← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك" (١). لكن هذا أيضًا ضعيف؛ لأن المشركين لا يعبدون الله بل يعبدون الشيطان، وما يدعونه من دون الله؛ سواء عبدوا الملائكة، أو الأنبياء والصالحين، أو التماثيل، كما أخبر الله بذلك، فالمشرك يعبد الشيطان وما عدل به الله ولا يعبد الله، ولا يسمى مجرد الإقرار بالصانع عبادة لله مع الشرك بالله (٢)، ولكن يقال كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]، فإيمانهم بالخالق مقرون بشركهم به، فعبادة المشركين وإن جعلوا جزءًا منها لله فإن الله لا يقبل منها شيئًا، بل كلها لمن أشركوه، فلا يكونون قد عبدوا الله سبحانه. السادس: قول مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: قال: "إلا ليعرفون" (٣). وهذا المعنى صحيح، وكونه إنما عرف بخلقهم يقتضي أن خلقهم شرط في معرفتهم، لا يقتضي أن يكون ما حصل لهم من المعرفة هو الغاية التي خلقوا لها، فهذه المعرفة هي من إقرارهم العام الذي هم فيه مشركون، وليست هي العبادة التي هي غاية الله من خلقه (٤). السابع: معنى العبادة في الآية هو الاستعداد الفطري لها، الذي فطر الله النفوس عليه؛ فجعل لهم عقولًا وحواسًا وقلوبًا منقادة نحو العبادة، فباعتبار استعدادهم الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغيًا بها، وهذا كما تقول: البقر مخلوقة للحرث، والخيل

стр. 177

للحرب، وقد يكون منها ما لا يحارب به أصلًا، فالمعنى: أن الإعداد في خلق هؤلاء إنما هو للعبادة (١). وهذا المعنى صحيح، لكن لفظ يعبدون كما سبق يقتضي فعلًا منهم، وكونهم معدين ومهيئين للعبادة هو فعل الله بهم لا فعلهم، ثم إن الملائكة قد طبعت نفوسهم على العبادة، وانقطعت عنهم أسباب الانحراف، بحيث لا تقع منهم معصية على الإطلاق، فهم أولى بهذا الوصف من سائر الإنس والجن، كما أن لام الغاية قد دلت على آخر الشي ونهايته في أمر الخلق، والفطرة إنما تكون مع ابتداء الخلق. الثامن: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إلا ليوحدون؛ فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢). وهذا ضعيف أيضًا، فإن المشرك إذا أخلص الدعاء في حال الشدة دون الرخاء فلا يسمى موحدًا هكذا بإطلاق، فإن التوحيد المطلق هو الذي لا يقارنه الشرك، وإخلاص هذا الكافر إنما هو في حال شدته فقط، فهو إخلاص وتوحيد مقيد، إذ هم لا يثبتون على التوحيد بل يسارعون إلى الشرك في حال الأمن والرخاء، ولا يعتبر عابدًا موحدًا لله إلا من ثبت على التوحيد والعبادة. يقول الإمام ابن تيمية: "نفي العبادة مطلقًا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد، والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال: إنه

стр. 178

يعبد الله وغيره، أو يعبده مشركًا به، لا يقال: إنه يعبد مطلقًا" (١). وقال ابن القيم: "لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله، موصوفًا بها، فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم علي عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا، لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته، وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدًا لله ولا عبدًا له" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب-: عن عبادة المشركين-: "وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا في الشدة والرخاء فلا يعرفونها وهي نتيجة الإلهية" (٣). هذا ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في تفسير معنى الآية، والذي يترجح من هذه الأقوال، وعليه جملة من المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، والشنقيطي، وغيرهم هو الأول، وقريبًا منه الثاني، فإن العبادة لا توجد بدون الأمر من الله تعالى. وبهذا يظهر أن العبادة الشرعية هي الغاية من خلق الخلق وعلى ذلك تكون الإرادة التي دلت عليها اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. إرادة دينية شرعية، إذ هي الأصل في إيجاد المخلوق، وهي لا تقتضي وجود المراد. يقول الإمام ابن تيمية: "إن الله إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، فإن هذا هو الغاية التي أرادها منهم بأمره، وبها يحصل محبوبه، وبها تحصل سعادتهم ونجاتهم، وإن كان منهم من لم يعبده ولم يجعله عابدًا له، إذ كان في ذلك الجعل تفويت محبوبات أخر هي أحب إليه من عبادة

стр. 179

أولئك، وحصول مفاسد أخر هي أبغض إليه من معصية أولئك" (١). ويقول ﵀ عند كلامه على أنواع الإرادة: "ولهذا كانت الأقسام أربعة: أحدها: ما تعلقت به الإرادتان؛ وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به، وأحبه، ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان. والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط؛ وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط؛ وهو ما قدره وشاءه من الحوادت التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، هذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم، والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له؛ أي: هو الذي يحصل كمالهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادمًا لما يحب ويرضى ويراد له الإرادة الدينية، التي فيها سعادته ونجاته، وعادمًا لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه" (٢).

стр. 180

ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين (١): "والإرادة الدينية: أصل في إيجادَ المخلوق، والإرادة الكونية: أصل فيمن كتبت عليه الشقاوة، فلا ييسر إلا لها، ولا يعمل إلا بها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] فهي الإرادة الكونية، وهي لا تعارض الإرادة الدينية، التي هي أصل إيجاد المخلوقات، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] فقد يعبدون وقد لا يعبدون" (٢). وقال الشيخ الشنقيطي: "فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾: إرادة دينية شرعية، وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنَّها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن والواقع خلاف ذلك" (٣). وبذلك يظهر أن الإرادة الكونية للعبادة غير لازمة على جميع الخلق، وليست هي من مقتضيات اللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، بخلاف الدينية؛ إذ هي الأصل في إيجاد البشرية فهي لازمة وداخلة في معنى اللام، ولا يلزم من انتفاء الإرادة الكونية انتفاء الإرادة الدينية؛ فإن تعوق البعض عن الوصول إلى الغاية، مع تعاضد المبادئ، وتآخذ المقدمات الموصلة إليها لا يمنع كونها غاية، كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]، ونظائره (٤).

стр. 181

سادسًا: دلَّت القاعدة كذلك على إبطال قول من زعم بأن خلق آدم ﵇ وجميع ما في الكون كان من أجل النبي محمد ﷺ ، ورووا في ذلك خبرًا باطلًا موضوعًا وفيه: (ولولا حمد ما خلقتك) (١).

стр. 182

فالله تعالى لم يخلق أحدًا من الإنس والجن من أجل أحد لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، وإنما خلق الله الخلق من أجل عبادته وحده لا شريك له وطاعة رسله ﵈. وقد بيَّن الشيخ الألباني (١) ضعف الحديث من جهة المتن؛ لمعارضته لما هو مقرر في الشريعة، ومتفق عليه بين أهل الإسلام في موضعين، فقال: "الموضع الثاني: قوله في آخره: (ولولا محمد ما

стр. 183

خلقتك) فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنا وسُنّة ... وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم ﷺ كمخالفة هذا الحديث الباطل" (١). ومثله حديث: (لولاك ما خلقت الأفلاك) (٢) فإنَّه حديث موضوع، وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية تعقيبًا على من صحح معنى الحديث: "بل هو باطل لفظًا ومعنى، فإن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، ولم يثبت حديث عن النبي -صلي الله عليه وسلم- يدل على أن الخلق خلقوا من أجله لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢] " (٣). وقال الشيخ محمد جمال الدين القاسمي (٤): "ومما هو جدير

стр. 184

بالعناية قصص المولد النبوي الذي اشتمل على كثير من الخيال الشعري، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة كحديث: (لولاك ما خلقت الأفلاك) " (١).

стр. 185

المبحث الخامس قاعدة ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج وفيه مسائل: * المسألة الأولى * معنى القاعدة مما لا يخفى أن الله تعالى قد خصَّ بعض البقاع والأمكنة والأزمنة بزيادة الفضل ومزيد التشريف، ورفعة القدر، وعلو الدرجة، وجعل هذه البقاع، وتلك الأمكنة والأزمنة، مخصوصة بشيء من التعبد، أو الذكر المشروع فعله تقربًا إلى الله ﵎، وبقدر ما شرع فيها من التعبد والذكر يكون حظها ونصيبها من سمو الشرف، وزيادة الفضل، وعظيم المكانة. يقول الرازي: "وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى" (١). ويقول ابن الحاج (٢): "وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله

стр. 186

تعالى به من العبادات التي تفعل فيها؛ لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تتشرف لذاتها، وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني" (١). ومن أعظم هذه المعاني عبادته -سبحانة وتعالي- وإقامة ذكره ، فهي شريفة في ذاتها بتشريف الله تعالى لها، وهي من شعائر الله التي أمر الله تعالى بتعظيمها وإقامة ذكر الله عندها، والله تعالى لم يعظمها إلا لمعنى اختصت به في نفسها، ومن أعظم ذلك ارتباطها الشرعي بنوع من التعبد لله تعالى. فالبقعة من حيث هي بقعة لا تقصد بالعبادة شرعًا، وإنما تقصد لإيقاع العبادة فيها لله تعالى (٢). ومحصل ما دلت عليه القاعدة أنه لا يجوز قصد بقعة أو مكان للعبادة إلا ما شرعه الشارع، أو حثَّ عليه، أو رغَّب فيه، ومن المقرر المعلوم أن الله تعالى لم يشرع للمسلمين مكانًا يقصدونه للعبادة إلا المساجد ومشاعر الحج؛ فأما المساجد فيشرع قصدها للصلاة فيها والذكر والدعاء ونحو ذلك، وأما المشاعر فيشرع قصدها لأداء شعائر الحج ومناسكه، ولا يشرع قصدها للصلاة لذاتها ابتداء، وإنما تدخل الصلاة تبعًا لأداء المناسك؛ إذ لا يشرع قصد مكان للصلاة إلا أن يكون من المساجد التي هي بيوت الله والتي تقام فيها صلوات المسلمين.

стр. 187

يقول الإمام ابن تيمية: "ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكانًا يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير، لا الصلاة، بخلاف المساجد فإنَّها هي التي تقصد للصلاة، وما ثَمَّ مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، وما سوى ذلك من البقاع فإنَّه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء، ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك" (١). * المسألة الثانية * أدلة القاعدة فيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة على صحة القاعدة وتقريرها: أولًا: أن قصد مكان أو زمان لأداء العبادة فيه مما يحتاج إلى دليل شرعي يدل على مشروعية هذا القصد؛ وقد جاءت النصوص الشرعية بالوعيد الأكيد لمن عمل عملًا تعبديًا بدون مستند شرعي. فقد روى الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢).

стр. 188

وعليه يكون قصد مكان أو زمان لعبادة من العبادات بدون دليل شرعي من العمل المردود على صاحبه، وهو أيضًا من إحداث وتشريع دين لم يأذن به الله. ثانيًا: وفي مقابل ذلك فقد جاءت النصوص الشرعية آمرة وحاثة على إقامة ذكر الله تعالى؛ من الصلاة والدعاء والاعتكاف، في المساجد التي هي بيوت الله تعالى، وعلى إقامة ذكره في مشاعر الحج، وهذا يدل على أن قصد مكان للعبادة غير ما حثَّ الله تعالى عباده عليه، وأمرهم بعمارته بالعبادة من الإحداث في الدين، ومن فعل ما يغضب رب العالمين؛ لأن في ذلك هجرًا لما أمر به ورغَّب فيه. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦]، قال ابن عباس ﵄: "هي المساجد المخصوصة لله تعالى" (١). فبيوت الله التي هي المساجد هي التي أذن وقضى وأمر أن ترفع فتبنى وتعظم، ويذكر فيها اسمه سبحانه بالتسبيح والتقديس والتهليل، ولم يأمر سبحانه برفع المشاهد، أو القبور، أو تعظم الآثار النبوية الأرضية، ولا أمر بذكر اسمه فيها، ولا أمر بعبادته سبحانه عندها، وإنما خص بيوته سبحانه التي هي المساجد بما يليق بها من الذكر والتسبيح والصلاة (٢). وأما غير ذلك من البيوت والأمكنة؛ كبيوت الأوثان، وبيوت النيران، وبيت الكواكب، وبيت المقابر، فلم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١] فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم

стр. 189

النبي -صلي الله عليه وسلم- (١). فقصد تلك الأماكن بالعبادة من تعظيم ما لم يعظمه الرب ﵎، وهذا خلاف دين الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ ، والذي تضمن تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له؛ وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية؛ من القراءة، والذكر، والدعاء لله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨] (٢). يقول ابن تيمية: "فقد علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي، ولا رجل صالح؛ لا من أهل البيت، ولا غيرهم، لا مسجدًا، ولا مشهدًا" (٣). وقال ﵀: "وإنما البقاع التي يحبها الله، ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله فيها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦] (٤). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ [الأعراف: ٢٩]. قال الإمام ابن تيمية: "ولم يقل: (عند كل مشهد)؛ فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله، بل فيهم نوع من الشرك" (٥). ويقول ابن كثير في الآية: "أي: أمركم بالاستقامة في عبادته

стр. 190

في محالها" (١). ومن ذلك ما جاء من الترغيب في الاجتماع في المساجد؛ من أجل قراءة القرآن، ومدارسته كقوله ﷺ : ":وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (٢). ولم يرغب في الاجتماع في غير المساجد لأداء العبادة. ولذا جاء الترغيب بقصد المساجد دون غيرها، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه" (٣) فذكر ﷺ إتيان المساجد ولم يقل ثم أتى القبر الفلاني أو المشهد الفلاني، أو جاء إلى قبر نبي أو صالح. كما جاء في السُّنَّة فضل واستحباب تعلق القلوب بالمساجد، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل

стр. 191

إلا ظله؛ الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد" (١). ولم يستحب -سبحانة وتعالي- تعلق القلوب بمقامات الأنبياء والصالحين، أو قبورهم كما هو المشاهد من كثير من الجهال. ومن ذلك تخصيصه -سبحانه وتعالي- عكوف العبادة بكونه في المساجد لا في غيرها فقال ﵀: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن ذلك ما أمر الله به من قصد المشاعر للذكر والدعاء: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]. فلم يأذن بقصد القبور ولا المشاهد ولا مكانًا بعينه إلا المساجد والمشاعر. ومن ذلك أمره سبحانه بقصد مسجده الحرام، وبيته العتيق، والمشاعر لأداء مناسك الحج فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]، ولم يأمرنا -سبحانه وتعالي- بقصد الحج إلى قبر أو إلى مشهد. ثالثًا: أن قصد مكان من الأمكنة من أجل العبادة، لم تأت الشريعة باستحباب قصده، لا يكون إلا عن اعتقاد خصوصية هذا المكان دون غيره، بأن يعتقد بأن العبادة فيه أفضل من المساجد، أو أنها أحب إلى الله تعالى لتعلقها بأحد أوليائه، ولا شك أن هذه الخصوصية لا تثبت إلا

стр. 192

بدليل صحيح وإلا كان شرع دين لم يأذن به الله كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. يقول الإمام ابن تيمية: "وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها؛ من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار، وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله، وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله" (١). رابعًا: أن تقديس الأمكنة والبقاع التي لم يأت الشرع بتقديسها، أو قصدها بالعبادة، وخاصة إذا كانت قبرًا لنبي، أو صالح، أو مقامًا لهما، فيه تشبه بأهل الكتاب الذين كانوا يقدسون ويعظمون أماكن دفن أنبيائهم وصالحيهم فيتخذونها مساجد، وقد نهينا عن التشبه بهم، وأمرنا بمخالفتهم، ولذا لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم- بسبب فعلهم هذا، كما في قوله ﷺ قبل أن يموت بخمس: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٢).

стр. 193

خامسًا: أن قصد مكان أو بقعة بالعبادة -دون مساجد المسلمين ومشاعر الحج- فيه فتح باب لمفسدة عظيمة تؤدي إلى تعلق قلوب العامة بهذه الأمكنة، وخاصة إذا صدر هذا ممن يحسنون به الظن؛ فإن قلوبهم ضعيفة وسرعان ما يضلهم الشيطان ويسول لهم بأن هذا المكان مبارك، أو أنه قبر لنبي، أو مقام لصالح، إما بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على هذا اتخاذ هذا المكان وتلك البقعة مسجد يتحرون الصلاة فيه ويقصدونه ولو من بعيد، أضف إلى ذلك صرفها للقلوب عن الأماكن الشرعية التي أمرنا بالتعلق بها. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنَّه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدًا، فيصير وثنًا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص" (١). سادسًا: ما جاء من الآثار عن الصحابة ﵃ من إنكار تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم- وتحري مواضعه التي وجد فيها، أو عبد الله عندها، فمن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب (٢) ﵁ من النهي والتشديد على من تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم-، وقصدها للعبادة، كما جاء عن المعرور بن سويد (٣) قال:

стр. 194

(خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ هو [قريش]، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل) (١). وروي عن عمر ﵁ أنه لما أُخبر عن شأن الشجرة التي كان يقصدها بعض الناس متوهمين أنها شجرة البيعة رجاء بركتها أمر ﵁ بقطعها: فعن نافع (٢) قال: (بلغ عمر بن الخطاب أن أناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت) (٣).

стр. 195

يقول الإمام ابن تيمية: "فلما كان النبي ﷺ لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنَّه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل" (١). وهذه الشجرة ليست هي شجرة البيعة التي بايع النبي ﷺ أصحابه تحتها بيعة الرضوان، وإنما تلك خفيت عليهم في زمان النبي ﷺ ، فقد جاء عن نافع قال: قال ابن عمر ﵄: (رجعنا من العام المقبل فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله) (٢). ولذا جاء في البخاري (٣) عن طارق بن عبد الرحمن (٤) قال:

стр. 196

(انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدَّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل أُنسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم) (١). قال الإمام ابن عبد البر (٢): "وقد كره مالك (٣) وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك -والله أعلم- مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك" (٤). هذا ما حصل في زمان النبي ﷺ من تعمية الشجرة على الصحابة، ونسيانهم لموضعها، ثم في زمان عمر ﵁ توهموا في شجرة أخرى أنها شجرة البيعة، وصاروا يقصدونها للعبادة رجاء بركتها، فقطعها عمر سدًا لذريعة تعظيمها والافتتان بها (٥).

стр. 197

ولذا قال الإمام ابن تيمية: "وأمر عمر ﵁ بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي ﷺ تحتها بيعة الرضوان، لما رأى الناس ينتابونها، ويصلون عندها، كأنها المسجد الحرام، أو مسجد المدينة" (١). أما الشجرة الحقيقية فقد عميت عليهم في زمان النبي ﷺ فلم يهتدوا لمعرفتها، وكان إخفاؤها رحمة من الله كما قال ابن عمر ﵄ (٢). يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٣) بعد أن ذكر قصة خفاء الشجزة على الصحابة ﵃: "هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي ﷺ ، ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي ﷺ تحتها (بيعة الرضوان)، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلي عندها، فأمر عمر بن

стр. 198

الخطاب بقطعها فقطعت" (١). يقول الإمام النووي (٢): "قال العلماء: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لما جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرة معلومة لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها، وعبادتهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى" (٣). * المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة فيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في ذكرهم لهذه القاعدة أو استدلالهم بها أو لها: يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل هذا الباب: أنه ليس في شريعة الإسلام بقعة تقصد لعبادة اللّه فيها بالصلاة، والدعاء، والذكر، والقراءة، ونحو ذلك، إلا مساجد المسلمين ومشاعر الحج" (٤). وقال ﵀: "وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد، كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع هو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه، ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر

стр. 199

المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشاركه فيها شيء من المساجد كما أنه لا يصلى إلى غيره" (١). وقال ﵀ أيضًا: "ودين الإسلام أنه لا تقصد بقعة للصلاة إلا أن يكون مسجدًا فقط؛ ولهذا مشاعر الحج غير المسجد الحرام تقصد للنسك لا للصلاة، فلا صلاة بعرفة، وإنما صلى النبي ﷺ الظهر والعصر يوم عرفة بعرنة، خطب بها ثم صلى، ثم بعد الصلاة ذهب إلى عرفات فوقف بها، وكذلك يذكر الله، ويدعى بعرفات، وبمزدلفة على قزح (٢)، وبالصفا والمروة، وبين الجمرات، وعند الرمي، ولا تقصد هذه البقاع للصلاة، وأما غير المساجد ومشاعر الحج فلا تقصد بقعة لا للصلاة ولا للذكر ولا للدعاء، بل يصلي المسلم حيث أدركته الصلاة، إلا حيث نهي، ويذكر الله ويدعوه حيث تيسر من غير قصد تخصيص بقعة بذلك، وإذا اتخذ بقعة لذلك كالمشاهد نهي عن ذلك كما نهي عن الصلاة في المقبرة، إلا ما يفعله الرجل عند السلام على الميت من الدعاء له وللمسلمين، كما يفعل مثل ذلك في الصلاة على الجنازة، فإن زيارة قبر المؤمن من جنس الصلاة على جنازته، يفعل في هذا من جنس ما يفعل في هذا، ويقصد بالدعاء هنا ما يقصد بالدعاء هنا" (٣). ويقول الشيخ الدهلوي: "ومعنى ذلك أن الله قد خصص أمكنة لتعظيمه؛ كالكعبة، وعرفات، والمزدلفة، ومنى، والصفا والمروة، ومقام إبراهيم، والمسجد الحرام كله، ومكة كلها، والحرم كله، وألهم الناس شوقًا لزيارتها، والحنان إليها، فيتوجهون إلى هذه الأمكنة رجالًا

стр. 200

وركبانًا، ويأتون إليها من كل واد عميق، ومرمى سحيق، ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر وعناء التنقل، ... فيذبحون هنالك الأنعام لله تعالى، ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت" (١). * المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها هذه بعض الفوائد التي يمكن الاستفادة منها من خلال هذه القاعدة العظيمة: أولًا: الضابط في تتبع آثار النبي ﷺ ، سواء كانت مقامًا له، أو مكانًا مرَّ به وصلى فيه، أو بقعة نزل واستراح فيها، أو غير ذلك من مواضع جلوسه أو قيامه أو نومه، أو البقاع التي نزل بها في طريق هجرته، هو أن: ما قصده الرسول ﷺ من هذه الأمكنة والبقاع بالعبادة، أو كان يتحراها بإيقاع العبادة فيها، أو قصدها تشريعًا للأمة فهذا يشرع متابعته فيها ﷺ ، وتحري تلك الأمكنة بالعبادة اقتداء به ﵊، وطلبًا للقربة والثواب، وذلك مثل قصده للصلاة عند مقام إبراهيم ﵇ عملًا بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وكقصده لعرفات، ومزدلفة، ومنى، وغيرها من المواضع التي قصدها تقربًا وتشريعًا للأمة. وأما ما فعله ﷺ من العبادات وغيرها في أي بقعة من البقاع اتفاقًا، أو للحاجة، ولم يكن قصده التشريع للأمة، وإنما فعلها من باب العادة، أو صادفته الصلاة فيها، وصلى من غير قصد أو تحر لها، فهذا مما لا يشرع قصده أو متابعته فيه.

стр. 201

هذا هو الضابط في تتبع آثار النبي ﷺ ، وهو أنه لا يجوز متابعته إلا فيما قصد فيه التعبد، والقربة إلى الله تعالى، وأما ما حصل من باب العادة، أو اتفاقًا ومصادفة، أو للحاجة، فلا تشرع فيه المتابعة؛ لأن المتابعة الشرعية تكون في صورة العمل والقصد، وهذا هو المذهب الحق (١). يقول الإمام ابن تيمية: "وما فعله النبي ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه بتلك العبادة سُنَّة؛ كتخصيصه العشر الأواخر بالاعتكاف فيها، وكتخصيصه مقام إبراهيم بالصلاة فيه، فالتأسي به أن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعل؛ لأنَّه فعل، وذلك إنما يكون بأن يقصد مثلما قصد" (٢). وقال ﵀: "فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سنَّ لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ ، وما فعله من المباحات على غير وجه التعبد يجوز لنا أن نفعله مباحًا كما فعله مباحًا؛ ولكن هل يشرع لنا أن نجعله عبادة وقربة؟ فيه قولان، كما تقدم. وأكثر السلف والعلماء على أنّا لا نجعله عبادة وقربة، بل نتبعه فيه؛ فإن فعله مباحًا فعلناه مباحًا، وإن فعله قربة فعلناه قربة. ومن جعله عبادة رأى أن ذلك من تمام التأسي به والتشبه به، ورأى أن في ذلك بركة لكونه مختصًا به نوع اختصاص" (٣). وممن مال إلى كونه عبادة الإمام الشوكاني حيث قال: "فإن تتبع

стр. 202

آثاره، والوقوف في مواقفه، في حج وغيره، هو من أعظم مواطن التبرك التي تكون ذريعة إلى الخير، وصلة إلى الرشد، وقد كان الصحابة ﵃ يبالغون في مثل هذا، ويتنافسون فيه، حتى كان عبد الله بن عمر إذا وصل إلى السباطة التي بال فيها رسول الله ﷺ قائمًا فعل كفعله وبال قائمًا" (١). وهذا كما سبق خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من السلف. لكن هناك فرقًا بين التأسي به في مجرد أفعاله ﷺ التي لم يقصد بها العبادة، -كما هو الواقع من فعل ابن عمر- وبين تلمس البركة واعتقادها في آثاره ﷺ المكانية، فيعتقد أن في نفس المكان وذات الموضع بركة تلتمس بسببه ﷺ ، فهذا الثاني مما لا خلاف فيه بين السلف، وهو من أسباب حدوث الشرك في الأمة، إذ هو ما كانت اليهود والنصارى تفعله مع قبور أنبيائها. يقول الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان: "فالجاهلية هي التي تعظم آثار أنبيائها، ولهذا يقول عمر ﵁ لما رأى الناس يذهبون إلى شجرة البيعة: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم تتبعوا آثار أنبيائهم) ثم أمر بقطع الشجرة، وهذه الأماكن لم يقصدها النبي ﷺ للتشريع، أما الأماكن التي قصدها النبي ﷺ للتشريع، مثل صلاته عند مقام إبراهيم، عملًا بقوله تعالى: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فإنَّها تشرع الصلاة فها اقتداء بالنبي ﷺ ، أما جلوسه في غار حراء، وفي غار ثور، أو جلوسه في الطريق بين مكة والمدينة للاستراحة، فهذا لم يفعله من أجل التشريع، وإنما فعله اتفاقًا وللحاجة، فيجب أن يفرق بين هذا وهذا، فالأماكن التي لم يقصدها للتشريع، وإنما مرّ بها أو جلس فيها

стр. 203

من باب العادة، أو للاستراحة، أو صادفته الصلاة وصلى فيها من غير قصد لها، فإنَّه لا يتخذ هذا المكان الذي صلى فيه الرسول مصلى؛ لأنَّه فعله لا من باب القصد، وإنما فعله لأن الصلاة أدركته في هذا المكان فصلى فيه" (١). ومما سبق تقريره يمكن القول بأنه لا يجوز تتبع آثاره ﷺ بقصد العبادة إلا ما ثبت عنه ﷺ قصده إياها لأجل التعبد؛ وهذا بخلاف مسجده ﷺ ، والمسجد الحرام، ومسجد قباء، وكقصده لمقام إبراهيم، وكل ما ثبت بالنص من ذلك. ثانيًا: لا يشرع قصد المساجد والمشاهد التي بمكة أو بالمدينة، وما حولهما من بقاع وجبال وأودية، بنية التعبد وحصول الثواب، وبحجة أنها آثار له ﷺ ؛ إذ إن مجرد قصد التعبد يفتقر إلى دليل يثبته، وهذا فيما ثبت أنه من الآثار النبوية؛ فكيف بما أحدث وجعل من الآثار المعظمة بعده ﷺ بقرون عديدة، وأزمان مديدة. يقول الإمام ابن تيمية: "فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقًا فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسُنَّته، وأتبع لها من غيرهم، وقد قال ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة

стр. 204

ضلالة" (١) " (٢). كما أنه لم يثبت عنه ﷺ أنه قصد جبل حراء، ولا جبل ثور بعد أن أكرمه الله بالرسالة، وأمر الأمة بالإيمان به وبطاعته، مع أنه اعتمر أربع عمر، وحج حجة الوداع، لا هو ولا أحد من صحابته لم يثبت عنهم ذلك. يقول شيخ الإسلام: "فتحنثه (٣) وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به، وطاعته، واتباعه، أقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين، الذين هم أفضل الخلق، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر، وعمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله. وهو في ذلك كله؛ لا هو، ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا

стр. 205

بالمسجد الحرام، وبين الصفا والمروة، وبمنى، والمزدلفة، وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة. ثم بعده خلفاؤه الراشدون، وغيرهم من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء" (١). فتتبع هذه الآثار وقصدها من أجل القربة والعبادة ليس من فعل صحابة النبي ﷺ ، ولا خلفائه الراشدين، الذين أعلى الله ذكرهم في كتابه، وحث المصطفى ﷺ على متابعتهم، والاهتداء بهديهم، بل هو مما أحدث في دين الله . يقول الإمام ابن وضاح القرطبي (٢) بعد أن ذكر قصتي عمر: "وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ، ما عدا قباء وأُحدًا. قال: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقَدِمَ وكيع (٣) أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان ...

стр. 206

فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقربٍ إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة" (١). كما أن تتبع هذه الآثار من أعظم أسباب الفتنة، والشيطان حريص على إيقاع المسلم فيما يبعده عن ربه ﵎، وأعظم ما يحرص عليه الشيطان تلبيس الدين على أهل الإسلام بإيقاعهم في البدع والشرك بالله العظيم. ولذا كان أمن الفتنة، وسد باب الذريعة من أعظم الأسباب التي دعت عمر ﵁ لقطع الشجرة التي كان ينتابها أصحابه، ولا شك أن سد ذرائع الشر، وقفل أسباب الفتن من أعظم أصول هذه الشريعة (٢). يقول عيسى بن يونس (٣) مفتي أهل طرسوس (٤) عن قطع عمر للشجرة: "قطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة" (٥).

стр. 207

وقال الحافظ ابن حجر في شأن الشجرة التي قطعها عمر: "وبيان الحكمة في ذلك: وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر، كما نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله؛ أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى" (١). وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "ولأن تتبعها -أي: آثار النبي ﷺ يحدث الوثنية فيما بعد بتبرك الناس به، ويقصدونه من بعيد، ويسافرون إليه، فيحصل في ذلك ما حصل في الأمم السابقة من الشرك، وربما يبنى عليه" (٢). وبناء على ذلك فالقول بعدم جواز تتبع آثار النبي ﷺ فيه سد لذرائع عظيمة وفتن كبيرة، ومن أعظمها الشرك بالله العظيم، خاصة من عوام الأمة وضعفاء القلوب. ثم إن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها النبي، أو جلس عليها، أو طريق مرَّ بها تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا، مع عدم فعل الصحابة لشيء من ذلك (٣). يقول الشيخ صديق حسن خان: "قالوا: المشي في أرض مشى فيها رسول الله ﷺ يكفر السيئات، خصوصًا مع النجة الصالحة، وفيها بشرى له برجاء أن يكون متبعًا آثاره الشريفة، قلت: وذلك يحتاج إلى سند؛ لأن المكفّر إنما هو اتباع هديه وسُنَّته ظاهرًا وباطنًا، دون تتبع آثاره

стр. 208

الأرضية فقط، فتدبر" (١). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: "وأما آثاره المكانية كمكانٍ سار فيه، أو بقعةٍ صلى فيها، أو أرضٍ نزل بها، فلم يعرف دليل شرعي يومئ أو يشير إلى أن بركة بدن الرسول ﷺ قد تعدت إلى هذا المكان، فيكون مباركًا يشرع التبرك به، ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته في حياته ولا بعد مماته. فما سار فيه رسول الله أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يشرع لنا تعظيمها، ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا" (٢). وأما ما استدل به البعض بما كان يفعله ابن عمر (٣) ﵄ من تتبعه لمواضع النبي ﷺ التي صلى فيها أو نزل فيها (٤)، فلا حجة في فعله ﵁، وقبل بيان ضعف هذه الحجة لا بد من تصور محل النزاع في هذه المسألة، وبيان ما كان يفعله ابن عمر ﵄ على وجه التحديد؛ لأن بعض الناس قد اتخذ من فعل ابن عمر ذريعة لتجويز أمور لا يستحلها ابن عمر ﵁ ولا غيره من الصحابة، بحجة أن ابن عمر فعلها، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ثلاثة صور لتتبع آثار النبي ﷺ ومواطن عبادته، وبيَّن أن الصورة الأولى هي التي كان ابن عمر يفعلها، بخلاف

стр. 209

بقية الصور، وفيما يلي ذكر هذه الصور بإيجاز وتصرف: أولًا: أن يتأسى بالنبي ﷺ في صورة الفعل الذي فعله، من غير أن يعلم قصده فيه، أو مع عدم السبب الذي فعله، وهذا ما كان يفعله عبد اللّه بن عمرر ﵄. ثانيًا: أن يتحرى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقتًا للصلاة، بل أراد أن ينشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره. ثالثًا: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرًا قصيرًا أو طويلًا، مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال: فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، ونحو هذه البقاع، فهذا مما يعلم كل من كان عالمًا بحال رسول الله ﷺ ، وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئًا من هذه الأمكنة (١). والصورة الأولى التي كان يفعلها ابن عمر لا حجة للمتمسك بها في تجويزه تتبع آثار النبي ﷺ من أجل العبادة أو التبرك بها؛ لأمور عدة: أولًا: أن عبد الله بن عمر ﵄ لم يكن قصده بركة البقعة، أو خيرية المكان، وإنما كان يقصد تمام الاقتداء بالنبي ﷺ والمتابعة له في كل أموره وشؤونه. يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا من ابن عمر تحرِّ لمثل فعله، فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، ولم

стр. 210

يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها" (١). وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: "وابن عمر ما كان يطلب بركة المكان، ولكنه يطلب تمام الاقتداء بكل ما فعله رسول الله ﷺ في جميع أحواله، حتى إنه أراد الصلاة في كل مكانٍ صلى فيه رسول الله ﷺ ، وكان يتتبع ذلك ويعلمه، وما كان فعله -فيما يظهر- قصدًا للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، وإنما قصد تمام الاقتداء" (٢). ويقول الدكتور ناصر الجديع: "إن عبد الله بن عمر ﵄ لا يقصد التبرك بالصلاة في المواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ ، إنما كان قصده شدة الاقتداء والاتباع للنبي ﷺ والتشبه به، فهو حريص على بركة الاقتداء، لا على بركة المكان" (٣). ثانيًا: أن اتباع النبي ﷺ لا يكون إلا بموافقته في الظاهر والباطن؛ أي: في صورة العمل وقصده من العمل -كما مرَّ معنا من قبل- أما موافقته ﷺ في ظاهر العمل ومخالفته في القصد والنية، فالصحيح من أقوال أهل العلم أن ذلك لا يعتبر اتباعًا للنبي ﷺ ، بل قد يكون من البدع المنهي عنها. يقول الإمام ابن تيمية: "وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة

стр. 211

مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده؛ مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه، أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع" (١). ثالثًا: أنه لم يوافق ابن عمر ﵄ على فعله هذا جمهور الصحابة، بل هذا مما انفرد به مخالفًا بذلك الغالب والمتواتر من فعل صحابة النبي ﷺ ، وبناء على ذلك فالحجة في قول جمهور الصحابة؛ إذ إن قول الصحابي لا يعتبر حجة إذا خالفه صحابي آخر، فكيف والمخالفة وقعت من جمهورهم. يقول الإمام ابن تيمية: "ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحبًا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به" (٢). وقال ﵀ أيضًا: "وإدن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك، وتواتر عن المهاجرين والأنصار: أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك؛ فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر -لو فعل ذلك- حجة على أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار" (٣). وقال الشيخ محمود شكري الألوسي (٤) في ترجيحه لفعل عمر بن

стр. 212

الخطاب على ابنه عبد اللّه بن عمر ﵄: "وما ذكره عمر هو الحريّ بالقبول، وهو مذهب جمهور الصحابة -غير ابنه-، وهو الذي يجب العمل به ويعول عليه" (١). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: "وإنما قصد -أي: ابن عمر- تمام الاقتداء، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى ﷺ ، ولم يوافقوه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر ﵁، ولا شك أن الصواب، والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، الفاصل عند النزاع، والله أعلم" (٢). ثالثًا: لقد ظهر لنا بجلاء -مما سبق- خطورة تتبع آثار الأنبياء وما فيه من التشبه بالمشركين وأهل الكتاب، وكونه ذريعة لتعظيم تلك الآثار، وتعلق القلوب بها، مما يفضي في الغالب -مع طول العهد- إلى وقوع المسلم في الشرك بالله تعالى، واعتقاد النفع والضر في تلك الأماكن، فيقصدها تقربًا إلى الله، وطلبًا للبركة وابتغاء للخير. وبناء على ذلك، يظهر حكم إحياء الآثار الإسلامية؛ وخاصة آثار الأنبياء والصالحين، والاهتمام بها، وتعظيمها، وتمجيدها، والمحافظة عليها، وأن ذلك مما نهى عنه الشرع وحرمه، بل الواجب هو إزالتها،

стр. 213

وإخفاؤها، والقضاء عليها حتى لا تكون مصدر شر، ومنبع فتنة للجهلة وضعاف النفوس. ومما يدل على حرمة إحياء ما يسمى بالآثار الإسلامية، وتشديد الشرع في تشييدها، والمحافظة عليها ما يلي: أولًا: كون ذلك من البدع التي ليس عليها دليل من الكتاب والسُّنَّة، ولا من فعل سلف الأمة من أهل القرون المفضلة، فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه اهتم بالآثار الإسلامية من حيث البناء والتشييد والزيارة (١)، إلا ما دل الشرع على وجوب تعظيمه، ولم يثبت ذلك عن صحابته الكرام، ولا عن أحد من علماء الأمة المشهود لهم بالخيرية والإمامة، ولو كان ذلك خيرًا وسُنَّة وطاعة لسبقونا إليه، فعلم أنه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن الإحداث في الدين الذي نهانا عنه ربنا ﵎ في قوله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. فسماهم الله ظالمين وتوعدهم بالعذاب. وجاء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم"، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة") (٢).

стр. 214

يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواب سؤال عن دار الأرقم وجعلها مزارًا أو مكتبة، أو متحفًا: "أما اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم (١) مزارًا للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأي وسيلة كان ذلك، سواء كانت إعلان كتابة دار الأرقم عليها وفتحها للزيارة، أو اتخاذها مكتبة، أو متحفًا، أو مدرسة، فهذا أمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها؛ بل كانوا يعتبرونها دارًا للأرقم، له التصرف فيها شأن غيرها من الدور، وكان الأرقم نفسه يرى هذا الرأي حتى إنه تصدق بها على أولاده، فكانوا يسكنون فيها" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: "ولو كان تعظيم الآثار بالوسائل التي ذكرها الكاتب وأشباهها مما يحبه الله ورسوله لأمر به ﷺ ، أو فعله أصحابه الكرام ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الدين، بل هو من المحدثات التي حذر منها النبي ﷺ ، وحذر منها أصحابه ﵃" (٣). ويقول ﵀ أيضًا: "ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمرًا مشروعًا لفعله النبي ﷺ في مكة وبعد الهجرة، أو أمر بذلك، أو فعله أصحابه،

стр. 215

أو أرشدوا إليه، وسبق أنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسوله ﷺ ، وأنصحهم لله ولعباده، ولم يحفظ عنه ﷺ ولا عنهم أنهم زاروا غار حراء حين كانوا بمكة، أو غار ثور، ولم يفعلوا ذلك أيضًا حين عمرة القضاء، ولا عام الفتح، ولا في حجة الوداع، ولم يعرجوا على موضع خيمتي أم معبد، ولا محل شجرة البيعة، فعلم أن زيارتها وتمهيد الطرق إليها أمر مبتدع لا أصل له في شرع الله" (١). ثانيًا: ما يتضمنه إحياء هذه الآثار من التشبه بالمشركين وأهل الكتاب الذين يهتمون ويمجدون هذه الآثار، ويعتجرون تعظيمها والعناية بها مظهرًا من مظاهر التقدم والحضارة، بل ورافدًا اقتصاديًا، وموردًا هامًّا يُدِرُّ على الدول الأموال الطائلة، وذلك بسبب فتحهم لأبواب السياحة، التي أصبحت الشغل الشاغل لكثير من الناس. وقد نهينا عن مشابهتهم كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٢). يقول الإمام ابن القيم: "ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب، الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات؛ كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله" (٣). يقول الشيخ محمود شكري الألوسي في مسألة اتخاذ آثار الأنبياء مساجد؛ والتي نص عليها الشيخ -المجدد الإمام- محمد بن عبد الوهاب في كتابه مسائل الجاهلية ما نصه: "فإن هذه المسألة أيضًا من بدع
следующие страницы →