← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمعتزلة (١) وأتباعهم، يقولون: إن ما قاله له تأويلات تخالف ما دل عليه اللفظ، وما يفهم منه، وهو وإن كان لم يبين مراده، ولا بيَّن الحق الذي يجب اعتقاده، فكان مقصوده أن هذا يكون سببًا للبحث بالعقل حتَّى يعلم الناس الحق بعقولهم، ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافق قولهم؛ ليثابوا على ذلك، فلم يكن قصده لهم البيان والهداية، والإرشاد والتعليم، بل قصده التعمية والتلبيس، ولم يعرفهم الحق حتَّى ينالوا الحق بعقلهم، ويعرفوا حينئذٍ أن كلامه لم يقصد به البيان، فيجعلون حالهم في العلم مع عدمه خيرًا من حالهم مع وجوده" (٢). خامسًا: دلت القاعدة على إبطال قول الرافضة الذين يدعون أن الرسول ﷺ بلغ جزءًا من الشريعة وكتم الباقي، وأودعه الإمام عليًا ﵁ فأظهر علي منه جزءًا في حياته وعند موته أودعه الحسن، وهكذا كل إمام يظهر منه جزءًا حسب الحاجة ثم يعهد بالباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر (٣). يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر، ولم يكتم منها شيئًا، فإن كتمان ما أنزله اللَّه إليه يناقض موجب الرسالة،

стр. 142

كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان لشيء من الرسالة" (١). سادسًا: أفادت القاعدة إبطال قول الرافضة الباطنية الذين يدعون بأن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وزاد بعضهم على ذلك فزعم أن لكل آية سبعة أبطن (٢)، وأنهم هم الذين يعرفون هذه المعاني الباطنة دون غيرهم. وهذا من الإفك البيّن على اللَّه وعلى رسوله ﷺ ، فليس للشرع باطن لم يبلغه النَّبِيّ ﷺ لأمته، ولم يخص بعض أصحابه بشيء من الدين لم يخبر به عامتهم، بل تبليغه ﷺ كان عامًا للأسود والأحمر، والحر والعبد، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، لم يفرق ﷺ بينهم في تبليغ الرسالة، وبيان الدين. قال الإمام ابن حزم: "واعلموا أن دين اللَّه ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، ... وكل من ادعى للديانة سرًا وباطنًا فهي دعاوى ومخارق، واعلموا أن رسول اللَّه ﷺ لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها، ولا أطلع أخص الناس به من زوجة، أو ابنة عم، أو ابن عم، أو صاحب على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود، ورعاة الغنم، ولا كان عنده ﵇ السر، ولا رمز، ولا باطن غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئًا لما بلَّغ كما أمر" (٣). وقال القرطبي: "فدلت الآية على رد قول من قال: إن النَّبِيّ ﷺ كتم شيئًا من أمر الدين تقية وعلى بطلانه، وهم الرافضة ودلت على أنه ﷺ لم يسر إلى أحد شيئًا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما

стр. 143

أنزل إليك ظاهرًا" (١). ويقول الإمام الشوكاني: "العموم الكائن في ﴿مَا أُنْزِلَ﴾: يفيد أنه يجب عليه ﷺ أن يبلغ جميع ما أنزله اللَّه إليه، لا يكتم منه شيئًا، وفيه دليلٌ على أنه لم يسر [إلى] (٢) أحد مما يتعلق بما أنزل اللَّه إليه شيئًا" (٣). والمقصود من نفي الباطن عن الشرع أن يكون للنصوص معانٍ في الباطن تخالف ظاهرها، ولا تعرف إلا بطرق لم يبيِّنها النَّبِيّ ﷺ ، وقد علم مما سبق أن المقصود بالظاهر والباطن في لفظ القاعدة ما يتعلق بأعمال الجوارح والقلوب، فإن أعمال القلوب من أعظم أمور الدين، وهي أعمال باطنة جاء بها النَّبِيّ ﷺ وبيَّنها لأمته أكمل البيان وأتمه، بل كل قول وعمل ظاهر فلا بد له من باطن يتعلق بالقلب. يقول ابن تيمية: "كل قول وعمل فلا بد له من ظاهر وباطن، فظاهر القول لفظ اللسان، وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان، وظاهر العمل حركات الأبدان، وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان" (٤). ويقول ابن القيم: "قاعدة: الإيمان له ظاهر وباطن، وظاهره قول اللسان، وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب، وانقياده، ومحبته، فلا ينفع ظاهر لا باطن له ... ولا يجزئ باطن لا ظاهر له" (٥). كما قد يراد بالباطن الأمور المجملة في القرآن وجاء النَّبِيّ ﷺ ببيانها في السُّنَّة، ولم يتوف ﵇ حتَّى بيَّن جميع ما للناس حاجة إليه. يقول الإمام أحمد (٦) في خطبة كتابه الذي صنفه في طاعة

стр. 144

رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إن الله جلَّ ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله -صلي الله عليه وسلم- هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه، واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله -صلي الله عليه وسلم- وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم، وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله -صلي الله عليه وسلم-" (١). فبهذين الاعتبارين يصح أن يقال بأن في الدين باطنًا، ولكن المحظور في ذلك هو جعل الباطن مخالفًا للظاهر، ولم يبلغه النبي -صلي الله عليه وسلم- لأمته، والله أعلم. سابعًا: بيانه ﷺ لهذا الدين لم يكن من عند نفسه، بل كله كان وحيًا من عند ربه ﵎، ولذا قال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. يقول الإمام الزهري (٢): "من الله الرسالة، وعلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم-

стр. 145

البلاع، وعلينا التسليم" (١). فليس له ﷺ إلا البلاغ والبيان، كما قال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور: ٥٤]. وأما مضمون الرسالة والوحي فهو من عند الله ﵎ لم يتدخل فيه ﵇ ولا بكلمة واحدة، ولا استفاده ممن سبقه، وإنما هو محض الوحي الذي جاء به جبريل كما قال سبحانه: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ [الشعراء: ٩٢ - ٩٥]. يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، وهذا إخبار بأن كل ما يتكلم به فهو وحي يسمعه، ليس هو شيئًا تعلمه من الناس، أو عرفه باستنباطه، وهذه خاصة محمد ﷺ ، فإن المسيح ومن قبله من الأنبياء كانوا يتعلمون من غيرهم مع ما كان يوحى إليهم، فعندهم علم غير ما يسمعونه من الوحي" (٢). ويقول الشيخ حافظ حكمي: "يخبر ﷺ أنه مخبر عن الله ومبلغ رسالته، وأن ما أمر به ونهى عنه وأخبر به هو تبليغ لأمر الله، ونهيه، وخبره، وإنه لم يقل شيئًا من عند نفسه فيقول: هو من عند الله، ومن اعتقد ذلك فهو كافر من حزب أبي جهل، والوليد بن المغيرة، وملئهم. قال الله : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] ... " (٣). ثامنًا: أن بيانه ﵇ لهذا الدين لا يعدله بيان أحد من البشر؛ إذ هو ﷺ أعلم الخلق بالحق، وأفصحهم لسانًا وبيانًا، وأنصح الخلق للخلق، فاجتمع فيه ﵇ كمال العلم وكمال القدرة وكمال الإرادة.

стр. 146

ولذا قال ﵇ لأصحابه: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" (١). ووصفه ربه ﵎ بالحرص على المؤمنين فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ومما يظهر ذلك الحرص معاناته ﷺ وتحمله للمشاق العظام، التي لم يتحملها بشر في سبيل إيضاح هذا الدين تمام الإيضاح بحيث لا يفهم أحد من أصحابه شيئًا من الدين خلاف مراد الله ورسوله ﷺ . وأنزل الله عليه آيات عديدة تسلية له من الحزن والألم، والضيق الذي أَلَمَّ به بسبب كفر قومه وإعراضهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ [النحل: ٣٧]، وغيرها من الآيات، وما ذاك إلا لشدة حرصه، وكمال نصحه، وشفقته على أمته ﷺ أن تعتقد أمته شيئًا يبغضه الله ورسوله. يقول الإمام ابن تيمية: "والرسول ﷺ أعلم الخلق بالحق، وأقدر الناس على بيان الحق، وأنصح الخلق للخلق، وهذا يوجب أن يكون بيانه للحق أكمل من بيان كل أحد" (٢). ويقول ﵀ أيضًا: "وقد أوجب الله عليه البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، فلا بد أن يكون بيانه، وخطابه، وكلامه أكمل وأتم من بيان غيره، فكيف يكون مع هذا لم يبين الحق، بل بيَّنه من قامت الأدلة الكثيرة على جهله، ونقص علمه وعقله" (٣).

стр. 147

ومن المعلوم أن من قصَّر في بيان أمر من الأمور؛ فإما أن يكون قد أُتِيَ من قِبَلِ عِلْمِه أو قَصْدِه أو عَجْزِه، فيكون إما جاهلًا بما يتكلم به، أو غاشًّا لمن يخاطبهم لا يريد لهم علمًا ولا يبغي لهم هدى، أو عاجزًا عن البيان والإفصاح، فإن الفعل يتعذر لعدم العلم، أو لعدم القدرة، أو لعدم الإرادة، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة لزم حصول الفعل ووقوع المطلوب، وجميع هذه الأمور تحققت في نبينا محمد ﵇ على الكمال والتمام (١). وقال ﵀: "ومن علم أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- أعلم الخلق بالحق، وأفصح الخلق في البيان، وأنصح الخلق للخلق، علم أنه قد اجتمع في حقه كمال العلم بالحق، وكمال القدرة على بيانه، وكمال الإرادة له، ومع كمال العلم والقدرة والإرادة يجب وجود المطلوب على أكمل وجه، فيعلم أن كلامه أبلغ ما يكون، وأتم ما يكون، وأعظم ما يكون بيانًا لما بيَّنه في الدين من أمور الإلهية وغير ذلك" (٢). ويقول العلامة ابن القيم ﵀: "لا ريب عند كل مؤمن بالله ورسوله أنه كان أعلم الخلق بما يخبر به، وما يأمر به، فهو أعلم الخلق بما أخبر به عن الله واليوم الآخر، وأعلمهم بدينه وشرعه الذي شرعه لعباده، وأنه كان أفصح الأمة، وأقدرهم على البيان، وكشف المعاني؛ فإنه عربي، والعرب أفصح الأمم، وقرشي، وقريش أفصح العرب، وهو في نفسه كان أفصح قريش على الإطلاق، وقد أقر له أعداؤه بذلك ... ثم من المعلوم بالاضطرار من حاله أنه كان أحرص الناس على هدى أمته، وتعليمهم والبيان لهم، فاجمع في حقه كمال القدرة، وكمال الداعي، وكمال العلم، فهو أعلم الناس بما يدعو إليه، وأقدرهم على

стр. 148

أسباب الدعوة، وأعظمهم رغبة وأتمهم نصيحة" (١). ويقول ﵀ في صفة كلام النبي -صلي الله عليه وسلم-: "كان أفصح خلق الله وأعذبهم كلامًا وأسرعهم أداء وأحلاهم منطقًا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب، ويسبي الأرواح، ويشهد له بذلك أعداؤه، وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد" (٢). وقال ﵀ أيضًا: "فما الظن بأفضل الأنبياء، وأعلمهم، وأكملهم بيانًا، وأتمهم فصاحة، وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، ولا يوهم غيره، وأحرصهم على تعليم الأمة وتفهيمهم ... " (٣). فهو كلام المعصوم في منطقه، وعلمه، وقصده، وعمله، وكل كلمة منه جاءت في موضعها، ومنزلتها، ومقرها، لا يتعدى بها عنه، ولا يقصر بها (٤). يقول الجاحظ (٥) عند ذكره لصفة كلامه ﷺ ، وما تضمنه من البلاغة والإعجاز: "وأنا اذكر بعد هذا فنًا آخر من كلامه ﷺ ؛ وهو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجلَّ عن الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال الله ﵎: ﴿قُل﴾ يا محمد:

стр. 149

﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعير، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق. وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، بين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ (١) الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج (٢) إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة (٣)، ولا يستعمل المواربة (٤)، ولا يهمز ولا يلمز (٥)، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب

стр. 150

ولا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا، ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه، من كلامه ﷺ " (١). تاسعًا: لا يقدح في هذه القاعدة ما يحصل من الإشكالات والتعارضات في بعض النصوص عند بعض الناس؛ وذلك لأن أفهام الناس تتفاوت وتختلف حتى بين أهل العلم فضلًا عن غيرهم، وهذا التعارض لا يتعلق بذات النصوص، إذ النصوص الشرعية لا يمكن أن تتعارض بحال، أو تتضارب، وإنما يحصل الإشكال والالتباس والتضارب في أذهان البشر، لما فيها من الضعف والقصور. يقول الإمام ابن تيمية: "وذلك كله داخل في البلاغ المبين، فإنه ليس من شرط البلاغ المبين أن لا يشكل على أحد، فإن هذا لا ينضبط، وأذهان الناس وأهواؤهم متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، وفيهم من يبلغه العلم، وفيهم من لا يبلغه؛ إما لتفريطه، وإما لعجزه. وإنما على الرسول البلاغ المبين: البيان المُمَكِّن، وهذا ولله الحمد قد حصل منه ﷺ ، فإنَّه بلغَ البلاغ المبين، وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وما ترك من شيء يقرب إلى الجنة إلا أمر الخلق به، ولا من شيء يقربهم من النار إلا نهاهم عنه، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًا عن أمته" (٢).

стр. 151

المبحث الرابع قاعدة العبادة هي الغاية التي خلق الله لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه وفيه عدة مسائل: * المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة معنى العبادة لغة وشرعًا (١): العبادة في اللغة: هي الخضوع والذلة والانقياد. وفي الشرع: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيشمل ذلك قول اللسان، وعمل الجوارح، وأعمال القلوب، فكلها داخلة في معنى العبادة الشرعي الذي أحبه الله وأمر به العباد. معنى الغاية: الغاية مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (غَيِيَ)؛ يقال: غَيَّا وغَايا وأغْيا وتغايا، لفيف مقرون، والمصدر تغِيَّة ومُغَاياةٌ، واسم الفاعل: مُغَيٍّ

стр. 152

ومُغايٍ، واسم المفعول: مُغَيَّى ومُغايَّى، والغاية: مدى كل شيء وقصاره، وألفه ياء وهو من تأليف غين وياءين، وغَيَّي للقَوْمِ، نَصبَ لهم غايَةً أَو عَمِلَها لهم، والغايَةُ السَّحابَةُ المُنْفَرِدَةُ، وغايَتُكَ أَنْ تَفْعَل كذا: أَي نِهايَةُ طاقَتِكَ أَو فِعْلِكَ، ويقالُ في صَوابِ الرأي: أَنتَ بَعِيدُ الغايَةِ، وأَغْيا الرَّجلُ: بَلَغَ الغايَةَ في الشَّرَفِ والأمْرِ، والعِلَّةُ الغائِيَّةُ عنْدَ المُتَكَلِّمِيْن ما يكونُ المَعْلول لأجْلِها، وقوْلُهم المُغَيَّا كمُعَظَّمٍ لانْتِهاءِ الغايَةِ، هكذا يقولُه الفُقهاءُ والأُصُوليُّون وهي لُغَةٌ مولَّدَةٌ. والغاية: هي ما لأجله وجود الشيء، وهي أقصى الشيء، ومدى كل شيء، وغاية الشيء مقطعه ومنتهاه (١). ومعنى الغاية في القاعدة: حكمة الله تعالى في إيجاد الخليقة، وما يستتبع ذلك من الغايات الحميدة، ويعبر عنها بالعلة الغائية. فالعبادة التي هي غاية الله من الخلق والإيجاد هي علة غائية. وخلق العباد وإيجادهم هو علة فاعلية وسبب وسبيل لتحقيق العلة الغائية. فالعلة الفاعلية التي هي خلق الخلق هي سبب وعلة وموجدة للعلة الغائية، فإذا لم توجد العلة الفاعلية فلا وجود للعلة الغائية. يقول الإمام ابن تيمية: "فلو لم يخلق شيئًا بمشيئته وقدرته لم يوجد شيء، وكل الأعمال إن لم تكن لأجله فيكون هو المعبود المقصود المحبوب لذاته، وإلا كانت أعمالًا فاسدة؛ فإن الحركات تفتقر إلى العلة الغائية، كما افتقرت إلى العلة الفاعلية، بل العلة الغائية بها صار الفاعل فاعلًا، ولولا ذلك لم يفعل.

стр. 153

فلولا أنه المعبود المحبوب لذاته لم يصلح قط شيء من الأعمال والحركات، بل كان العالم يفسد، وهذا معنى قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولم يقل لعدمتا" (١). وعليه تكون غاية الله من خلقه هو تحقيقهم لتوحيد الإلهية، كما أن ربوبية الله تعالى لخلقه التي تضمنت الخلق والإحياء هي العلة الفاعلية التي حصلت بسببها العلة الغائية. يقول الإمام ابن تيمية: "فإن العبادة هي الغاية التي لها خلق الخلق، والإلهية هي الغاية، والربوبية تتضمن خلق الخلق وإنشاءهم، فهو متضمن ابتداء حالهم، والمصلي إذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] فبدأ بالمقصود الذي هو الغاية على الوسيلة التي هي البداية، فالعبادة غاية مقصوده، والاستعانة وسيلة إليها، تلك حكمة، وهذا سبب، والفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلية معروف؛ ولهذا يقال: أول الفكرة آخر العلم، وأول البغية آخر الدرك، فالعلة الغائية متقدمة في التصور والإرادة، وهي متأخرة في الوجود، فالمؤمن يقصد عبادة الله ابتداء، وهو يعلم أن ذلك لا يحصل إلا بإعانته، فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ " (٢). وقد أوضح التفتازاني (٣) العلاقة بين العلة الغائية والفاعلية بقوله:

стр. 154

"وأما غاية الشيء: يريد بيان علته الغائية؛ دفعًا لما يستبعد من كون المتأخر عن الشيء علة له، فمعنى كون غاية الشيء علة له: أن ذلك الشيء يفتقر في وجوده العيني إلى وجودها العقلي، بواسطة أنه يحتاج إلى علته الفاعلية، وهي في كونها علة تحتاج إلى تصور الغائية ضرورة أن الفاعل ما لم يتصور غاية ما لا يُفْعَل إلا لغاية لم يفعله، ومن ههنا قالوا: إن الغاية بماهيتها؛ أي: بصورتها الذهنية علة لفاعلية الفاعل وبانيتها؛ أي: هويتها الخارجية معلول للفاعل، بل لمعلوله الذي هو ما له الغاية؛ فإن النجار يتصور الجلوس على السرير فَيُوْجِدَه، ثم يوجد الجلوس عليه، وللقوم عبارة أخرى: وهو أن الغاية بالوجود الذهني علة، وبالوجود العيني معلول، وهذا معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل" (١). ويقول الرازي: "العلة الغائية حال كونها ذهنية علة العلل، وحال كونها خارجية معلولة العلل، فقد حصلت له علاقتا العلية والمعلولية" (٢). وكونها علة العلل؛ لأن جميع الحركات والأفعال في هذا الكون ناتجة منها، وكائنة بسببها؛ لأنَّها أول ما يتصورها الفاعل في ذهنه، فإذا وجدت بعد ذلك كانت معلولة لفعل الفاعل الذي كان سببًا في وجودها وخروجها إلى العين. * المسألة الثانية * معنى القاعدة لا شك أن بيان غاية الشيء، ومعرفة الحكمة منه فيما يتعلق بخلق الله وأمره مما له بالغ الأثر، وعظيم الفائدة العائدة على النفس

стр. 155

البشرية بالطمأنينة والسكون والثقة بربها ﵎، ولا سيما فيما يتعلق بالغاية الحميدة، والحكمة الجليلة في إيجاد المخلوقات؛ إذ في هذه الغاية التي لا أعظم منها تجلى حكمة الله تعالى الباهرة، ورحمته الشاملة؛ إذ خلق الخلق لعبادته التي هي أعظم ما يحتاجه البشر، وبذلك تظهر قيمة الإنسان في هذا الكون، التي اتسمت بعظيم الشرف ومنتهى العزة والرقي، إذ هو لم يخلق للعبث ولا للعب، ولا لغاية دنيئة، ولا حكمة حقيرة، وإنما خلق لغاية عظيمة هي منتهى عزه وغاية سعادته. والقاعدة دلت على أن عبادة الله ﵎، وإفراده بالتوحيد، وترك عبادة ما سواه، والقيام بفعل أوامره وترك مناهيه، هو الغاية والحكمة التي خلق لها الإنس والجن، ففعل بهم الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعله هو فيجعلهم عابدين له، وإنما خلقهم مهيئين مستعدين لها في أصل الخلقة، فمن وقعت منه العبادة فقد أرادها الله منه شرعًا وكونًا، ومن لم تقع منه فقد أرادها منه شرعًا ولم يردها سبحانه كونًا وقدرًا (١). فالله تعالى لم يخلقهم للعباده خلق جبلة وإجبار، وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خُلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بأعمال أهل الشقاء (٢). يقول الإمام ابن تيمية: "وهو سبحانه لم يقل أنه فعل الأول ليفعل هو الثاني، ولا ليفعل بهم الثاني، فلم يذكر أنه خلقهم ليجعلهم هم عابدين، فإن ما فعله من الأسباب لما يفعله هو من الغايات يجب أن يفعله لا محالة، ويمتنع أن يفعل أمرًا ليفعل أمرًا ثانيًا ولا يفعل الأمر الثاني، ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني فيكونون هم

стр. 156

الفاعلين" (١). والمقصود بكون العبادة غاية للرب ﵎؛ أي: أن الله تعالى أرادها وقصدها وهذا يستلزم علمه بها، إذ لا توجد الإرادة بدون العلم. يقول الإمام ابن تيمية: "وتلك الغاية لا بد أن تكون معلومة للخالق، فإن العلة الغائية هي أول في العلم والإرادة، وهي آخر في الوجود والحصول، ولهذا كان الخالق لا بد أن يعلم ما خلق؛ فإنَّه قد أراده وأراد الغاية التي خلقه لها، والإرادة مستلزمة للعلم، فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به. والصانع إذا أراد أن يصنع شيئًا فقد علمه وأراده، وقدر في نفسه ما يصنعه، والغاية التي ينتهي إليها، وما الذي يوصله إلى تلك الغاية. والله سبحانه قدر وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، كما ثبت في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو (٢)، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" (٣). وفي البخاري عن عمران بن حصين (٤)، عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:

стр. 157

"كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض" (١) " (٢). وكون العبادة غاية لله من جهة أمره -سبحانه وتعالي- بها؛ لأنَّه لا يأمر إلا بما يحب ويرضى فكل ما أمر الله تعالى به فهو من محبوباته ومرضياته، فالله يحب العبادة ويرضى عن من فعلها، فهي من هذه الجهة تعتبر غاية محبوبة لله ﵎، وإلا فنفعها وفائدتها حاصلة للعبد، والله غني عن عبادة الخلق، لا تنفعه طاعتهم، ولا تضره معصيتهم؛ ولذا قال سبحانه بعد أن بيَّن هذه الغاية: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٧، ٥٨]. يقول الشيخ السعدي: "وهذان الأمران؛ وهما معرفة الله وعبادته: هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهي الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح وسعادة دنيوية وأخروية، وهما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا فات كل خير، وحضر كل شر، فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفه نوال" (٣).

стр. 158

* المسألة الثالثة* أدلة القاعدة دلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة عديدة، أذكر منها ما يلي: أولًا: من أصرح الأدلة الدالة على تقرير ما أفادته القاعدة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. ودلالة الآية من حيث إفادتها للحصر (بما) النافية مع (إلا) المفيدان للحصر والقصر، (فيكون معنى الكلام: أني خلقت الجن والإنس لغاية واحدة هي العبادة دون ما سواها، ففيه قصر علة الخلق على العبادة). ولأن الاستثناء هنا مفرغ -أي: من أعمِّ الأحوال كما يقول النحاة- والمعنى: وما خلقت الجن والإنس لشيء، أو لغاية من الغايات أبدًا إلا لغاية واحدة هي: أن يعبدوني (١).

стр. 159

يقول الإمام النووي في بيان معنى الآية: "وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنَّها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام" (١). قال ابن عاشور (٢): "واللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ لام العلة؛ أي: ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي، والتقدير: لإرادتي أن يعبدون، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾، وهذا التقدير يلاحظ في كل لام ترد في القرآن تعليلًا لفعل الله تعالى؛ أي: ما أرضى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإلهية" (٣). ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. لقد دلت الآيتان على حصر أمر الله لأهل الكتاب في أمرهم بالعبادة؛ أي: أنهم ما أمروا بشيء من التكاليف في هذه الدنيا إلا بعبادة الله تعالى وحده، فالنفي الذي يأتي بعده استثناء ثم إثبات يفيد قمة

стр. 160

الحصر؛ أي: هم مقصورون على العبادة، فلم يخلقوا إلا للأمر بها وتحصيلها، وإفراد الرب ﵎ بها دون ما سواه. وهذا يدل على أن العبادة هي غاية الله من خلقه؛ لأنَّه جعل الأمر بها أعظم مأمور، وأفضل مطلوب كما أفادته طريقة الحصر في الآيتين؛ فكأنَّه لم يأمرهم بشيء سوى عبادته سبحانه، ولهذا كثر في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده (١). قال الفخر الرازي في معنى آية التوبة: "ومعناه ظاهر: وهو أن التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بذلك" (٢). أي: ناطقة ومصرحة بالأمر بالعبادة، فكون جميع الكتب الإلهية قد أمرت أول ما أمرت بهذه العبادة ليدل أعظم الدلالة على أنها هي غاية الغايات من خلق العباد. يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أن في الكتب الإلهية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأنه أرسل إلى الخلق رسلًا من البشر، وأنه أوجب العدل، وحرم الظلم والفواحش والشرك، وأمثال ذلك من الشرائع الكلية" (٣). ويقول الإمام ابن القيم في الآية: "فنهى سبحانه أن يكون أَمَرَ عباده بغير العبادة التي قد أخلص عاملها له فيها النية" (٤). بل هذا ما أمر الله به صفوة خلقه، وخير البشر، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ [الزمر: ١١، ١٢]. وهذا يؤيد كون العبادة هي غاية الخلق وغاية الأمر. يقول الرازي في بيان الآيات: "وهذا يشتمل على قيدين؛ أحدهما:

стр. 161

الأمر بعبادة الله، الثاني: كون تلك العبادة خالصة عن شوائب الشرك الجلي، وشوائب الشرك الخفي، وإنما خص الله تعالى الرسول بهذا الأمر؛ لينبه على أن غيره بذلك أحق، فهو كالترغيب للغير" (١). ثالثًا: الأدلة الدالة على أن الله إنما بعث رسله جميعًا بالأمر بالعبادة وترك الشرك، وهذا يدل على أن العبادة هي غاية الله من خلقه، إذ لا يتصور أن يتوارد الرسل جميعًا على دعوة واحدة، وعقيدة مشتركة إلا ويكون ما بعثوا به هو غاية الله منهم ومن خلقهم وإيجادهم. ومن تلك النصوص: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وغيرها من النصوص. فالآيات أفادت حصر مهمة الرسل العظمى في الدعوة لهذا الأصل العظيم، إذ ليس لهم مهمة في حياتهم سوى بيان العبادة التي خلق الخلق من أجلها، وهذا يدل على أن عبادة الله وحده هي غايته من خلق الخلق وبعثة الرسل. يقول أبو حيان (٢): "وكل واحد من هؤلاء الأنبياء؛ نوح وهود وصالح تواردوا على الأمر بعبادة الله؛ والتنبيه على أنه لا إله غيره، إذ

стр. 162

كان قومهم عابدي أصنام، ومتخذي آلهة مع الله كما كانت قريش والعرب" (١). رابعًا: من المعلوم أن خلق الخلق بدون غاية من خلقهم ينافي كمال حكمة الله تعالى؛ وعليه فلا بد من وجود غاية يرجع إليها وجود الخليقة، ولا بد أن تكون غاية الخلق هي أعظم محبوباته ﵎، ولا شك أن أعظم محبوبات الرب هي عبادته سبحانه وحده، وإفراده بالخضوع والتذلل والمحبة، كما أن العبادة بالنسبة لبني آدم هي غاية كمالهم، والله متصف بصفات الكمال والجلال، يحب الكمال لنفسه، ومن آثار كماله سبحانه محبته لتكميل عباده، ولذا كانت العبادة هي غاية الله من إيجاد خلقه، من جهة أمره ومحبته ورضاه، يحبها منهم، ويكملهم بها. يقول ابن القيم: "ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملًا معطلًا مضاد للحكمة، فإنه خلق لغاية كماله، وكماله أن يكون عارفًا بربه، محبًا له، قائمًا بعبوديته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر، وهما أعظم كمال الإنسان، والله تعالى من عنايته به ورحمته له عرضه لهذا الكمال، وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة ومكنه منها" (٢). فالأمر بالعبادة وقيام الخلق بها هو غاية كمالهم، وبه تظهر وتتجلى آثار أسمائه وصفاته سبحانه؛ إذ هذا هو مقتضى الاتصاف بالكمال، والتنزه عن النقص (٣). يقول الإمام ابن تيمية في شأن العبادة: "فهو العمل الذي خلق

стр. 163

العباد له؛ أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى، ويراد له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته" (١). وقال ﵀: "فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم، وسعادتهم، ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله" (٢). وقال أيضًا: "وجماع الصلاح للآدميين هو طاعة الله ورسوله، وهو فعل ما ينفعهم وترك ما يضرهم، والفساد بالعكس، فصلاح الشيء هو حصول كماله الذي به تحصل سعادته، وفساده بالعكس، والخلق صلاحهم وسعادتهم في أن يكون الله هو معبودهم الذي تنتهي إليه محبتهم وإرادتهم، ويكون ذلك غاية الغايات، ونهاية النهايات، فعبادته هي الغاية التي فيها صلاحهم" (٣). * المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة تضافرت أقوال أهل العلم ﵏ في اعتماد هذه القاعدة والتدليل عليها، بل واعتبروها من الأصول العظيمة لهذا الدين، وفيما يأتي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوالهم: قال الإمام الشافعي ﵀: "خلق الله الخلق لعبادته" (٤). ويقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة: هي الغاية التي خلق الله لها العباد؛ من جهة أمر الله، ومحبته، ورضاه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ

стр. 164

الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] " (١). ويقول الإمام ابن القيم: "فالعبادة هي الغاية التي خلق لها الجن والإنس والخلائق كلها" (٢). وقال الإمام ابن كثير: "ومعنى الآية: أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له" (٣). ويقول المقريزي (٤): "فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلا لأجلها" (٥). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "ومعنى الآية: أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فهذا هو الحكمة في خلقهم. قلت: وهي الحكمة الشرعية الدينية" (٦). ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وأهم ما يبدأ به في التعليم هو معرفة أصول الدين وقواعد الإسلام، التي لا يحصل بدونها، ولا يستقيم بناؤه إلا عليها، لا سيما معرفة ما دلت عليه كلمة التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، من الإيمان باللّه ومعرفته وتوحيده، بإخلاص العبادة بأنواعها له سبحانه، والبراءة من كل معبود سواه، والقيام بذلك علمًا وعملًا.

стр. 165

فإن هذا هو أصل الدين وقاعدته، وهو الحكمة التي لأجلها خلقت الخليقة، وشرعت الطريقة، وأرسلت لأجلها الرسل، وبها أنزلت الكتب؛ وجميع أحكام الأمر والنهي تدور عليها، وترجع إليها" (١). وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (٢) عقب ذكره لبعض تقريراته في العبادة: "فهذه هي: الحكمة الشرعية الدينية، والأمر المقصود في إيجاد البرية" (٣). ويقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: "هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه" (٤). ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "وهذا الحكم من أعدل الأحكام، وأوضحها، وأظهرها حكمة، وذلك أن الله جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه، ويوحدوه، وأوضحها، وأظهرها حكمة، وذلك أن الله جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه، ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه" (٥).

стр. 166

* المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها لقد تضمنت القاعدة العديد من الفوائد أستعرض ما ظهر لي من ذلك فيما يلي: أولًا: اتصافه تعالى بالعلم الشامل المحيط لكل ما في الكون، وبالحكمة الباهرة الجليلة، إذ هو سبحانه لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لعبًا، ولا سدى بدون حكمة ولا غاية، وإنما له سبحانه في جميع خلقه وأمره، وقضائه وقدره: الغاية الباهرة العظيمة، والحكمة البالغة الجليلة، التي تقصر العقول عن الإحاطة بكنهها وحقيقتها، وتعجز الألسن عن الإفصاح بأسرارها ومكنوناتها. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وقال : ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦]. يقول الإمام الشافعي: "لا يؤمر ولا ينهي" (١). وقال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]. وقال : ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر: ٥]. يقول الإمام ابن تيمية: "وما خلق الخلق باطلًا ولا فعل شيئًا عبثًا، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله -سبحانه وتعالي-، ثم حكمته ما أطلع بعض خلقه

стр. 167

عليه، ومنه ما استأثر سبحانه بعلمه" (١). ويقول العلامة ابن القيم: "إنه سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة، وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل" (٢). ويقول ﵀ أيضًا: "وإن حكمته حكمة حق عائدة إليه، قائمه به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه، وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك، وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة، التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأحيى وأسعد وأشقى، وأضل وهدى، ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات، وهو محال؛ إذ نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي الفعل لازم لنفي الغاية، وهي الحكمة، ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة؛ إذ فعل لا يقوم بفاعله، وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته" (٣). ثانيًا: لا يخفى أن المقصود من العبادة في القاعدة هي العبادة التي سبقتها معرفة العبد بربه ﵎، وما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وعليه فلا تعتبر العبادة مع الجهل بالمعبود، وبما له من الأسماء العليا، والصفات الحميدة. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "هذه الغاية التي خلق الله الجن

стр. 168

والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك متوقف على معرفة الله تعالى؛ فإن تمام العبادة متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم" (١). ثالثًا: تضمنت القاعدة الدلالة على وجوب صرف العبادة لله تعالى وحده دون غيره من الخلق؛ لأن القاعدة نصت على أن العبادة هي غاية الله من خلقه، وأخبر الله الخلق بهذه الغاية، فدل ذلك على وجوب عبادته -سبحانه وتعالي-، وإلا لما كانوا محققين لما خلقوا من أجله، فإخباره دال على أن هذا هو الغاية من الخلق، ودال في نفس الوقت على أمرهم بعبادته سبحانه وحده لا شريك له، وهو أمر عام لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم كما سيأتي إيضاحه. رابعًا: دلت القاعدة على صحة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة من كون العبادات غايات ووسائل؛ إذ هي في نفسها غاية بالنسبة للعبد، كما أنها وسائل لرضا الله تعالى، ودخول جنته، وذلك بخلاف قول الفلاسفة والباطنية وغلاة أهل البدع من الرافضة والصوفية، كما نقل ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فإنَّهم قرروا أن العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموه بأنه كمال النفس، فيجعلون العبادات وسيلة محضة إلى ما يدعونه من العلم، ولهذا يرون سقوط العبادة عمن تحصل على هذا العلم المزعوم، ولا شك في بطلان هذا المذهب وفساده، ومعارضته الظاهرة للنصوص المصرحة بخلافه، وهو خلاف ما قرره أهل السُّنَّة من أن العبادة غاية عظيمة كما أنها وسيلة في ذاتها إلى رحمة الله ورضوانه.

стр. 169

يقول الإمام ابن تيمية: "والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما زعموه؛ مع أنه قول باطل، فإن النفس لها قوتان؛ قوة علمية نظرية، وقوة إرادية عملية، فلا بد لها من كمال القوتين؛ بمعرفة الله وعبادته، وعبادته تجمع محبته، والذل له، فلا تكمل نفس قط إلا بعبادة الله وحده لا شريك له. والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له، بهذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب الإلهية كلها تدعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها إصلاح أخلاق النفس؛ لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس، أو مقصودها إصلاح المنزل والمدينة، وهو الحكمة العملية، فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم؛ ولذلك يرون هذا ساقطًا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية، ومن دخل في الإلحاد أو بعضه، وانتسب إلى الصوفية، أو المتكلمين، أو الشيعة، أو غيرهم" (١). ولا ينكر كون العلم والمعرفة أصل للعبادة، وبدون العلم النظري المستقر في القلب لا تنفع العبادات العملية، وعليه يكون كل من العلم والعبادة غاية مقصودة لله ﵎ وذلك لتلازمهما أبدًا. يقول الإمام ابن تيمية: "وليست عبادته مجرد الأعمال البدنية، بل أصل العبادة: معرفته، وكمال محبته، وكمال تعظيمه، وهذه الأمور تصحبه في الدار الآخرة. فكل من النظر والعمل مأمور به مقصود للشارع، وكل منهما معين للآخر وشرط في حصول المقصود بالآخر، فإن الناظر مع سوء قصده وهواه لا يحصل له المطلوب لا من العلم ولا من العمل. والعابد مع فساد نظره لا يحصل له المقصود لا من العلم ولا من

стр. 170

العمل، بل كلاهما واجب لنفسه وشرط للآخر فلا بد من سلوك الطريقين معًا" (١). خامسًا: سبق وأن بيَّنت معنى العبادة في القاعدة، وهي إفراده سبحانه بالتوحيد والانقياد له بطاعته وطاعة رسله، وإخلاص الدين له -سبحانه وتعالي-، وهذا ما دعت إليه جميع الرسل، وهو الغاية من إيجاد الخلف، ودل على ذلك صريح القرآن كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وهذا هو المذهب الحق في تفسير هذه الآية، لكن للسلف أقوالًا كثيرةً في تفسير العبادة الواردة في هذه الآية، وقد ذكرها الإمام ابن تيمية ﵀ في مصنفاته متعقبًا لكثير منها، ومناقشًا لأدلتها، وفيما يلي تلخيص هذه الأقوال، مع بيان ما فيها من قوة أو ضعف، مستعينًا في ذلك بكلام الشيخ ﵀ وغيره من أهل العلم. فأقول يمكن إجمال هذه الأقوال فيما يلي: الأول: قول جمهور المسلمين، الذين فسروا العبادة بما ذكرناه في معنى القاعدة، وأنها إفراده سبحانه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، فهذه هي العبادة التي هي غاية الله من إيجاد الخليقة كلها؛ وهي المقصود الأعظم من إيجاد الخلق وإرسال الرسل (٢). يقول الإمام ابن تيمية: "وهو الذي عليه جمهور المسلمين: أن الله خلقهم لعبادته، وهو فعل ما أمروا به؛ ولهذا يوجد المسلمون قديمًا وحديثًا يحتجون بهذه الآية على هذا المعنى حتى في وعظهم وتذكيرهم وحكاياتهم" (٣). قال الربيع بن أنس (٤): ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾؛ "أي: إلا

стр. 171

للعبادة" (١). والمعنى: أن الله خلقهم ليعبدوه ففعل بعضهم، وقام بالعبادة، وترك البعض فلم يعبد الله (٢). الثاني: وهو مروي عن علي بن أبي طالب (٣)، ومجاهد أيضًا؛ قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾؛ "أي: إلا لآمرهم بعبادتي؛ فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره" (٤). فعبر عن الأمر والإيجاب بالعبادة، وهي ثمرته ومقتضاه. ويمكن توجيه هذا القول بأن فعل العبادة هو الغاية من الخلق، ولكن هذه العبادة لا تحصل ولا تصح إلا بأمره سبحانه الشرعي الديني، فصارت العبادة مشروطة وجودًا واعتبارًا بورود الأمر بها من الله تعالى. ولذا جاء البيان من الله تعالى بأن عبادته -سبحانه وتعالي- هي غاية الأمر كما أنها غاية الخلق، فقال -سبحانه وتعالي-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. يقول ابن القيم: "فهذه المعرفة وهذه العبودية هما غاية الخلق والأمر" (٥).

стр. 172

الثالث: قول طائفة من السلف، وافقوا الجمهور في معنى العبادة المراد من القاعدة، لكن قالوا هي مخصوصة بمن وقعت منه العبادة، فمن وجدت منه العبادة فهو مخلوق لها ومن لم توجد منه فليس مخلوقًا لها، فالغاية من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله تعالى حاصلة بفعل السعداء منهم. قال سعيد بن المسيب (١): "ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني" (٢). وقال الضحاك (٣): "هذا خاص لأهل طاعته" (٤). وقال البخاري في معنى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: "ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين إلا ليوحدون" (٥). فهؤلاء قالوا: الآية بمعنى الخصوص لا العموم لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وإن كانوا من الإنس، وكذلك الكفار يخرجون من هذا الخطاب بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة. ومال إليه الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني (٦) بعد أن ذكر في

стр. 173

الآية ثلاثة أقوال، فقال مقررًا ومرجحًا له: "والثالث: أن لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص، وأراد بذلك الذين هداهم ووفقهم لطاعته وعبادته؛ يدل على هذا شيئان؛ أحدهما: أن فيهم الأطفال، والمجانين، ومن خرج من عموم الآية، والثاني: أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فأخبر بهذه الآية أنه خلق كثيرًا منهم لجهنم، ومن خلقه الله لجهنم لم يخلقه للعبادة، والقرآن لا يتناقض، بل يؤيد بعضه بعضًا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، ولا ينتفي عنه الاختلاف إلا إذا حملت الآيتان على ما ذكرنا" (١). وقد بيَّن الإمام ابن تيمية ضعف هذا القول من وجوه عديدة أذكرها باختصار مع بعض التصرف فيما يلي (٢): أولًا: أن قصد العموم ظاهر في الآية، وبيِّن بيانًا لا يحتمل النقيض؛ إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة؛ فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له، بل الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن. ثانيًا: وأيضًا فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم؛ لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له، ولهذا عقبها

стр. 174

بقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٧]، فإثبات العبادة ونفي الرزق والإطعام يبين أنه خلقهم للعبادة، ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام. ثالثًا: القول بأنها للمؤمنين فقط يجعل هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه، وغايته يقول: أنت لم تخلقني لعبادتك وطاعتك، ولو خلقتني لها لكنت عابدًا، وإنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك، وأنا خلقتني لأكفر بك، وأشرك بك، وقد فعلت ما خلقتني له، كما فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم له، فهذا مما يلزم هذا القول وكلام الله منزه عن هذا. الرابع: قول من قال الآية على عمومها؛ لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم، وقهره لهم، ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم، وأنه صيرهم إلى ما خلقهم له من السعادة والشقاوة. وعن زيد بن أسلم (١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] "قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة" (٢). وقيل: "جبلهم على الطاعة وجبلهم على المعصية" (٣). فالمؤمن مطيع ومنقاد باختياره، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه وقدره، جبرًا وقصرًا (٤).

стр. 175

وهذا معنى صحيح في نفسه، فلا يخرج أحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور، ولكن قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ لم يرد به هذا المعنى الذي ذهبوا إليه، وحاموا حوله من أن المخلوقات كلها تحت مشيئته وقهره وحكمه. وبيان ذلك: أولًا: أن نفاذ المشيئة في الخلق ليس هو العبادة، فإن جميع المخلوقات حتى البهائم والجمادات بهذه المنزلة. ثانيًا: أن لفظ العبادة في عامة سور القرآن لا يراد به هذا المعنى. يقول الإمام ابن تيمية: "فهذا ونحوه كثير في القرآن؛ لم يرد بعبادة الله إلا العبادة التي أمرت بها الرسل؛ وهي عبادته وحده لا شريك له، والمشركون لا يعبدودن الله، بل يعبدودن الشيطان، وما يدعونه من دودن الله؛ سواء عبدوا الملائكة، أو الأنبياء والصالحين، أو التماثيل والأصنام المصنوعة، فهؤلاء المشركودن قد عبدوا غير الله تعالى كما أخبر الله بذلك؛ فكيف يقال: أن جميع الإنس والجن عبدوا الله لكون قدر الله جاريًا عليهم، والفرق ظاهر بين عبادتهم إياه التي تحصل بإرادتهم، واختيارهم، وإخلاصهم الدين له، وطاعة رسوله، وبين أن يُعَبِّدَهُم هو وَيُنْفِذ فيهم مشيئته، وتكودن عبادتهم لغيره، للشيطان، وللأصنام من المقدور" (١). ثالثًا: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ يقتضي فعلًا يفعلونه هم، وكونه يَرُبُّهم ويخلقهم، وينفذ فيهم مشيئته ليس إلا فعله ليس في ذلك فعل لهم. الخامس: قول السدي (٢): "من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع،

стр. 176

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك" (١). لكن هذا أيضًا ضعيف؛ لأن المشركين لا يعبدون الله بل يعبدون الشيطان، وما يدعونه من دون الله؛ سواء عبدوا الملائكة، أو الأنبياء والصالحين، أو التماثيل، كما أخبر الله بذلك، فالمشرك يعبد الشيطان وما عدل به الله ولا يعبد الله، ولا يسمى مجرد الإقرار بالصانع عبادة لله مع الشرك بالله (٢)، ولكن يقال كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به، فعبادة المشركين وإن جعلوا جزءًا منها لله فإن الله لا يقبل منها شيئًا، بل كلها لمن أشركوه، فلا يكونون قد عبدوا الله سبحانه. السادس: قول مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: قال: "إلا ليعرفون" (٣). وهذا المعنى صحيح، وكونه إنما عرف بخلقهم يقتضي أن خلقهم شرط في معرفتهم، لا يقتضي أن يكون ما حصل لهم من المعرفة هو الغاية التي خلقوا لها، فهذه المعرفة هي من إقرارهم العام الذي هم فيه مشركون، وليست هي العبادة التي هي غاية الله من خلقه (٤). السابع: معنى العبادة في الآية هو الاستعداد الفطري لها، الذي فطر الله النفوس عليه؛ فجعل لهم عقولًا وحواسًا وقلوبًا منقادة نحو العبادة، فباعتبار استعدادهم الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغيًا بها، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل

стр. 177

للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلًا، فالمعنى: أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة (١). وهذا المعنى صحيح، لكن لفظ يعبدون كما سبق يقتضي فعلًا منهم، وكونهم معدين ومهيئين للعبادة هو فعل الله بهم لا فعلهم، ثم إن الملائكة قد طبعت نفوسهم على العبادة، وانقطعت عنهم أسباب الانحراف، بحيث لا تقع منهم معصية على الإطلاق، فهم أولى بهذا الوصف من سائر الإنس والجن، كما أن لام الغاية قد دلت على آخر الشي ونهايته في أمر الخلق، والفطرة إنما تكون مع ابتداء الخلق. الثامن: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إلا ليوحدون؛ فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢). وهذا ضعيف أيضًا، فإن المشرك إذا أخلص الدعاء في حال الشدة دون الرخاء فلا يسمى موحدًا هكذا بإطلاق، فإن التوحيد المطلق هو الذي لا يقارنه الشرك، وإخلاص هذا الكافر إنما هو في حال شدته فقط، فهو إخلاص وتوحيد مقيد، إذ هم لا يثبتون على التوحيد بل يسارعون إلى الشرك في حال الأمن والرخاء، ولا يعتبر عابدًا موحدًا لله إلا من ثبت على التوحيد والعبادة. يقول الإمام ابن تيمية: "نفي العبادة مطلقًا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد، والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه

стр. 178

يعبد الله وغيره، أو يعبده مشركًا به، لا يقال: إنه يعبد مطلقًا" (١). وقال ابن القيم: "لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا بها، فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم علي عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله ولا عبدًا له" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب-: عن عبادة المشركين-: "وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا في الشدة والرخاء فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية" (٣). هذا ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في تفسير معنى الآية، والذي يترجح من هذه الأقوال، وعليه جملة من المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، والشنقيطي، وغيرهم هو الأول، وقريبًا منه الثاني، فإن العبادة لا توجد بدون الأمر من الله تعالى. وبهذا يظهر أن العبادة الشرعية هي الغاية من خلق الخلق وعلى ذلك تكون الإرادة التي دلت عليها اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. إرادة دينية شرعية، إذ هي الأصل في إيجاد المخلوق، وهي لا تقتضي وجود المراد. يقول الإمام ابن تيمية: "إن الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، فإن هذا هو الغاية التي أرادها منهم بأمره، وبها يحصل محبوبه، وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم، وإن كان منهم من لم يعبده ولم يجعله عابدًا له، إذ كان في ذلك الجعل تفويت محبوبات أخر هي أحب إليه من عبادة

стр. 179

أولئك، وحصول مفاسد أخر هي أبغض إليه من معصية أولئك" (١). ويقول ﵀ عند كلامه على أنواع الإرادة: "ولهذا كانت الأقسام أربعة: أحدها: ما تعلقت به الإرادتان؛ وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به، وأحبه، ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان. والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط؛ وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط؛ وهو ما قدره وشاءه من الحوادت التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، هذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم، والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له؛ أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية، التي فيها سعادته ونجاته، وعادمًا لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه" (٢).

стр. 180

ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين (١): "والإرادة الدينية: أصل في إيجادَ المخلوق، والإرادة الكونية: أصل فيمن كتبت عليه الشقاوة، فلا ييسر إلا لها، ولا يعمل إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] فهي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية، التي هي أصل إيجاد المخلوقات، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فقد يعبدون وقد لا يعبدون" (٢). وقال الشيخ الشنقيطي: "فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إرادة دينية شرعية، وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنَّها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن والواقع خلاف ذلك" (٣). وبذلك يظهر أن الإرادة الكونية للعبادة غير لازمة على جميع الخلق، وليست هي من مقتضيات اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، بخلاف الدينية؛ إذ هي الأصل في إيجاد البشرية فهي لازمة وداخلة في معنى اللام، ولا يلزم من انتفاء الإرادة الكونية انتفاء الإرادة الدينية؛ فإن تعوق البعض عن الوصول إلى الغاية، مع تعاضد المبادئ، وتآخذ المقدمات الموصلة إليها لا يمنع كونها غاية، كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]، ونظائره (٤).
следующие страницы →