← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما. وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده؛ مثل أن ينزل بمكان ويصلى فيه لكونه نزله لا قصدًا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه، أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع" (١). ثالثًا: أنه لم يوافق ابن عمر ﵄ على فعله هذا جمهور الصحابة، بل هذا مما انفرد به مخالفًا بذلك الغالب والمتواتر من فعل صحابة النبي ﷺ ، وبناء على ذلك فالحجة في قول جمهور الصحابة؛ إذ إن قول الصحابي لا يعتبر حجة إذا خالفه صحابي آخر، فكيف والمخالفة وقعت من جمهورهم. يقول الإمام ابن تيمية: "ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحبًا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والإقتداء به" (٢). وقال ﵀ أيضًا: "وإدن ادعى بعض الناس أن ابن عمر فعله، فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك، وتواتر عن المهاجرين والأنصار: أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك؛ فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر -لو فعل ذلك- حجة على أبيه، وعلى المهاجرين والأنصار" (٣). وقال الشيخ محمود شكري الألوسي (٤) في ترجيحه لفعل عمر بن

стр. 212

الخطاب على ابنه عبد اللّه بن عمر ﵄: "وما ذكره عمر هو الحريّ بالقبول، وهو مذهب جمهور الصحابة -غير ابنه-، وهو الذي يجب العمل به ويعول عليه" (١). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ -حفظه الله-: "وإنما قصد -أي: ابن عمر- تمام الاقتداء، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى ﷺ ، ولم يوافقوه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر ﵁، ولا شك أن الصواب، والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، الفاصل عند النزاع، والله أعلم" (٢). ثالثًا: لقد ظهر لنا بجلاء -مما سبق- خطورة تتبع آثار الأنبياء وما فيه من التشبه بالمشركين وأهل الكتاب، وكونه ذريعة لتعظيم تلك الآثار، وتعلق القلوب بها، مما يفضي في الغالب -مع طول العهد- إلى وقوع المسلم في الشرك بالله تعالى، واعتقاد النفع والضر في تلك الأماكن، فيقصدها تقربًا إلى الله، وطلبًا للبركة وابتغاء للخير. وبناء على ذلك، يظهر حكم إحياء الآثار الإسلامية؛ وخاصة آثار الأنبياء والصالحين، والاهتمام بها، وتعظيمها، وتمجيدها، والمحافظة عليها، وأن ذلك مما نهى عنه الشرع وحرمه، بل الواجب هو إزالتها،

стр. 213

وإخفاؤها، والقضاء عليها حتى لا تكون مصدر شر، ومنبع فتنة للجهلة وضعاف النفوس. ومما يدل على حرمة إحياء ما يسمى بالآثار الإسلامية، وتشديد الشرع في تشييدها، والمحافظة عليها ما يلي: أولًا: كون ذلك من البدع التي ليس عليها دليل من الكتاب والسُّنَّة، ولا من فعل سلف الأمة من أهل القرون المفضلة، فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه اهتم بالآثار الإسلامية من حيث البناء والتشييد والزيارة (١)، إلا ما دل الشرع على وجوب تعظيمه، ولم يثبت ذلك عن صحابته الكرام، ولا عن أحد من علماء الأمة المشهود لهم بالخيرية والإمامة، ولو كان ذلك خيرًا وسُنَّة وطاعة لسبقونا إليه، فعلم أنه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن الإحداث في الدين الذي نهانا عنه ربنا ﵎ في قوله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. فسماهم الله ظالمين وتوعدهم بالعذاب. وجاء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم"، ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة") (٢).

стр. 214

يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواب سؤال عن دار الأرقم وجعلها مزارًا أو مكتبة، أو متحفًا: "أما اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم (١) مزارًا للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأي وسيلة كان ذلك، سواء كانت إعلان كتابة دار الأرقم عليها وفتحها للزيارة، أو اتخاذها مكتبة، أو متحفًا، أو مدرسة، فهذا أمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها؛ بل كانوا يعتبرونها دارًا للأرقم، له التصرف فيها شأن غيرها من الدور، وكان الأرقم نفسه يرى هذا الرأي حتى إنه تصدق بها على أولاده، فكانوا يسكنون فيها" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: "ولو كان تعظيم الآثار بالوسائل التي ذكرها الكاتب وأشباهها مما يحبه الله ورسوله لأمر به ﷺ ، أو فعله أصحابه الكرام ﵃، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الدين، بل هو من المحدثات التي حذر منها النبي ﷺ ، وحذر منها أصحابه ﵃" (٣). ويقول ﵀ أيضًا: "ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمرًا مشروعًا لفعله النبي ﷺ في مكة وبعد الهجرة، أو أمر بذلك، أو فعله أصحابه،

стр. 215

أو أرشدوا إليه، وسبق أنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسوله ﷺ ، وأنصحهم لله ولعباده، ولم يحفظ عنه ﷺ ولا عنهم أنهم زاروا غار حراء حين كانوا بمكة، أو غار ثور، ولم يفعلوا ذلك أيضًا حين عمرة القضاء، ولا عام الفتح، ولا في حجة الوداع، ولم يعرجوا على موضع خيمتي أم معبد، ولا محل شجرة البيعة، فعلم أن زيارتها وتمهيد الطرق إليها أمر مبتدع لا أصل له في شرع الله" (١). ثانيًا: ما يتضمنه إحياء هذه الآثار من التشبه بالمشركين وأهل الكتاب الذين يهتمون ويمجدون هذه الآثار، ويعتجرون تعظيمها والعناية بها مظهرًا من مظاهر التقدم والحضارة، بل ورافدًا اقتصاديًا، وموردًا هامًّا يُدِرُّ على الدول الأموال الطائلة، وذلك بسبب فتحهم لأبواب السياحة، التي أصبحت الشغل الشاغل لكثير من الناس. وقد نهينا عن مشابهتهم كما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٢). يقول الإمام ابن القيم: "ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله كان من جنس أهل الكتاب، الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات؛ كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله" (٣). يقول الشيخ محمود شكري الألوسي في مسألة اتخاذ آثار الأنبياء مساجد؛ والتي نص عليها الشيخ -المجدد الإمام- محمد بن عبد الوهاب في كتابه مسائل الجاهلية ما نصه: "فإن هذه المسألة أيضًا من بدع

стр. 216

جاهلية الكتابيين، كانوا يتخذون آثار أنبيائهم مساجد، فورثهم الجاهلون من هذه الأمة، فتراهم يبنون على موضع اختفى به النبي ﷺ أو وصل قدمه المبارك إليه، أو تعبد فيه، وهذا ليس مما يحمد في الشريعة؛ لجره إلى الغلو" (١). ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "أما التمثيل بما فعله اليهود والنصارى؛ فإن الله جلَّ وعلا أمر بالحذر من طريقهم؛ لأنَّه طريق ضلال وهلاك، ولا يجوز التشبه بهم في أعمالهم المخالفة لشرعنا، وهم معروفون بالضلال، واتباع الهوى، والتحريف لما جاء به أنبياؤهم، فلهذا ولغيره من أعمالهم الضالة نهينا عن التشبه بهم، وسلوك طريقهم" (٢). ولقد جدَّ أعداء الإسلام في نشر هذا الداء بين المسلمين، وهو العناية بالآثار، والتنقيب عنها، وتشييدها، والاهتمام بها، وتسهيل الوصول إليها، وتهيئتها لاستقبال الزوار والسياح، بل والافتخار بها، وتأسيس الوزارات للقيام بشؤونها، والمحافظة عليها، وفرض الميزانيات الضخمة للقيام بصيانتها، واللّه لهم بالمرصاد واللّه غالب على أمره وهو المستعان. يقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- مبينًا ما يحيكه الأعداء لهدم الإسلام: "ومن دسائس هذه المنظمات الكفرية: دعوتها إلى إحياء الآثار القديمة، والفنودن الشعبية المندثرة؛ حتى يشغلوا المسلمين عن العمل المثمر، بإحياء الحضارات القديمة، والعودة إلى الوراء، وتجاهل حضارة الإسلام، وإلا فما فائدة المسلمين من البحث عن أطلال الديار البائدة! والرسوم البالية الدارسة! وما فائدة المسلمين من إحياء عادات وتقاليد، أو ألعاب قد فنيت وبادت! في وقت هم في أمسّ الحاجة إلى

стр. 217

العمل الجاد المثمر، وقد أحاط بهم أعداؤهم من كل جانب واحتلوا كثيرًا من بلادهم وبعض مقدساتهم" (١). ثالثًا: إن العناية بهذه الآثار، وتمجيدها، والمحافظة عليها من أسباب الشرك بالله العظيم، كما هو المشاهد من بعض الجهلة عند هذه الآثار من التمسح بها والصلاة عندها، واعتقاد النفع والضر فيها، وطلب الشفاعة من أصحابها. يقول الإمام ابن رجب: "وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يخشى منه الفتنة، كما كره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده، واعتقدوا أنه كاف لهم، واطرحوا ما لا يُنَجِّيهم غَيْرُه، وهو طاعة الله ورسوله" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "إن العناية بالآثار على الوجه الذي ذكر يؤدي إلى الشرك بالله جلَّ وعلا؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها. والشرك بالله أنواعه كثيرة غالب الناس لا يدركها، والذي يقف عند هذه الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة، يتضح له كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويصلي عندها ويدعو من نسبت إليه ظنًا منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه، ولحصول الشفاعة، وكشف الكربة، ويعين على هذا كثرة دعاة الضلال الذين تربَّت الوثنية في نفوسهم، والذين يستغلون مثل هذه الآثار لتضليل الناس، وتزيين زيارتها لهم حتى يحصل بسبب ذلك على بعض الكسب المادي، وليس هناك غالبًا من يخبر زوارها بأن المقصود العبرة فقط، بل الغالب العكس، ويشاهد العاقل ذلك واضحًا في بعض البلاد التي بليت بالتعلق

стр. 218

بالأضرحة، وأصبحوا يعبدونها من دون الله ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة باسم أن أهلها أولياء، فكيف إذا قيل لهم: إن هذه آثار رسول الله ﷺ " (١). رابعًا: أن تعظيم آثار الأنبياء والصالحين لا يكون بتمجيد آثارهم الأرضية الترابية، وإنما يكون بتمجيد آثارهم في أفعالهم وأقوالهم وسيرتهم وحياتهم كلها، والاقتداء بهم فيها، واتباع هديهم، واقتفاء طريقتهم، هذا هو التعظيم النافع، الذي تحتاجه الأمة، وهو الذي ينال به العبد محبة الله تعالى ورضوانه والجنة. فعن الحسن البصري: "أنه رأى قومًا يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين، فقال: في عمله فنافسوا" (٢). قال ابن رجب بعد أن نقل قول الحسن: "يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه" (٣). يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "إن تعظيم الآثار لا يكون بالأبنية، والكتابات، والتأسي بالكفرة، وإنما تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة، وأخلاقهم الحميدة، وجهادهم الصالح قولًا وعملًا، ودعوة وصبرًا، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية، والزخارف، والكتابة، ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سُنَّة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم" (٤). ويقول الشيخ صالح الفوزان: "إن الأمة ليست بحاجة إلى إحياء

стр. 219

الآثار الترابية، وإنما هي بحاجة إلى إحياء السُّنَّة النبوية، واقتصاد في سُنّة خير من اجتهاد في بدعة" (١). ولذلك عميت غالب آثار الأنبياء؛ كقبورهم، وما كان مختصًا بهم، وتلك رحمة من الله ﵎، ثم إنه لا يترتب على معرفتها مصلحة دينية، ولو كانت هناك مصلحة دينية شرعية لبقيت تلك الآثار إلى نهاية الدنيا، إذ هي بهذه الحال جزء من الدين الذي تكفل الله بحفظه، كما أبقى الله آثار الأنبياء في حجهم مثلًا لهذا البيت العظيم، فأبقى البيت العتيق وعرفة ومزدلفة وغيرها من مشاعر الحج، فهي معروفة معلومة لا يجهلها أحد؛ لما سرتب عليها من المصلحة العظيمة إلى نهاية الدنيا. يقول الإمام ابن كثير فيما يتعلق بأصحاب الكهف: "ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف، في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه، ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا ... "، فذكرها ثم قال: "والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال ﷺ : "ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به" (٢)، فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه" (٣).

стр. 220

ومما سبق يتبين لنا حرمة تعظيم هذه الآثار -سواء كانت آثارًا للنبي ﷺ أو لأحد من الأنبياء أو الصالحين أو العلماء- والمحافظة عليها وتشييدها، وأن الواجب على أولياء الأمور والعلماء محاربة هذه الآثار التي ضلَّ بسببها كثير من الناس، وقادتهم إلى التعلق بها، ومن ثم الاعتقاد فيها رجاء نفعها وبركتها، بل الواجب هدم هذه الآثار، وإزالتها؛ خاصة إذا صارت مظاهر للشرك بالله العظيم. يقول الإمام ابن القيم: "ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنَّها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها، والله المستعان" (١). هذا ما وقفت عليه من مفاسد تنجم عن العناية بمثل هذه الآثار، إضافة إلى ما في العناية بها من تبذير للأموال العظيمة، وإهدار للطاقات، وتضييع للأوقات، فيما لا نفع فيه ولا فائدة تعود على الأمة، والله أعلم.

стр. 221

المبحث السادس قاعدة النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه وفيه مسائل: * المسألة الأولى * معنى القاعدة إن من سُنّة الله تعالى في خلقه أن خلق الخير والشر منذ بدء الخليقة وإلى نهاية الدنيا، وله سبحانه في ذلك الحكمة البالغة، فمن ذلك أنه جعل لكل من يدعو إلى الخير مضادًا ومعارضًا يعارضه في دعوته للخير بنشر الشر وإحقاق الباطل، والإفك والعدوان، ولذا جعل لكل نبي من الأنبياء عدوًا يعارض دينهم، ويضع العراقيل في طريق دعوتهم، ويفتري الكذب، ويصنع الشبهات التي تصد الناس عن التزام طريقهم، والسير على منهاجهم، هذه سُنَّة ربانية لا تتخلف أبدًا، فكل الأنبياء لهم أعداء، وكذلك أتباعهم من المؤمنين لهم نصيب وافر من هذه العداوة، وهذا الكيد من أعداء الله، وأعداء دينه. قال تعالى في بيان تاريخ هذه العداوة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال سبحانه:

стр. 222

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١]، وقال : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤٣]، وقد جاء في حديث ورقة بن نوفل عندما قال للنبي ﷺ : "ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك؛ فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا" (١). وله في جعل هؤلاء الأعداء للحق الحكمة البالغة، والغاية العظيمة، ومن تلك الحكم أن وجود الباطل مقابل الحق من أعظم الطرق لظهور الحق وغلبته، وانتصاره، وقوته، وهيمنته على الباطل أجمع، فبظهور الباطل يظهر الحق ناصعًا وغالبًا، وعندها يعلم الله المجاهدين في سبيله والصابرين من أجل نصرة دينه وعلو شريعته. وقد نصت القاعدة على أن أصل النزاع بين جميع الرسل وأقوامهم إنما كان في توحيد الرب ﵎ بالعبادة، وإفراده بجميع العبادات، وعدم صرف شيء من العبادة لغيره . فالصراع الذي دام بين الأنبياء وأتباعهم وبين الأمم الكافرة على مدى تاريخ البشرية الغابر لم يكن في إثبات وجوده سبحانه، ولا كونه ربًّا خالقًا ومالكًا للعالم، فكل هذه المعاني في الجملة من المُسَلَّمَات التي كان يعتقدها أهل الكفر ويؤمنون بها (٢)، بل ولم ينازعوا الرسل في كونه سبحانه يستحق العبادة؛ لأنَّهم ما تركوا عبادة الله تعالى، بل كانت لهم

стр. 223

عبادات يصرفونها لله تعالى، وقد يخلصون في عباداتهم في أوقات الشدة والضيق، وإنما النزاع بينهم وبين الرسل في تخصيص الله بالعبادة، وإفراده بها دون كل ما سواه جلَّ وعلا (١). هذا هو محك الخصومة، وأساس النزاع، ومنبع العداوة بين الأنبياء وأقوامهم، فالأنبياء ما زالوا يدعونهم إلى توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، وأقوامهم المشركون ما فتئوا يعاندون، ويستكبرون، ويصرون على الشرك بالله العظيم، والعكوف على عبادة الأوثان، ويصدون عن ذكر الله كثيرًا، إلا من هداه الله منهم فرجع إلى التوحيد وإخلاص التعبد لله وحده. * المسألة الثانية * أدلة القاعدة لا تكاد أدلة هذه القاعدة تحصى كثرة، فهي من أوضح المعاني التي كثر ذكرها وتقريرها في القرآن العظيم، كما أن سيرته ﷺ خير شاهد على ما دلت عليه، وفيما يأتي أذكر بعض هذه الأدلة الدالة على حقيقة الخصومة بين الأنبياء وأممهم الذين بعثوا إليهم: أولًا: الأدلة العامة الدالة على أن أصل دعوة جميع الأنبياء والمرسلين إنما كان قائمًا على دعوة المشركين إلى عبادة الله تعالى، وإخلاص التوجه له وحده، والتحذير من الإشراك في العبادة بأحد من الخلق مهما كانت مكانته، ومهما علت منزلته، ومن تلك النصوص: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].

стр. 224

فأبان الله سبحانه في هذه الآيات الكريمة أنه بعث في كل أمة من الناس رسولًا، وأنه ما أرسل رسولًا إلى قومه إلا وجاءهم يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا عبادة الطاغوت، والعبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين الرسل وأممهم في ذلك؛ لأن المشركين يعبدون الله سبحانه، ويعبدون معه غيره، فبعث الله الرسل ﵇ تأمرهم بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه (١). يقول الشيخ المراغي (٢) في معنى الآية: "أي: وما أرسلنا رسولًا إلى أمة من الأمم إلا أوحينا إليه أنه لا معبود في السموات والأرض إلا أنا؛ فأخلصوا لي العبادة وأفردوا لي الألوهة" (٣). ثانيًا: الأدلة الخاصة على أن دعوة كل نبي لقومه إنما كانت بأمرهم بعبادة الله وحده، وعدم عبادة غيره معه، وأن الخصومة، والصراع، والجدال الذي حصل بين الأنبياء وأقوامهم إنما كان أصله وأساسه راجع إلى إفراد الله بالعبادة، وأن ما يعبدونه من الآلهة والأنداد من دون الله تعالى كلها باطلة لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، ومن تلك النصوص ما يلي: ١ - ما حكاه الله تعالى في شأن دعوة نوح ﵇ لقومه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢٣، ٢٤]، وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ

стр. 225

أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف: ٥٩]. فدلت هذه الآيات على أن الصراع بين نوح ﵇ وقومه المشركين كان أساسه في إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه جلَّ وعلا بالتأله الخالص، وبطلان عبادة آلهتهم، وبيان حقارتها، وما فتئ الأنبياء ﵈ والصادقون من عباد الله من أتباعهم -من عهد نوح ﵇ وإلى يومنا هذا- ينهون عن تعظيم أحد من الخلق تعظيمًا خاصًا بالرب ﵎، وأن تُصْرف إليه أعمال يقصد منها غاية التعظيم، والذل، والتواضع؛ لأنَّها مختصة بالله تعالى، وهكذا ظلت الحرب الضارية قائمةً بين الفريقين على قدم وساق، لم تضع أوزارها إلى اليوم، وحتى يأتي أمر الله (١). ولذا فقد حكى الله تعالى عن جملة من الأنبياء أنهم بدؤوا قومهم بقولهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، بل جميع الرسل كانت دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له (٢). يقول الشيخ السعدي ﵀ في معنى الآية: "فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم؛ الأمر بعبادة الله، والإخبار بأنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، والإخبار ببطلان ذلك وفساده" (٣). ٢ - قوله سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ

стр. 226

مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) ... إلى قوله: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٦٧]، فأوضح الله تعالى في هذه الآيات أصل الخصومة والجدال الذي دار بين إبراهيم وقومه، وأنه انحصر في تخصيص الله بالعبادة، وإبطال إلهية ما سواه، وأنها من أبطل الباطل المزعوم، وأعظم الإفك المفترى. ولذا قال سبحانه عن إبراهيم: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٦، ١٧]. وبذلك تظهر حقيقة الصراع المحتدم، والجدال العنيف، والتصادم الضاري، والخصام الشديد الذي دار بين خليل الرحمن إبراهيم ﵇ وبين قومه المشركين، وأن أصل ذلك النزاع في إفراد الله تعالى، وتخصيصه بالعبادة، وأن آلهتهم ما هي إلا مجرد إفك مفترى، وباطل مزعوم. ٣ - قوله تعالى في قصة هود ﵇ مع قومه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف: ٧٠]، وقوله سبحانه عنهم: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ [هود: ٥٣]. أي: أجئتنا لنعبد الله وحده، ونخالف آباءنا وأسلافنا، وما كانوا عليه، فإن كنت صادقًا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب،

стр. 227

والنكال، فإنا لا نؤمن بك، ولا نتبعك، ولا نصدقك (١). فهم إنما أنكروا اختصاصه بالعبادة، والإعراض عن عبادة الأوثان؛ انهماكًا منهم في التقليد، وحبًّا لما ألفوه، وألفوا أسلافهم عليه (٢). ٤ - وقال سبحانه عن قوم صالح ﵇: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ [هود: ٦٢]. أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد، أفتنهانا أن نعبد الآلهة التي كانت آباؤنا تعبد، مع عدم علمنا بصحة ما تدعونا إليه من توحيد الله تعالى، وإخلاص الألوهية له (٣). فجعلوا نهي نبي الله صالح ﵇ لهم عن عبادة الآلهة قدحًا في عقولهم، وعقول آبائهم الضالين، كيف ينهاهم عن عبادة من لا ينفع ولا يضر ولا يغني شيئًا؛ من الأحجار، والأشجار، ونحوها، ويأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم، وقد قالوا له ذلك على جهة التوعد والاستبشاع لتلك المقالة منه (٤). ٥ - وقال تعالى عن قوم شعيب ﵇: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧].

стр. 228

يقولون هذا على سبيل الاستهزاء، والتنقص، والتهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجاباتهم له، فمعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا إلا أنك تصلي لله، وتتعبد له، فإن كنت كذلك؛ أفيوجب ذلك علينا أن نترك ما يعبد آباؤنا لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون، أولي العقول والألباب (١). ٦ - وقال سبحانه عن كفار العرب من قريش: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ١ - ٧]. أي: أزعم هذا الرسول محمد ﷺ أن المعبود واحد [لا إله إلا هو)، أنكر المشركون ذلك قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنَّهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك، كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء، والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده، إن هذا الذي جاء به لشيء يقضي منه العجب؛ لبطلانه، وفساده عندهم. وأصبح سادتهم، وقادتهم، ورؤساؤهم، وكبراؤهم يوصون أتباعهم بالصبر على عبادة الآلهة، وعدم الالتفات إلى ما يدعوهم إليه محمد ﷺ من التوحيد والإخلاص (٢). وقال ﵎ عنهم كذلك: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا

стр. 229

أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٤]. والمعنى: أي ليصرفنا ويثنينا عن عبادتها صرفًا كليًا، بحيث يبعدنا عنها، لا عن عبادتها فقط بأن يجعل الآلهة إلهًا واحدًا، ولولا أن ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها، لأضلنا، فزعموا -قبحهم الله- أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدى ما هم عليه من الشرك؛ فلهذا تواصوا بالصبر، والاستمرار، والتجلد عليه (١). فهذه النصوص وما جاء في معناها لتدل أوضح دلالة على أن معترك الخصومة، ومضمون النزال والجدال بين الأنبياء وأقوامهم: إنما كان حول توحيد العبادة والدعوة إلى إخلاص الدين لله. ثالثًا: ما حكاه الله تعالى عن المشركين من النفور، والصد، والاشمئزاز، والاستكبار، وتسفيه الرسول ﷺ ، والطعن في القرآن الكريم، كل ذلك بسبب قول الرسول ﵇ لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، إضافة لما في نفوسهم من الإصرار على عبادة الآلهة، والأنداد، ورفضهم إخلاص الدين والعبادة لله سبحانه وحده دون ما سواه، وكل هذا يدل دلالة واضحة على أن أصل النزاع كان في توحيد العبادة، وإفراد الله سبحانه بالتأله، وإبطال جميع ما يعبد من دونه سبحانه، ومن تلك النصوص ما يلي: قوله سبحانه عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ [الصافات: ٣٥،

стр. 230

٣٦]، وقوله : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ [الزمر: ٤٥]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦] (١). أي: يستكبرون عن كلمة التوحيد أن يقولوها كما يقولها المؤمنون، ويمتنعون منها، وقيل: يستكبرون عن المتابعة، والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر، فهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله استكبروا، ولم يقولوا، بل قالوا مكانها: أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (٢). وبقية الآيات أيضًا أشارت إلى هذه الصفة القبيحة، والعادة الذميمة، والطبع المشين للمشركين، والذي يدل على جهلهم، وحماقتهم، وضلالهم، واستكبارهم، وتجبرهم على الحق، وهو أنك إذا ذكرت الله وحده، وقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ودعوت الله وحده دون ما سواه، ظهرت آثار النفرة على وجوههم، وامتلأت قلوبهم غيظًا واشمئزازًا، وإذا ذكرت الأصنام، والأوثان ظهرت آثار الفرح، وتباشير السرور على وجوههم، وانبسطت قلوبهم وانشرحت صدورهم، وذلك يدل على غاية الجهل ومنتهى الحماقة؛ لأن ذكر الله وتوحيده رأس السعادات، وعنوان الخيرات، وأما ذكر الأصنام، وتأليهها مع الله فهو رأس الجهالات والحماقات، فنفرتهم عن ذكر الله وحده، واستبشارهم بذكر هذه الأصنام من أقوى الدلائل

стр. 231

على الجهل الغليظ والحمق الشديد (١). * المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة الناظر في كلام أهل العلم ﵏ يجد تأييدهم لهذه القاعدة العظيمة التي ينبني عليها كثير من المسائل المتعلقة بالتوحيد والدعوة إليه، -كما سيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء الله-، وما ذاك إلا لكون فهمها واعتقاد ما دلت عليه هو المقياس الصحيح لفهم التوحيد الذي جاء به الأنبياء قاطبة، وفيما يأتي أذكر بعض النقول لأهل العلم المؤيدة والمقررة لهذه القاعدة: يقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "والعبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة بين الأنبياء والأمم فيه" (٢). وقال ﵀ أيضًا: "والأصل الثاني: وهو توحيد الألوهية، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه، وهو توحيد الله بأفعال العباد؛ كالدعاء، والرجاء، والخوف، والخشية، والاستعانة، والاستعاذة، والمحبة، والإنابة، والنذر، والذبح، والرغبة، والخشوع، والتذلل، والتعظيم" (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فاعلم أن الاختلاف بين الرسل وأممهم إنما هو معنى (لا إله إلا الله) بالمطابقة؛ فإن جلمة (لا إله): تنفي الشرك والإلهية عن كل ما سوى الله، وجملة

стр. 232

(إلا الله): تثبت الإلهية بجميع أنواعها الباطنة والظاهرة لله وحده، وبيان هذا في القرآن في آي كثير" (١). ويقول الشيخ السعدي: "وزبدة دعوة الرسل كلهم، ومدارها على قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النحل: ٢] أي: على معرفة الله تعالى، وتوحده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل بها كتبه، وأرسل بها رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها" (٢). ويقول -العلامة المفسّر- محمد الأمين الشنقيطي: "وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم" (٣). ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "وإنما الخصومة بين المشركين وبين الرسل في إخلاص العبادة لله وحده" (٤). ويقول الشيخ حافظ الحكمي: "وإذا عرفت أن توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله ﵎، فضد ذلك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ، وهذا هو الغالب على عامة المشركين، وفيه الخصومة بين جميع الرسل وأممها" (٥). ويظهر مما سبق من أقوال أهل العلم أن توحيد الألوهية والعبادة هو محور الخلاف، وأصل النزاع بين الأنبياء وأقوامهم، ومن أجله

стр. 233

قامت المعارك الكلامية، والقتالية بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم (١). * المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها بناء على ما سبق من تقرير للقاعدة، وتدليل على صحتها وثبوتها من النصوص الشرعية، ومن أقوال أهل العلم المرعية، فلا يخفى بعد ذلك أهمية القاعدة، وكونها أصلًا تنبني عليه بعض المسائل الهامة التي هي من صميم التوحيد، والتي لها الأثر الكبير في مسار دعوة الخلق إلى الله تعالى، وفيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من تلك المسائل والفوائد المستفادة من القاعدة: أولًا: دلت القاعدة على أن أصل النزاع بين الرسل وأقوامهم انحصر في توحيد العبادة، وهذا يدل على أنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنهم لم ينكروا الله تعالى، سواء وجوده، أو صفاته (٢)، ولذا لم يأت التكليف من الله تعالى على لسان الرسل بتقرير الربوبية، أو الأسماء والصفات أصالة واستقلالًا، وإنما الذي ضلوا فيه الضلال المبين هو توحيد الإلهية، وإفراد الله تعالى بالتأله والتعبّد، ولذا جاء الأمر به في دعوة جميع الرسل. يقول الشهرستاني (٣): "ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد، ونفي الشريك، "أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ

стр. 234

النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إلهَ إلَّا الله" (١)، ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ... ﴾ الآية [غافر: ١٢]، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: ٤٥]، ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٦] " (٢). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فالخصومة: بين الرسل وأممهم، ليست في وجود الرب، وقدرته على الاختراع: فإن الفطر، والعقول: دلتهم على وجود الرب، وأنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؛ وإنما كانت الخصومة: في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله" (٣). ثانيًا: ومما يستفاد من القاعدة أن النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إبطال معبودات المشركين الباطلة من حيث عبادتها والتوجه إليها، ولم يكن نزاعهم من جهة وجودها الحسي، وإمكانها العيني، بل كانت خصومتهم مع المشركين في حقيقة هذه المعبودات، وفي حكم وجودها شرعًا، وفي صحة ما ألبسوها من الأسماء والصفات؛ ولذا ما جاء من التعبير بالنفي المطلق لهذه المعبودات في النصوص الشرعية عائد إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي (٤). يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (٥): "والنزاع

стр. 235

بين الرسل ومن خالفهم، في حقيقة معبوداتهم مع الله، لا في وجودها؛ فإن الوجود أمر محسوس لا ينكر؛ ولكن أهل الكلام يكذبون بالحسيات والبديهيات، ويزعمون أنهم أهل العلم والعقليات، ويسمون نصوص الكتاب والسُّنَّة ظنيات، وقواعد المناطقة قطعيات؛ فلا عجب من ضلالهم، في معنى هذه الكلمة، وما أحسن ما حكى الله عن رسله ﵇ من قولهم لمن كذب بتوحيده، وشك فيما جاءت به رسله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]؛ لأن هذا من أظهر الظاهرات، وأوضح الواضحات، وأبين البينات. وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل" (١) ثانيًا: أن الدعوة إلى توحيد العبادة هي مفتتح دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، لم يشذ نبي في ذلك البتة، ولذا كان أصل النزاع محصورًا فيه، وهذا يدل على أهمية الدعوة إلى التوحيد (٢). يقول أبو حيان: "أخبر -سبحانه- أنه ما أرسل من رسول إلا جاء مقررًا لتوحيد الله، وإفراده بالإلهية، والأمر بالعبادة، وهذه العقيدة من توحيد الله لم تختلف فيها النبوات، وإنما وقع الاختلاف في أشياء من الأحكام" (٣). رابعًا: ومما يستفاد من القاعدة أن أصل النزاع والخصومة محصور

стр. 236

في إفراد الله بالعبادة، وتخصيصه ﵇ بها دون غيره، لا في صرف أصل العبادة لله تعالى، إذ لم ينازع أحد من المشركين في كونه سبحانه معبودًا (١)، أو في كونه يعبد ويستحق العبادة في الجملة، وإنما كانت حقيقة الخلاف في اختصاص الله بالعبادة، وأنه هو الإله الحق، وأن ما دونه من الآلهة لا تستحق شيئًا من العبادة، وأنها باطلة لا تملك لعابديها نفعًا ولا ضرًا، وأن ما أطلق عليها من تسميات فإنما هي تسميات باطلة خاوية من الحقيقة في أرض الواقع. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وتقدم قول قوم هود ﵇: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [الأعراف: ٧٠]: دليل على أنهم أقروا بوجوده، وربوبيته، وأنهم يعبدونه، لكنهم أبوا أن يجردوا العبادة لله وحده دون آلهتهم التي كانوا يعبدونها معه، فالخصومة بين الرسل وأممهم ليست في وجود الرب، وقدرته على الاختراع: فإن الفطر والعقول دلتهم على وجود الرب، وأنه رب كل شيء ومليكه، وخالق كل شيء، والمتصرف في كل شيء؛ وإنما كانت الخصومة: في ترك ما كانوا يعبدونه من دون الله" (٢). ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة، وإلا فالأمم تقر بأن الله ربها، وخالقها، ورازقها، وتعرف كثيرًا من أسمائه وصفاته، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا

стр. 237

هذا في توحيد الله بالعبادة، فالرسل تقول للناس: أخلصوا العبادة له، وحدوه بها، واتركوا عبادة ما سواه، وأعداؤهم وخصومهم يقولون: لا، بل نعبده، ونعبد غيره، ما نخصه بالعبادة. هذا هو محل النزاع بين الرسل والأمم، الأمم لا تنكر عبادته بالجملة، بل تعبده، ولكن النزاع هل يخص بها أم لا يخص؟، فالرسل بعثهم الله لتخصيص الرب بالعبادة، وتوحيده بها دون كل ما سواه؛ لكونه القادر على كل شيء، الخلاق، الرزاق للعباد، العليم بأحوالهم، إلى غير ذلك" (١).

стр. 238

المبحث السابع قاعدة البركة لله وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه وفيه مسائل: * المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة معنى البركة: البَرَكَةُ في اللغة مشتقة من الأصل اللغوي الثلاثي (بَرَكَ)، على وزن (فَعَلة)، بفتحتين، وهي اسم من (بارك) الرباعي، يقال: بارك يبارك فهو مبارك، والتبريك: الدعاء بالبركة، وبارك الله الشيء، وبارك فيه، وعليه: وضع فيه البركة، وبارك فلانًا، وبارك له، وبارك عليه، وبارك فيه: جعله ذا بركة، وبارك على الشيء: واظب، وبارك الله على محمد وآله أثبت له ولهم، وأدام ما أعطاه وأعطاهم من التشريف (١). وللبركة معانٍ عديدة منها: ١ - الثبات واللزوم.

стр. 239

ومنه البروك، وهو ثبات الشيء، يقال: برك البعير يبرُك بروكًا (١). يقول الراغب الأصفهاني (٢): "برك البعير ألقى رُكَبَه، واعتُبر منه معنى الملزوم فقيل: ابتركوا في الحرب؛ أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب" (٣). وقال الجوهري (٤): "كل شيء ثبت وقام فقد برك" (٥). ٢ - الزيادة والنماء. قال الخليل (٦): "البركة من الزيادة والنماء" (٧). وقال ابن الأثير (٨) بعد أن ذكر معنى الثبات: "وتطلق البركة أيضًا

стр. 240

على الزيادة، والأصل الأوّل" (١). والتبريك: هو الدعاء بالبركة (٢)، واليمن هو البركة. "وقد تكرر ذكر اليُمْن في الحديث، وهو البركة، وضده الشُّوم. يقال: يُمِنَ فهو ميمون" (٣)، ومنه قول بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠]، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] من اليمن وهو البركة؛ لأن تلك البلاد بارك الله فيها (٤). والتبرُّك: تَفَعُّل، ويأتي التفعُّل بمعنى: (استَفْعَل) التي بمعنى الطلب، وعلى هذا فمعنى التبرك بالشيء هو: "طلب البركة والنماء، والخير والسعادة، والزيادة، بواسطة ذلك الشيء" (٥). وقيل: البركة: النماء والزيادة؛ حسية كانت أو معنوية، وثبوت الخير الإلهي في الشيء ودوامه (٦). ومعنى البركة الشرعي لا يخرج عن هذين المعنيين، الزيادة والنماء، والثبات والدوام، وبهذا فسَّر العلماء البركة في نصوص الشرع: يقول الإمام ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]: "أي: التي جعلنا فيها الخير ثابتًا دائمًا لأهلها" (٧). ويقول القرطبي: "فالبركة: كثرة الخير" (٨).

стр. 241

ويقول الراغب الأصفهاني: "والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، ولما كان الخير الإلهي يصدُرُ من حيث لا يُحَسُّ، وعلى وجه لا يُحْصَى ولا يُحْصَر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك وفيه بركة" (١). ولذا يقول الإمام ابن القيم: "وحقيقة اللفظة أن البركة: كثرة الخير ودوامه، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان" (٢). * المسألة الثانية * معنى القاعدة لا يخفى على المتأمل في نصوص الشرع أن البركة الواردة فيها على قسمين: الأول: بركة متعلقة بالله ﵎، وهي على نوعين أيضًا: أ - بركة هي صفته الذاتية، تضاف إليه إضافة الصفة للموصوف؛ كإضافة الرحمة والعزة، ويأتي الفعل منها على صيغة الماضي وهو (تبارك). ب - بركة هي فعله ﵎، والفعل منها (بارك)، والمفعول منها (مُبَارَك). الثاني: بركة متعلقة بالمخلوق؛ أيْ: يتصف بها المخلوق، وهي فعل الله ﵎ بالمخلوق فيجعله (مُبَارَكًا)، كما أنها من آثار اتصافه بكونه (تبارك)؛ أيْ: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 242

ولا فعل للمخلوق في إحداث وإيجاد ذات هذه البركة في نفسه، وإنما هي صفة يتصف بها، لكنه قد يسعى في استجلابها باتخاذ أسبابها، وتطلب طرقها. يقول الإمام ابن القيم: "وأما البركة فكذلك نوعان أيضًا؛ أحدهما: بركة هي فعله ﵎، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة، وبأداة (على) تاره، وبأداة (في) تارة، والمفعول منها مُبارَك، وهو ما جعل كذلك فكان مُبارَكًا بجعله تعالى، والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له فهو سبحانه المُبَارِك عبده ورسوله، كما حكى الله عن المسيح ﵇ قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فمن بارك الله فيه فهو المُبَارَك، وأما صفته (تبارك) فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] " (١). وهذان المعنيان المتعلقان بالرب ﵎، من كون البركة هي صفته الذاتية والفعلية هما اللذان يذكرهما أهل العلم عند تفسير معنى (تبارك)، وأنه على وزن تفاعل من البركة، أي: بركته متعلقة بذاته وأسمائه وصفاته. ومنهم من يفسرها بأنه كثرت خيراته وتزايدت من قِبَلِهِ تعالى وتقدس. فالأول يتعلق بذاته وأسمائه وصفاته، والثاني يتعلق بفعله ﵎. فتبارك تفاعل من البركة، وهي الزيادة والنماء والكثرة والاتساع؛ أي: البركة تكتسب وتنال بذكره، ويقال: تبارك: تعاظم، ويقال: تقدس، والقدس الطهارة (٢).

стр. 243

قال الإمام الحبر عبد الله بن عباس ﵄: "تبارك: تفاعل من البركة" (١). وهو قول الإمام الطبري (٢). وقال أبو حيان الأندلسي: "قال ابن عباس: لم يزل ولا يزول، وقال الخليل: تمجد، وقال الضحاك: تعظّم، وحكى الأصمعي (٣): (تباركت عليكم)؛ أيْ: (تعاليت وارتفعت)، ففي هذه الأقوال يكون صفة ذات. وقال ابن عباس أيضًا: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قِبَلِهِ، فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل" (٤). وقد بيَّن الإمام السمعاني معنى (تبارك) وما قيل فيها فقال: "تبارك: تفاعل من البركة، وقيل: تبارك: أي جلّ بما لم يزل ولا يزال، وقال الحسن: (تبارك) صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره: لأنه يتبرك باسمه، وأما البركة فهي الخير والزيادة، وقيل: فعل كل طاعة من العباد بركة، والبروك هو الثبوت، ويقال: فلان مبارك؛ أي: ينزل الخير حيث ينزل" (٥). وقال الرازي عند تفسير قوله (تبارك): "وفيه معنيان أحدهما: تَزَايَدَ

стр. 244

خَيْرُهُ وَتَكَاثَر، والثاني: تزايد عن كل شيء وتعالى عنه؛ في ذاته وصفاته وأفعاله، ولما كان هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح، والمبقى لها، وجب وصفه سبحانه بأنه ﵎ " (١). وقال الشيخ الأمين الشنقيطي: "فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قِبَلِهِ، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قِبَلِهِ البركات والخيرات، وَيَدُرُّ الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قِبَلِهِ بركة، ولا خير، ولا رزق؛ كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله، لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم" (٢). وقال أبو السعود (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]: "البركة: النماء والزيادة حسية كانت أو معنوية، وكثرة الخير ودوامه أيضًا، ونسبتها إلى الله على المعنى الأول، وهو الأليق بالمقام، باعتبار تعاليه عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم، المعجز، الناطق بعلو شأنه تعالى، وسمو صفاته، وابتناء أفعاله على أساس الحِكَم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، وعلى المعنى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه على مخلوقاته، لا سيما على الإنسان؛ من فنون الخيرات، التي من جملتها تنزيل القرآن المنطوي على جميع الخيرات الدينية والدنيوية" (٤).

стр. 245

فالحاصل: أن العلماء أشاروا إلى معنيين للبركة المضافة إلى الله ﵎ التي هي صفته الذاتية والفعلية، والإمام ابن القيم ﵀ يرى أن لفظة (تبارك) تتضمن المعنيين كليهما، وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولكنه يرى أن تفسير لفظة (تبارك) بالصفة الذاتية أقرب للمعنى من تفسيرها بالصفة الفعلية حسب قواعد اللغة. يقول ﵀: "وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان" لكن الأليق باللفظة -أي: لفظة (تبارك) - معنى الوصف لا الفعل، فإنَّه فعل لازم مثل: تَعَالَى وَتَقَدَّس وَتَعَاظَمَ؛ ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليًا، ولا قدوسًا، ولا عظيمًا، هذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نسبت إليه، فهو المتعالي المتقدس. فكذلك (تبارك) لا يصح أن يكون معناها بارك في غيره، وأين أحدهما من الآخر لفظًا ومعنى، هذا لازم وهذا متعدّ، فعلمت أن من فسر (تبارك) بمعنى: ألقى البركة، وبارك في غيره لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه متباركًا، (فتبارك): من باب مَجُدَ، والمجد كثرة صفات الجلال والسعة والفضل، و (بارك) من باب: أعطى وأنعم، ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم من غير عكس فسّر من فسّر من السلف اللفظة بالمتعدي لينتظم المعنيين، فقال: مجيء البركة كلها من عنده، أو البركة كلها من قبله، وهذا فرع على تبارك في نفسه" (١). فخلاصة معنى القاعدة: أن البركة صفة ذاتية وفعلية لله ﵎، وهي كلها لله ملكًا ووصفًا، ومنه مجيئها وابتداؤها، كما أن المخلوق يتصف بالبركة، وهي من آثار صفة الله تعالى الذاتية والفعلية،

стр. 246

ولا شك أن بركة الله تعالى بركة تليق بذاته الكريمة، وقد تضمنت جميع الكمالات على الإطلاق، بخلاف بركة المخلوق فهي مخلوقة بجعل الله له (مُبَارَكًا)، وهي تناسب ضعفه ونقصه. وما دام أن أصل البركة من الله تعالى، وليس باستطاعة بشر أن يكون واهبًا لشيء منها، وإنما جميع البشر هم موضع تنزل البركة من معطيها وواهبها ، وعليه فالواجب أن لا ترجى هذه البركة إلا منه ، وأن لا تلتمس إلا بما شرع الله ، فلا تطلب إلا ممن ثبتت بركته عن الشارع على وفق الكيفية الواردة في الشرع، وتوفر الشروط، وسيأتي بيان ذلك قريبًا، والله أعلم. * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة دلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة كثيرة، ومنها: أولًا: النصوص الدالة على اتصاف الله تعالى بأنه (تبارك)؛ أي: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فوصف نفسه تعالى بالتبارك من البركة، وهذه البركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد مرَّ فيما سبق أقوال العلماء في بيان معنى (تبارك) وأنها صفته .

стр. 247

قال الحسن البصري (١): " (تبارك): صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه" (٢). ويقول الإمام ابن تيمية: "وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد تبارك ربك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك؛ وهذا غلط، فإنَّه على هذا يكون قول المصلي (تبارك اسمك)؛ أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها، ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى" (٣). وتَبَارُك الرب هو تفاعل من البركة، أي: تباركت ذاته، وتباركت أسماؤه، وتباركت صفاته، وتباركت أفعاله، والمعنى: أي: عظمت وجلت وبلغت غاية الكمال والعظمة. ويقول ابن القيم في معرض ذكر أوصاف الله تعالى والثناء عليه: "له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه" (٤). ويقول ﵀: "تبارك اسمه فلا يذكر على قليل إلا كثره، وعلى خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المسمى أعلى وأجل" (٥).

стр. 248

ثانيًا: النصوص الدالة على أن الله تعالى هو صاحب البركة، الذي يبارك في من شاء من خلقه، إذ هو مصدر البركة ومنشئها وخالقها ومالكها وواهبها. فعن عبد الله بن مسعود (١) ﵁ قال: (كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا (٢)، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: "حي على الطهور المبارك، والبركة من الله"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) (٣). قال الحافظ ابن حجر: "والبركة مبتدأ والخبر من الله؛ وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله" (٤). والمقصود: أن إيجاد البركة وإحداثها وخلقها منه تعالى دون ما سواه. وقال الشيخ علي القاري في بيان معنى هذا الحديث: ""والبركة

стр. 249

من الله"؛ أي: لا من أحد سواه" (١). فإضافة البركة إلى الله تعالى إضافة ملك وفعل؛ لأنَّه تعالى هو الذي وفقهم وأسعدهم بتوفيقه لهم (٢). ثالثًا: عموم الأدلة الدالة على ملكه لجميع ما في الكون من الخيرات والنعم والهبات والأفضال -ومن ضمنها البركة-، وأنه ﵎ هو المعطي والواهب لكل خير وبركة في هذا الكون؛ ومن تلك الأدلة ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال : ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]. يقول الإمام الطبري: " ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد؛ لأنك على كل شيء قدير دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأميين من العرب إلهًا وربًا يعبدونه من دونك؛ كالمسيح، والأنداد، التي اتخذها الأميون ربًا" (٣). وقال الشيخ السعدي: "والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها" (٤).

стр. 250

وجاء في تفسير ابن سعدي كذلك: "وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنَّه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفًا ولا اسمًا ولا فعلًا" (١). وجاء في صلاة رسول الله ﷺ بالليل قوله: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك ... ") (٢). يقول الصنعاني (٣): "ومعنى "الخير كله في يديك": الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو في يديه تعالى" (٤). ولا شك أن وصول البركة للعباد، وحصولها لهم في أمور دينهم ودنياهم، من أعظم الخير والنعم والفضل، وهذا لا يملكه إلا الله ﵎، يعطيه من يشاء من خلقه، ويصرفه عمن يشاء. * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة فيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في تقرير معنى القاعدة؛ إما بلفظها أو بمعناها:
следующие страницы →