ثامنًا: دلت القاعدة على أن البركة ملكه سبحانه، وصفته تعالى، وفعله ، وعليه يكون حظ الخلق من البركة بقدر قربهم من ربهم، وتعلقهم بمعبودهم، ومحبتهم لخالقهم ، وقد سبق تقرير ذلك في الكلام على بركة الأنبياء وأهل العلم، وعمومًا فكلما كان الشيء أقرب إلى الله زادت بركته وكثر خيره، وفي الأعمال كذلك؛ فكلما كان العمل أكثر إخلاصًا وموافقة للسُّنَّة كانت بركته بحسب ذلك.
والعكس بالعكس فكل ما بَعُدَ عن الله ودينه وشرعه وما يحبه ويرضاه، أو أبْعَدَ عنه قلَّ خيره، ونزعت بركته، وذهبت عافيته (١).
يقول أبو عبد الله الحكيم الترمذي (٢): "وكل شيء هو عون للدين فالبركة حالة به، وإذا بورك في الشيء سعد به أهله، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة، ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عن الأكل، والشرب، واللبس، والركوب، والجماع؛ لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض لها، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة؛ فإن الرب هو الذي يبارك وحده، والبركة كلها منه، وكلما نسب إليه مُبَارَكٌ، فكلامه مُبَارَك، ورسوله مُبَارَك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مُبَارَك، وبيته الحرام مُبَارك، وكنانته من أرضه وهي الشام أرض البركة، وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه، فلا مُبَارِك إلا هو وحده، ولا مُبَارَك إلا ما نسب إليه؛ أعني: إلى
стр. 282
محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه، وكلما باعده من نفسه من الأعيان، والأقوال، والأعمال، فلا بركة فيه، ولا خير فيه، وكلما كان منه قريبًا من ذلك ففيه من البركة على قدر قربه منه.
وضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله، أو شخص لعنه الله، أو عمل لعنه الله، أبعد شيء من الخير والبركة، وكلما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة، وقد لعن عدوه إبليس، وجعله أبعد خلقه منه، فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه، واتصاله، فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر، والرزق، والعلم، والعمل، فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصى الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه ليس له، فليس له من عمره، وماله، وقوته، وجاهه، وعلمه، وعمله، إلا ما أطاع الله به؛ ولهذا من الناس من يعيش في هذه وقوته، وجاهه، وعلمه، وعمله، إلا ما أطاع الله به؛ ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة، أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشرين سنة، أو نحوها، كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم، أو نحوها، وهكذا الجاه والعلم، ... ما كان لله هذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان" (١).
стр. 283
المبحث الثامن
قاعدة التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة
وفيه توطئة ومسائل:
توطئة:
من المعلوم أن اتخاذ القبلة التي يتوجه إليها وقت العبادة يعتبر من الشعائر العظيمة التي يتقرب بها إلى الله ﵎، وما من أهل دين وملة إلا ولهم قبلة؛ هي من أعلام دينهم، ومما يتميزون به عن غيرهم، فهم يتوجهون إليها وقت عبادتهم لا يفارقونها أبدًا إلا إذا فارقوا دينهم.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀: "ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الإسلام التي على ملة إبراهيم فذكر إبراهيم الذي هو إمام، وبناء البيت الذي بتعظيمه يتميز أهل الإسلام عما سواهم، وذكر استقباله وقرر ذلك، فإنَّه شعار الملة بين أهلها وغيرهم؛ ولهذا يقال: أهل القبلة، كما يقال: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم" (١) " (٢).
стр. 284
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: "لأن القبلة من خواص الدين، وأعلامه، وشعائره الظاهرة، فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم" (١).
وإنما أمر سبحانه باستقبال جهة بعينها دون عموم الجهات؛ لأنَّه أكمل في الإقبال على مناجاة ذي الجلال (٢).
وقد بيَّن الإمام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي بعض الحِكَم الشرعية من استقبال الكعبة بقوله: "ثم أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقر الأمر على ذلك. أقول: السر في ذلك أنه لما كان تعظيم شعائر الله وبيوته واجبًا؛ لا سيما فيما هو أصل أركان الإسلام، وأم القربات، وأشهر شعائر الدين، وكان التوجه في الصلاة إلى ما هو مختص بالله بطلب رضا الله بالتقرب منه أجمع للخاطر، وأحث على صفة الخشوع، وأقرب لحضور القلب؛ لأنَّه يشبه مواجهة الملك في مناجاته؛ اقتضت الحكمة الإلهية أن يجعل استقبال قبلة ما شرطًا في الصلاة في جميع الشرائع، وكان إبراهيم وإسماعيل ﵈ ومن تدين بدينهما يستقبلون الكعبة، وكان إسرائيل ﵇ وبنوه يستقبلون بيت المقدس هذا هو الأصل المسلَّم في الشرائع" (٣).
ويقول الشيخ السعدي: "كل أهل دين وملة له وجهة يتوجه إليها في عبادته، وليس الشأن في استقبال القبلة، فإنَّه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال، ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى جهة، ولكن الشأن كل الشأن في امتثال طاعة الله، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده، فهذا هو عنوان السعادة ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف
стр. 285
به النفوس حصلت لها خسارة الدنيا والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة، وهذا أمر متفق عليه في جميع الشرائع، وهو الذي خلق الله له الخلق وأمرهم به" (١).
* المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة
معنى التوجه لغة وشرعًا:
التوجه فعل لازم من وَجَهَ، والواو والجيم والهاء: أصل واحد يدل على مقابلةٍ لشيء، فالوَجه مستقبَلُ كلِّ شيء والوِجْهَة: القِبلة وكل موضع استقبلته، والمُوَاجَهة المقابلة، ووجهت الشيء: جعلته على جهة، وَوَجَّه وَجْهَهُ إلى كذا: ولَّى وجهه إليه، ويقال للقَصْدِ: وجه، وللمقصد: جهةٌ ووِجهةٌ (٢).
وأما التوجه شرعًا الذي هو عبادة لله تعالى فينقسم إلى قسمين:
الأول: توجه قلبي باطني.
الثاني: توجه ظاهري.
وقد يجتمعان في العبادة الواحدة، بل قد لا يعتبر أحدهما بدون الآخر في بعض الأحوال، كما هو الحال في الصلاة.
فالتوجه الباطني هو الإقبال على الله تعالى بالكلية والانقياد إليه، والانقطاع عما سواه، وإخلاص العبادة له، وقصده بجميع أنواع العبادة.
стр. 286
يقول الإمام الطبري ﵀: "ثم أخبرهم تعالى ذكره أن توجيهه وجهه لعبادته بإخلاص العبادة له، والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد، لا على الوجه الذي يوجه له وجهه من ليس بحنيف، ولكنه به مشرك، إذ كان توجيه الوجه لا على التحنيف غير نافع موجهه بل ضاره ومهلكه" (١).
وقال السمعاني ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]: "أي: أخلص عبادته لله، وقيل: توجه بعبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى الدين والعبادة ومنه قول المصلى: وجهت وجهي؛ أي: ديني وهو الصلاة" (٢).
ويقول الإمام ابن تيمية: "وكذلك توجيه الوجه للذي فطر السموات والأرض توجيه قصده، وإراداته، وعبادته، وذلك يستتبع الوجه وغيره، وإلا فمجرد توجيه العضو من غير عمل القلب لا يفيد شيئًا" (٣).
ويقول الإمام ابن القيم: "وتوجيه وجهه إليه يتضمن؛ إقباله بالكلية على ربه، وإخلاص القصد والإرادة له، وإقراره بالخضوع، والذل، والانقياد، قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، وذكر الوجه إذ هو أشرف ما في الإنسان، ومجمع الحواس، وأيضًا ففيه معنى التوجه والقصد من قوله:
أستغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل" (٤)
ويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي
стр. 287
فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩]:
"أي: أخلصت ديني، وأفردت عبادتي للذي فطر السماوات والأرض" (١).
والمقصود من الآية: أن إبراهيم ﵇ وجه وجهه لله وحده، مقبلًا عليه بالتوحيد، ومذعنًا له بالانقياد، معرضًا عن من سواه، متبرئً من الشرك وأهله؛ فدعا قومه إلى التوحيد، وأعلنه إعلانًا، فلم يترك للشرك مسلكًا إلى نفوس الغافلين، وأقام بناية هي الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفرض حَجّه على الناس، ارتباطًا بمغزاه، وأعلن تمام العبودية لله تعالى (٢).
يقول الشيخ المباركفوري: "أي: توجهت بالعبادة بمعنى: أخلصت عبادتي لله، وقيل: صرفت وجهي، وعملي، ونيتي، أو أخلصت وجهتي وقصدي للذي فطر السماوات والأرض" (٣).
لكن التوجه الظاهري بالوجه لا يعتبر إذا خلا القلب من التوجه والانقياد والخضوع والتعظيم، فإن هذه الأمور إن حصلت في القلب استلزمت توجه الوجه فيما شرع فيه التوجه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وذلك أنهما متلازمان؛ فحيث توجه الإنسان توجه وجهه، ووجهه مستلزم لتوجهه، وهذا في باطنه وظاهره جميعًا، فهي أربعة أمور، والباطن هو الأصل، والظاهر هو الكمال والشعار، فإذا توجه قلبه إلى شيء تبعه وجهه الظاهر، فإذا كان العبد قصده ومراده وتوجهه إلى الله، فهذا صلاح إرادته وقصده، فإذا كان مع ذلك محسنًا فقد اجتمع له أن يكون عمله صالحًا، وأن يكون لله تعالى" (٤).
стр. 288
فالوجه إنما يتوجه حيث توجه القلب، فإذا توجه الوجه نحو جهة، كان القلب متوجهًا إليها، ولا يمكن للوجه أن يتوجه بدون القلب، فإسلام الوجه وإقامته وتوجيهه مستلزم لإسلام القلب وإقامته وتوجيهه (١).
وتوجيه الوجه وإسلامه وإقامته كلها ألفاظ متقاربة، والمقصود: تقويمه وتعديله باتجاهه قبالة نظره، غير ملتفت يمينًا ولا شمالًا؛ وهو تمثيل لحالة الإقبال على الشيء، والتمحض للشغل به، بحال قصر النظر إلى صوب قبالته، غير ملتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقوله عن إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]؛ أي: أعطيته لله، وذلك معنى التمحيض لعبادة الله، وأن لا يلتفت إلى معبود غيره (٢).
وبهذا يظهر أن توجيه الوجه إلى الله تعالى يشمل صرف الوجه وتوجيه القلب، لكن ما يتعلق بالقلب هو الأصل، ويأتي توجه الوجه مستتبعًا لما في القلب.
كما أن توجه الوجه الذي أوجبه الله تعالى، وجعله عبادة له لا بد أن يلازمه توجه جملة البدن أيضًا؛ لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته بما في ذلك الوجه والبدن والقلب، لا بوجهه فقط، والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء؛ ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض؛ فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه (٣).
стр. 289
يؤيد ذلك ما ثبت في السُّنَّة من أن المصلي يستقبل بأطراف أصابعه القبلة في حال سجوده (١).
يقول الشيخ ابن عاشور في معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: "وجملة (إنّي وجَّهْت وَجْهِي) بمنزلة بدل الاشتمال من جملة (إنّي بريء ممّا تشركون)؛ لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة. والوجه في قوله: (وجهي)، و (وجّهت) مشتقّ من الجهة والوجهة؛ أي: صرفته إلى جهة؛ أي: جعلت كذا جهة له يقصدها. يقال: وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه. ويقال للمكان المقصود: وِجْهَة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه؛ لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء؛ لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر؛ فمعنى: (وجَّهت وجهي): صرفتُه وأدرته. وهذا تمثيل: شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، بمن استقبل بوجهه شيئًا وقصده وانصرف عن غيره" (٢).
والمعنى المقصود الأساس في القاعدة هو الثاني، ولكن كما سبق فإن توجه الوجه يفتقر إلى توجه القلب؛ وإلا صار توجهًا ظاهريًا لا فائدة منه ولا ثمرة له، ولا يعتبر مقبولًا عند الله ﵎؛ إذ ليس في الشرع ظاهر بدون باطن.
стр. 290
تمهيد في أحوال التوجه والاستقبال:
الناظر في كتب أهل العلم ﵏ يجد أنهم قسموا التوجه والاستقبال إلى أقسام شتى، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من تلك الأقسام مع بيان أمثلتها وأقوال أهل العلم فيها، فأقول وبالله التوفيق:
لقد تكلم أهل العلم في طبيعة التوجه والاستقبال الذي يقارن أحوال الإنسان سواء كانت عبادة أو عادة، وذكروا أنه على أحوال:
أولًا الذي يتصور من التوجه والاستقبال في الشرع أنه إما يكون إلى جهة القبلة -وهي الكعبة (١) -، أو أن يكون إلى غير جهة الكعبة، فإن كان إلى جهة القبلة؛ فله ثلاثة أحوال:
الأول: استقبال واجب في حال العلم بجهة القبلة، وحال الاستطاعة، والأمن، وحالة الحضر والإقامة؛ كاستقبال المصلي للقبلة في الصلاة، ويخرج بذلك صلاة الجاهل بجهة القبلة، فإنَّه يصلي حسب اجتهاده وإن كان هو في الواقع لم يصب القبلة (٢)، وكذا صلاة الخائف،
стр. 291
فلا يجب عليه استقبال القبلة لعدم أمنه، وكذلك صلاة المسافر للنافلة فقد رُخِّص له في عدم استقبالها مراعاة للمشقة أثناء السفر (١).
يقول الإمام ابن قدامة (٢) بعد نقله لكلام الخرقي (٣): "ولا يصلى في غير هاتين الحالتين -أي: حالة الخوف وحالة السفر- فرضًا ولا نافلة إلا متوجهًا إلى الكعبة": "قد ذكرنا أن استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولا فرق (٤) بين الفريضة والنافلة؛ لأنَّه شرط للصلاة، فاستوى فيه الفرض والنفل؛ كالطهارة والستارة؛ ولأن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] عام فيهما جميعًا" (٥).
وقال الإمام ابن عبد البر: "فالواجب أن لا يصلي إلى غير القبلة إلا في الحال التي وردت بها السُّنَّة لا تتعدى" (٦).
стр. 292
فإذا توسط بين المصلي والقبلة شيء، بحيث تكون القبلة هي المقصودة في الأصل، ولكنه جعل شيئًا بينه وبين جهة القبلة، فهذه فيها تفصيل؛ إذ الأصل في استقبال الأشياء الإباحة ما دام المصلي متوجهًا إلى القبلة، وقاصدًا لها، ولكن قد يختلف الحكم في بعض الصور:
الأولى: أن يكون الشيء الذي بين المصلي والقبلة مما نهي عن استقباله حال الصلاة؛ وإن لم يقصد المصلي استقباله؛ كاستقبال النار (١)، والقبر (٢)، والأصنام، والتصاوير (٣)؛ لكونها هيئة فيها مشابهة المشركين، وكذا استقبال الأماكن النجسة، والمستقذرة؛ كالحش والمجزرة، والطريق (٤) وجميع ما يشوش فكر المصلي، فكل هذه الأشياء مما نهي عن استقبالها حال الصلاة سواء بقصد أو بدون قصد (٥).
يقول الإمام ابن تيمية: "ونهى أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة
стр. 293
حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور، ففي الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (١)، إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين، الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله .. والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب والسجود إليها ذريعة إلى السجود لها" (٢).
ويقول ﵀: "ولأن الصور قد تعبد من دون الله، وفيها مضاهاة لخلق الله، فالصلاة عندها تشبه بمن يعبدها ويعظمها، لا سيما إن كانت الصورة في جهة القبلة، فإن السجود إلى جهتها يشبه السجود لغير الله" (٣).
ويقول أيضًا: "فينبغي للمصلي أن يتجنب استقبال الأمكنة الخبيثة، والمواضع الردية، ألا ترى أنا نهينا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فكيف إذا كان البول والغائط والشياطين ومواضع ذلك في القبلة وقت الصلاة" (٤).
الثانية: أن يكون الشيء الذي بين المصلي والقبلة مما أمر به ورغب فيه؛ كوضع السترة للصلاة إليها؛ لكون ذلك علامة على موضع سجوده، فيمتنع المارة من المرور فيما بينه وبين القبلة (٥)؛ لما روي عن النبي ﷺ من حديث سهل بن سعد الساعدي (٦) ﵁ قال: (كان بين
стр. 294
مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة) (١).
الثاني: استقبال مستحب؛ كاستقبال القبلة حال الدعاء، والذكر، وقراءة القرآن، وانتظار الصلاة في المصلى، وحال الوضوء والتيمم، وقد يقال بأن جميع الهيئات والأحوال التي لم يرد فيها أمر بوجوب الاستقبال، أو نهي عنه، فإنَّه يستحب فيها الاستقبال؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سيدًا وإن سيد المجالس قبالة القبلة" (٢).
يقول الإمام ابن عبد البر ﵀: "فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها الله تبركًا بذلك، واتباعًا للسُّنَّة، قال رسول الله ﷺ : "من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا" الحديث" (٣).
ولذا قال المناوي في معنى حديث: "أكرم المجالس": "فيُسن استقبالها في الجلوس للعبادات، سيما الدعاء، وأخذ منه النووي وغيره أنه يُسن للمدرس ونحوه أن يستقبل عند التدريس القبلة إن أمكن" (٤).
يقول الإمام النووي في دعاء النبي ﷺ يوم بدر: "فيه استحباب استقبالها للدعاء، ويلحق به الوضوء، والغسل، والتيمم، والقراءة، والأذكار، والأذان، وسائر الطاعات، إلا ما خرج بدليل كالخطبة" (٥).
ومن أهل العلم من عارض هذا التعميم، وجزم بعدم شرعية ذلك، وأنه لا يسن للإنسان أن يستقبل القبلة حالة العبادة إلا ما ورد الدليل
стр. 295
بمشروعيته؛ لأن الرسول ﷺ أحرص الخلق على الطاعة، وأحرصهم على تبليغ جميع ما يتقرب به إلى الرب ﵎.
يقول الشيخ العثيمين في جواب سؤال عن مشروعية استقبال القبلة حال الوضوء، فأجاب بقوله: "ذكر بعض الفقهاء أنه يستحب استقبال القبلة حال الوضوء، وعلل ذلك بأنه عبادة، وأن العبادة كما يتوجه الإنسان فيها بقلبه إلى الله فينبغي للإنسان أن يتوجه بجسمه إلى بيت الله، حتى أن بعضهم قال: إن هذا متوجه في كل عبادة إلا لدليل، ولكن الذي يظهر لي من السُّنَّة أنه لا يُسن أن يتقصد استقبال القبلة عند الوضوء؛ لأن استقبال القبلة عبادة، ولو كان هذا مشروعًا لكان نبينا ﷺ أول من يشرعه لأمته؛ إما بفعله، وإما بقوله، ولا أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي ﷺ كان يتقصد استقبال القبلة عند وضوئه" (١).
لكن في حال الأذان فالواجب استقبال القبلة، وقد نقل الإمام ابن المنذر (٢) الإجماع على ذلك بقوله: "وأجمعوا على أن من السُّنَّة أن تستقبل القبلة بالأذان" (٣).
وذلك لأن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلين القبلة، ولما تضمنه من الذكر ولكونه فيه نوع مناجاة (٤).
ويقول الإمام العيني (٥) في علة التنصيص على الاستقبال في
стр. 296
قوله ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا": "بيانه أنه أفرد بذكر استقبال القبلة بعد قوله: "من صلى صلاتنا"، مع كونه داخلًا فيها؛ لأنه من شرائطها؛ وذلك للتنبيه على تعظيم شأن القبلة، وعظم فضل استقبالها، وهو غير مقتصر على حالة الصلاة، بل أعم من ذلك على ما لا يخفى" (١).
وصرح بذلك الإمام ابن مفلح (٢) بقوله: "وهو متجه -أي: استحباب الاستقبال- في كل طاعة إلا لدليل" (٣).
ويقول الإمام الشوكاني: "أقول وجه ذلك أنها الجهة -أي: القبلة- التي يتوجه إليها العابدون لله سبحانه، والداعون له، والمتقربون إليه، وقد ورد ما يرغب في ذلك على العموم كما أخرجه الطبراني بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل شيء سيدًا وإن سيد المجالس قبالة القبلة"" (٤).
والذي يترجح أنه لا يتعبد باستقبال إلا ما ورد في الشرع استحبابه ومشروعيته، وأما ما لم يرد فيه دليل خاص باستحباب استقباله فلا يتقصد لذلك، والله أعلم.
стр. 297
الثالث: استقبال محرم؛ كالتوجه إلى القبلة حال قضاء الحاجة (١) وكالتفل والتنخم تجاه القبلة (٢).
وأما إن كان التوجه والاستقبال إلى غير جهة القبلة فعلى قسمين:-
الأول: استقبال وتوجه شرعي، أمر به الشارع، أو دل عليه كاستقبال الخطيب للقوم (٣)، واستقبالهم له (٤)، وكاستقبال الإمام للناس بعد انتهاء الصلاة المكتوبة (٥)، وكاستقبال الناس بعضهم لبعض حال
стр. 298
السلام عند اللقاء (١).
الثاني: استقبال غير شرعي، وهو استقبال ما لم يرد به الشرع بنية القربة وحصول الثواب، وهو على قسمين أيضًا:
أولًا: استقبال بدعي؛ كمن يستقبل القبور حال الدعاء، أو يستقبل بيت المقدس بدعاء أو ذكر أو عبادة، أو أن يتوجه إلى جهة شيخه ومعظمه بالدعاء؛ راجيًا سرعة الإجابة من الله تعالى بسبب هذا التوجه والاستقبال، أو أن يتوجه مستقبلًا إلى أي جهة معتقدًا أن لها خاصية ذاتية تميزها وتفضلها على غيرها بدون مسوغ شرعي، فهذا العمل من البدع العظيمة، بل هو في بعض أنواعه من أعظم الذرائع، وأخطر الوسائل المؤدية إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
ثانيًا: استقبال شركي؛ كمن يستقبل القبور مثلًا معتقدًا تعظيمها، وأن لأصحابها شيئًا من التصرف، وقبول الدعاء، أو أن يعتقد أنهم بسبب توجهه يقربونه إلى الله تعالى، أو يشفعون له عنده، أو غير ذلك من الصور الشركية التي تقع من كثير من جهلة المسلمين.
فهذه هي صور التوجه والاستقبال التي وقفت عليها من خلال كلام أهل العلم حسب اطلاعي، وقد توجد صور كثيرة غير ما ذكرته، ولكنها غالبًا ما تكون مندرجة تحت قسم من تلك الأقسام السابقة.
стр. 299
* المسألة الثانية* معنى القاعدة
قررت القاعدة أن التوجه والاستقبال إذا كان مقصودًا به القربة ونيل الأجر والثواب فهو في نفسه عبادة من العبادات، فيجب فيها الإخلاص لله تعالى، ومتابعة صاحب الشرع المطهر.
والمقصود: أنه لا يشرع التوجه والاستقبال بنية التقرب والتعبد والتعظيم والخضوع إلى أي شيء سوى ما شرع الله تعالى التوجه إليه، وتعبدنا بقصد استقباله، وهذا يشمل حال كثير من العبادات، فمن العبادات ما يكون التوجه والاستقبال فيه مخصوصًا بالكعبة، ومنها ما خص بغيرها، وكل بحسبه من حيث الوجوب والاستحباب، فالتوجه والاستقبال بنية التقرب مخصوص بالكعبة خاصة، وكما بينا ليس في الإسلام إلا قبلة واحدة (١).
يقول الإمام ابن عبد البر: "فإن القبلة على كل حال يستحب استقبالها بالأعمال التي يراد بها الله ؛ تبركًا بذلك، واتباعًا للسُّنَّة قال رسول الله ﷺ : "من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا ... " الحديث" (٢).
ثم إن سائر الجهات قد خص منها جهة القبلة بالتشريف، فالعدل أن يستقبل في الذكر، والعبادة، والوضوء، وأن ينحرف عنها حال قضاء الحاجة، وكشف العورة، إظهارًا لفضل ما ظهر فضله (٣).
وقال المناوي (٤): "فاستقبال القبلة مطلقًا مطلوب؛ لكنه في الصلاة
стр. 300
واجب، وخارجها مندوب" (١).
* المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
يمكن الاستدلال على هذه القاعدة بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ [البقرة: ١٤٩].
وليس بخاف أنّ أوّل ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (٢)؛ وذلك أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة، فلمّا هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة وقدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، أمره تعالى أن يصلي نحو الصخرة ببيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وهذا قول عامّة المفسّرين (٣).
وأما وجه دلالة الآيات على معنى القاعدة فمن وجوه:
الأول: دلَّ قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ على أن استقبال القبلة عبادة لله تعالى؛ لأن العبادة هي كل ما يحبه الله ويرضاه، وبيان
стр. 301
ذلك أن الله تعالى أثبت للرسول ﷺ رضاه وميله ومحبته للتوجه إلى جهة الكعبة، ومن المعلوم أنه ﷺ لا يرضى ولا يحب إلا ما أحبه الله ورضيه ، إذ إن جميع محابه ﷺ تابعة في الأصل لمحبة معبوده (١).
ولذا ذكر أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؛ أي: تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية والغايات الشرعية (٢).
يقول الإمام البغوي في معنى الآية: "فلنحولنك إلى قبلة ترضاها؛ أي: تحبها وتهواها" (٣).
ويقول الشيخ السعدي في معنى الآية: "أي: تحبها؛ وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه ﷺ حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه" (٤).
ويقول الإمام ابن كثير في معنى قوله تعالى في شأن تحويل القبلة: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾: "فبيَّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه" (٥).
الثاني: كما أفاد قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الأمر باستقبال الكعبة حال الصلاة، والله تعالى لا يأمر إلا بما هو محبوب لديه مرضي عنده، وعليه يكون الاستقبال عبادة لله ﵎.
стр. 302
يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية: "أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض؛ شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنَّه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها" (١).
وقد جاء في السُّنَّة الأمر باستقبال القبلة حال الصلاة، ففي حديث المسيء صلاته عند البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ وفيه: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن" (٢).
فدل الأمر باستقبال على كونه محبوبًا مرضيًا عند الرب ﵎، وبذلك يكون داخلًا في العبادة التي يحبها الله ويرضاها.
كذلك ما جاء في النصوص من تعظيم شأن القبلة، وبيان مكانتها، وقرنها بالصلاة، بل هي شرط من شروط صحتها، فعن أنس بن مالك (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله" (٤).
стр. 303
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: "وفي الحديث تعظيم شأن القبلة، وذكر الاستقبال بعد الصلاة للتنويه به، وإلا فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها" (١).
فالقبلة شعار الملة التي تتميز به الأديان، ولذا يعبر أهل العلم بقولهم أهل القبلة يعنون أهل الإسلام، وإن كان لكل ديانة من الديانات قبلة يعظمونها ويستقبلونها في عباداتهم. ثم إن الشعائر دليل الإيمان الباطن كالشهادتين (٢).
ولذا توعد النبي ﷺ من لم يستقبل قبلة أهل الإسلام بأنه ليس له ذمة عند الله ولا عند رسوله، فكل هذه الأمور تبين أن استقبال القبلة عبادة لله ﵎ يثيب عليها ويعاقب على تركها.
* المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة
فيما يلي أنقل بعض ما وقفت عليه من أقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة إما بلفظها أو بمعناه وما دلت عليه:
يقول الشيخ محمد سلطان المعصومي (٣): "ولا شك أن التوجه إلى
стр. 304
شيء أو إلى جهة بقصد التقرب وحصول الثواب عبادة، والعبادة حق الله خاصة دون غيره، وهذا لا يكون إلا للكعبة فقط (١)، فمن توجه إلى غير الكعبة بقصد القربة (٢) فقد أشرك بعبادة الله غيره، وهذا مناف للإسلام، وما جاء به محمد رسول الله ﵊" (٣).
ويقول ﵀ أيضًا: "فقبلة العبادة وقبلة التوجه، وقبلة الفيض (٤) والبركة، وقبلة الدعاء: إنما هي الكعبة لا غير في دين الإسلام: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] " (٥).
هذا فيما يتعلق بالاستقبال الشرعي إلى جهة القبلة، الذي منه ما هو واجب أو مستحب، فالواجب يكون في الصلاة، والمستحب يكون فيها وفي غيرها من أنواع العبادة من الدعاء والذكر وانتظار الصلاة وغير ذلك.
стр. 305
ويقول الإمام ابن تيمية ﵀ في استحباب استقبال القبلة حال الدعاء: "وهذا أصل مستمر، فإنَّه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه؛ ألا ترى أن المسلم لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنَّه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء" (١).
* المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من هذه القاعدة في نواحٍ عدة
أولًا: أن الاستقبال بقصد التقرب عبادة لله تعالى، وذلك لأمر الله تعالى به فيما سبق من الآيات، كما أن الاستقبال داخل في حد الصلاة وهيئتها.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولأن الصلاة إلى الشيء استقبال له وتوجه إليه، وجعل له قبلة؛ فإن ما يستقبله المصلي قبلة له كما أن البيت قبلة له، يبين هذا أن النبي ﷺ نهى عن النخامة في القبلة، والاستقبال داخل في حدود الصلاة، ولهذا أمرنا أن نستقبل في صلاتنا أشرف البقاع وأحبها إلى الله وهو بيته العتيق" (٢).
وقال ﵀: "فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يستقبل دون غيرها هو أمر شرعي، ولهذا افترقت أهل الملل كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] " (٣).
ثانيًا: استقبال القبلة عبادة مشروعة، وعليه فلا يجوز استقبال غير القبلة في الصلاة، ومن صلى إلى غير جهة القبلة فقد عارض نصوص الكتاب والسُّنَّة وناقضها، وهو من أضل الناس، وأبعدهم عن الله تعالى.
стр. 306
يقول الإمام ابن تيمية: "فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد (١) يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنمًا أو بقرًا ليذبحها هناك، ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة.
فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئًا من ذلك معتقدًا أن هذا قربة إلى الله فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدًا أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم المسجد الأقصى" (٢).
ويقول ﵀: "فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة لم يكن على دين الإسلام؛ لأنَّه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره، وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول؛ إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجه إلى بيت المقدس" (٣).
ثالثًا: الاستقبال المقصود في القاعدة هو الاستقبالى بقصد القربة وحصول الثواب من الله تعالى، وإفراد العبودية له ، أما الاستقبال والتوجه بدون نية التعبد والتقرب لشيء وإنما كان لغرض آخر فلا يدخل ضمن القاعدة.
стр. 307
رابعًا: إطلاق لفظ القبلة خاص بالكعبة عرفًا وشرعًا، وعليه فليس للمسلمين إلا قبلة واحدة يستقبلونها في صلاتهم بنية القربة وحصول الثواب.
يقول الإمام ابن تيمية: "فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلاً في العبادات التي هي من جنسين؛ كالصلاة والنسك فضلاً عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض" (١).
وقال ﵀ أيضًا: "وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدًا لا نبي بعده" (٢).
ويقول الإمام ابن القيم: "بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها" (٣).
يقول ابن الحاج: "وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعمدون الصلاة خلف الصخرة، حتى يجمعوا في صلاتهم بنياتهم بين استقبال القبلتين الكعبة والصمخرة، واستقبال الصخرة منسوخ باستقبال الكعبة، فمن نوى ذلك فهو بدعة، بل ينوي استقبال الكعبة فقط دون أن يخلط معها ما ذكر" (٤).
فتعظيمها واستقبالها بهذه النية بدعة؛ لأنها منسوخة بالكعبة، وعليه فلا تتعلق بها عبادة من العبادات من حيث التوجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة؛ فإنَّها قبلة منسوخة، كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى ﵇، ثم نسخ في شريعة محمد بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة،
стр. 308
كما تفعل اليهود والنصارى، وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى" (١).
ومن ثم تعقَّب بعض أهل العلم من يعبر عن المسجد الأقصى بأنه: (أُوْلَى القبلتين)، وجزم بأنها عبارة موهمة؛ إذ قد يفهم من هذا التعبير بأن للمسلمين قبلتين معظمتين من حيث التوجه إليهما؛ المسجد الأقصى ومسجد الكعبة، وهذا لا يصح كما سبق، فإن قبلة المسجد الأقصى منسوخة (٢)، ولا يصح تعظيمها بهذا الاعتبار.
يقول الشيخ ابن عثيمين: "المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة؛ نسمع تعبيراً عن المسجد الأقصى: (إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين)، وهذا التعبير يحتاج إلى فهم؛ إذا قلنا: ثالث الحرمين فإنَّه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج، وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد
стр. 309
الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنَّه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى، فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ مع أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، وكفى به شرفًا أن تشد الرحال إليه" (١).
وكلامه ﵀ هو باعتبار ما يؤدي إليه من الوهم وسوء الفهم عند بعض الناس، وإن كانت العبارة من الناحية اللغوية الشرعية مستقيمة لا إشكال فيها على أحد القولين في المسألة؛ فإن قبلة بيت المقدس هي القبلة الأولى في الإسلام التي أمر ﷺ باستقبالها والتوجه إليها؛ وأما على القول الآخر وهو أن قبلة بيت المقدس إنما شرعت في المدينة، وأنه ﷺ كان بمكة يستقبل البيت الحرام فتكون العبارة غير صحيحة من حيث الواقع وحقيقة الأمر، وعليه تكون قبلة الكعبة هي القبلة الأولى والأخيرة.
خامسًا: تضمنت القاعدة الرد على بعض الغلاة الذين يستقبلون قبور شيوخهم في الصلاة أو غيرها ويعتبرون هذه القبور هي قبلة الخواص منهم، أما الكعبة فهي قبلة العوام من المسلمين.
يقول الإمام ابن تيمية: "مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ، ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة" (٢).
ويقول ﵀: "ومنهم من يستقبل قبر شيخه وقت الصلاة ويستدبر الكعبة، ويقول: هذا قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وهذا كفر صريح
стр. 310
يوجب استتابة قائله مع أنه يفعله طائفة من الزهاد والعباد، وبعضهم يسجد لقبورهم" (١).
ويقول ﵀ أيضًا: "ومنهم من يجعل استقبالها -أي: القبور- في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول، ومن الشرك برب العالمين لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه، بل إنما يفعل هذا من كان جاهلاً بسُنّة الرسول، أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول، ونحو ذلك وهؤلاء كلهم كفار وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم" (٢).
ومن هؤلاء الضلال من يتقصد الجهة التي فيها شيخه، أو من يعظمه، وقت الدعاء، ولا شك أنه لم يصدر منهم هذا الاستقبال إلا لاعتقادهم في شيوخهم، وانتفاعهم بذلك التوجه، وهذا أمر من الخطورة بمكان؛ وهو من البدع الشنيعة، ومن أقصر الطرق المؤدية إلى الوقوع في الشرك بالله العظيم.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح، ... وهذا ضلال بيِّن وشرك واضح .. وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى" (٣).
سادساً: تضمنت القاعدة إبطال فعل من يقف مستقبلًا القبر النبوي أو الحجرة النبوية من أي مكان في المسجد بعيدًا عن مكان القبر؛ وذلك
стр. 311
من أجل السلام على الرسول ﷺ ، وهذا الواقف لا يخلو من حالتين: إما أن يقصد باستقباله السلام على الرسول ﷺ ، وهذا لا يجوز؛ إذ لم يثبت فعل هذه الهيئة عن السلف لا من الصحابة ولا من بعدهم من أهل القرون المفضلة، ولا عن أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم، وإنما كانوا يسلمون عليه في الصلاة أو عند القبر، كما أن هذه هي سُنَّة الرسول ﷺ فإنه ما كان يسلم على الأموات من بعيد، وإنما كان هديه السلام عليهم في المقبرة، أو عند قبورهم، كما هو معلوم من سيرته ﵊؛ ولذا جاء في حديث بريدة (١) قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: ... السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) (٢).
فإن قصد السلام والدعاء لنفسه أو لغيره متحريًا الإجابة باستقباله للقبر أو للحجرة، فإن ذلك من البدع التي تؤدي وتقود إلى الشرك بالله العظيم، إذ الأصل في من دعا لنفسه استقبال القبلة، ولا يقصد بدعائه لنفسه استقبال غير القبلة، كما أن في ذلك ذريعة إلى تعظيم القبور وعبادتها من دون الله تعالى.
أما الدعاء للميت نفسه فقد ثبت عنه ﷺ الدعاء للميت في حال استقباله للقبر، فقد روي أنه كان: (إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه
стр. 312
فقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنَّه الآن يسأل") (١).
يقول الإمام ابن تيمية: "ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا هم أعلم بذلك، وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم، والداعي يدعو الله وحده، وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى" (٢).
وقال الشيخ محمد المعصومي في شأن من يتوجهون إلى القبر النبوي من جميع نواحي المسجد للسلام والدعاء: "وأما التوجه إلى قبره ﷺ من كل نواحي المسجد كلما دخل المسجد أو كلما فرغ من الصلاة، فليس من دين الإسلام أصلًا، بل من شعار عباد الأوثان والمشركين قطعًا" (٣).
ولم يكتف هؤلاء الواقفون المستقبلون للحجرة النبوية بالسلام أو الدعاء البدعي، بل زادوا على ذلك الوقوف بخشوع وخضوع وتواضع ووضع لليد اليمنى على اليسرى كالهيئة التي يقفون بها أمام الله تعالى، بل قد يكون وقوفهم واستقبالهم للقبر أشد طمأنينة وأعظم خشوعًا، وأكمل خضوعًا، ومن المعلوم أن الوقوف والاستقبال بخشوع وخضوع وطمأنينة عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله ﵎، فهي من هيئات التعظيم الخاصة برب العالمين، وصرفها لغيره سبحانه من الشرك الواضح والكفر المستبين.
يقول الشيخ المعصومي: "والعمل الذي- أنتم أيها المدعون-
стр. 313
تعملونه من التوجه إلى القبر النبوي بالتواضع والتذلل هو بعينه ما يفعله عباد الأوثان لأوثانهم، رجاء البركة والفيض، فإذن لا فرق بين ما تعملونه أنتم أيها المدعون، وما تعمله عبدة الأوثان!! اللات والعزَّى وودّ وسواع ويعوق ويغوث ونسرًا.
واحذروا مما أنتم عليه من التوجه إلى القبر؛ لأنَّه وثنية وشرك وضلالة، وصلوا وسلموا على النبي ﷺ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تصل إليه، والعمدة على صدق النية، والتوجه بقصد القربة مخصوص شرعًا بالكعبة خاصة، فمن توجه إلى غيرها بقصد القربة فقد أشرك في عبادة الله تعالى غيره" (١).
ويبين العلامة الأمين الشنقيطي بأن وضع اليد اليمنى على اليسرى من الهيئات الداخلة في الصلاة فلا يجوز أن تصرف لغيره ، فيقول: "اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات؛ فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان.
والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه ﷺ أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي؛ لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان ﷺ هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده" (٢).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في بيان هذه البدعة الشنيعة المنكرة: "وهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه ﷺ من وضع يمينه على شماله فوق صدره، أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند السلام عليه ﷺ ، ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم؛
стр. 314
لأنَّها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله، كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام، وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح.
وكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد، وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء، فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء" (١).
ويقول الشيخ العثيمين في جواب سؤال عن شرعية استقبال قبر النبي ﷺ من أي مكان في المسجد: "إذا كان يريد بذلك أن يسلم على النبي ﷺ فنقول له: ادن من القبر، فإن زيارة القبر لا بد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعوه فهو شرك أكبر يخرجك من ملة الرسول- ﵊، أو أن تدعو الله متوجهًا إلى القبر فهذا بدعية ووسيلة للشرك، وليس من المعقول أن تنصرف من بيت الله إلى قبر الرسول ﷺ ؛ فإن بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أفضل من قبر الرسول ﷺ ، فأفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله الكعبة، فلا يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول ﵊ دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من تسفيه ومن إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدليل الشرعي يعلم أن هذا ضلال وسفه، حينئذٍ نقول للواقف على هذا الوجه يريد التسليم على رسول الله ﷺ نقول له: ادن من القبر، والذي يدعو الله متوجهًا إلى القبر، نقول: هذا بدعة ووسيلة للشرك وضلال في الدين وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول ﷺ .
стр. 315
وإذا كان يتوجه هذا التوجه يدعو الرسول ﷺ فهو مشرك شركًا أكبر يخرجه عن ملة رسول الله- ﵊" (١).
وقد جعل العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد -حفظه الله- هذا الاستقبال بهذه الكيفية من الزيارة البدعية، فقال: "الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ، لأنَّ هذه هيئةُ خضوعٍ وذلٍّ لله شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائمًا في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله ﷺ في حياتِهِ إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيرًا لَسبَقُوا إليه" (٢).
وقد قرر الإمام ابن تيمية بأن العبادات بجميع أجزائها وهيآتها لا يجوز أن يصرف منها شيء لغيره سبحانه، فقال: "وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده، ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده؛ لا لشمس، ولا لقمر، ولا لملك، ولا لنبي، ولا صالح، ولا لقبر نبي، ولا صالح، هذا في جميع ملل الأنبياء.
وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات؛ ولهذا نهى النبي معاذًا أن يسجد له، وقال: "ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (٣)،
стр. 316
ونهى عن الانحناء في التحية (١)، ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد" (٢) " (٣).
стр. 317
الفصل الثاني
القواعد المتعلقة
بحقيقة العبادة وضابطها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قاعدة العبادة لا تسمى عباده إلا مع التوحيد.
المبحث الثاني: مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل.
المبحث الثالث: صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده.
стр. 318
المبحث الأول
قاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد
وفيه مسائل:
* المسألة الأولى* معنى القاعدة
سبق معنا في دراسة القواعد السابقة تفصيل الكلام على معنى العبادة الشرعية، بشمولها للاعتقادات والأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأنها متضمنة للمحبة والذل للمبعود بحق ، وإلا لم تكن عبادة شرعية ولا نافعة، وهذه القاعدة متعلقة بأعظم ما يجب أن تتضمنه العبادة المعتبرة شرعًا عند الله ﵎، فإنَّها دلت على أنه لا تكون ولا تحصل عبادة بدون التوحيد فهو الركن الأعظم لأي عبادة يتقرب بها إلى المولى ، وبدونه تخرج العبادة عن حدّ العبادة الشرعية المقبولة عند اللّه.
فالتوحيد في حد نفسه عبادة، بل هو من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، كما أنه ركن في جميع العبادات الباقية لا تنفك عنه عبادة من العبادات وإلا خرجت عن كونها عبادة لله، وخرج فاعلها عن كونه عَبَدَ الله، أو عَبْدُهُ المستقيم على عبادته؛ فإن من لم يفرد الله بالعبادة فإنَّه لم يعبده.
стр. 319
والقاعدة نصت على أن العبادة -التي أمر الله بها- لا تسمى عبادةً إلا مع توحيده تعالى، فلا تصح عبادة مع الشرك، ولا يوصف أحد بأنه عَبَدَ الله تعالى إلا من حقق التوحيد، وأفرد الله تعالى بالعبادة، فمن عَبَده وأشرك معه غَيْرَه فليس عبدًا لله (١).
وبذلك يتضح لنا تفسير -من فسر من السلف- العبادة بالتوحيد، إذ هو أعظم المقصود، وأجلُّ الغايات، كما أنه ركن في جميع العبادات لا تنفك عبادة شرعية عنه بحال من الأحوال مهما كان.
فالتجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، حتى يفرد الله بالعبادة ويتجرد من الشرك، ويعبده سبحانه وحده دون من سواه (٢).
ولا يعني ذلك أن من عَبَدَ مع الله غيره وأشرك في عبادته ليس فاعلًا للعبادة اللغوية، بل هي واقعة منه لغة؛ لأنَّها في اللغة من الذل والتطامن والخضوع، والمقصود من القاعدة العبادة الشرعية؛ أي: أن فعله لا يسمى عبادة شرعًا.
* المسألة الثانية* أدلة القاعدة
من أدلة القاعدة ما يأتي:
١ - من المعلوم أن النصوص الشرعية قد دلت على أنه لا اعتبار للأعمال والعبادات في ميزان الشرع بدون توحيده ، وأن من عبد الله وكان متلبسًا بالشرك فإن عبادته هباء منثور، ذاهبة أدراج الرياح، وهدر لا خير فيها، وما دام الأمر كذلك فهي خارجة عن كونها عبادة لله تعالى لفقدها لأعظم أركانها، وأكبر شروطها ألا وهو توحيد الله تعالى وإفراده
стр. 320
سبحانه بها، فهي صورة بلا مضمون، ومظهر لا حقيقة له.
يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾ [التوبة: ١٧]، وقال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
قال أهل العلم في معنى ذلك: أي: بطلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها (١).
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان استحالة عمارة المشركين للمساجد: "فبيَّن الله تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وبيَّن إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (٢).
أما أهل الشرك والتنديد فلا إخلاص لهم ولا توحيد، فلا يعتبرون من عمارها أبدًا وإن أقاموا فيها الليل والنهار.
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ ﵀: "لا تصح الأعمال إلا به -يقصد التوحيد-، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد لم ينفع العمل، بل هو حابط؛ إذ لا تصح العبادة مع الشرك" (٣).
وإذا لم تكن العبادة صحيحة -لفقدها لأعظم أركانها- خرجت عن حقيقتها الشرعية، فلا تسمى عبادة شرعًا.