← Акыда

Акыда · id 604

القواعد في توحيد العبادة

محمد بن عبد الله باجسير

Полный текст (1 131 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولا شك أن بركة الله تعالى بركة تليق بذاته الكريمة، وقد تضمنت جميع الكمالات على الإطلاق، بخلاف بركة المخلوق فهي مخلوقة بجعل الله له (مُبَارَكًا)، وهي تناسب ضعفه ونقصه. وما دام أن أصل البركة من الله تعالى، وليس باستطاعة بشر أن يكون واهبًا لشيء منها، وإنما جميع البشر هم موضع تنزل البركة من معطيها وواهبها ، وعليه فالواجب أن لا ترجى هذه البركة إلا منه ، وأن لا تلتمس إلا بما شرع الله ، فلا تطلب إلا ممن ثبتت بركته عن الشارع على وفق الكيفية الواردة في الشرع، وتوفر الشروط، وسيأتي بيان ذلك قريبًا، والله أعلم. * المسألة الثالثة * أدلة القاعدة دلَّ على صحة هذه القاعدة أدلة كثيرة، ومنها: أولًا: النصوص الدالة على اتصاف الله تعالى بأنه (تبارك)؛ أي: ذو بركة في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فوصف نفسه تعالى بالتبارك من البركة، وهذه البركة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد مرَّ فيما سبق أقوال العلماء في بيان معنى (تبارك) وأنها صفته .

стр. 247

قال الحسن البصري (١): " (تبارك): صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه" (٢). ويقول الإمام ابن تيمية: "وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد تبارك ربك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك؛ وهذا غلط، فإنَّه على هذا يكون قول المصلي (تبارك اسمك)؛ أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها، ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى" (٣). وتَبَارُك الرب هو تفاعل من البركة، أي: تباركت ذاته، وتباركت أسماؤه، وتباركت صفاته، وتباركت أفعاله، والمعنى: أي: عظمت وجلت وبلغت غاية الكمال والعظمة. ويقول ابن القيم في معرض ذكر أوصاف الله تعالى والثناء عليه: "له كل كمال، ومنه كل خير، له الحمد كله، وله الثناء كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه" (٤). ويقول ﵀: "تبارك اسمه فلا يذكر على قليل إلا كثره، وعلى خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المسمى أعلى وأجل" (٥).

стр. 248

ثانيًا: النصوص الدالة على أن الله تعالى هو صاحب البركة، الذي يبارك في من شاء من خلقه، إذ هو مصدر البركة ومنشئها وخالقها ومالكها وواهبها. فعن عبد الله بن مسعود (١) ﵁ قال: (كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفًا (٢)، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: "حي على الطهور المبارك، والبركة من الله"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) (٣). قال الحافظ ابن حجر: "والبركة مبتدأ والخبر من الله؛ وهو إشارة إلى أن الإيجاد من الله" (٤). والمقصود: أن إيجاد البركة وإحداثها وخلقها منه تعالى دون ما سواه. وقال الشيخ علي القاري في بيان معنى هذا الحديث: ""والبركة

стр. 249

من الله"؛ أي: لا من أحد سواه" (١). فإضافة البركة إلى الله تعالى إضافة ملك وفعل؛ لأنَّه تعالى هو الذي وفقهم وأسعدهم بتوفيقه لهم (٢). ثالثًا: عموم الأدلة الدالة على ملكه لجميع ما في الكون من الخيرات والنعم والهبات والأفضال -ومن ضمنها البركة-، وأنه ﵎ هو المعطي والواهب لكل خير وبركة في هذا الكون؛ ومن تلك الأدلة ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال : ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣]. يقول الإمام الطبري: " ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: كل ذلك بيدك وإليك، لا يقدر على ذلك أحد؛ لأنك على كل شيء قدير دون سائر خلقك، ودون من اتخذه المشركون من أهل الكتاب والأميين من العرب إلهًا وربًا يعبدونه من دونك؛ كالمسيح، والأنداد، التي اتخذها الأميون ربًا" (٣). وقال الشيخ السعدي: "والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها" (٤).

стр. 250

وجاء في تفسير ابن سعدي كذلك: "وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾؛ أي: الخير كله منك، ولا يأتي بالحسنات والخيرات إلا الله، وأما الشر فإنَّه لا يضاف إلى الله تعالى لا وصفًا ولا اسمًا ولا فعلًا" (١). وجاء في صلاة رسول الله ﷺ بالليل قوله: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك ... ") (٢). يقول الصنعاني (٣): "ومعنى "الخير كله في يديك": الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو في يديه تعالى" (٤). ولا شك أن وصول البركة للعباد، وحصولها لهم في أمور دينهم ودنياهم، من أعظم الخير والنعم والفضل، وهذا لا يملكه إلا الله ﵎، يعطيه من يشاء من خلقه، ويصرفه عمن يشاء. * المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة فيما يلي أذكر ما وقفت عليه من أقوال لأهل العلم في تقرير معنى القاعدة؛ إما بلفظها أو بمعناها:

стр. 251

يقول الإمام ابن القيم: "وكذا الحمد، كله له وصفًا وملكًا، فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعزَّ منه، ومن عَزَّ من عباده فبإعزازه له، وكذلك الرحمة كلها له وصفًا وملكًا، وكذلك البركة فهو المُتَبَارِك في ذاته، الذي يبارك فيمن شاء من خلقه، وعليه فيصير بذلك مُبَارَكًا، فتبارك الله رب العالمين" (١). ويقول ﵀: "وحقيقة اللفظة: أن البركة كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان" (٢). ويقول أيضًا: "تبارك اسمه، وتباركت أوصافه، وتباركت أفعاله، وتباركت ذاته، فالبركة كلها له ومنه" (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته، ولهذا قال: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] " (٤). وقال الشيخ الألوسي في تفسير قوله: ﴿تَبَارَكَ﴾: "أي: تعالى جل شأنه؛ في ذاته وصفاته وأفعاله، على أتم وجه وأبلغه، كما يشعر به إسناد صيغة التفاعل إليه تعالى، وهذا الفعل لا يسند في الأغلب إلى غيره تعالى" (٥). ويقول الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز في جواب

стр. 252

سؤال عن حكم التبرك بالأموات: "لا يجوز لأحد أن يتبرك بالأموات أو قبورهم ... ؛ لأن العبادة حق الله وحده ومنه تطلب البركة وهو سبحانه هو الموصوف بالتبارك كما قال في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]، ومعنى ذلك: أنه سبحانه بلغ النهاية في العظمة والبركة" (١). * المسألة الخامسة [*]: فوائد القاعدة وتطبيقاتها المتأمل لهذه القاعدة يظهر له العديد من الفوائد والفروع التي يمكن الاستفادة منها، وفيما يلي أستعرض ما ظهر لي من ذلك: أولًا: دلت القاعدة على أن البركة والتبارك والمباركة من الصفات الذاتية الفعلية لله ، فبركته في ذاته مستلزمة لمباركته ﵎ لمن شاء من خلقه، وهذه المباركة هي صفة فعل لله تعالى، والفعل منها (بَارَكَ)، والمفعول منها (مُبَارَك). وقد ذكرت فيما مضى طرفًا من الآيات القرآنية، وأقوال أهل العلم الدالة على هذا المعنى. ومما يدل على أن البركة صفة لله ﵎ ما جاء عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "بينا أيوب يغتسل عريانًا فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى، قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك" (٢).

стр. 253

فأضاف البركة إليه إضافة الصفة للموصوف. يقول الحسن: " (تبارك) صفة من صفات الله تعالى؛ لأن كل بركة تجيء منه" (١). ويقول ابن القيم: "فتباركه سبحانه صفة ذات له وصفة فعل" (٢). وقد جاء عن السلف عدة تفسيرات لمعنى هذه الصفة وفيما يلي أذكر بعضها: قال ابن عباس ﵁: "جاء بكل بركة" (٣). وقيل: "تعظَّم" (٤). وقيل: "ارتفع، والمبارك المرتفع" (٥). وقيل: "تقدس، والقدس الطهارة" (٦). وقيل: "تبارك الله؛ أي: باسمه يتبرك في كل شيء" (٧). وكل هذه الأقوال ذكرها الإمام البغوي ثم قال بعدها: "وقال المحققون: معنى هذه الصفة: ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال، وأصل البركة الثبوت" (٨). يقول الإمام ابن عطية الأندلسي: "تبارك: تفاعل من البركة؛ وهي التزيد في الخيرات" (٩). ويقول الإمام ابن القيم: "وحقيقة اللفظة أن البركة: كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه ﵎. وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان" (١٠)؛ أي: الكثرة والنماء مع الثبات والدوام، والله أعلم.

стр. 254

ويقول ابن كثير: "تبارك: وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة" (١). ويقول الشيخ الشنقيطي: "الأظهر في معنى (تبارك) بحسب اللغة التي نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة، كما جزم به ابن جرير الطبري، وعليه فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قبله؛ وذلك يستلزم (٢) عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قبله البركات والخيرات، ويدر الأرزاق على الناس، هو وحده المتفرد بالعظمة واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير ولا رزق؛ كالأصنام وسائر المعبودات من دون الله لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم" (٣). كما أنه لا يجوز أن تطلق لفظة (تبارك) (٤) على غير الله تعالى، فهي صفة خاصة بالله ، ولذا فإنك تجدها مطردة في جميع النصوص مضافة إلى الله ، أو إلى أسمائه، ولم تضف ولا في موضع واحد إلى غيره. يقول الإمام ابن عطية: "وتبارك: فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره؛ ولذلك لم يصرف منه مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل؛ أي: كثرت بركته" (٥).

стр. 255

وقال ابن القيم مفصلًا لهذا المعنى: "والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها (تبارك)، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ، فهو سبحانه (المُبَارِك)، وعبده ورسوله (المُبَارَك)، كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فمن بارك الله فيه وعليه فهو المبارَك، وأما صفته (تبارك) فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، أفلا تراها كيف اطردت فى القرآن جارية عليه، مختصة به، لا تطلق على غيره" (١). وقال الشوكاني: "قال العلماء: هذه اللفظة -أى: تبارك- لا تستعمل إلا لله سبحانه، ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي" (٢). ويقول الشيخ محمد بن عثيمين: "قال العلماء: معنى تبارك؛ أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا لا يوصف به إلا الله، فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله" (٣). والسبب في عدم جواز إطلاقها على غير الله تعالى هو أنها لم ترد في النصوص مسندة لغير الله ، والواجب الوقوف على ما ورد به الشرع، هذا أولًا؛ وثانيًا: لتضمنها لغاية التعظيم والثناء، ونهاية التمجيد والتبجيل، وكل ذلك لا يليق إلصاقه بمخلوق قط، فهي كلمة تعظيم لا تليق إلا بالله تعالى (٤). ومما سبق يتضح لنا أن التبارك والبركة صفة لله تعالى، ذاتية وفعلية، وأن لفظ (تبارك) خاص بالله لا يطلق على غيره . ثانيًا: طلب البركة واعتقادها ورجاؤها، عبادة لله ، وبيان

стр. 256

ذلك: أن ما شرع لنا التماس البركة منه، أو به، لا يخلو إما أن يكون واجبًا أو مستحبًا أو مباحًا، فالواجب والمستحب لا شك من دخوله في العبادة، وأما المباح فإن قصد به طاعة الله تعالى، أو معنى صحيحًا يحبه الله فإنَّه يدخل في العبادة كذلك، أما إذا لم ينو قصدًا حسنًا محبوبًا لله يثاب عليه فلا يدخل التماسه في العبادة. كما أن اعتقاد وجود البركة فيما نص عليه الشرع هو من التصديق الواجب الذي يثاب عليه العبد، ويؤجر عليه، بل هو أصل لا يصح الإيمان بدونه؛ لأن عدم اعتقاده يكون من باب التكذيب لله ولكتابه ولرسوله ﷺ . يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في جواب سؤال حول التبرك بالقبور: "لأن العبادة حق الله وحده ومنه تطلب البركة" (١). ويقول الشيخ محمد بن عثيمين: "لأن التبرك بالله وأسمائه لا يمكن أن يستعمل إلا على الوجه الذي ورد؛ لأنَّه عباده، والعبادة مبناها على التوقيف" (٢). ثالثًا: دلت القاعدة على بطلان فعل المشركين من التماسهم للبركة من الآلهة والأوثان من دون الله ، لأنَّهم بهذا الفعل وهو طلب البركة من الآلهة، واعتقاد أنهم يهبون البركة في الأموال والأولاد، وأن دوام الخير وثباته بسبب القرب منهم، قد صرفوا العبادة لغير الله ، فالطلب والرجاء لا يكون إلا من الله وفي الله تعالى، وهم بفعلهم هذا قد تعلقوا بغير الله في حصول البركة والخير والفضل، ولا شك أنهم عاجزون كل العجز عن تحقيق ما يطلبونه منهم. فالعلة التي صاروا بها مشركين كونهم اعتقدوا أن الآلهة تملك

стр. 257

البركة، وتهبها لهم؛ إما بذاتها، أو بوساطتها عند الله تعالى، وكل ذلك شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام، أضف إلى هذا ما يقوم بقلوب هؤلاء من عظيم الخضوع وغاية المحبة، وخالص الخشوع. ولهذا أنكر النبي ﷺ على من سأله في غزوة حنين، فقد روى الإمام أحمد عن أبي واقد الليثي (١): (أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إنها السُّنن لتركبن سُنن من كان قبلكم ... " (٢). فشبه النبي ﷺ طلبهم هذا من أجل التبرك باتخاذ إله مع الله، وسمى التماس التبرك منه، واعتقاد البركة فيه تألهًا. وذلك لكون المشركين اعتقدوا أن الأوثان تملك البركة، وتعطيها من تشاء، ثم رتبوا على ذلك دعاءها والرغبة إليها، والخضوع بين يديها وصرفوا لها صنوف العبادات والتعظيمات. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "عباد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها بتعظيمها، ودعائها، والاستعانة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها، وشفاعتها، وغير ذلك، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار

стр. 258

والأحجار؛ كالعزى ومناة من ضمن فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر، أو حجر، أو شجر، فقد ضاهى عبَّاد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك. فالله المستعان" (١). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "وكذلك البركة لا تطلب إلا من الله، وطلبها من غير الله شرك" (٢). ويقول ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩]: "دلت الآية على أن الله تعالى أنكر على المشركين ما كانوا يفعلونه عند هذه الأوثان، وذلك أنهم كانوا يعتقدودن حصول البركة بتعظيمها، ودعائها، والاستعانة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها وشفاعتها، وغير ذلك" (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حكم من يتبرك بالأشجار والأحجار: "وحكمه أنه مشرك الشرك الأكبر، لكونه تعلق على غير الله في حصول البركة من غيره، وإن كان الله جعل فيه بركة" (٤). وقد ردّ الشيخ النجمي -حفظه الله- على من قال بأن التبرك: معلوم من الدين وسير السلف الصالح، قال: "نعم معلوم من الدين منعه وتحريمه، وجعله من التاله لغير الإله الحى الذي انفرد بالنفع والضر، ومن المعلوم أن الكفار حينما علقوا أسلحتهم بالشجرة زاعمين أنها تبارك هذه الأسلحة قد طلبوا البركة من غير مصدرها، وطلبوا النصر من غير

стр. 259

مالكه، وذلك تأليه للشجرة، [و] من تبرك بالموتى فقد طلب البركة من غير مالكها وواهبها جلَّ وعلا" (١). ويقول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -: "فمعنى تبرك المشركين: أنهم كانوا يرجون كثرة الخير، ودوام الخير، ولزوم الخير، وثبات الخير، بالتوجه إلى الآلهة، وهذه الآلهة يكون منها: الصنم الذي من الحجارة، والقبر من التراب، ويكون منها الوثن، والشجر، ويكون منها البقاع المختلفة، كالغار أو عين ماء، أو نحو ذلك، فهذه التبركات المختلفة جميعها تبركات شركية" (٢). هذا ما كان يفعله المشركون مع آلهتهم، إذ إن طلبهم للبركة، ورجاءها، واعتقاد كونهم مالكين لها، من الشرك بالله ﵎، وبناء على ذلك صرفوا لهم صنوفًا من العبادات والتألهات، من الدعاء والتعظيم، والعكوف عليهم وغير ذلك. رابعًا: ما خصه الله بالبركة من الذوات، والأماكن، والأزمان، والأقوال، والأفعال، وغير ذلك، هو محض فضل الله، وبالغ حكمته؛ إذ هو مالك البركة، وخالقها، وواهبها، كما قال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨]، ولكن هذا الاختيار والتخصيص له أسباب وموجبات وصفات خلقها الله وقدرها في ذات الشيء الذي بارك فيه، ثم تتفاوت العظمة والقداسة والبركة فيه بعد ذلك بحسب ما يقترن به من أحوال، ويتصل به من أعمال مشروعة يحبها الله ﵎. يقول الإمام ابن القيم: "فليس كل محل يصلح لشكره، واحتمال منته، والتخصيص بكرامته. فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان

стр. 260

والأماكن والأشخاص، وغيرها مشتملة على صفات، وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وما أبين بطلان رأي يقضي بأن مكان البيت الحرام مساو لسائر الأمكنة، وذات الحجر الأسود مساوية لسائر حجارة الأرض، وذات رسول الله ﷺ مساوية لذات غيره، وإنما التفضيل في ذلك بأمور خارجة عن الذات والصفات القائمة بها، وهذه الأقاويل وأمثالها من الجنايات التي جناها المتكلمون على الشريعة، ونسبوها إليها وهي بريئة منها، وليس معهم أكثر من اشتراك الذوات في أمر عام، وذلك لا يوجب تساويها في الحقيقة؛ لأن المختلفات قد تشترك في أمر عام مع اختلافها في صفاتها النفسية، وما سوى الله تعالى بين ذات المسك وذات البول أبدًا، ولا بين ذات الماء وذات النار أبدًا، والتفاوت البيَّن بين الأمكنة الشريفة وأضدادها، والذوات الفاضلة وأضدادها أعظم من هذا التفاوت بكثير؛ فبين ذات موسى ﵇ وذات فرعون من التفاوت أعظم مما بين المسك والرجيع، وكذلك التفاوت بين نفس الكعبة وبين بيت السلطان أعظم من هذا التفاوت أيضًا بكثير، فكيف تجعل البقعتان سواء في الحقيقة، والتفضيل باعتبار ما يقع هناك من العبادات، والأذكار، والدعوات". ثم قال ﵀: "ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول، وإنما قصدنا تصويره، وإلى اللبيب العادل العاقل التحاكم، ولا يعبأ الله وعباده بغيره شيئًا، والله سبحانه لا يخصص شيئًا ولا يفضله ويرجحه إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله؛ نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه، فهو الذي خلقه ثم اختاره بعد خلقه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ " (١).

стр. 261

خامسًا: أن الأماكن والأزمان المباركة إنما يحصل نفعها، وتحصل بركتها للشخص الذي يطيع الله تعالى فيها، أما ذات المكان والزمان فلا نفع فيه -يرجع إلى المكلف- بدون القيام بطاعة الله ﵎، وطاعة رسوله ﷺ واتباع سُنَّته. يقول الإمام ابن تيمية: "فالمساجد والمشاعر إنما ينفع فضلها لمن عمل فيها بطاعة الله ، وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهي عنها، وكان النبي ﷺ قد آخى بين سلمان الفارسي (١) وأبي الدرداء (٢)، وكان أبو الدرداء بدمشق، وسلمان الفارسي بالعراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: (هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: أن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الرجل عمله) (٣) " (٤).

стр. 262

وقال الزرقاني (١) في معنى: (إن الأرض لا تقدس أحدًا): "لا تطهره من ذنوبه، ولا ترفعه إلى أعلى الدرجات، وإنما يقدس الإنسان عمله الصالح في أي مكان" (٢). سادسًا: أفادت القاعدة أن حصول البركة موقوف على الشرع، فلا يشرع التماس البركة إلا بالطريقة الشرعية التي دلت عليها النصوص الواردة في القرآن والسُّنَّة؛ وبناء على ذلك فإنه يجب التفريق بين ما شُرعَ لمجرد التعبد، أو شُرعَ لمجرد التماس البركة الحسية، أو لمجموعهما، وعليه فالأحوال ثلاثة: ١ - ما شرع لأجل التعبد المحض، ولا يجوز التماس البركة الحسية عن طريقه، كتقبيل الحجر الأسود، فلا يجوز التماس البركة الحسية منه، أو طلب الاستشفاء بمسحه وتقبيله. ٢ - ما أثبت الشارع فيه البركة الحسية، كالاستشفاء بالعسل، فهذا يتبرك به ولا تدخله نية العبادة إلا من حيث اعتقاد صدق ما أخبر به الشارع. ٣ - ما شرع لأجل الأمرين معًا؛ كقراءة القرآن تعبدًا وطلبًا للثواب، وهذا هو الأصل في تنزيله، ثم طلبًا للشفاء والبركة. وكل هذه الأمور مردها إلى حكم الشارع الحكيم، فما شُرعَ لنا فيه التعبد أو التبرك، أو التعبد مقرونًا بالتبرك فلا يجوز أن يتعدى حكم الله ورسوله ﷺ .

стр. 263

يقول الإمام أبو العباس القرطبي: "وقوله: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع) (١) دفع لتوهم من وقع له من الجهال: أن للحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، كما توهمه بعض الباطنية (٢)، وبين أنه ليس في تقبيله إلا الاقتداء المحض، ولو كان هناك شيء مما يفترى لكان عمر ﵁ أحق الناس بعلمه" (٣). وقال الطيبي (٤) في حديث عمر وتقبيله للحجر الأسود: "إنما قال ذلك: لئلا يغتر بعض قربيي العهد بالإسلام، الذين قد ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها، ورجاء نفعها، وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، فخاف ﵁ أن يراه بعضهم يقبله فيفتتن به، فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع باعتبار الجزاء والثواب" (٥). ولا شك أن مجرد التعبد بامتثال أمر الشارع من أعظم الخيرات المعقولة، وأجل البركات المحسوسة، التي ينالها المسلم في دنياه وآخرته.

стр. 264

وقال أبو الحسن المباركفوري (١) في فوائد قول عمر عن الحجر الأسود: "وفيه الحث على الاقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله، وتنبيه على أنه: لولا الاقتداء لما فعله" (٢). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "والكعبة نفسها -زادها الله تشريفًا- لا يتبرك بها؛ ولهذا لا يقبل منها إلا الحجر الأسود فقط، ولا يمسح منها إلا هو، والركن اليماني فقط، وهذا المسح والتقبيل المقصود منه طاعة رب العالمين، واتباع شرعه؛ ليس المراد أن تنال اليد البركة في استلام هذين الركنين" (٣). ويقول الشيخ العثيمين في الإجابة على أحد الأسئلة: "وبهذه المناسبة أود أن ألفت نظر الحجاج إلى أن المقصود بمسح الحجر الأسود والركن اليماني: هو التعبد لله تعالى بمسحهما لا التبرك (٤) بمسحهما، خلافًا لما يظنه الجهلة، حيث يظنون إن المقصود هو التبرك، ولهذا ترى بعضهم يمسح الركن اليماني أو الحجر الأسود ثم يمسح بيده

стр. 265

على صدره، أو على وجهه، أو على صدر طفله، أو على وجهه، وهذا ليس بمشروع، وهو اعتقاد لا أصل له، ففرق بين التعبد والتبرك، ويدل على أن المقصود التعبد المحض دون التبرك أن عمر ﵁ قال وهو يقبل الحجر: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) " (١). ويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: "ومعنى كون الأرض مباركة: أن يكون فيها الخير الكثير اللازم الدائم لها؛ ليكون ذلك أشجع في أن يلازمها أهلها الذين دعوا إليها، وهذا لا يعني - أبدًا - أن يتمسح بأرضها، أو أن يتمسح بحيطانها؛ لأن بركتها لازمة لا تنتقل بالذات. فبركة الأماكن، أو بركة الأرض، ونحو ذلك، بركة لازمة لا تنتقل بالذات؛ يعني: أنك إذا لامستَ الأرض، أو دُفنت فيها، أو تبركت بها، فإن بركتها لا تنتقل إليك بالذات، وإنما بركتها من جهة المعنى فقط (٢). كذلك بيت الله الحرام هو مبارك لا من جهة ذاته؛ يعني: ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة، وإنما هو مبارك من جهة المعنى (٣)؛ يعني: اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في البنية، من جهة تعلق القلوب بها، وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها، وأتاها، وطاف بها، وتعبد عندها. وكذلك الحجر الأسود، هو حجر مبارك، ولكن بركته لأجل العبادة؛

стр. 266

يعني: أن من استلمه تعبدًا مطيعًا للنبي ﷺ في استلامه له، وفي تقبيله فإنَّه يناله به بركة الاتباع. وقد قال عمر ﵁ لما قبَّل الحجر: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر) فقوله: لا تنفع ولا تضر؛ يعني: لا يجلب لمن قَبَّلَه شيئًا من النفع، ولا يدفع عن أحد شيئًا من الضر، وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتّساء، تعبدًا لله، ولذلك قال: (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك)، فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة" (١). أما التبرك بآثار النبي ﷺ المكانية التي قصدها للعبادة، كمقام إبرا هيم، وكعرفات ومزدلفة ومنى وغيرها، فهذه تقصد للعبادة، وتكون البركة فيها بامتثال أمر النبي ﷺ وطاعته، وكفى بذلك بركة. أما الآثار المكانية التي لم يقصدها ﷺ بقربة ولا طاعة، وإنما نزل فيها لمصادفته أو لحاجته، فهذه لم يثبت عن الصحابة ﵃ أنهم تتبعوها رجاء بركتها، بل تتبع هذه الآثار من أجل العبادة فيها، والتبرك بها من البدع التي لم يكن عليها فعل السلف، لا من الصحابة ولا من بعدهم، بل هو من فعل أهل الكتاب والمشركين كما أخبر النبي ﷺ عنهم بقوله في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (٢). وقال عمر ﵁ عندما رأى الناس يذهبون مذاهب فسأل عن ذلك فقيل له: مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فقال ﵁: (هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل) (٣).

стр. 267

ومما يستدل به البعض على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ المكانية حديث عتبان بن مالك ﵁ المروي في "الصحيحين": "أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد بدرًا من الأنصار، أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وودت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله ﷺ : "سأفعل إن شاء الله". قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله ﷺ فأذن له، فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك"، قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فكبر، فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم" (١). لكن لا حجة في هذا، وقد بيَّن أهل العلم أن عتبان لم يكن قصده أثر النبي ﷺ حتى يتبرك به، وإنما كان مقصوده التبرك بكون النبي ﷺ هو أول من يصلي في مسجده. يقول الإمام ابن تيمية: "لأن عتبان ﵁ كان مقصوده بناء مسجد لحاجته إليه، وتبرك بكون النبي ﷺ يصلي فيه أولًا، كما أنه ﷺ بنى مسجد قباء، وبنى مسجده، والمسجد الذي يتخذه بناء أفضل من غيره، كما فضل المسجد الحرام ومسجد سليمان ﵇، بخلاف من لم يكن

стр. 268

مقصوده إلا بناء مسجد لأجل ذلك الأثر" (١). وقال ﵀: "فإنَّه قصد -أي: عتبان- أن يبني مسجدًا وأحب أن يكون أول من يصلى فيه النبي ﷺ ، وأن يبنيه في الموضع الذي صلى فيه، فالمقصود كان بناء المسجد، وأراد أن يصلي النبي ﷺ في المكان الذي يبنيه، فكانت الصلاة مقصودة لأجل المسجد، لم يكن بناء المسجد مقصودًا لأجل كونه صلى فيه اتفاقًا، وهذا المكان مكان قصد النبي ﷺ الصلاة فيه ليكون مسجدًا، فصار قصد الصلاة فيه متابعة له، بخلاف ما اتفق أنه صلى فيه بغير قصد" (٢). وهناك احتمال آخر ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: "ويحتمل أن يكون عتبان ﵁ إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع" (٣). ويظهر بهذا أن فعل عتبان إنما كان قصده التبرك بالصلاة في الموضع الذي قصد النبي ﷺ الصلاة فيه، ولا شك في جواز ذلك، أما ما صلى فيه اتفاقًا بدون قصد فلا يجوز جعله مسجدًا ولا التبرك بالصلاة فيه. ثم إن البركة المشروعة في حديث عتبان هي بركة متابعته في الصلاة التي صلاها في تلك البقعة لا أن يتبرك بذات البقعة من جلوس وتمسح وغير ذلك، وإنما البركة محصورة في صلاته فيها كما صلى النبي ﷺ . وعليه يحمل بعض كلام أهل العلم ممن صرح بجواز التبرك بآثار النبي ﷺ كما صرح بذلك ابن عبد البر حيث قال: "وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ ووطئها وقام عليها" (٤).

стр. 269

فالمقصود الآثار التي قصدها النبي ﷺ فأوقع فيها العبادة بقصد منه، فصارت متابعته في فعله وقصده هي عين السُّنَّة، أما عموم ما وطئه وقام عليه بدون تقصد منه للعبادة فلا تجوز متابعته في ذلك كما سيأتي تقريره (١). ثم إن تبرك عتبان بصلاة النبي ﷺ له في بيته، وتحديد مكان لمسجده ومصلاه هو من خصوصياته ﷺ ، فلا يجوز أن يؤتى بصالح أو عالم أو زاهد فيتبرك بصلاته كما فعل عتبان مع النبي ﷺ ، بل هو من أعظم ذرائع الشرك، وأكبر وسائل الفتنة. وقد بيَّن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على قول الحافظ ابن حجر من الفتح بوجوب إجابة من دعي من الصالحين ليتبرك به، فقال: "هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي ﷺ لما جعل الله فيه من البركة، وغيره لا يقاس عليه، لما بينهما من الفرق؛ ولأن فتح هذا الباب قد يفضي إلى الغلو والشرك، كما قد وقع من بعض الناس. نسأل الله العافية" (٢). سابعًا: لقد جعل الله البركة فيمن شاء من خلقه؛ إذ هي خلقه وملكه وفعله وصفته، فبارك فيمن شاء من الأعيان والذوات والأشخاص، وعليه يكون التماس البركة من تلك الذوات والأعيان مبنيًا على أصول ومقدمات: الأولى: إثبات كون الذات المعينة مباركة، بدليل شرعي من الكتاب أو السُّنَّة. الثانية: اعتقاد أن مصدر البركة ومنشأها هو الله ﵎، وليس في مقدور أحد إنشاء البركة في نفسه أو في غيره.

стр. 270

الثالثة: معرفة الكيفية الشرعية التي تنال بها بركة هذه العين أو ذاك الشخص، وعمدة ثبوت ذلك على النصوص الشرعية. وهذا الضابط الأخير من الأهمية بمكان؛ إذ ليس في استطاعة كل أحد أن يلتمس البركة في كل ذات أو عين، وإن ثبتت بركتها من ناحية الشرع، إذ لا بد من التقيد والالتزام بالكيفية الشرعية لالتماس البركة. وعليه فما هي الصفة الشرعية لالتماس البركة من الأنبياء وأهل العلم والصلاح، وقبل ذلك يجب لفت النظر إلى انقسام التبرك بالذوات سواء كانوا أنبياء أو من تبعهم من أهل العلم والصلاح إلى قسمين: ١ - تبرك عام، ويشترك فيه جميع الأنبياء والمرسلين والعلماء وأهل الصلاح، ويكون سببه العلم والعمل، ولا شك أن الأنبياء هم الأعظم بركة من ناحية العلم والعمل، لكثرة من يقتدي بهم ويتبعهم، ولعظم إيمانهم وطاعتهم وقربهم من الله تعالى، وأعظمهم بركة في ذلك نبينا محمد ﷺ ثم الأنبياء من بعده، ثم صحابة نبينا محمد ﷺ ، وهكذا تكون درجاتهم بحسب ما معهم من العلم والعمل. ويدخل في التبرك بالنبي ﷺ : التبرك بالإيمان به، واتباعه، وطاعته، ونصرته، وموالاته، ومجاهدة أعداء الدين معه، ودعاؤه لأصحابه، واستغفاره لهم، وتعليمه إياهم. يقول الإمام ابن عبد البر: "فالبركة والخير كله في اتباع أدب رسول الله، وامتثال أمره ﷺ " (١). ويقول ابن الحاج: "فالحاصل من هذا: أن البركة كامنة في امتثال السُّنَّة حيث كانت" (٢). ويقول الإمام ابن تيمية: "بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه:

стр. 271

حصل له من بركة الرسول بسب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله" (١). وأما غير الأنبياء من أهل العلم والصلاح والاستقامة فيتبرك بعلمهم وعملهم كذلك، مع العلم أن بركتهم أصلها وأساسها هو طاعتهم للنبي محمد ﷺ ، فيتبرك بأخذ العلم عنهم، الذي أساسه نصوص الشرع، ويقتدى كذلك بعملهم الذي وافقوا فيه السُّنَّة، واعتمدوا فيه على الشرع والدليل. يقول الإمام ابن تيمية: "وقول القائل: ببركة الشيخ، قد يعنى بها دعاءه، وأسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب، وقد يعنى بها بركة ما أمره به، وعلمه من الخير، وقد يعنى بها بركة معاونته له على الحق وموالاته في الدين، ونحو ذلك، وهذه كلها معانٍ صحيحة" (٢). ويقول ﵀: "فبركات أولياء الله الصالحين باعتبار نفعهم للخلق؛ بدعائهم إلى طاعة الله، وبدعائهم للخلق، وبما ينزل الله من الرحمة، ويدفعِ من العذاب بسببهم، حق موجود فمن أراد بالبركة هذا، وكان صادقًا فقوله حق" (٣). ويقول الشيخ صالح آل الشيخ - حفظه الله -: "فكل مسلم فيه بركة، وهذه البركة ليست بركة ذات، وإنما هي بركة عمل (٤)، وبركة ما معه من الإسلام والإيمان، وما في قلبه من الإيقان والتعظيم لله - جلَّ وعلا - والإجلال له، والاتباع لرسوله ﷺ ، فهذه البركة التي في العلم أو العمل، أو الصلاح: لا تنتقل من شخص إلى آخر، وعليه فيكون معنى

стр. 272

التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم، والتبرك بأهل العلم هو الأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا، ولا يجوز أن يتبرك بهم بمعنى أن يتمسح بهم، أو يتبرك بريقهم" (١). وعلة المنع من ذلك هو عدم ورود الدليل الدال على مشروعية التماس البركة عن طريق أبدانهم، وإن كانت ذواتهم مباركة في نفسها. ثم هي لا تستطيع أن تفيض على غيرها البركة؛ لأن إفاضة البركة على الغير هو فعل الله تعالى، ولا يتأتى ذلك إلا بنص. ٢ - تبرك خاص: وهو يتعلق بالأنبياء والمرسلين فحسب، وليس له تعلق بأهل العلم والصلاح من غير الأنبياء، بل هو خاص بالرسل الكرام ﵈، فقد شرع الله لنا التماس البركة في أجسادهم وما انفصل منها، في حياتهم وبعد مماتهم، وعليه يجوز التبرك بكل ما ثبت من ذلك (٢). يقول الشيخ صالح آل الشيخ عند كلامه على بركة الأنبياء والرسل: "فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية، يعني: أن أجسامهم مباركة، فالله - جلَّ وعلا - هو الذي جعل جسد آدم مباركًا، وجعل جسد إبراهيم ﵇ مباركًا، وجعل جسد نوح مباركًا، وهكذا جسد عيسى، وموسى، -عليهم جميعًا الصلاة والسلام- جعل أجسادهم جميعًا مباركة، بمعنى: أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم، إما بالتمسح بها، أو بأخذ عرقها، أو بالتبرك ببعض أشعارهم، فهذا جائز، لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية، وهكذا نبينا محمد بن عبد الله ﷺ جسده -أيضًا- جسد مبارك" (٣).

стр. 273

ولذا ثبت عن صحابة النبي ﷺ أنهم كانوا يتبركون بجسده الطاهر ﷺ ، وكذا بما انفصل منه؛ من الشعر والريق، والنخامة، والعرق، وكذا التبرك بثيابه التي كان يلبسها، ومن ذلك التبرك بفضل وضوءه وغسله، وفضل إنائه الذي شرب منه، ومواضع أصابعه في الإناء الذي أكل منه وغير ذلك (١). ومما يجب التنبيه إليه هنا أن التبرك بآثار النبي ﷺ المنفصلة عن جسده الطاهر غير ممكن، وذلك لعدم القطع واليقين بوجود شيء من آثاره ﵇ في هذه الأيام، والموجود من ذلك قد حامت حوله الشبهات والشكوك، مع توافر دواعي فقدها، وأسباب ضياعها؛ لأجل ما مرت به الأمة من فتن وبلايا وحروب (٢). وأما قياس غير النبي ﷺ به في باب التبرك بالآثار الجسدية المنفصلة؛ فإنه من أبطل الباطل، وبيانه كما يلي: أولًا: قياس الصالحين على النبي ﷺ قياس مع الفارق، إذ من المعلوم أن مقام النبوة أعلى من مجرد مقام الصلاح، فالمقاربة في

стр. 274

الفضل والبركة منتفية فضلًا عن المساواة، فكيف يقاس الأعلى بالأدنى، ثم إن سبب التبرك بالجسد أو بما انفصل منه ليس هو الصلاح فحسب، وإنما الأصل في جواز التبرك به ﷺ هو النبوة. ثانيًا: بركة النبوة يقينية، وبركة الصلاح ظنية، فكيف يقاس الظني على اليقيني. ثالثًا: دل فعل الصحابة وسيرتهم على أن التبرك بآثاره ﷺ الجسدية من خصوصياته ﵇؛ ولذا لم ينقل عنهم -مع حرصهم على الخير- أنهم تبركوا بآثار أبي بكر ولا عمر ﵄، فدل ذلك على الخصوصية. رابعًا: عدم أمن الفتنة على الشخص الذي يتبرك بجسده، أو ما ينفصل منه، إذ قد يدخله العجب، ويلعب به الشيطان، فيورثه ذلك فسادًا ومرضًا في القلب، بل هذا هو الواقع المحتوم لمن تأمل في حال من يُفْعَل بهم هذا. وقد نص الإمام الشاطبي على المنع من ذلك ناقلًا إجماع الصحابة ﵃ على تركه، وعدم جوازه، مع عنايتهم العظيمة باتباع السُّنَّة واقتفاء الهدي، والحرص على الخير، فقال ﵀: "إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة ﵃ لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵃ فهو كان خليفته، ولم يُفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ثم علي ثم سائر الصحابة، الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحدٍ منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها -يعني: بجسده أو بما انفصل منه-، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال، والأقوال، والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ ، فهو إذًا إجماع منهم على

стр. 275

ترك تلك الأشياء" (١). ثم بيَّن ﵀ توجيه ترك الصحابة ومأخذهم في هذا الترك بقوله: "وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يعتقدوا في الاختصاص، وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله؛ للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير؛ لأنه ﵇ كان نورًا كله في ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نورًا وجده على أي جهة التمسه؛ بخلاف غيره من الأمة؛ فإنه -وإن حصل له من نور الاقتداء به، والاهتداء بهديه ما شاء الله- لا يبلغ مبلغ على حال توازيه في مرتبته، ولا يقاربه، فصار هذا النوع مختصًا به؛ كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات، وشبه ذلك. فعلى هذا المأخذ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة. الثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص، ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع؛ خوفًا من أن يُجعل ذلك سُنَّة؛ كما تقدم ذكره في اتباع الآثار والنهي عن ذلك، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمُتَبرَّك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتُقِد في المبترَّك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ ، بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية -حسبما ذكره أهل السير- فخاف عمر ﵁ أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تُعْبَد من دون الله، فكذلك يتفق عند

стр. 276

التوغل في التعظيم" (١). ويستمر الإمام الشاطبي في تجلية الأمر فيقول: "ولأن الولاية؛ وإن ظهر لها في الظاهر آثار؛ فقد يخفى أمرها؛ لأنَّها في الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله، فربما ادعيت الولاية لمن ليس بوليٍّ، أو ادعاها هو لنفسه، أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي من باب الشعوذة لا من باب الكرامة، أو من باب السحر (٢)، أو الخواص أو غير ذلك، والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر، فيعظمون من ليس بعظيم، ويقتدون بمن لا قدوة فيه، وهو الضلال البعيد، إلى غير ذلك من المفاسد، فتركوا العمل بما تقدم -وإن كان له أصل-؛ لما يلزم عليه من الفساد في الدين" (٣). وتابع الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ من قبله من أهل العلم في تأييد ما قرروه من إبطال قياس من قاس غير النبي ﷺ عليه في التبرك بجسده وما انفصل منه فقال: "وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ ، وهذا خطأ صريح لوجوه: منها عدم المقاربة فضلًا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة، ومنها عدم تحقق الصلاح فإنَّه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص؛ كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة

стр. 277

بالصلاح، وقد عُدم أولئك. أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم، ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلًا للتبرك بآثاره، ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وكذلك التابعون هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين، وأويس القرني، والحسن البصري، ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص بالنبي ﷺ ، ومنها أن فعل هذا مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه، فيورثه العجب، والكبر، والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم" (١). ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في حكم قول القائل: (وأعاد علينا من بركته)، فأجاب بقوله: "يعني بركة علمه، وليس المراد بركة ذاته، فإن الذوات جعل الله فيها ما جعل من البركة، ولكن لا تصلح للتبرك بها إلا نبينا محمد ﷺ من أَبْعاضِه كريقه، ولا يقاس على النبي ﷺ غيره، والصحابة ما فعلوا مع أَبِي بكر وعمر من قصد البركة فيهما كما فعلوا مع النبي" (٢). وقال ﵀ أيضًا في مسألة التبرك بآثار الصالحين قياسًا على التبرك بشعر النبي ﷺ : "مسألة؛ وهي: أن بعض شراح الحديث يذكر أنه لا بأس بالتبرك بآثار الصالحين إذا مروا بذكر شعر النبي ﷺ . وهذا غلط ظاهر لا يوافقهم عليه أهل العلم والحق، وذلك أنه: ما ورد إلا في حق النبي ﷺ .

стр. 278

أبو بكر، وعمر، وذو النورين عثمان، وعلي، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وبقية البدريين، وأَهل بيعة الرضوان، ما فعل السلف هذا مع واحد منهم، أفيكون هذا منهم نقصًا في تعظيم الخلفاء التعظيم اللائق بهم، أو أنهم لا يلتمسون ما ينفعهم؟! فاقتصارهم على النبي ﷺ يدل على أنه من خصائص النبي ﷺ ، وهي بركة جعلها الله في النبي ﷺ كما جعلها في بعض المخلوقات" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: "لأن ريق الإنسان ليس سببًا للبركة والشفاء، ولا أحد يتبرك بآثاره إلا محمد ﷺ ، أما غيره فلا يتبرك بآثاره. فالنبي ﷺ يتبرك بآثاره في حياته وكذلك بعد مماته إذا بقيت تلك الآثار، كما كان عند أم سلمة (٢) ﵄ جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي ﷺ يستشفي بها المرضى، فإذا جاء مريض صبت على هذه الشعرات ماء ثم حركته ثم أعطته الماء، لكن غير النبي ﷺ لا يجوز لأحد أن يتبرك بريقه، أو بعرقه، أو بثوبه، أو بغير ذلك، بل هذا حرام، ونوع من الشرك" (٣). وبهذه النقول يتبين لنا ضعف قول من قاس أهل الصلاح على النبي ﷺ ، إذ إن السبب الذي من أجله جاز التبرك ببدن النبي ﷺ أو بما انفصل منه ليس هو مجرد الصلاح، وإنما السبب الرئيس هو النبوة والرسالة، فالله تعالى قد بارك في أجساد الأنبياء، وجعلها مباركة، وشُرعَ لنا أن نتبرك بها إكرامًا لهم ورفعةً لمنزلتهم.

стр. 279

ومما ينبغي التنبيه عليه أن التبرك المشروع ببدن النبي ﷺ أو بما انفصل منه ليس من باب الغلو في النبي ﷺ ، إذ ليس هو مالك البركة وواهبها، ولكنه يدخل في باب التعظيم الذي يستحقه ﷺ ، والإكرام الذي يليق به ﵇، مع وجوب القطع بأن مالك البركة وواهبها هو الله تعالى، والنبي ﷺ جعلت فيه البركة، فهو مبارَك، والله هو المبارِك له، وقد شرع لنا التماس البركة منه ﷺ . ثم لو كان في ذلك أدنى مثقال ذرة من الغلو، أو صرف لشيء من التأله لغير الله تعالى لما رضيه ﷺ ، وأقرَّ أصحابه عليه، كيف وهو إمام الحنفاء، وأعظم من حقق التوحيد وحمى حماه. يقول الشيخ عبد العزيز المحمد السلمان (١): "وإنما جاز في حقه ﷺ النص به والأمر" (٢). ثم إن التبرك ببدن النبي ﷺ فيه دليل على صدق إيمان المُتَبَرِّك، والتصديق برسالته وتعظيمه وحبه، وأن له عند الله تعالى مقامًا عظيمًا لا

стр. 280

يدركه أحد من أمته، كما أن فيه إعلامًا عظيمًا لجميع أهل الأرض، على اختلاف أديانهم، وتنوع مشاربهم بمكانة هذا النبي الأمي العظيم الصادق الأمين الكريم ﷺ . يقول الإمام القرطبي في تعليل فعل الصحابة وتبركهم بآثار النبي ﵇ المنفصلة عنه: "وهذا كله عمل بمقتضى الأمر بالتعزير والتعظيم ونتيجة الحب الصحيح، رزقنا الله الحظ الأكبر من تعظيمه ومحبته وحشرنا في زمرته" (١). ويقول الشيخ النجمي - حفظه الله -: "التبرك بالنبي ﷺ إنما جاز؛ لأنَّه ثمرة الإيمان به، ودليل على صدق إيمان المتبرك [به]، كما في قصة أم سليم، والمهم أن التبرك به إنما جاز؛ لأنَّه من ثمرات الإيمان به، وبرسالته، وأن له عند الله مقامًا لا يوازيه فيه أحد من بني آدم" (٢). ولذا أقر النبي ﷺ صحابته الكرام ﵃ على هذا التبرك في غزوة الحديبية، وكان في ذلك غايات حميدة منها إرهاب قريش وإطلاعهم على مكانة النبي ﷺ بين أصحابه، وحبهم وتعظيمهم له. يقول الشيخ الألباني: "النبي ﷺ وإن أقرّ الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم، وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش، وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته، وتعظيم شأنه" (٣). ولذا لم يكن هذا التبرك نافعًا للمنافقين، وأهل الشرك والفساد، بل لا بد للانتفاع بهذا التبرك من الإيمان الصحيح المقبول عند الله تعالى (٤).

стр. 281

ثامنًا: دلت القاعدة على أن البركة ملكه سبحانه، وصفته تعالى، وفعله ، وعليه يكون حظ الخلق من البركة بقدر قربهم من ربهم، وتعلقهم بمعبودهم، ومحبتهم لخالقهم ، وقد سبق تقرير ذلك في الكلام على بركة الأنبياء وأهل العلم، وعمومًا فكلما كان الشيء أقرب إلى الله زادت بركته وكثر خيره، وفي الأعمال كذلك؛ فكلما كان العمل أكثر إخلاصًا وموافقة للسُّنَّة كانت بركته بحسب ذلك. والعكس بالعكس فكل ما بَعُدَ عن الله ودينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، أو أبْعَدَ عنه قلَّ خيره، ونزعت بركته، وذهبت عافيته (١). يقول أبو عبد الله الحكيم الترمذي (٢): "وكل شيء هو عون للدين فالبركة حالة به، وإذا بورك في الشيء سعد به أهله، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة، ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عن الأكل، والشرب، واللبس، والركوب، والجماع؛ لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض لها، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة؛ فإن الرب هو الذي يبارك وحده، والبركة كلها منه، وكلما نسب إليه مُبَارَكٌ، فكلامه مُبَارَك، ورسوله مُبَارَك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مُبَارَك، وبيته الحرام مُبَارك، وكنانته من أرضه وهي الشام أرض البركة، وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه، فلا مُبَارِك إلا هو وحده، ولا مُبَارَك إلا ما نسب إليه؛ أعني: إلى

стр. 282

محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه، وكلما باعده من نفسه من الأعيان، والأقوال، والأعمال، فلا بركة فيه، ولا خير فيه، وكلما كان منه قريبًا من ذلك ففيه من البركة على قدر قربه منه. وضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله، أو شخص لعنه الله، أو عمل لعنه الله، أبعد شيء من الخير والبركة، وكلما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة، وقد لعن عدوه إبليس، وجعله أبعد خلقه منه، فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه، واتصاله، فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر، والرزق، والعلم، والعمل، فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصى الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه ليس له، فليس له من عمره، وماله، وقوته، وجاهه، وعلمه، وعمله، إلا ما أطاع الله به؛ ولهذا من الناس من يعيش في هذه وقوته، وجاهه، وعلمه، وعمله، إلا ما أطاع الله به؛ ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة، أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشرين سنة، أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم، أو نحوها، وهكذا الجاه والعلم، ... ما كان لله هذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان" (١).

стр. 283

المبحث الثامن قاعدة التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة وفيه توطئة ومسائل: توطئة: من المعلوم أن اتخاذ القبلة التي يتوجه إليها وقت العبادة يعتبر من الشعائر العظيمة التي يتقرب بها إلى الله ﵎، وما من أهل دين وملة إلا ولهم قبلة؛ هي من أعلام دينهم، ومما يتميزون به عن غيرهم، فهم يتوجهون إليها وقت عبادتهم لا يفارقونها أبدًا إلا إذا فارقوا دينهم. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الإسلام التي على ملة إبراهيم فذكر إبراهيم الذي هو إمام، وبناء البيت الذي بتعظيمه يتميز أهل الإسلام عما سواهم، وذكر استقباله وقرر ذلك، فإنَّه شعار الملة بين أهلها وغيرهم؛ ولهذا يقال: أهل القبلة، كما يقال: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم" (١) " (٢).

стр. 284

ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "لأن القبلة من خواص الدين، وأعلامه، وشعائره الظاهرة، فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم" (١). وإنما أمر سبحانه باستقبال جهة بعينها دون عموم الجهات؛ لأنَّه أكمل في الإقبال على مناجاة ذي الجلال (٢). وقد بيَّن الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي بعض الحِكَم الشرعية من استقبال الكعبة بقوله: "ثم أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقر الأمر على ذلك. أقول: السر في ذلك أنه لما كان تعظيم شعائر الله وبيوته واجبًا؛ لا سيما فيما هو أصل أركان الإسلام، وأم القربات، وأشهر شعائر الدين، وكان التوجه في الصلاة إلى ما هو مختص بالله بطلب رضا الله بالتقرب منه أجمع للخاطر، وأحث على صفة الخشوع، وأقرب لحضور القلب؛ لأنَّه يشبه مواجهة الملك في مناجاته؛ اقتضت الحكمة الإلهية أن يجعل استقبال قبلة ما شرطًا في الصلاة في جميع الشرائع، وكان إبراهيم وإسماعيل ﵈ ومن تدين بدينهما يستقبلون الكعبة، وكان إسرائيل ﵇ وبنوه يستقبلون بيت المقدس هذا هو الأصل المسلَّم في الشرائع" (٣). ويقول الشيخ السعدي: "كل أهل دين وملة له وجهة يتوجه إليها في عبادته، وليس الشأن في استقبال القبلة، فإنَّه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال، ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى جهة، ولكن الشأن كل الشأن في امتثال طاعة الله، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده، فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف

стр. 285

به النفوس حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة، وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع، وهو الذي خلق الله له الخلق وأمرهم به" (١). * المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة معنى التوجه لغة وشرعًا: التوجه فعل لازم من وَجَهَ، والواو والجيم والهاء: أصل واحد يدل على مقابلةٍ لشيء، فالوَجه مستقبَلُ كلِّ شيء والوِجْهَة: القِبلة وكل موضع استقبلته، والمُوَاجَهة المقابلة، ووجهت الشيء: جعلته على جهة، وَوَجَّه وَجْهَهُ إلى كذا: ولَّى وجهه إليه، ويقال للقَصْدِ: وجه، وللمقصد: جهةٌ ووِجهةٌ (٢). وأما التوجه شرعًا الذي هو عبادة لله تعالى فينقسم إلى قسمين: الأول: توجه قلبي باطني. الثاني: توجه ظاهري. وقد يجتمعان في العبادة الواحدة، بل قد لا يعتبر أحدهما بدون الآخر في بعض الأحوال، كما هو الحال في الصلاة. فالتوجه الباطني هو الإقبال على الله تعالى بالكلية والانقياد إليه، والانقطاع عما سواه، وإخلاص العبادة له، وقصده بجميع أنواع العبادة.
следующие страницы →