معبودًا، ولكن اللَّه الذي له الألوهة والعبادة إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك" (١).
ويقول الشيخ السعدي في شأن توحيد الألوهية: "وهذا النوع يقال له: توحيد الإلهية، وتوحيد العبادة؛ فالألوهية وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده" (٢).
يقول الشيخ العثيمين (٣) ﵀ في فوائد بعض الآيات: "ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود، ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية" (٤).
ويقول الشيخ فالح آل مهدي: "قوله: (وهذا) راجعة إلى توحيد الشرع والقدر، وكما يسمى بذلك يسمى أيضًا التوحيد الطلبي الإرادي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية، والتوحيد الفعلي نسبة إلى أفعال العباد، وتوحيد القصد والعمل، فهذه كلها ألقاب لهذا النوع" (٥).
стр. 72
ومما يحسن التنبيه عليه في ختام هذا المطلب أن جميع هذه التسميات متفقة في مضمونها ولا تعارض بينها، وإنما حصل الاختلاف في التعبير نسبة لاختلاف اعتباراتها وما ترجع إليه، واللّه أعلم.
стр. 73
الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة
وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: القواعد العامة في توحيد العبادة.
الفصل الثاني: القواعد المتعلقة بحقيقة العبادة وضابطها.
الفصل الثالث: القواعد المتعلقة بأنواع التوحيد.
الفصل الرابع: القواعد المتعلقة بأصل التوحيد.
الفصل الخامس: القواعد المتعلقة بتحقيق توحيد العبادة وأدلته.
الفصل السادس: القواعد المتعلقة برد البدع.
стр. 74
الفصل الأول القواعد العامة في توحيد العبادة
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: قاعدة: دين الأنبياء واحد هو الإسلام.
المبحث الثاني: قاعدة: الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم.
المبحث الثالث: قاعدة: الدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله.
المبحث الرابع: قاعدة: العبادة هي الغاية التي خلق اللَّه لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه.
المبحث الخامس: قاعدة: ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج.
المبحث السادس: قاعدة: النز اع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد اللَّه بالعبادة وترك عبادة ما سواه.
стр. 75
المبحث السابع: قاعدة: البركة للّه وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه.
المبحث الثامن: قاعدة: التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة.
стр. 76
المبحث الأول قاعدة دين الأنبياء واحد هو الإسلام
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
اشتملت القاعدة على ألفاظ لا بد لنا من معرفة معناها، وبيان مدلولها؛ وذلك لنتوصل للفهم الصحيح الشامل لهذه القاعدة، ومن تلكم الألفاظ:
الدين والإسلام:
فأما لفظ الدين فهو من أصل لغوي ثلاثي هو (دَيَنَ)، وهو جنس من الانقياد والذُّل (١) وإلى هذا الأصل ترجع فروع هذه اللفظة، ومما جاء من معانيها:
الدين بمعنى الجزاء والحساب، والحكم، والعادة، والطاعة، والاستسلام، والانقياد، والقهر والملة، والشريعة، والسياسة، وغيرها من المعاني (٢).
стр. 77
وأقرب هذه المعاني للقاعدة هو الدين بمعنى الملة.
يقول ابن عطية (١) ﵀: "والدين لفظ يجيء في كلام العرب على أنحاء منها الملة قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وسمي حظ الرجل منها في أقواله وأعماله واعتقاداته دينًا فيقال فلان حسن الدين" (٢).
ومن أهل العلم من جعل الملة أخص من الدين.
يقول الشيخ علي القاري (٣): "والظاهر أن الملة أخص من الدين؛ ولذا قيل باتحاد دين الأنبياء وهو الإسلام والتوحيد، واختلاف مللهم لاختلاف شرائعهم" (٤).
أما لفظ الإسلام فهو من أصل لغوي ثلاثي هو (سلم)، ومعظم بابه من الصحة والعافية والسلامة (٥).
стр. 78
ومن معانيه في لغة العرب؛ البراءة، والنجاة والوقاية، والدفع والإعطاء، والرضا بالحكم، والدخول في دين الإسلام، والانقياد والإذعان وغيرها (١).
وأما معنى الإسلام في الشرع فيأتي على معانٍ عدة وباعتبارات وإطلاقات مختلفة؛ فهو باعتبار ما أنزله اللَّه على أنبيائه ورسله على معنيين:
الأول: بمعنى الدين المشترك والعقيدة الواحدة، التي جاء بها جميع الأنبياء والمرسلين من أولهم إلى آخرهم، يصدق اللاحق السابق، ويبشر السابق باللاحق.
الثاني: الرسالة الشاملة الكاملة، التي بعث بها خير الخلق وأفضل البشرية وأكرمها على اللَّه محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، وهي شريعة الإسلام التي ختمت بها جميع الرسالات.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: "وله معنيان: أحدهما: الدين المشترك، وهو عبادة اللَّه وحده لا شريك له الذي بعث به جميع الأنبياء، كما دلَّ على اتحاد دينهم نصوص الكتاب والسُّنَّة. الثاني: ما اختص به محمد ﷺ من الدين والشرعة والمنهاج" (٢).
أما باعتبار ما يتضمنه الإسلام، فيأتي على معنيين:
أحدهما: بمعنى الاستسلام والانقياد في ظاهر القول والعمل.
الثاني: الاستسلام والانقياد في الظاهر والباطن.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "وله مرتبتان: أحدهما: الظاهر من القول والعمل؛ وهي المباني الخمس. والثاني: أن يكون ذلك الظاهر
стр. 79
مطابقًا للباطن" (١).
* المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة
دلت القاعدة على أصل عظيم من أصول الاعتقاد في الإسلام، وهو أن دين جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم دين واحد، هو دين الإسلام، ليس للّه تعالى دين سواه، فهو الدين الذي جاءت به الرسل من نوح إلى محمد ﷺ ، وهو دين اللَّه إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، فجميع الأنبياء وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين موحدين، لم يكن قط للّه تعالى دين يقبله، ولا يكون له دين يرضى عنه سوى دين الإسلام.
يقول الإمام ابن تيمية: "فمن لم يقر باطنًا وظاهرًا بأن اللَّه لا يقبل دينًا سوى الإسلام فليس بمسلم" (٢).
ويمكن القول بأن الدين المشترك الذي جاء به جميع الأنبياء وهو الإسلام العام يرتكز في الجملة على أصول ثلاثة، ما من دعوة نبي إلا ونادت بهذه الأصول، ودعت إليها، وهي: "الأول: الدعوة إلى اللَّه في إثبات التوحيد، وتقريره، وعبادة اللَّه وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه.
الثاني: التعريف بالطريق الموصل إليه بإثبات النبوات وما يتفرع عنها من الشرائع، من صلاة وصيام وجهاد، أمرًا ونهيًا، في دائرة أحكام التكليف الخمسة فيقامة العدل، والفضائل، والترغيب والترهيب.
الثالث: التعريف بحال الخليقة بعد الوصول إلى اللَّه: من إثبات
стр. 80
أمر البرزخ والقبر وما فيه من نعيم وعذاب، وأمر المعاد، واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والثواب والعقاب" (١).
يقول الإمام ابن القيم: "والرسل من أولهم إلى خاتمهم - صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين - أرسلوا بالدعوة إلى اللَّه، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه، فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول" (٢).
يقول الإمام ابن رجب مبينًا معنى الإسلام العام: "ومعنى ذلك: أن دين الأنبياء كلهم دين واحد وهو الإسلام العام، المشتمل على الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعلى توحيد اللَّه وإخلاص الدين له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٤، ٥] " (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية؛ كالإيمان باللّه وبرسوله وباليوم الآخر، والعملية؛ كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف وسورة بني إسرائيل ... " (٤).
وقال ﵀: "وهكذا القرآن، فإنه قرر ما في الكتب المتقدمة من الخبر عن اللَّه وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلًا وبين الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر
стр. 81
الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل كلهم" (١).
ويقول العلامة ابن عطية: "وأما في المعتقد، فالدين واحد لجميع العالم؛ توحيد، وإيمان بالبعث، وتصديق للرسل، وقد ذكر اللَّه تعالى في كتابه عددًا من الأنبياء شرائعهم مختلفة ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط" (٢).
وقال الإمام الشوكاني (٣) في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]: "أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان باللّه، وطاعة رسله، وقبول شرائعه، فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها" (٤).
وعرَّف -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب دين الإسلام بقوله: "الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله" (٥).
ومن المعلوم أن الأنبياء إنما بعثوا لتقرير الأصل الأول بخلاف غيره، إذ هي تبع للأصل الأول، فالأصل هو إفراده بالعبادة دون ما سواه، وأنه هو المستحق للعبادة، لا إله غيره ولا رب سواه.
стр. 82
يقول الإمام ابن تيمية: "والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى اللَّه وحده؛ وقد يذكرون المعاد مجملًا ومفصلًا، والقصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملًا، وأما الإلهيات فهي الأصل، ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة اللَّه وحده دون ما سواه، فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة؛ الإيمان باللّه، واليوم الآخر، والعمل الصالح" (١).
فهذا هو أصل دعوتهم، وفيه وقع الخلاف بين الرسل وأقوامهم.
يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "العبادة هي التوحيدُ لأن الخصومة فيه" (٢).
ولذا اهتم العلماء بهذا الأصل العظيم، وبه فسروا الإسلام العام والملة المشتركة، والدين الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين.
يقول الإمام الطبري: "ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص للّه الذي جاءت به الرسل" (٣).
ويقول الإمام ابن تيمية: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام: وهو عبادة اللَّه وحده لا شريك له وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله ﵈، فلا يكون عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله" (٤).
ويقول ابن كثير (٥) ﵀: "والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو
стр. 83
عبادة اللَّه وحده لا شريك له" (١).
وقد جاء في تفسير وصية الأنبياء لأقوامهم عند قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] أن إقامة الدين الذي وصى به هؤلاء الأنبياء جميعًا هو توحيد اللَّه تعالى وعبادته وحده لا شريك له.
ويقول -الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب: "وكل أمة بعث اللَّه إليها رسولًا من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة اللَّه وحده، وينهاهم عن عباده الطاغوت" (٢).
ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ (٣): "واعلم أن الدين كلمة جامعة لخصال الخير وأعلاها التوحيد كما تقدم؛ وهو على القلب بالاعتقاد والصدق والمحبة، وعلى اللسان بتقريره وتحقيقه والدعوة إليه واللهج به، وعلى الجوارح بالعمل بمقتضاه، والسعي في وسائله والبعد عن مضاده" (٤).
ومما سبق يظهر لنا معنى الإسلام العام، والدين الذي اتفق عليه جميع الأنبياء والمرسلين، من أولهم إلى آخرهم، ألا وهي أصول ثلاثة: التوحيد والنبوات والمعاد، وأن أعظم هذه الأصول وأبرزها في دعوة
стр. 84
هؤلاء الرسل، وبسببه وقع الخصام والقتال بينهم وبين أقوامهم هو الأصل الأول، وهو إفراد المعبود بالعبادة، والكفر بكل معبود سواه.
* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
لهذه القاعدة أدلة كثيرة لا تكاد تحصى إلا بعد الجهد والنظر المتكرر في أدلة القرآن والسُّنَّة، وفيما يلي أذكر بعض هذه الأدلة التي تؤيد هذه القاعدة، فمما جاء من أدلة في كتاب اللَّه تعالى:
أولًا: الأدلة الدالة على أن الدين عند اللَّه دين واحد هو دين الإسلام، فهو الدين الذي أمر به جميع خلقه، ورضيه منهم، وشرعه لهم، وهو الفطرة التي فطر الناس عليها، وحذَّر من ابتغى غيره بأنه في الآخرة من الخاسرين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] وقوله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ [المؤمنون: ٥٢] وقال : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ثانيًا: ما أخبر اللَّه تعالى به في كتابه الكريم عن كل نبي من الأنبياء أن دينه كان هو الإسلام، فذكر ذلك عن نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف
стр. 85
وموسى وعيسى وغيرهم، والمقصود هو اتفاقهم في أصل الدين وإن اختلفت شرائعهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وفيما يلي بعض النصوص القرآنية التي نصت على هذا:
أخبر تعالى عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧٢] فهذا نوح ﵇ يبيِّن لقومه أن اللَّه تعالى أمره أن يكون من المسلمين، وقال عن دعاء خليله إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ [البقرة: ١٢٨]، وقال تعالى في شأن وصيته ووصية يعقوب ﵉ ولأبنائهم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣١، ١٣٢] وقال تعالى مبينًا براءته ﵇ من جميع الأديان سوى الإسلام: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧].
وقال تعالى مخبرًا عن يوسف الصديق بن يعقوب ﵉ أَنَّهُ قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤] وقال عن السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف: ١٢٦].
وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ [النمل: ٣٨]، وقال عن بلقيس عند إيمانها بسليمان ﵇:
стр. 86
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤] وقال عن أصحاب عيسى ﵇ ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة: ١١١].
يقول ابن تيمية: "فهؤلاء الأنبياء كلهم وأتباعهم كلهم يذكر اللَّه تعالى أنهم كانوا مسلمين، وهذا مما يبين أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥] وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] لا يختص بمن بعث إليه محمد ﷺ ، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١١، ١١٢] " (١).
ومما يدل على هذه القاعدة من السُّنَّة:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (٢)؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٣).
стр. 87
والمقصود أنهم متفقون في أصول الدين، فدينهم جميعًا هو الإسلام لا اختلاف بينهم في ذلك، وإنما وقع الخلاف بينهم في فروع الشرائع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
قال الإمام النووي: "قال جمهور العلماء: معنى الحديث أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف وأما قوله ﷺ : "ودينهم واحد"؛ فالمراد به أصول التوحيد، وأصل طاعة اللَّه تعالى وإن اختلفت صفتها" (١).
ويقول أبو العباس القرطبي (٢): "وقوله: "ودينهم واحد"؛ أي: في توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم للّه تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] ولم يُرِد فروع الشرائع؛ فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] " (٣).
وقال الحافظ ابن حجر (٤): "ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد
стр. 88
وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع" (١).
والمتأمل في النصوص الشرعية يظهر له العديد من الوجوه الدالة على تقرير معنى القاعدة، وما سبق من النصوص يقوم بالغرض والكفاية في تقريرها وبطرق مختلفة ومتعددة، فبعضها دلَّ على أن الدين عند اللَّه الإسلام، وبعضها دلَّ على أنه ما من نبي أرسل إلى قومه إلا وجاء قومه بالإسلام، وبعضها دلَّ على أن الدين المتقبل عند اللَّه هو الإسلام لا غير، كما أن هناك أدلة كثيرة دلت بكل صراحة ووضوح على أن ما من نبي أُرسل إلى قومه إلا ودعاهم إلى الإسلام العام، والدين المشترك.
* المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد تضافرت أقوال العلماء ﵏ على تأييد هذه القاعدة واعتمادها والاستدلال بها، وبيان أنها من الأصول الاعتقادية العظيمة لهذا الدين، وفيما يلي أنقل بعض هذه الأقوال التي قررت معنى القاعدة؛ إذ حصر أقوالهم في ذلك وتتبعها مما يصعب جدًا، فمن تلك الأقوال ما يلي:
جاء عن مجاهد (٢) في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] يقول: "أوصاك به يا محمد وأنبياءه كلهم بالإسلام دينًا واحدًا" (٣).
стр. 89
ويقول الإمام الطحاوي (١): "ودين اللَّه في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] " (٢).
ويقول الإمام ابن رجب ﵀: "ومعنى ذلك: أن دين الأنبياء كلهم دين وحد وهو الإسلام العام" (٣).
وقال الإمام ابن تيمية ﵀: "فدين الأنبياء واحد وهو دين الإسلام ... " (٤).
ويقول أيضًا: "فدين الأنبياء والمرسلين دين واحد، وإن كان لكل من التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاج" (٥).
ويقول الإمام ابن القيم: " ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؛ يعني: الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، ليس للّه دين سواه، ... وقد دلَّ قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على أنه دين جميع أنبيائه ورسله، وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن للّه قط ولا يكون له دين سواه" (٦).
وقال ﵀: "فالإسلام دين أهل السموات، ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل اللَّه من أحدردينًا سواه، فأديان أهل الأرض ستة،
стр. 90
واحد للرحمن وخمسة للشيطان، فدين الرحمن هو الإسلام، والتي للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين" (١).
ويقول الإمام ابن كثير: "والإسلام هو دين الأنبياء جميعًا من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم" (٢).
ويقول الإمام الشوكاني: "فالتوحيد هو دين العالم؛ أوله وآخره، وسابقه ولاحقه". ويقول ﵀: "وبالجملة فكتب اللَّه بأسرها، ورسله جميعًا متفقون على التوحيد والدعاء إليه، ونفي الشرك بجميع أقسامه" (٣).
ويقول الدهلوي (٤): "اعلم أن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء ﵈، وإنما الاختلاف في الشرائع والمناهج" (٥).
ويقول الشيخ حافظ الحكمي (٦): "وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين؛ وهو توحيد اللَّه بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفى ما يضاد ذلك أو ينافي كماله، كما تقدم ذلك
стр. 91
في تقرير توحيد الطلب والقصد، وأما فروع الشرائع من الفرائض، والحلال، والحرام، فقد تختلف؛ فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء، ويخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك، ويحرم على أمة ما يحل للأخرى، وبالعكس؛ لحكمة بالغة، وغاية محمودة، قضاها ربنا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] " (١).
هذا بعض ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في تقرير هذه القاعدة، وكلها دلت على صحة هذا الأصل العظيم، واعتماده؛ وهو اتحاد دين جميع الأنبياء، وهو الإسلام العام والعقيدة المشتركة.
* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
دلت هذه القاعدة العظيمة على فوائد عديدة استنبطها أهل العلم ﵏ من منطوق القاعدة أو مفهومها، واستعملوها في مجالات شتى، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من فوائد وتطبيقات لهذه القاعدة:
أولًا: من أعظم فوائد القاعدة أنها دلت على مكانة التوحيد العظيمة، وأنه أعظم أركان الدين، وأهم مهماته، وأكبر أسسه وقواعده، ولهذا كان شعار جميع الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم، وكل ما مرَّ من نصوص، وأدلة، وأقوال للعلماء متضمن لأعظم الدلالة على أهمية هذا التوحيد ومكانته عند اللَّه تعالى، ولولا ذلك لما بعث به جميع أنبيائه، وجعله مفتاح دعوة كل الرسل.
وبهذا يعلم الخلل الكبير الواقع في كثير من الجهات والأنشطة التي تتبنى أمر الدعوة إلى اللَّه تعالى، وتوجيه الناس، حيث لم توفق لسلوك
стр. 92
طريق الأنبياء، فأهملت هذا الجانب العظيم، فلم تأمر بالتوحيد ولم تنه عن الشرك، ثم هم بعد ذلك ضروب وأصناف؛ فمنهم من انشغل بالسياسة والجري وراء المناصب، ومنهم من صار جلَّ اهتمامه، الانشغال عن التوحيد بشيء من فروع الإسلام، ومنهم من يدعو إلى نفسه أو شيخه وحزبه وجماعته، وغير هؤلاء كثير، فمن جعل أنبياءه ورسله قدوة له فليكن أول ما يدعو إليه الناس هو توحيد اللَّه تعالى وإفراده سبحانه بالعبادة، والتحذير من الشرك صغيره وكبيره.
ثانيًا: أن دين الأنبياء جميعًا دين واحد، وذلك لأن إلههم ومعبودهم واحد أحد، فرد صمد، فوحدة الدين تابعة لوحدة المعبود، إذ لو كان هناك إلهان لكان هناك حتمًا ولا بد دينان، ولذهب كل إله بدينه وعابديه.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في تفسير سورة الإخلاص: "فدين اللَّه واحد لا تفرق فيه، والصمد يناسب اجتماعه، فاللّه هو الإله الواحد، ودينه واحد، وعباده المؤمنون مجتمعون يعتصمون بحبله غير متفرقين، واسمه الأحد يقتضي التوحيد والصمد يقتضي الاجتماع وعدم التفرق؛ فإن الصمد فيه معنى الاجتماع وعدم التفريق، والتوحيد أبدًا قرين الاجتماع؛ لأن الاجتماع فيه الوحدة والتفرق لا بد فيه من التثنية والتعدد كما أن الإشراك مقرون بالتفرق" (١).
ويقول الإمام ابن القيم: "والمقصود أن الطريق إلى اللَّه واحد، فإنَّه الحق المبين، والحق واحد مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة ... ، ومن هنا يعلم تنوع الشرائع واختلافها مع رجوعها كلها إلى دين واحد مع وحدة المعبود ودينه" (٢).
стр. 93
ثالثًا: جاء عن بعض أهل العلم ﵏ القول بعدم جواز إطلاق لفظ (الدين) على غير دين المسلمين، وأنه خاص بدين الإسلام، ولا يطلق على بقية الملل؛ من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو غيرها - من ملل الكفر، وأنه تعبير شرعي خاص بدين الإسلام مستدلين بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
يقول الشيخ محمود شاكر (١): "فصار بينًا بعد هذا أن اللَّه سبحانه لا يرضى لنا أن نسمي شيئًا من الملل؛ من نصرانية ويهودية وغيرهما دينًا سوى ملة أبينا إبراهيم ﵇، وملة أنبيائه جميعًا وهي (الإسلام) (دين اللَّه) الذي لا يقبل من عباده دينًا سواه، والذي أرسل به رسوله محمدًا ﷺ ليبطل الملل كلها ولا يكون شيء منها يسمى دينًا سوى الإسلام. وإذًا فقول المسلم مثلًا: الأديان السماوية قول مخالف لعقيدة أهل الإسلام في حقيقة هذه الملل" (٢).
ولكن في هذا نظر سيأتي بيانه، وقبل ذلك ينبغي أن يعلم أن الدين دينان لا ثالث لهما؛ دين الإسلام ودين الشرك والكفر، فجميع الملل
стр. 94
والنحل والأديان -سوى دين الإسلام- يجمعها دين الشرك والكفر، ولذا
قيَّد اللَّه الدين في مواضع من كتابه بقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وقوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ [النصر: ٢] كما أضافه في مواضع إلى وصف يخصصه عن غيره بقوله: ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩]، و ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، و ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] و ﴿دِينَا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن هناك دينًا آخر لا ينسب للّه تعالى، ولا يتصف بهذه الأوصاف، وهو دين الشرك وملة الكفر.
كما أن اللَّه تعالى وصف ملل الكفر بأنها دين؛ فقال : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، وقال في أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال في شأن فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]، وقال عن اليهود: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]، وذمَّ أهل التفرق في الدين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] (١).
فدين الإسلام يقابله ويضاده دين الشرك والكفر الذي انتظم جميع أهل الملل والنحل المخالفة له، ولذا عبَّر جمع من العلماء بأن الكفر ملة واحدة.
يقول الإمام الشافعي (٢) في مسألة توريث أهل الكتاب بعضهم من بعض: "ونجعل الكفر ملة واحدة كما جعلنا الإسلام ملة؛ لأن الأصل
стр. 95
إنما هو إيمان أو كفر" (١).
ويقول الإمام أبو بكر الجصاص (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]: "فإنها دلت على أن الكفر كله ملة واحدة؛ لأن من لم يسلم منهم مع اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية، ثم جعل دينهم دينًا واحدًا، ودين الإسلام دينًا واحدًا، فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة" (٣).
ويقول ابن كثير في آية الكافرون: "وقد استدل الإمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ على أن الكفر كله ملة واحدة ... ؛ لأن الأديان ما عدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان" (٤).
وقال ﵀ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]: "وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾؛ حيث أفرد الملة: على أن الكفر كله ملة واحدة" (٥).
وعليه فكل الملل والنحل تضمنت الوصف بالدينونة بأحد اعتبارين:
الأول: باعتبار أن دينهم هو الشرك والكفر، المقابل لدين الإسلام، فليس هناك إلا دينان دين الإسلام ودين الكفر.
стр. 96
الثاني: باعتبار المعنى اللغوي (١) الذي يحمل معنى العادة، والاعتقاد ومطلق الطاعة والانقياد، لكن يقيد في هذه الحالة فيقال: (دين النصرانية)، أو (دين اليهودية).
يقول الرازي (٢): "الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام والقرآن هو الإسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أما سائر المذاهب فلا تسمى دينًا إلا بضرب من التقييد، كدين النصارى واليهود" (٣).
وبذلك يظهر جواز إطلاق لفظ الدين بما سبق من ضوابط، وهو في ذلك يشبه إطلاق لفظ الإله والآلهة على ما يعبد من دون اللَّه تعالى، مع أن اللَّه هو الإله الواحد الحق المبين؛ وذلك باعتبار تأليههم لها (٤).
وقاعدة: دين الأنبياء واحد هو دين الإسلام أفادت بمفهوم المخالفة أن ما يقابل دين الأنبياء من المذاهب والنحل والعقائد والملل، التي واجهت بها تلك الأمم أنبياءها، وحاربتهم بها على مرّ تلك العصور والأزمان تمثل دينًا واحدًا كذلك؛ هو دين الشرك وملة الكفر وعبادة غير اللَّه ﵎، فجميع ملل الكفر، على اختلاف أنواعها، وتباين ضلالها وتعدد مسمياتها يجمعها دين واحد هو دين الكفر والشرك باللّه
стр. 97
تبارك وتعالى، وإن اختلفت الشرائع وتباينت المناهج وتعددت المشارب.
رابعًا: استدل بهذه القاعدة الشرعية العظيمة قوم ممن لا خلاق لهم على دعوة باطلة خاطئة آثمة، ألا وهي الدعوة لـ (وحدة الأديان السماوية)، أو ما يسميه البعض بـ (دعوة التقريب بين الأديان) زعموا، وما هذه إلا شعارات جوفاء، أرادوا بها تلميع باطلهم، وترويجه على العامة، وإلا فحقيقة أمرهم شقاق ونفاق ودعوة جاهلية، وردة ظاهرة لا مرية فيها، ونقض لأصول الإسلام العظام، وثوابته اليقينية، وتمييع لأسسه ومرتكزاته، فلا ولاء ولا براء، ولا جهاد، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فالجميع إخوان يجمعهم رب واحد، وأديانهم متساوية لا فضل لدين على دين، وهؤلاء الدعاة لمثل هذا الكفر البواح، والردة الصريحة ممن تحقق فيهم وصف النَّبِيّ ﷺ في الحديث بأنهم: "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوها فيها" (١).
فحقيقة هذه الدعوة أن كل الأديان، من يهودية ونصرانية هم من أهل السعادة والنجاة في الآخرة كالمسلمين لكن بشرط إيمانهم باللّه وباليوم الآخر، ولا يشترط في سعادتهم وفلاحهم في الآخرة إيمانهم بالنبي محمد ﷺ .
ومن هذا المنطلق استدلوا بهذا الأصل الذي تضمن وحدة دين جميع الأنبياء، قاصدين افتراء وتلبيسًا بأن أهل الكتاب وجميع من آمن باللّه وباليوم الآخر يشملهم الإسلام بمعناه العام، والملة المشتركة، وفيما يأتي أذكر ما يدل على نقض هذه الشبهة المتهالكة.
أ - علمنا مما سبق أن الدين المشترك هو الإسلام العام، وهو
стр. 98
الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، وطاعة كل نبي في وقته هي دين الإسلام الذي ارتضاه اللَّه تعالى، وأمر عباده به، فدين الإسلام في عهد موسى هو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بطاعة نبيه موسى ﵇، فإذا جاء عيسى ﵇ كان دين الإسلام الاستسلام للّه، والانقياد له بطاعة نبيه عيسى ﵇ وهكذا، فإذا بعث خاتم النبيين وإمام المرسلين محمد بن عبد اللَّه ﵇، كان دين الإسلام هو الاستسلام للّه بالتوحيد، والانقياد له بطاعة نبيه محمد ﷺ ، وعندئذٍ فلا تكون طاعة موسى ولا عيسى ولا أحد من الأنبياء من دين الإسلام بعد بعثة خاتم الرسل محمد ﷺ .
يقول الإمام ابن تيمية: "وكذلك شريعة التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام، وشريعة الإنجيل في وقتها كانت من دين الإسلام، ومن آمن بالتوراة ثم كذب بالإنجيل خرج من دين الإسلام، وكان كافرًا، وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين وكذب بالقرآن كان كافرًا خارجًا من دين الإسلام، فإن دين الإسلام يتضمن الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل" (١).
فأصبح (الإسلام)، و (دين الإسلام)، منذ بعثة النَّبِيّ محمد وإلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها اسمًا خاصًا بمن آمن بالنبي الكريم، واتبعه، وصدقه في جميع أقواله وأخباره، وكل من خالفه فلم يؤمن به ولا اتبعه كان كافرًا خارجًا عن دين الإسلام.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن الإسلام الخاص الذي بعث اللَّه به محمدًا ﷺ المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث اللَّه بها نبيًا فإنَّه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء" (٢).
стр. 99
ويقول ﵀: "وكان استقبال الشام ذلك الوقت من دين الإسلام ... ثم لما نسخ صار دين الإسلام هو الناسخ، وهو الصلاة إلى الكعبة، فمن تمسك بالمنسوخ دون الناسخ فليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعًا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] م ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ، واللّه أوجب على جميع الخلق أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله، ومحمد خاتم الرسل، فعلى جميع الخلق اتباعه واتباع ما شرعه من الدين ... " (١).
ب - على التسليم بأن دينهم الإسلام العام، فهل بقوا أو استمروا على هذا الوصف، أم أنهم خرجوا عنه، وحرفوه وبدلوه، وابتدعوا دينًا لم يأذن به اللَّه كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١].
يقول الإمام ابن تيمية: "فابتدعت اليهود والنصارى ما ابتدعوه مما خرج بهم عن دين اللَّه الذي أمروا به وهو الإسلامِ العام، ولهذا أمرنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧] ... وكل من هاتين الأمتين خرجت عن الإسلام، وغلب عليها أحد ضديه، فاليهود يغلب عليهم الكبر ويقل فيهم الشرك، والنصارى يغلب عليهم الشرك ويقل فيهم الكبر" (٢).
وبهذا يعلم أن اليهود والنصارى وغيرهم من الملل والأديان ليسوا على شيء من الإسلام أصلًا، بل هم على دين الكفر والشرك، وعليه
стр. 100
(فكل ما جاء في القرآن من الثناء على مؤمني الأديان السابقة، اليهود والنصارى وغيرهم، فإنما يراد به من اتصف بوصف الإسلام العام وربما أضيف إلى ذلك وصف الإيمان باليوم الآخر، ووصف العمل الصالح، ممن لم يدرك رسالة نبينا محمد ﷺ أو أدركها وآمن به، وكل ما جاء من الذم والوعيد في شأن اليهود والنصارى، فالمراد به من خالف ذلك وحرَّف وابتدع) (١).
خامسًا: دلت القاعدة على وحدة دين جميع الأنبياء والرسل، ولذا من آمن برسول منهم لزمه الإيمان بجميع الرسل، ومن كذب بواحد منهم لزمه تكذيب بقية الرسل؛ لأن أصل وقاعدة دعوتهم واحدة.
يقول الشيخ الأمين الشنقيطي (٢) باسطًا القول في تقرير ذلك:
"التحقيق في الجواب: أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون: لا إله إلا اللَّه كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥] ".
وأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله
стр. 101
تعالى: ﴿ ... وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١] وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾، ثم بيَّن أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحًا وحده، حيث ردَّ ذلك بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ [الشعراء: ١٠٥، ١٠٦] " (١).
стр. 102
المبحث الثاني
قاعدة الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم
وفيه عدة مسائل:
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
أولًا: الشرع:
الشرع لغة: مشتق من الأصل اللغوي الثلاثي (شرع)، وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه، من ذلك الشريعة، وهي مورد الماء، واشتق من ذلك الشِرْعَة في الدين، والشريعة أيضًا ما شرع لعباده من الدين وقد شرع لهم؛ أيْ: سنَّ (١).
ومعناه في الشرع: هو دين اللَّه الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ، بواسطة الملك جبريل، وهو يشمل كل ما يتعلق بالدين من أصول وفروع.
يقول ابن الأثير: "قد تكرر في الحديث ذكرُ الشَّرع والشريعة في
стр. 103
غير موضع، وهو ما شرع اللَّه لعباده من الدين؛ أي: سَنَّه لهم، وافترضه عليهم، يقال: شرَعَ لهم يَشرَع شرعًا فهو شارع، وقد شرع اللَّه الدين شرْعًا إذا أظهره وبيَّنه" (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول من الكتاب والسُّنَّة، هذا هو الشرع المنزل وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه" (٢).
ويقول الشيخ صديق حسن (٣): "والشرع ما شرعه اللَّه لعباده من الأحكام التي جاء بها كتابه المنزل، ونبيه المرسل الموحى إليه منه تعالى؛ سواء كانت متعلقة بكيفية عمل وتسمى فرعية وعملية، أو بكيفية الاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية، ويسمى أيضًا بالدين والملة" (٤).
وعرَّفه بعضهم بقوله: "هو وضع إلهي يسوق العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، وهو ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم" (٥).
ثانيًا: العقل:
وهو في اللغة مصدر عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلًا، وأصل معناه الحبس والمنع. يقول ابن فارس: "العين والقاف واللام أصل منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسَة في الشيء أو ما يقارب الحُبْسَة؛ من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذميم القَول والفِعْل" (٦).
стр. 104
وقال الراغب: "وأصل العقل الإمساك والاستمساك؛ كعقل البعير بالعقال، وعقل الدواء البطن، وعقلت المرأة شعرها، وعقل لسانه كفه، ومنه قيل للحصن: معقل وجمعه معاقل" (١).
وأما معناه في الاصطلاح (٢):
فقيل: هو العلم الضروري الذي يقع ابتداء، وقيل: هو ما أفاد العلم بموجباته، وقيل: بل هو قوة التمييز بين الحق والباطل، وقيل: هو العلم بخفيات الأمور التي لا يوصل إليها إلا بالاستدلال والنظر، وقيل: هو ضبط ما وصل إلى القلب، وإمساكه حتَّى لا يتفلت، وقيل: هو القوة المتهيئة لقبول العلم، وقيل: هو استعمال الطاعات والفضائل، وقيل: هو العلم الذي يعمل به صاحبه، وقيل: هو قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين، ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب، ويخرج به عن حد المجانين والمعتوهين، ويصح معه التكليف والخطاب.
стр. 105
وقيل: إنه قوة ضرورية للوجود، بها يصح درك الأشياء، ويتوجه تكليف الشرع، وهو ما يعرفه كل إنسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره، وقيل: هو نور يضاء به طريق إصابة الحق، والمصالح الدينية والدنيوية، فيدرك القلب به كما يدرك العين بالنور الحسي المبصرات، وقيل: هو صفة إذا ثبتت تأتَّى بها التوصل إلى العلوم النظرية، ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات، وقيل: العقل هو ما يحجز الإنسان عن فعل ما لا ينبغي؛ وهو خلاف الذكاء، فالذكاء هو سرعة البديهة، والفهم؛ وقد يكون الإنسان ذكيًا، ولكنه ليس بعاقل (١).
ويمكن إرجاع ما سبق من تفسيرات للعقل إلى ثلاثة معانٍ:
الأول: القوة الغريزية التي في الإنسان، وبها يعلم ويميز ويقصد المنافع ويحذر المضار.
الثاني: العلم الذي ناله بواسطة هذه القوة، سواء كان علمًا ضروريًا أم نظريًا.
الثالث: العمل بمقتضى وموجب ذلك العلم (٢).
ولذا قسم بعضهم (٣) العقل من حيث آثاره وفوائده إلى قسمين:
الأول: عقل إدراك: وهو العقل المشترك الذي عند كل أحد، ما لم يكن مسلوبًا بجنون، أو قاصرًا لصغر السن، وهو الذي يميز به الناس
стр. 106
بين الأشياء؛ في الكثرة، والقلة، والأعداد، والأحجام، ونحو ذلك. وهذا عند المسلم والكافر، وليس له علاقة بالديانة.
الثاني: عقل رشد: وهو الذي يعلم به صاحبه فيعمل، وهو العقل الصحيح الذي يقبل الحق إذا علمه، ويبتعد عن الشر إذا عرفه، فالذي يعلم الحق ولا يعمل به ليس لديه عقل رشد، وإنما لديه عقل إدراك، حيث أدرك به العلم، ولم يسترشد بذلك ويرشد.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن اسم العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضًا قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دل القرآن، .. وإذا كان كذلك؛ فالعقل لا يسمى به مجرد العلم الذي لم يعمل به صاحبه، ولا العمل بلا علم، بل إنما يسمى به العلم الذي يعمل به والعمل بالعلم" (١).
فهؤلاء الكفار لديهم عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، ولكنهم فقدوا عقل الرشد بسبب عدم اتباعهم الحق بعد أن تبين لهم.
فالعقل النافع الممدوح هو العلم المستلزم للعمل المصاحب للانقياد والتطبيق، وهو بخلاف الذكاء الذي هو سرعة البديهة وبخلاف مطلق التمييز كذلك.
يقول الإمام ابن حزم (٢): "والعقل هو استعمال الطاعات والفضائل، وهو غير التمييز؛ لأنَّهُ استعمال ما ميز الإنسان فَضلَهُ، فكل
стр. 107
عاقل مميز، وليس كل مميز عاقلًا (١).
وقال ﵀ أيضًا: "لأن العقل على الحقيقة إنما هو استعمال الطاعات، واجتناب المعاصي، وما عدا هذا فليس عقلًا بل هو سخف وحمق" (٢).
فالعاقل إذًا لا بد أن يجمع بين العلم بالحق والعمل به.
يقول الإمام ابن تيمية: "والمطلوب من الناس أن يعقلوا ما بلغه الرسل، والعقل يتضمن العلم والعمل، فمن عرف الخير والشر فلم يتبع الخير ويحذر الشر لم يكن عاقلًا؛ ولهذا لا يعد عاقلًا إلا من فعل ما ينفعه واجتنب ما يضره، فالمجنون الذي لا يفرق بين هذا وهذا قد يُلْقِي نفسه في المهالك، وقد يفر مما ينفعه" (٣).
ويقول الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (٤): "وأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه" (٥).
والقلب هو مكان التعقل، ولذا ربما جاء التعبير بالقلب مرادًا به العقل، وهو أسلوب عربي معروف، فيطلق المحل ويراد الحال فيه.
ولذا عرَّف بعضهم القلب بقوله: "وهو النور الذي خص اللَّه تعالى به نوع الإنسان، وشرفه به، وجعله مناط توجيه الأمر والنهي، والإبانة
стр. 108
والعقوبة" (١).
وبذلك يظهر تفاوت العقول فيما بينها، وتفاضل بعضها على بعض، وذلك بحسب ما يقترن بها من مؤثرات، وبحسب نصيبها من استعمال الفضائل، والتزود بالطاعات، وفعل المأمورات وترك المنكرات.
يقول الشيخ السعدي: "وإذا أردت معرفة مقادير عقول الخلق على الحقيقة فانظر إلى عقول المهتدين بهداية القرآن والسُّنَّة، وإلى عقول المنحرفين عن ذلك تجد الفرق العظيم.
ولا تحسبن العقل هو الذكاء، وقوة الفطنة، والفصاحة اللفظية، وكثرة القيل والقال، وإنما العقل الصحيح أن يعقل العبد في قلبه الحقائق النافعة، عقلًا يحيط بمعرفتها، ويميز بينها وبين ضدها، ويعرف الراجح من الأمور فيؤثره، والمرجوح أو الضار فيتركه" (٢).
يقول الشيخ محمود محمد شاكر: "فإن العقل هبة اللَّه لكل حي، وَلَكِن أساليب تَفْكِيرِهِ كسبٌ يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجارب التي يحياها المرء في هذه الحياة" (٣).
* المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة
دلَّت القاعدة على أن الشرع مبناه على أمرين:
الأول: تكميل أديان الخلق وصيانتها عن الانحراف، والمحافظة
стр. 109
عليها لكيلا تفسد وتختل، ويشمل ذلك جميع جزئيات الدين في أصوله وفروعه، ومن أعظم ما كمَّل اللَّه به أديان الخلق أن أوجب عليهم توحيده ، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له، وصرف القلوب إلى التعلق بربها وفاطرها جل وعزَّ، وسد أمامها كل الطرق والسبل المؤدية إلى اختلال الأديان وفسادها.
يقول الإمام ابن القيم مبينًا مفهوم تكميل الدين: "وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية اللَّه في الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات اللَّه، وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبة ما أحبه، وبذل الجهد في فعله، وموافقته في كراهة ما كرهه، وبذل الجهد في تركه" (١).
فليس المراد بالتكميل هنا تكميله بالفضائل فحسب، وإنما المقصود إصلاح ما فسد من تلك الأديان المنحرفة عن الصراط المستقيم، والتي أصابها الخلل العظيم في عقيدتها وأخلاقها وسلوكها، ابتداء بتقرير التوحيد وإفراد اللَّه تعالى بالعبادة والتوجه والتعظيم، وعدم التعلق بالمخلوقات المربوبة الضعيفة، والانقياد لرسل اللَّه بالطاعة والتوقير، ومن ثم الدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة والشيم الكريمة، والصفات الحميدة.
يقول الرازي في شأن العرب قبل البعثة النبوية: "كان دين العرب أرذل الأديان، وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق؛ وهو الغارة، والنهب، والقتل، وأكل الأطعمة الرديئة، ثم لما بعث اللَّه محمدًا ﷺ نقلهم اللَّه ببركة مقدمه من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم؛ في العلم، والزهد، والعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها، ولا شكَّ أن فيه أعظم المنة (٢).
стр. 110
وهكذا سار أفضل الخلق في دعوته الكبرى، وأثره الخالد في إصلاح أديان البشر، وشرائعهم، وأعمالهم، وأخلاقهم وفي إنقاذ الإنسانية العانية وتجديد دينها بدينه الجديد، الذي قلب به أوضاع الدنيا، ونقل بسببه العالم إلى طور سعيد، بل إلى الطور السعيد الذي لولاه لدام يتخبط في الظلمات، ولبات في عداد الأموات (١).
الثاني: كمال العقول (٢)، وقد كملها اللَّه بأمرين:
أحدهما: بما ركَّبه في طبيعة هذه العقول من هيئة تستحسن الشرع، وتميل إليه، وتستهجن كل ما يخالفه ويناقضه ويضاده، وتنفر عنه، لا سيما في أوجب الواجبات، فإنَّه لا أوجب في العقول من عبادة الرب وحده، ولا أقبح من صرف خالص حقه لغيره (٣).
الثاني: تكميله بالشرع الذي هو نور اللَّه في أرضه وعدله بين عباده، فجاءت نصوص الشرع حاضة على صرف العبادة لمستحقها وهو اللَّه جلَّ في علاه، وحرمت عليهم كل ما فيه تعلق أو صرف للقلوب بغير المولى، وصانهم عن كل ما فيه تدني وتذلل وتضرع لغير وجهه الكريم، وعن كل ما فيه إهانة وإهدار لقيمة هذا العقل الذي شرَّف اللَّه به البشرية، وميزهم به عن سائر الحيوان، فلا يستعملونه إلا في معرفة خالقهم والتقرب إليه بأنواع العبادات وصنوف الخضوع، وغاية المحبة والذلة، مع التعظيم والإجلال (٤).