا تفسد وتختل، ويشمل ذلك جميع جزئيات الدين في أصوله وفروعه، ومن أعظم ما كمَّل اللَّه به أديان الخلق أن أوجب عليهم توحيده ، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له، وصرف القلوب إلى التعلق بربها وفاطرها جل وعزَّ، وسد أمامها كل الطرق والسبل المؤدية إلى اختلال الأديان وفسادها.
يقول الإمام ابن القيم مبينًا مفهوم تكميل الدين: "وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية اللَّه في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات اللَّه، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبة ما أحبه، وبذل الجهد في فعله، وموافقته في كراهة ما كرهه، وبذل الجهد في تركه" (١).
فليس المراد بالتكميل هنا تكميله بالفضائل فحسب، وإنما المقصود إصلاح ما فسد من تلك الأديان المنحرفة عن الصراط المستقيم، والتي أصابها الخلل العظيم في عقيدتها وأخلاقها وسلوكها، ابتداء بتقرير التوحيد وإفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتوجه والتعظيم، وعدم التعلق بالمخلوقات المربوبة الضعيفة، والانقياد لرسل اللَّه بالطاعة والتوقير، ومن ثم الدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة والشيم الكريمة، والصفات الحميدة.
يقول الرازي في شأن العرب قبل البعثة النبوية: "كان دين العرب أرذل الأديان، وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق؛ وهو الغارة، والنهب، والقتل، وأكل الأطعمة الرديئة، ثم لما بعث اللَّه محمدًا ﷺ نقلهم اللَّه ببركة مقدمه من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم؛ في العلم، والزهد، والعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها، ولا شكَّ أن فيه أعظم المنة (٢).
стр. 110
وهكذا سار أفضل الخلق في دعوته الكبرى، وأثره الخالد في إصلاح أديان البشر، وشرائعهم، وأعمالهم، وأخلاقهم وفي إنقاذ الإنسانية العانية وتجديد دينها بدينه الجديد، الذي قلب به أوضاع الدنيا، ونقل بسببه العالم إلى طور سعيد، بل إلى الطور السعيد الذي لولاه لدام يتخبط في الظلمات، ولبات في عداد الأموات (١).
الثاني: كمال العقول (٢)، وقد كملها اللَّه بأمرين:
أحدهما: بما ركَّبه في طبيعة هذه العقول من هيئة تستحسن الشرع، وتميل إليه، وتستهجن كل ما يخالفه ويناقضه ويضاده، وتنفر عنه، لا سيما في أوجب الواجبات، فإنَّه لا أوجب في العقول من عبادة الرب وحده، ولا أقبح من صرف خالص حقه لغيره (٣).
الثاني: تكميله بالشرع الذي هو نور اللَّه في أرضه وعدله بين عباده، فجاءت نصوص الشرع حاضة على صرف العبادة لمستحقها وهو اللَّه جلَّ في علاه، وحرمت عليهم كل ما فيه تعلق أو صرف للقلوب بغير المولى، وصانهم عن كل ما فيه تدني وتذلل وتضرع لغير وجهه الكريم، وعن كل ما فيه إهانة وإهدار لقيمة هذا العقل الذي شرَّف اللَّه به البشرية، وميزهم به عن سائر الحيوان، فلا يستعملونه إلا في معرفة خالقهم والتقرب إليه بأنواع العبادات وصنوف الخضوع، وغاية المحبة والذلة، مع التعظيم والإجلال (٤).
стр. 111
يقول الشيخ السعدي: "في هذا أكبر دليل على أن معرفة ما أنزل اللَّه إلينا من أعظم ما يربي عقولنا، ويجعلها عقولًا تفهم الحقائق النافعة والضارة، وترجح هذه أعظم ما يربي عقولنا، ويجعلها عقولًا تفهم الحقائق النافعة والضارة، وترجح هذه على هذه، ولا تميل بها الأهواء، والأغراض، والخيالات، والخرافات الضارة، المفسدة للعقول" (١).
فالعقول قد أدركت بنفسها حسن الشريعة والتوحيد وقبح الشرك على وجه الإجمال، ثم جاء الشرع وكمل هذه العقول بأن نبهها وفصَّل لها قضايا التوحيد، وما يجب من حق اللَّه تعالى، وما لا يجوز في حقه من عبادة غيره أو التعلق بغيره جلَّ وعلا، فحرم تعاطي كل ما تنكره وتنفر منه العقول، وحررته من قيود الذلة والخضوع لغير الباري ﵎، وجعلته عزيزًا مكرمًا، غير منساق خلف الخرافات والخزعبلات، فلا يخشى ولا يخاف إلا اللَّه، ولا يرجو غير مولاه، وبذلك يكون قد ترقى في أعلى درجات الكمال (٢).
يقول ابن القيم في بيان تكميل الشرع لهذه العقول: "وجاءت الرسل وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في الفطر والعقول من ذلك، وتكميله، وتفصيله، وزيادته حسنًا إلى حسنه، فاتفقت شريعته وفطرته، وتطابقا، وتوافقا، وظهر أنهما من مشكاة واحدة، فعبدوه وأحبوه ومجدوه وحمدوه بداعي الفطرة، وداعي الشرع، وداعي العقل، فاجتمعت لهم الدواعي، ونادتهم من كل جهة ودعتهم إلى وليهم وإلههم" (٣).
стр. 112
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
يستدل لهذه القاعدة بالنصوص الدالة على أنه لا يعلم الغيب إلا اللَّه تعالى، فهو العالم بما كان وبما سيكون، وبما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو القادر على إيصال النفع أو الضر إلى من يشاء من خلقه، وهذا من أعظم أصول الإسلام، وقواعده العظام:
لقد دلَّ على تقرير هذا الأصل أدلة لا تكاد تحصى كثرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩] وقوله: فَقُل ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥] وقوله جلَّ وعز: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦] والشرع قد حافظ على هذا الأصل العظيم، وشدَّد فيه، وحرَّم كل الطرق والوسائل المؤدية إلى خدشه وزعزعته، وبذلك يكون قد حث على تكميل الأديان بالمحافظة عليها وعلى تكميل العقول بصيانتها، وتوضيح ذلك فيما يلي:
١ - أنه حرَّم إتيان الكهان، وسؤال العرافين، أو تصديقهم، وهم الذين يدعون معرفة الغيوب، ويحدثون الناس بما يكون في المستقبل؛ سواء كان عامًا أو خاصًا، فالشرع حرَّم إتيانهم وسؤالهم حفاظًا على الدين، وصيانة للعقول من الجري وراءهم، ولذا جاء فيما رواه أبو هريرة والحسن ﵄: عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (١).
стр. 113
وقال ﷺ : "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (١).
وجاء عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا قال: "من أتى كاهنًا فسأله وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " (٢).
يقول الشيخ السعدي في شرحه لباب: (ما جاء في الكهان ونحوهم) من كتاب التوحيد للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "أي: من كل من يدّعي علم الغيب بأي طريق من الطرق، وذلك أن اللَّه تعالى هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة اللَّه في شيء من ذلك بكهانة، أو عرافة، أو غيرهما، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل اللَّه شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب اللَّه ورسوله.
وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك، والتقرب إلى الوسائط التي تستعين بها على دعوى العلوم الغيبية، فهو شرك من جهة دعوى مشاركة اللَّه في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير اللَّه، وفيه إبعاد الشارع للخلق عن الخرافات المفسدة للأديان والعقول (٣).
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز (٤): "ومن الضلال المبين والجهل
стр. 114
العظيم تصديق الكهان، والعرافين، والرمالين، والمنجمين، والمشعوذين، والدجالين، بالإخبار عن المغيبات؛ فإن هذا منكر، وشعبة من شعب الكفر ... فالواجب على المسلمين الحذر من سؤال الكهنة، والعرافين، وسائر المشعوذين، والمشتغلين بالإخبار عن المغيبات، والمتلاعبين بعقول الجهلة، والتلبيس على المسلمين؛ فالأمور الغيبية لا يعلمها إلا الذي يعلم ما تكن الصدور، ويعلم الخفايا، حتَّى أنبياؤه ورسله، وملائكته، لا يعلمون شيئًا من المغيبات إلا ما أخبرهم به سبحانه" (١).
فسؤال الكهان، وتصديقهم فيما يقولونه من الكفر العظيم، لأن فيه ادعاءً لعلم الغيب الذي اختص اللَّه به، وفي هذا غاية الفساد للعقائد والأديان، والتسفيه للعقول والأحلام، ومن صدق من يفعل شيئًا من هذه الأمور فقد كفر بالقرآن الذي نص على أن الغيب من خصوصيات الرب ﵎.
٢ - ما جاء من النهي عن التنجيم، كما في حديث ابن عباس (٢) ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اقتبس علمًا من النجوم
стр. 115
اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" (١)، وهو ادعاء معرفة المغيبات عن طريق النجوم، وهو نوع من السحر، وهو ثلاثة أنواع؛ واحد جائز: وهو ما يسمى بعلم التسيير. وهو أن يعلم النجوم وحركات النجوم؛ لأجل أن يعلم القبلة والأوقات، وما يصلح من الأوقات للزرع وما لا يصلح، والاستدلال بذلك على وقت هبوب الرياح، وعلى الوقت الذي أجرى فيه سُنَّته أنه يحصل فيه من المطر كذا ونحو ذلك، واثنان ممنوعان وهما:
الأول: اعتقاد أن النجوم فاعلة مؤثرة بنفسها، وأن الحوادث الأرضية منفعلة ناتجة عن النجوم وعن إراداتها، وهذا تأليه للنجوم.
الثاني: ما يسمى بعلم التأثير؛ وهو الاستدلال بحركة النجوم والتقائها وافتراقها، وطلوعها وغروبها على ما سيحصل في الأرض في المستقبل (٢).
ولا شكَّ أن هذا النظر في النجوم، والتوصل بها إلى معرفة الغيوب من ادعاء علم الغيب، وهو نوع من السحر والكهانة، ولا شكَّ أن هذا مناف للتوحيد؛ لما فيه من التعلق بغيره ، واختصاصه بعلم الغيب، كما أن فيه إفسادًا للعقل وتسفيه له لما فيه من تصديق الكهنة والمنجمين فيما توحيه إليهم الشياطين.
يقول الشيخ السعدي: "الشجيم نوعان: نوع يسمى علم التأثير: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية، فهذا باطل ودعوى لمشاركة اللَّه في علم الغيب الذي انفرد به، أو تصديق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة، ولما فيه من
стр. 116
تعلق القلب بغير اللَّه، ولما فيه من فساد العقل؛ لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان" (١).
٣ - ما جاء من النهي عن الطيرة والتطير، كما في حديث ابن مسعود ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "الطيرة شرك ثلاثًا وما منا إلا ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل" (٢).
وحقيقة التطير التشاؤم أو التفاؤل بحركة الطير من السوانح والبوارح (٣)، كانوا في الجاهلية إذا أراد أحد أن يذهب إلى مكان، أو يمضي في سفر، استدل بما يحدث له من أنواع حركات الطيور، أو بما يحدث له من الحوادث على أن هذا السفر سفر سعيد فيمضي فيه، أو أنه سفر سيئ فيرجع عنه (٤).
يقول الشيخ السعدي في حالة التطير الشركية: "وأما الطيرة فإنه إذا عزم على فعل شيء من ذلك من الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره، أثر في قلبه أحد أمرين، أحدهما أعظم من الآخر:
أحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازمًا على فعله، أو بالعكس، فيتطير بذلك، وينكص عن الأمر الذي كان عازمًا عليه، فهذا كما ترى قد علق قلبه بذلك المكروه غاية التعليق، وعمل عليه، وتصرف ذلك المكروه في إرادته وعزمه وعمله، فلا شكَّ أنه على هذا
стр. 117
الوجه أثَّر على إيمانه وأخل بتوحيده وتوكله، ثم بعد هذا لا تسأل عما يحدثه له هذا الأمر من ضعف القلب، ووهنه، وخوفه من المخلوقين، وتعلقه بالأسباب، وبأمور ليست أسبابًا، وانقطاع قلبه من تعلقه باللّه، وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله، ومن الخرافات المفسدة للعقل.
الأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي، ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا، وهمًّا، وغمًّا، فهذا وإن كان دون الأول لكنه شمر وضرر على العبد، وضعف لقلبه، وموهن لتوكله، وربما أصابه مكروه فظن أنه من ذلك الأمر فقوي تطيّره، وربما تدرج إلى الأمر الأول، فهذا التفصيل يبين لك وجه كراهة الشارع للطيرة وذمها، ووجه منافاتها للتوحيد والتوكل" (١).
* المسألة الرابعة * أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة
ذكر هذه القاعدة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في كتابه "القول السديد في مقاصد التوحيد"؛ فقال في شرح باب: (من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوها لرفع البلاء أو دفعه) ما نصه: "والشرع مبناه على تكميل أديان الخلق بنبذ الوثنيات والتعلق بالمخلوقين، وعلى تكميل عقولهم بنبذ الخرافات والخزعبلات، والجد في الأمور النافعة المرقية للعقول، المزكية للنفوس، المصلحة للأحوال كلها دينيها ودنيويها" (٢).
ومقصوده بالتكميل كما سبق هو إصلاحها وصيانتها والمحافظة عليها.
стр. 118
يقول أبو عبد اللَّه القرطبي في شأن حرص الشارع على الأديان: "وأما المحافظة على الأديان وصيانتها فهو المقصود الأعظم، والمستند الأعصم، فحرم الكفر والفسوق والعصيان، وأوجب الطاعات والإيمان، وأوجب قتل الكافر وتوعده بالعذاب الدائم والهوان، ولا يخفى على من معه أدنى مسكة، إذا تأمل بأدنى فكرة، أن الإيمان باللّه رأس المصالح والخيرات، والكفر رأس المقابح والهلكات، ولأجل وجوب الإيمان وتحريم الكفران أرسل اللَّه الرسل وأنزل الكتب" (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "فإنهم ضادوا الرسول، إذ بعث بإصلاح العقول والأديان، وتكميل نوع الإنسان وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان" (٢).
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لهذه القاعدة فوائد عدة يمكن الاستفادة منها، فمن هذه الفوائد ما يلي:
أولًا: استشعار نعمة اللَّه تعالى بإكماله لهذا الدين، والفرح بذلك، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]، فما من نعمة بعد الإسلام والإيمان، وبعثة سيد الأنام محمد ﷺ أعظم من نعمة إكمال اللَّه لدين الإسلام، وتتميمه وصيانته والمحافظة عليه، كيف لا وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]؛ ولذا أدرك اليهود -عليهم لعائن اللَّه- قدر هذه النعمة، فحسدوا المسلمين عليها، كما جاء في البخاري عن عمر بن
стр. 119
الخطاب ﵁: (أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النَّبِيّ ﷺ وهو قائم بعرفة يوم جمعة) (١).
وما من شكَّ أن توحيد اللَّه بالعبادة، وإفراده بالتعلق، وتصفية القلوب بتعبيدها لخالقها، وتخليص العقول من الذل والخضوع والتعلق بغير اللَّه تعالى هو من أعظم النعم التي كمل اللَّه بها شريعة الإسلام، بل في شريعة الإسلام من إظهار هذا التوحيد، وتحقيقه وتوطيده في قلوب العباد ما لا يعرف مثله في ديانة من الديانات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فلما بعث اللَّه محمدًا أظهر به توحيد اللَّه، وعبادته وحده لا شريك له ظهورًا لم يعرف في أمة من الأمم، ولم يحصل مثله لنبي من الأنبياء، وأظهر به من تصديق الكتب والرسل .... ما لم يكن ظاهرًا لا عند أهل الكتاب ولا غيرهم" (٢).
ثانيًا: أن علم المسلم بتكميل اللَّه تعالى للأديان والعقول يجعله عزيزًا قويًا بربه ﵎، لا يخاف ولا يتذلل ولا يخضع إلا لفاطر السموات والأرض، ولا يضعف تحت تأثير الخرافات والخزعبلات؛ إذ كل ما سوى اللَّه لا يخرج عن أمره وسلطانه، بل هو ضعيف ذليل لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن يملكه لغيره، كما أنه عزيز مكرم بهذا العقل الذي وهبه اللَّه إياه، وميَّزه به عن سائر الحيوان، يدرك به ما ينفعه، ويتوصل به إلى أعلى درجات الرقي والتقدم فيما يصلح دينه ودنياه، ويحفظه عن كل ما فيه إهدار لقيمته، أو تحقير من شأنه ومنزلته،
стр. 120
فلا يعتقد في كبير ولا صغير، ولا عظيم ولا حقير، فلا نافع له سوى ربه ومعبوده ﵎.
يقول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي (١): "وحيث كان الشرك قبيحًا عقلًا وذوقًا وإنصافًا وعدلًا، إذ هو إهدار لكرامة الإنسان التي كرمه اللَّه بها، وإذلال له حيث يتدنى ويتذلل لمخلوق من ماء مهين مثله، يخضع بين يديه، ويتضرع لديه راجيًا منه وخائفًا كما فيه إهدار لقيمة العقل، العقل الذي شرَّف اللَّه به صاحبه، وجعله مكرمًا ومميزًا به على غيره، وبه يدرك العلوم ويخترع الصنائع ويسخر الطبيعة، ويستخرج منها ما يكون به سيدًا عليها، فهل يليق بالإنسان الذي وهبه اللَّه هذه الصفات أن يسقط نفسه ويذلها لقبر، أو لشجر، أو لكوكب، أو لنار، أو لصنمٍ، أو لبقر؟ - الجواب: لا يليق به، والمراد من الإنسان أن يكون شريفًا، مطاعًا، عزيزًا، أبيًا، لا مهانًا وذليلًا ومستعبدًا للأوهام، والظنون،
стр. 121
والخيالات، بل المطلوب منه أن يعبد خالقه الذي وهبه تلك الصفات السنية، وأهّله لتلك المراتب العلية، وأن يتذلل بين يديه يرجو رحمته ويخاف عذابه" (١).
ثالثًا: دلت القاعدة على صيانة الشرع وإصلاحه، وتكميله لأديان الخلق وعقولهم، وفي هذا أعظم الدلالة على اتفاق الشرع والعقل وتعاضدهما وعدم اختلافهما وتناقضهما، فالعقل لا يهتدي بدون الشرع، كما أن الشرع لا يفهم المقصود من نصوصه إلا بالعقل.
يقول العلامة ابن القيم: "فجمع سبحانه بين السمع والعقل، وأقام بهما حجته على عباده فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلًا، فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة اللَّه على خلقه، وكتابه هو الحجة العظمى فهو الذي عرفنا ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدًا" (٢).
رابعًا: اعلم أن تكميل اللَّه لعقول الخلق ليس تكميلًا مطلقًا، بحيث تستقل عن الشرع فتدرك كل شيء، بل هي لا تزال تحت حجر الشرع، فهو الآمر والناهي والحاكم عليها، وإن كان الشرع لا يأتي بما تحيله العقول، بل كل ما جاء به فالعقل السليم يؤيده، ويصدقه، ويؤمن به، والمقصود أنه ليس في مقدور العقول إدراك كل شيء، فوجب رجوعها إلى الشرع، وانقيادها له.
فالتكميل المقصود هو معرفتها وإدراكها لكل ما ينفعها في أمر دينها ودنياها، وصيانتها والمحافظة عليها، لكي تعرف الخير والهدى فتتبعه، وتعلم الشر والضلال فتجتنبه، وإلا فلا تزال هذه العقول قاصرة عن محرفة الكثير من عجائب اللَّه، وحِكَمِه في مخلوقاته وأمره وشرعه، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
стр. 122
يقول الإمام ابن تيمية: "وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية، والمعارف الإلهية قد جاء به الكتاب والسُّنَّة، مع زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه اللَّه بخطابه، فكان فيما جاء به الرسول من الأدلة العقلية والمعارف اليقينية فوق ما في عقول جميع العقلاء من الأولين والآخرين" (١).
ويقول الإمام ابن القيم: "فهذا أصل يجب التمسك به في هذا المقام، وأن يعلم أن عقول العالمين، ومعارفهم، وعلومهم، وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته" (٢).
بل إن عقول جميع الخلائق لو ركبت، وجعلت عقلًا واحدًا، ثم تأمل الإنسان بهذا العقل الواحد في عجائب حكمة اللَّه تعالى، في أقل الأشياء، لما أدرك منها إلا القليل (٣).
خامسًا: كما أن العقول ليس لها الكمال المطلق بحيث تحكم في كل شيء، كذلك يجب اعتبارها وعدم إهدارها وإلغائها عن الفهم عن اللَّه تعالى؛ إذ هي مناط التكليف وعليها يكون الثواب والعقاب، والذي يلغي عقله فلا يستعمله في الوصول إلى الحق يكون من جملة البهائم وفي عداد الأنعام؛ ولذا نعى اللَّه في كتابه حال الكافرين، حيث عطلوا عقولهم عن التفكر في آيات اللَّه القرآنية، وآياته الكونية، فلم يستفيدوا منها في الوصول إلى الحق. قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
والعقل إذا لم يجعل مطية إلى الوصول إلى فهم كلام اللَّه، وكلام رسوله ﷺ ، والتدبر في خلق اللَّه وبديع صنعته، فإن وجوده كعدمه.
فيجب تسخير العقل في الوصول إلى الحق، والمحافظة عليه من
стр. 123
كل فكر دخيل، أو مذهب هدام، أو نحلة باطلة، تُغَيِّرُ مفهوماتِه الشرعية.
سادسًا: أن تكميل أديان الخلق وعقولهم يكون بمحاربة جميع العقائد الفاسدة والأفكار المنحرفة، وما يتبع ذلك من رد شبه أهل الباطل التي تؤدي إلى فتنة الناس في أديانهم وتفسد عليهم عقولهم؛ ولذا غضب النَّبِيّ ﷺ لما رأى الصحيفة من التوراة (١) في يد عمر ﵁؛ لما يؤدي إليه ذلك من إفساد العقل السليم، واختلاط الحق بالباطل، وعليه فمن أعظم الواجبات، وأجل الفروض محاربة العقائد الفاسدة، والأفكار المنحرفة حماية للأديان وصيانة للعقول" (٢).
يقول الدكتور خالد الحازمي: "ومما يفسد العقل فكرًا وتصورًا، إثارة الشبه بيَّن الناس، وإشغالهم، وافتتانهم بها، وكذا الترويج للشعوذة والكهانة، والنظريات الباطلة في التربية، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأخلاق، ونشر اللهو عن طريق وسائل متعددة: كالكتاب، والمجلة، والصحيفة، والمسرح، والقصص، والسينما، والرائي، والمذياع، وغير ذلك من الوسائل ذات التأثير الفاعل، وهذه المفسدات العقلية تنحو بفكر الإنسان منحًى يبعده عن مساره الصحيح" (٣).
стр. 124
المبحث الثالث
قاعدة
الدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * معنى القاعدة
يظهر جليًا نوع علاقة هذه القاعدة بسابقتها؛ إذ بيان الشرع وإيضاحه واستبانته في أصوله وفروعه من أعظم وسائل تكميل الدين وحفظه وصيانته، ومن المعلوم أن تمام الدين وكمال بيانه يكون بتبليغ ألفاظ الشرع ومعانيه، إذ تبليغ الألفاظ دون المعاني من العبث الذي يُنَزَّه عنه اللَّه ﵎ ورسوله ﷺ ، كما أن تبليغ المعاني بدون الألفاظ مما يتعذر ولا يعقل، إذ الألفاظ قوالب المعاني، والذي يجب الجزم واليقين به أن بيان الدين قد وقع من النَّبِيّ ﷺ على أكمل الوجوه وأتم الصور.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله؛ إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعًا، ولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى؛ فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرسالة،
стр. 125
وبيان المعنى وحده بدون دليله وهو اللفظ الدال عليه ممتنع، فعلم قطعًا أن المراد بيان اللفظ والمعنى، واللّه تعالى أنزل كتابه؛ ألفاظه ومعانيه، وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بيَّن اللفظ فكذلك نقطع ونتيقن أنه بيَّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود وكيف نتيقن بيانه للوسيلة ولا نتيقن بيانه للمقصود وهل هذا إلا من أبين المحال" (١).
فالقاعدة دلت على كمال بيان اللَّه تعالى لهذا الدين في كتابه، وعلى لسان رسوله محمد ﷺ ، بما أوحاه اللَّه إليه من الوحي؛ وهذا البيان شامل لأصول الدين وفروعه وأقواله وأعماله، ويدخل في ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، سواء كانت من الأمور العلمية الخبرية، أم كانت من الأمور العملية، فجميع ذلك قد تم بيانه، واكتمل إيضاحه على غاية الإتقان والبيان (٢).
ولا شكَّ أن أصول الدين وقواعد الإسلام هي من أكثر أمور الدين بيانًا ووضوحًا؛ وذلك لشدة الحاجة إليها.
يقول الإمام ابن تيمية: "فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته، واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بيَّنه اللَّه ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر؛ إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبيَّنه للناس، وهو من أعظم ما أقام اللَّه به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بيَّنوه، وبلغوه، وكتاب اللَّه الذي نقل الصحابة تم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سُنّة رسول الله ﷺ التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على
стр. 126
غاية المراد، وتمام الواجب والمستحب" (١).
* المسألة الثانية * أدلة القاعدة
دلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة عديدة في كتاب اللَّه تعالى وفي سُنّة النَّبِيّ ﷺ ، وإجماع الأمة، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي منها:
أولًا: عموم النصوص الدالة على إكمال اللَّه تعالى لهذا الدين، وأنه لم ينقص منه شيئًا، كما في قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ولا شكَّ أن كمال الدين يستلزم اكتمال معانيه، وبيانها، وعدم خفائها وغموضها، لا سيما أصول الدين وقواعده العظام.
يقول الإمام ابن حزم: "فأيقنا -وللّه الحمد- بأن الدين الذي كَلَّفَنا به ربنا، ولم يجعل لنا مخلصًا من النار إلا باتباعه، مبين كله في القرآن الكريم، وسُنّة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة، وأن الدين قد كمل فلا مزيد فيه ولا نقص، وأيقنا أن كل ذلك محفوظ مضبوط ... " (٢).
ويقول ﵀: "وقد شهد اللَّه تعالى بأن النص لم يفرط فيه شيئًا، وأن رسوله ﵊ قد بيَّن للناس كل ما نزل إليهم، وأن الدين قد كمل، فصح أن النص قد استوفى جميع الدين" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية في بيان قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: "وهذا نص في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره" (٤).
ويقول الإمام ابن كثير: "هذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة
стр. 127
حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجودن إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم -صلوات اللَّه وسلامه عليه- ولهذا جعله اللَّه تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن ... " (١).
ويقول الإمام ابن القيم: "إن اللَّه سبحانه قد تمم الدين بنبيه وأكمله به، ولم يحوجه ولا أمته بعده إلى عقل ولا نقل سواه، ولا رأي ولا منام ولا كشوف، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وأنكر على من لم يكتف بالوحي عن غيره، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١] " (٢).
ويبيِّن العلامة ابن سعدي ﵀ معنى إكمال الدين بأنه يكون: "بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول والفروع، ولهذا كالن الكتاب والسُّنَّة كافيين كل الكفاية في أحكام الدين" (٣).
ثانيًا: الأدلة الدالة على أن الرسول ﷺ قد ألزمه ربه بتبليغ الرسالة، وتبيينها للناس، فهو ﷺ الموكل من قبل ربه بتلك المهمة وهي مهمة بيان هذا الدين، ولا شك أنه ﷺ قد قام بهذه المهمة على أتم وجه وأحسن حال، ومن تلك النصوص ما يلي:
قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
تضمنت الآية الكريمة الدلالة على وظيفة النَّبِيّ ﷺ مع القرآن الكريم، ألا وهي إيضاحه وتفصيله وتفسيره وتكميله بكمال بيانه له، وتوضيحه للناس.
стр. 128
وقد قام ﷺ بهذه المهمة خير قيام، وأداها كما يحب ربه ويرضى؛ إذ هو ﷺ أفضل من أطاع ربه واتبع أمره.
يقول الإمام ابن تيمية: "يجب أن يُعْلَم أن النَّبِيّ ﷺ بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ يتناول هذا وهذا" (١).
ويقول الشيخ السعدي في بيان هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه" (٢).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤].
أي: التبليغ البيِّن الواضح الذي لا شكَّ فيه والظاهر الذي لا لبس فيه، والذي يصل إلى القلوب فلا تبقى بعده حجة، ولا يثبت لصاحبه عذر.
يقول الإمام الطبري: "ويعني بقوله: ﴿الْمُبِينُ﴾: الذي يبين عن معناه لمن أبلغه ويفهمه من أرسل إليه" (٣).
وقال الإمام ابن كثير: "فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين الواضح الجلي الذي لا لبس فيه ولا شكَّ ولا امتراء وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين فما جاءت به الرسل هو الحق ومن خالفهم فهو على الضلال" (٤).
ويقول الشيخ السعدي: "أي: تبليغكم البين الذي لا يُبْقي لأحد
стр. 129
شكًا ولا شبهة، وقد فعل ﷺ " (١).
فليست وظيفة الأنبياء إلا البلاغ للرسالة، الموضح لطريق الحق، والمظهر لأحكام الوحي (٢).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
فهذا أمر من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ بتبليغ جميع ما أنزله إليه من الوحي، فلا يترك شيئًا، وإن ترك من الوحي شيئًا فكأنه ما بلغ شيئًا من الرسالة، ولكنه ﷺ امتثل الأمر وقام به خير قيام، فلم يترك من الدين شيئًا صغيرًا كان أم كبيرًا إلا وبيَّنه وفصله ولم يترك لأحد بعده مقالًا.
فالمقصود أنه ﷺ قد أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال؛ لأنَّه كان قد بلغ، وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد (٣).
يقول الشيخ السعدي ﵀: "هذا أمر من اللَّه لرسوله محمد ﷺ بأعظم الأوامر وأجلها وهو التبليغ لما أنزل اللَّه إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه ﷺ ؛ من العقائد، والأعمال، والأقوال، والأحكام الشرعية، والمطالب الإلهية، فبلغ ﷺ أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتَّى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله، فلم يبق خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شرٌّ إلا حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من الصحابة فمن بعدهم من أئمة الدين ورجال المسلمين" (٤).
ثالثًا: النصوص المبينة أن اللَّه تعالى تكفل بحفظ هذا الدين وببيانه
стр. 130
كذلك، ولا شكَّ أن الحفظ يقتضي حفظه في ألفاظه ومعانيه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].
وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]: (أن نبينه على لسانك) (١).
ويقول الحافظ ابن كثير في معنى الآيات: "وكان هذا في الابتداء، كان عليه وسلم من شدة حرصه على أخذه من المَلَك ما يوحى إليه عن اللَّه ليساوقه في التلاوة، فأمره اللَّه تعالى أن ينصت لذلك حتَّى يفرغ من الوحي، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسر عليه تلاوته، وتبليغه، وأن يبينه له، ويفسره، ويوضحه، ويوقفه على المراد منه" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]؛ أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك، ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا" (٣).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾؛ أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه" (٤).
رابعًا: ومما يدل على كمال بيان الدين، واستغنائه عن الآراء والعقول المنحرفة ما وصف اللَّه تعالى به آيات كتابه بأنها آيات بينات، أو مبينات، أو بينة، ووصف الوحي بأنه مبين، ووصفه ﷺ بأنه رسول مبين وغير ذلك:
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ
стр. 131
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ [النور: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ [النور: ٤٦]، وقوله ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤] وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة: ٩٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [الطلاق: ١١]، وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٧]، وقوله تعالى في وصف رسوله محمد ﷺ : ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ [الدخان: ١٣] (١).
يقول الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾: "أي: لقد رحمنا عبادنا، وأنزلنا إليهم آيات بينات؛ أي: واضحات الدلالة على جميع المقاصد الشرعية، والآداب المحمودة، والمعارف الرشيدة، فاتضحت بذلك السبل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، فلم يبق أدنى شبهة لمبطل يتعلق بها، ولا أدنى إشكال لمريد الصواب؛ لأنَّها تنزيل مَنْ كَمُلَ علمه، وكَمُلَت رحمته، وَكَمُلَ بيانه، فليس بعد بيانه بيان، ليهلك بعد ذلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة" (٢).
ويقول ﵀ أيضًا في نفس الآية: "أي: واضحات الدلالة على كل
стр. 132
أمر تحتاجون إليه؛ من الأصول والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة" (١).
ويقول الشيخ الشنقيطي: "فالمعنى آيات مبينات؛ أي: بينات واضحات" (٢).
وما يدل على صحة القاعدة أيضًا:
ما جاء عن أبي ذر (٣) ﵁: قال: (تركنا رسول اللَّه ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم). قال أبو حاتم (٤): "معنى عندنا منه: يعني: بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحاته ﷺ " (٥).
والمقصود: أنه استوفى بيان الشريعة، وما يحتاج إليه من الدين، حتَّى لم يبق مشكل، فضرب ذلك مثلًا، وقيل: أراد أنه لم يترك شيئًا إلا بيَّنه حتَّى بيَّن لهم أحكام الطير، وما يحل منه وما يحرم، وكيف يذبح، وما الذي يفدي منه المحرم إذا أصابه، وأشباه ذلك (٦).
وجاء عن جابر بن عبد اللَّه (٧) ﵁ في حجة النَّبِيّ ﷺ وفيه:
стр. 133
( ... "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه وأنتم تسألون عني فما أنضم قائلون"، قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت) (١).
ولا شكَّ أن تبليغه ﷺ كما سبق تقريره شامل للألفاظ والمعاني.
ما جاء عن عائشة (٢) ﵂ أنها قالت لمسروق (٣): (من حدثك أن محمدًا ﷺ كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب، واللّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية" (٤).
وقد دل قول عائشة ﵂ على نفي الكتمان عن النَّبِيّ ﷺ ومن المعلوم أن عدم بيان معاني ألفاظ الوحي من أعظم الكتمان.
يقول الإمام ابن القيم: "وشهد له أعقل الخلق وأفضلهم وأعلمهم بأنه قد بلغ، فأشهد اللَّه عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله، فقال في خطبته بعرفات في حجة الوداع: "إنكم مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون"، قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فرفع إصبعه إلى السماء
стр. 134
مستشهدًا بربه الذي فوق سمواته، وقال: "اللَّهُمَّ اشهد".
فلو لم يكن قد عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به، وحصل لهم منه العلم واليقين، لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين، ولما رفع اللَّه عنه اللوم، ولما شهد له أعقل الأمة بأنه قد بلغ وبيَّن" (١).
ويقول الإمام ابن تيمية: "والأمة تشهد له بأنه بلغ الرسالة كما أمره اللَّه وبيَّن ما أنزل إليه من ربه، وقد أخبر اللَّه بأنه قد أكمل الدين، وإنما كَمُلَ بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه اللَّه لعباده" (٢).
وقال الإمام ابن كثير: "وقد شهدت له أمته بإبلاع الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا" (٣).
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
أشار إلى معنى هذه القاعدة جمع من العلماء، وفيما يلي أذكر بعض أقوالهم الدالة على اعتمادهم للقاعدة، فمما وقفت عليه من ذلك:
قول الإمام الخطابي (٤): "فلم يترك ﷺ شيئًا من أمور الدين؛ قواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله، إلا بيَّنه وبلغه على كماله وتمامه،
стр. 135
ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال" (١).
وقريبًا منه قول الإمام السمعاني (٢): "وكان مما أنزل إليه ﷺ وأمر بتبليغه: أمر التوحيد وبيانه بطريقته، فلم يترك النَّبِيّ ﷺ شيئًا من أمور الدين، وقواعده، وأصوله، وشرائعه، وفصوله، إلا بيَّنه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لو أخر فيها البيان لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إليه" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "فصل: في أن رسول الله ﷺ بَيَّنَ جميع الدين؛ أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا، ومن كان أبعد عن الحق علمًا وعملًا، [كان بُعده عن هذا الأصل بحسب حاله، ومن كان أبعد عن الحق علمًا وعملًا، كان بُعده عن هذا الأصل بحسب حاله، فمستقل ومستكثر من الباطل] (٤)(٥).
وقال ﵀: "والرسول -صلوات اللَّه عليه وسلامه- قد أرسل
стр. 136
بالبينات والهدى، بَيَّنَ الأحكام الخبرية والطلبية، وأدلتها الدالة عليها، بَيَّنَ المسائل والوسائل، بَيَّنَ الدين ما يقال وما يعمل، وبيَّن أصوله التي يعلم أنه دين حق" (١).
ويقول الإمام ابن القيم في وصفه ﷺ : "ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد، المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بيَّنه وشرحه، حتَّى هدى اللَّه به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه ﷺ ، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء" (٢).
ويقول الشيخ السعدي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؛ في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة، ومعانٍ جلية، حتَّى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة، وأدلة متنوعة لتستقر في القلوب، فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة والأساس" (٣).
* المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لهذه القاعدة فوائد عظيمة يمكن الاستفادة منها وتطبيقها في مناحٍ شتى، ومن ذلك: -
стр. 137
أولًا: كمال بيان هذا الدين ووضوحه، وأنه ﷺ قد بلَّغ البلاغ المبين، وأوضح جميع ما أنزل إليه من ربه، ولم يكتم منه حرفًا واحدًا، وهو دين الإسلام بلغه بلا نقص ولا تقصير، فلم يبق فيه إشكال فيحتاج إلى حلّ ولا إجمال فيفتقر إلى تفصيل، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (١).
فالأمة ليست في حاجة إلى أحد بعده ﷺ يأتي ليتصرف في شيء من دينه، بزياده أو نقص، وإنما هي في أمس الحاجة، وألح الضرورة إلى من يعرفها حقيقة دينها الذي بعث به محمد ﷺ (٢).
يقول الحافظ ابن عساكر (٣): "فإن اللَّه بعث نبينا محمدًا - صلوات اللَّه عليه وسلامه - فأيده بالآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، حتَّى أوضح الشريعة وبيَّنها، وعلمهم مواقيتها وعينها، فلم يترك لهم أصلًا من الأصول إلا بناه وشيَّده، ولا حكمًا من الأحكام إلا أوضحه ومهَّده" (٤).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "أن هذا الذي بلغه الرسول ﷺ عن ربه تعالى هو جميع دين الإسلام؛ مكملًا محكمًا، لم يبق فيه نقص بوجه
стр. 138
من الوجوه فيحتاج إلى تكميل، ولم يبق فيه إشكال فيحتاج إلى حل، ولا إجمال فيفتقر إلى تفصيل، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، فكما أن الإمام المبين قد أحصى كل ما هو كائن كما علمه اللَّه ، فكذلك هذا القرآن واف، شاف، كاف، محيط بجميع أصول الشريعة وفروعها، وأقوالها وأعمالها، وسرها وعلانيتها، فمن لم يكفه فلا كفي، ومن لم يشفه فلا شفي، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥].
وكما وفَّى بتقرير الدين، وتكميله، وشرحه، وتفصيله، كذلك هو واف بالذب عنه، وبرد كل شبهة ترد عليه، وبقمع كل ملحد ومعاند ومشاق ومحاد، وبدمغ كل باطل وإزهاقه، ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] " (١).
ثانيًا: أبطلت القاعدة قول القرامطة الباطنية (٢) الذين يزعمون: أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية، ويجعلون خاصة النبوة هي التخييل.
ولا شكَّ أن هذا القول فيه تنقص للرسل ﵇؛ إذ فيه اتهام لهم بالتجهيل وعدم العلم، والأصل الثابت دال على كمال هذا الدين، وأن
стр. 139
النَّبِيّ ﷺ قد قام ببيان هذا الدين كاملًا، فكيف يكون قد بلغ الدين وبيَّنه ولم يترك منه شيئًا مع الجهل وعدم العلم بما أوحاه اللَّه إليه، هذا لا يعقل.
يقول الإمام ابن تيمية: "والرسول ﷺ أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس على بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق، وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد" (١).
ويقول ﵀ أيضًا بعد أن ذكر جملة من النصوص الدالة على تبليغه ﷺ لهذا الدين: "وأمثال هذه النصوص التي تبين أن الرسول هدى الخلق، وبيَّن لهم، وأنه أخرجهم من الظلمات إلى النور، لا أنه لبس عليهم، وخيل، وكتم الحق فلم يبينه، ولم يهد إليه لا للخاصة ولا للعامة؛ فإنَّه من المعلوم أن الرسول ﷺ لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس، ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس، بل كل من كان به أخص، وبحاله أعرف كان أعظم موافقة له وتصديقًا له على ما أظهره وبيَّنه، فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره للزم إما أن يكون جاهلًا به، أو كاتمًا له عن الخاصة والعامة، ومظهرًا خلافه للخاصة والعامة" (٢).
ويقول ابن القيم: "لا ريب عند كل مؤمن باللّه ورسوله: أنه ﷺ كان أعلم الخلق بما يخبر به، وما يأمر به، فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن اللَّه واليوم الآخَر، وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده" (٣).
ثالثًا: أبطلت هذه القاعدة قول الفلاسفة (٤) الذين يقولون بأن الرسل
стр. 140
علموا الحقائق لكن لم يبينوها للناس بل خاطبوا الجمهور بالتخييل، وأنهم كذبوا لمصلحة الخلق، فيجعلون التخييل في خطابه لا في علمه.
وفي هذا القول أيضًا تكذيب للرسل واتهام لهم بعدم البيان وكتمان الحق، وهذا مما لا يليق بالرسل، فإنهم بلغوا البلاغ المبين، بل فيه مسبة لرب العالمين، إذ كيف يرسل رسلًا إلى الخلق يبلغونهم ألفاظًا لا تطابق الحق في نفس الأمر، هذا من أعظم العبث الذي ينزه عنه الرب ﵎ ورسوله ﷺ .
رابعًا: أبطلت القاعدة قول الذين يقولون: الرسل علموا الحق وبينوه لكن لا يمكن معرفته من كلامهم بل يعرف بطرق أخرى؛ من المعقول أو القياس أو الكشف، ثم بعد ذلك ينظر في كلام الرسول فما وافق ذلك قبل، وما خالفه إما أن يفوض، وإما أن يؤول، وهذا هو قول أهل الكلام.
وهذا من أعظم التناقض، كيف يكون الرسل قد بلغوا الحق وبينوه للناس، ثم لا يمكن للخلق معرفته إلا بطرق خارجة عن نفس بيانهم وتبليغهم، هذا من أعظم الباطل وأعظم التنقيص للرسول ﷺ ، واتهامه بالتلبيس والتدليس إذ جاء بما ظاهره الباطل، ولم يبيِّن الحق الذي يجب اعتقاده، بل أراد منهم أن يجتهدوا فيه بإتعاب أذهانهم، وتأويل ألفاظه حتَّى يتوصلوا إلى المعنى الحق في نفس الأمر، فحقيقة قول هؤلاء أن مجيء الرسل وعدم ذلك سواء، بل قد يكون حال الناس قبل بعثة الرسل أفضل من حالهم بعد بعثتهم.
يقول الإمام ابن تيمية: "وطريقة التأويل: طريقة المتكلمين من الجهمية (١)
стр. 141
والمعتزلة (١) وأتباعهم، يقولون: إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ، وما يفهم منه، وهو وإن كان لم يبين مراده، ولا بيَّن الحق الذي يجب اعتقاده، فكان مقصوده أن هذا يكون سببًا للبحث بالعقل حتَّى يعلم الناس الحق بعقولهم، ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم؛ ليثابوا على ذلك، فلم يكن قصده لهم البيان والهداية، والإرشاد والتعليم، بل قصده التعمية والتلبيس، ولم يعرفهم الحق حتَّى ينالوا الحق بعقلهم، ويعرفوا حينئذٍ أن كلامه لم يقصد به البيان، فيجعلون حالهم في العلم مع عدمه خيرًا من حالهم مع وجوده" (٢).
خامسًا: دلت القاعدة على إبطال قول الرافضة الذين يدعون أن الرسول ﷺ بلغ جزءًا من الشريعة وكتم الباقي، وأودعه الإمام عليًا ﵁ فأظهر علي منه جزءًا في حياته وعند موته أودعه الحسن، وهكذا كل إمام يظهر منه جزءًا حسب الحاجة ثم يعهد بالباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر (٣).
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر، ولم يكتم منها شيئًا، فإن كتمان ما أنزله اللَّه إليه يناقض موجب الرسالة،
стр. 142
كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة" (١).
سادسًا: أفادت القاعدة إبطال قول الرافضة الباطنية الذين يدعون بأن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وزاد بعضهم على ذلك فزعم أن لكل آية سبعة أبطن (٢)، وأنهم هم الذين يعرفون هذه المعاني الباطنة دون غيرهم.
وهذا من الإفك البيّن على اللَّه وعلى رسوله ﷺ ، فليس للشرع باطن لم يبلغه النَّبِيّ ﷺ لأمته، ولم يخص بعض أصحابه بشيء من الدين لم يخبر به عامتهم، بل تبليغه ﷺ كان عامًا للأسود والأحمر، والحر والعبد، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، لم يفرق ﷺ بينهم في تبليغ الرسالة، وبيان الدين.
قال الإمام ابن حزم: "واعلموا أن دين اللَّه ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، ... وكل من ادعى للديانة سرًا وباطنًا فهي دعاوى ومخارق، واعلموا أن رسول اللَّه ﷺ لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة، أو ابنة عم، أو ابن عم، أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود، ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﵇ السر، ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئًا لما بلَّغ كما أمر" (٣).
وقال القرطبي: "فدلت الآية على رد قول من قال: إن النَّبِيّ ﷺ كتم شيئًا من أمر الدين تقية وعلى بطلانه، وهم الرافضة ودلت على أنه ﷺ لم يسر إلى أحد شيئًا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما
стр. 143
أنزل إليك ظاهرًا" (١).
ويقول الإمام الشوكاني: "العموم الكائن في ﴿مَا أُنْزِلَ﴾: يفيد أنه يجب عليه ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزله اللَّه إليه، لا يكتم منه شيئًا، وفيه دليلٌ على أنه لم يسر [إلى] (٢) أحد مما يتعلق بما أنزل اللَّه إليه شيئًا" (٣).
والمقصود من نفي الباطن عن الشرع أن يكون للنصوص معانٍ في الباطن تخالف ظاهرها، ولا تعرف إلا بطرق لم يبيِّنها النَّبِيّ ﷺ ، وقد علم مما سبق أن المقصود بالظاهر والباطن في لفظ القاعدة ما يتعلق بأعمال الجوارح والقلوب، فإن أعمال القلوب من أعظم أمور الدين، وهي أعمال باطنة جاء بها النَّبِيّ ﷺ وبيَّنها لأمته أكمل البيان وأتمه، بل كل قول وعمل ظاهر فلا بد له من باطن يتعلق بالقلب.
يقول ابن تيمية: "كل قول وعمل فلا بد له من ظاهر وباطن، فظاهر القول لفظ اللسان، وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان، وظاهر العمل حركات الأبدان، وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان" (٤).
ويقول ابن القيم: "قاعدة: الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان، وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب، وانقياده، ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له ... ولا يجزئ باطن لا ظاهر له" (٥).
كما قد يراد بالباطن الأمور المجملة في القرآن وجاء النَّبِيّ ﷺ ببيانها في السُّنَّة، ولم يتوف ﵇ حتَّى بيَّن جميع ما للناس حاجة إليه.
يقول الإمام أحمد (٦) في خطبة كتابه الذي صنفه في طاعة
стр. 144
رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن الله جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه، واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله -صلي الله عليه وسلم- وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم، وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله -صلي الله عليه وسلم-" (١).
فبهذين الاعتبارين يصح أن يقال بأن في الدين باطنًا، ولكن المحظور في ذلك هو جعل الباطن مخالفًا للظاهر، ولم يبلغه النبي -صلي الله عليه وسلم- لأمته، والله أعلم.
سابعًا: بيانه ﷺ لهذا الدين لم يكن من عند نفسه، بل كله كان وحيًا من عند ربه ﵎، ولذا قال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
يقول الإمام الزهري (٢): "من الله الرسالة، وعلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-
стр. 145
البلاع، وعلينا التسليم" (١).
فليس له ﷺ إلا البلاغ والبيان، كما قال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤]. وأما مضمون الرسالة والوحي فهو من عند الله ﵎ لم يتدخل فيه ﵇ ولا بكلمة واحدة، ولا استفاده ممن سبقه، وإنما هو محض الوحي الذي جاء به جبريل كما قال سبحانه: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٥].
يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، وهذا إخبار بأن كل ما يتكلم به فهو وحي يسمعه، ليس هو شيئًا تعلمه من الناس، أو عرفه باستنباطه، وهذه خاصة محمد ﷺ ، فإن المسيح ومن قبله من الأنبياء كانوا يتعلمون من غيرهم مع ما كان يوحى إليهم، فعندهم علم غير ما يسمعونه من الوحي" (٢).
ويقول الشيخ حافظ حكمي: "يخبر ﷺ أنه مخبر عن الله ومبلغ رسالته، وأن ما أمر به ونهى عنه وأخبر به هو تبليغ لأمر الله، ونهيه، وخبره، وإنه لم يقل شيئًا من عند نفسه فيقول: هو من عند الله، ومن اعتقد ذلك فهو كافر من حزب أبي جهل، والوليد بن المغيرة، وملئهم. قال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] ... " (٣).
ثامنًا: أن بيانه ﵇ لهذا الدين لا يعدله بيان أحد من البشر؛ إذ هو ﷺ أعلم الخلق بالحق، وأفصحهم لسانًا وبيانًا، وأنصح الخلق للخلق، فاجتمع فيه ﵇ كمال العلم وكمال القدرة وكمال الإرادة.